بمجرد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين إسرائيل وحركة “حماس”، ظنّ أهالي قطاع غزة المنهكون من حربٍ استمرت عامين أنهم سينعمون بنوع من الراحة والهدوء، ويتوقفون عن مشاهدة مشاهد القتل، إلا أن كابوسًا جديدًا ظهر لهم، تمثّل في الإعدامات الميدانية في الساحات والميادين.
كانت المشاهدة الأصعب على السكان والأكثر دموية هي إعدام ثمانية أشخاص من أبناء عائلة دغمش وسط مدينة غزة، عبر إطلاق النار على رؤوسهم مباشرة، ثم عرض فيديوهات قتلهم على الإنترنت.
برّرت الأجهزة الأمنية التابعة لحركة “حماس” في قطاع غزة الإعدامات بحق أفراد من عائلة دغمش بأنها جاءت بسبب “إقدام عددٍ من أفرادها على تنفيذ عمليات قتل ضد أفراد من المقاومة، منهم الناشط صالح الجعفراوي”، من دون تقديم أي أدلة أو شهادات، أو حتى إحالة من قُتلوا إلى أي نوعٍ من المحاكمة، سواء الثورية أو القضائية الرسمية.
“محاكمة عادلة” ولكن…
أكدت عائلة دغمش أن ثمانية من أبنائها الذين أعدمتهم “حماس” قد سلّموا أنفسهم للحركة بعدما تلقّوا وعدًا بعدم الاعتداء عليهم وتقديمهم إلى محاكمة عادلة.
وقال رئيس مجلس عائلة دغمش، نزار دغمش، في تصريحاتٍ تلفزيونية: “إسرائيل طلبت منا التعاون معها خلال الحرب لكننا رفضنا، وحماس تحرق المنازل وتدمّرها… فما مبرر قتل عشرات الأفراد من عائلتنا؟”.
كما قالت شروق دغمش، وهي قريبة من الذين أُعدموا: “اعتُقل عدد من أولاد عمي وأخي أحمد، وتم ضربهم وإصابة بعضهم، وقُتل ابنا عمي إبراهيم وعبد المجيد دغمش بدمٍ بارد”.
وكتبت شروق في سلسلة منشورات عبر حسابها على “فيسبوك”: “معلوم للجميع أن عائلة دغمش من أكثر العائلات التي قدّمت شهداء بعددٍ تجاوز الـ600 شهيد ومفقود. أيُعقل أن تجاوزات فردية ارتكبها بعض أفراد العائلة تجعلنا نُتَّهم اليوم بما يناقض ما ضحّينا من أجله؟ فارحموا ما تبقّى منا يرحمكم الله، فالراحمون يرحمهم الرحمن. معظمنا مكلوم، فمنّا من قاتل في الصف الأول، ومنّا من فقد أباه وأمه، ومنّا من فقد أخاه وأخته، ومنّا من فقد عائلته بكاملها، ومنّا من نزح وفقد بيته، فاتقوا الله فينا وفي أقوالكم”.
إقرأوا أيضاً:
لم يكن أبناء عائلة دغمش وحدهم من تعرّضوا للإعدام، إذ جاء بعدهم الخمسيني هشام الصطفاوي في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، الذي قُتل خلال مهاجمة عناصر من شرطة “حماس” لمنزله.
بعد مقتله، أصدرت عائلته بيانًا أكدت فيه أن ابنها تعرّض للإعدام من عناصر تابعين للحركة، وطالبت بالقصاص من القتلة.
من جانبها، أعلنت شرطة “حماس” عن فتح تحقيق في ظروف مقتل الصطفاوي في مخيم النصيرات، من دون تقديم أي تفاصيل إضافية حول ما حدث.
بيان متأخّر
أمام هذه الإعدامات، صدر بيان حقوقي متأخر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم)، وهي أبرز منظمة حقوقية في فلسطين، أكدت فيه أنها تنظر بقلقٍ بالغ إلى حالات الإعدام الميداني خارج نطاق القانون والقضاء، التي شهدها قطاع غزة يوم الإثنين 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، والتي سبقتها عمليات قتل لمواطنين، من بينها مقتل الناشط صالح الجعفراوي بمدينة غزة على يد مجموعات مسلّحة خارجة عن القانون.
وأوضحت الهيئة أن موجة الإعدامات الميدانية من دون محاكمة، وحالات إطلاق النار على الأرجل التي حصلت بعد وقف إطلاق النار في القطاع، “لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، وتشكل جريمة قانونية وأخلاقية تستوجب الإدانة والمساءلة العاجلة، ومحاسبة كل من يثبت تورّطه في إصدار الأوامر أو تنفيذ هذه الجرائم”.
وجاء في بيان الهيئة أيضًا، أن “هذه الإعدامات تمثل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحق في المحاكمة العادلة، وتشكل مظهرًا خطيرًا لحالة الفوضى وانهيار سيادة القانون التي سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى هندستها ورعايتها منذ أكثر من عامين”.
اقتحامات للمؤسسات المدنية!
لم يتوقف الأمر عند القتل والإعدامات، إذ شهدت غزة أيضًا اقتحام مسلّحين مبنى برنامج غزة للصحة النفسية بالقوة والسيطرة عليه.
ففي يوم الإثنين 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، تعرّض المبنى لاقتحامٍ مسلّح، طُرد خلاله الحراس بالقوة، وتم الاستيلاء على المبنى، وإسكان عائلات المسلّحين فيه، ومنع الموظفين والمرضى وأعضاء مجلس الإدارة من الدخول تحت تهديد السلاح.
وأكد البرنامج أنه قدّم على الفور شكاوى عاجلة ومكتوبة إلى الجهات الرسمية المختصة كافة، وطالبها بالتدخل الفوري لإنهاء هذا التعدي، إلا أنه لم يُتخذ حتى اللحظة أي إجراء فعلي على الأرض يضمن استعادة المقر، على رغم الوعود المتكررة بالإخلاء، وهو ما يثير قلقًا بالغًا وتساؤلاتٍ خطيرة حول مصير المؤسسات المدنية العاملة في الميدان، وحول جدّية حماية القانون والنظام العام في هذه المرحلة الحرجة.
واعتبر البرنامج أن استمرار هذا الوضع لا يمس فقط بحق مؤسسة وطنية إنسانية في العمل، بل يضرب في الصميم حق آلاف المرضى والمراجعين في الرعاية النفسية والصحية، ويشكل تهديدًا مباشرًا لحياتهم واستقرارهم النفسي، فيما تتضاعف معاناتهم تحت الحصار والدمار والتهجير المستمر.
وحمّل البرنامج السلطات الفلسطينية المختصة مسؤولياتها القانونية والأخلاقية والوطنية، داعيًا إلى التدخل العاجل لإخلاء المقر وإعادته للمؤسسة، وضمان سلامة العاملين والمرضى، ومحاسبة المسؤولين عن هذا الاعتداء من دون أي تسويف أو تهاون. كما دعا الجهات الراعية لاتفاق إنهاء الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى التدخل الحازم لمنع أي ممارساتٍ تُقوّض العمل الإنساني أو تهدّد السلم الأهلي.
سجلّ “حافل”
سِجلّ حركة “حماس” في سحق معارضيها معروف في غزة، إذ سبق أن قتلت العشرات منهم خلال فترة حكمها، وعذّبت الكثيرين أيضًا، ولم تسمح بأي معارضة علنية، فكانت تحكم بقبضةٍ حديدية.
ويسود انطباع أن تصاعد العنف الداخلي في سلوك عناصر “حماس” بعد انتهاء الحرب يعود إلى تعليماتٍ واضحة من قيادتها لفرض هيبة الحركة وإعادتها إلى الشارع بقوة النار، بخاصة بعد حالة الفوضى التي شهدها القطاع خلال عامين من الحرب.
إقرأوا أيضاً:













