ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إعلام يزيد وإعلام علي في عراق ما بعد الدولة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الإعلام الطائفي العراقي لم يكتفِ بالكلمات أو الصور، بل ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في سفك دماء العراقيين خلال السنوات الماضية، إذ كانت خطابات التحريض والتقارير المضللة مادة استخدمتها الجماعات السياسية والعسكرية لاستهداف مناطق وشخصيات معينة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في العراق، حيث تتشابك الهويات المذهبية والجغرافية والسياسية، أصبح الإعلام إحدى أقوى أدوات التأثير في الرأي العام. لكنه، للأسف، لم يعد وسيلة للتثقيف أو لتعزيز الوحدة الوطنية، بل تحوّل في حالات كثيرة إلى أداة لإذكاء الانقسامات الطائفية واستهداف المواطن على أساس انتمائه المذهبي، لهجته، مدينته، أو حتى ثقافته اليومية.

الواقع الإعلامي العراقي يعكس بشكل واضح توزيع النفوذ السياسي على الفضائيات والمحطات الإعلامية، إذ يسيطر عليها سياسيون أو جهات مرتبطة بأحزاب ومكونات طائفية. بعض هذه القنوات يُقدَّم على أنه مستقل، لكنه في الواقع يعمل وفق أجندة محددة تصب في خدمة جهة سياسية معينة. الإعلاميون في هذا السياق لا يكتفون بتقديم برامج سياسية أو نقاشية، بل يستخدمون منصاتهم لهدم صورة الآخر وبث رسائل الخوف والتحقير، وهو ما يجعل من الصعب على المواطن العادي فصل الأخبار عن الدعاية الطائفية والسياسية.

تظهر هذه الممارسات من خلال استهداف اللهجات المحلية، أو المظاهر الثقافية، أو المدن، أو الرموز الدينية والتاريخية للطائفة المقابلة. وعلى سبيل المثال، تكررت في الآونة الأخيرة أحداث تعكس هذا الانقسام، أبرزها ما حصل مع السياسي السني يزيد الحسون، الذي أثار جدلًا واسعًا بعد حادثة وقعت على الهواء مباشرة، حين أوقفه ضيف أحد البرامج التلفزيونية بسبب حديثه بلهجة مدينته واستخدامه كلمة “عجل” بمعنى “أجل”. وقد ظهر الضيف في اللقاء نفسه وهو يصف الكلمة بأنها “تقزز وتذكر بالنظام السابق”، مضيفًا: “ولا تخلونا نرجعكم عشرين سنة لِوَرَه”، في مشهد يعكس كيف تحوّلت اللهجة المحلية إلى أداة إقصاء وتشويه داخل الخطاب الإعلامي.

هذه الواقعة البسيطة تحمل رمزية كبيرة، حتى اللهجة المحلية أصبحت مادة للتشويه والتحريض، ويظهر من خلالها كيف يمكن للإعلام أن يساهم في ترسيخ الانقسامات.

في المقابل، شهدت الساحة الإعلامية الشيعية قبل أسابيع ما هو مشابه، مثل ما قام به المهوال علي نعيم، الذي أساء إلى الخلفاء الراشدين في قصيدة شعرية، ثم تم تضخيم ذلك عبر منصات وقنوات مختلفة، ليصبح مادة إعلامية للتحريض.

هذه الأمثلة ليست استثناءً، بل تعكس سياسة ممنهجة في الإعلام العراقي، إذ يعتمد بعض المحللين على خطاب طائفي مباشر أو ضمني، مستغلين غياب رقابة فعلية أو نقابات صحافية قوية. وفي حالات كثيرة، يتمتع هؤلاء بحماية قانونية مسبقة من الجهات السياسية التي ينتمون إليها، ما يجعلهم خارج نطاق المساءلة.

من أبرز مظاهر هذه الظاهرة هو الإعلام المدعوم من إيران، الذي يستهدف المدن والرموز السنية ويحوّل الشخصيات السياسية والثقافية إلى أدوات في حملة تضليلية منظمة. يدير هذا الإعلام اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، الذي يشمل قنوات فضائية مثل: العهد (عصائب أهل الحق)، الغدير (منظمة بدر)، الاتجاه (كتائب حزب الله)، النجباء (حركة النجباء)، آي نيوز (كتائب سيد الشهداء)، وآفاق (حزب الدعوة الإسلامية).

إلى جانب منصات رقمية وتطبيقات وحضور واسع على شبكات التواصل، يكشف المحتوى الإعلامي لهذه القنوات نمطًا ثابتًا: تضخيم الأخطاء البسيطة أو تصريحات عادية للشخصيات السنية، استهداف مدن ومناطق معينة، ونشر رسائل ضمنية أو صريحة بأن هذه المناطق أو مواطنيها غير جديرين بالثقة أو يمثلون تهديدًا للوحدة الوطنية.

وتمتد استراتيجيات الإعلام الإيراني أيضًا إلى أساليب أكثر تعقيدًا، لا تقتصر على القنوات الفضائية والمنصات الرسمية، بل تشمل العمل المنظم داخل فضاء وسائل التواصل الاجتماعي. فقد اتجهت هذه الجهات إلى استهداف مؤثرين وصنّاع محتوى يمتلكون ملايين المتابعين على منصاتهم الرقمية، مستفيدة من الثقة التي راكمتها لدى جمهورها خلال سنوات من الخطاب العام أو الترفيهي أو “الوطني” غير المصنّف سياسيًا. هؤلاء المؤثرون، الذين كانوا يرفعون سابقًا شعارات عامة عن الوطنية أو القضايا الاجتماعية، تم احتواؤهم تدريجيًا عبر الإغراء المالي، أو الدعم التقني، أو توفير الحماية والترويج، مقابل تبنّي سرديات سياسية محددة وبثها للجمهور العراقي بشكل غير مباشر.

هذا التحوّل لا يحدث غالبًا بشكل فجّ أو مباشر، بل عبر إعادة توجيه المحتوى خطوةً بعد أخرى، من منشورات محايدة إلى رسائل مبطّنة، ثم إلى مواقف أكثر وضوحًا تتماشى مع الخطاب السياسي للإعلام المدعوم من إيران.

ويتم ذلك من خلال نشر ميمات، ومقاطع فيديو قصيرة، ورسائل عاطفية تُغلف الخطاب السياسي بلغة شعبية، تجعل المتلقي يتفاعل معها من دون أن يدرك بالضرورة أبعادها السياسية أو الطائفية. ومع اتساع قاعدة المتابعين، تتحول هذه الصفحات إلى أدوات تأثير تفوق أحيانًا القنوات الفضائية التقليدية، نظرًا الى سرعة انتشار المحتوى وقدرته على الوصول إلى فئات شبابية واسعة.

الأخطر في هذا النمط أنه يعيد تعريف “الخطاب الوطني” نفسه، إذ يوظَّف لخدمة أجندات سياسية محددة، مع تصوير أي خطاب نقدي أو مستقل على أنه تهديد أو خروج عن الإجماع. وبهذا، يصبح المؤثر الرقمي جزءًا من منظومة إعلامية موازية، تعمل على إعادة إنتاج الانقسام، ولكن بأدوات أكثر حداثة وأقل مباشرة، ما يصعّب مهمة كشفها أو مساءلتها أمام الرأي العام.

بعض هذه المؤسسات يُدار بشكل مباشر من إيران أو عبر شركاء محليين، ويستهدف بناء سردية موحدة حول “التهديدات الداخلية” و”غياب الولاء الوطني” للطوائف أو المدن المستهدفة.

في الجهة الأخرى، القنوات السنية التي تحاول الرد بالمثل غالبًا ما تكون محدودة الموارد، ما يجعل تأثيرها ضعيفًا مقارنة بالشبكات المدعومة خارجيًا. غياب الرقابة المهنية والقانونية يزيد من قدرة الإعلام الطائفي على التحرك بلا رادع، ويؤثر بشكل مباشر على وعي المواطنين، إذ تساهم البرامج التي تسخر من اللهجات المحلية أو تنتقص من الرموز الثقافية للطوائف، في بناء صور نمطية عن الآخر، ما ينعكس على الممارسة اليومية والعلاقات بين المكونات العراقية.

المواطن العراقي يتعرض يوميًا لمزيج من المعلومات والتحريض، ما يؤدي تدريجيًا إلى تكوين أحكام مسبقة عن الآخر. حتى المحتوى غير السياسي، مثل البرامج الثقافية أو الترفيهية، يمكن أن يحتوي على رسائل ضمنية تؤثر على الانتماءات والمواقف المجتمعية، بما في ذلك التنميط السلبي للمدن والطوائف، هذه الديناميكية تجعل الحوار الوطني السياسي أكثر هشاشة، وتضعف فرص بناء مؤسسات قوية ومستقلة.

الواقع يظهر أيضًا أن الإعلام الطائفي العراقي لم يكتفِ بالكلمات أو الصور، بل ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في سفك دماء العراقيين خلال السنوات الماضية، إذ كانت خطابات التحريض والتقارير المضللة مادة استخدمتها الجماعات السياسية والعسكرية لاستهداف مناطق وشخصيات معينة. كانت النتيجة أحداث عنف متكررة وانقسامات مجتمعية عميقة، تؤكد العلاقة المباشرة بين خطاب الإعلام والتحركات السياسية والأمنية على الأرض.

استمرار هذا النمط الإعلامي يعني أن الخطاب الطائفي سيستمر في تشكيل وعي الأجيال القادمة، وسيظل المواطن العراقي هدفًا سهلًا لتوجيهات سياسية معلنة أو ضمنية، مستهلكًا محتوى يزرع الانقسام ويستثمر الخلافات التاريخية لصالح أجندات ضيقة. كما أن ضعف الرقابة المهنية يجعل من الصعب مساءلة القنوات أو الصحافيين الذين يسيئون استخدام منصاتهم، وهو ما يكرّس البيئة الإعلامية الطائفية ويعزز شعور المواطنين بعدم المساواة أمام القانون الإعلامي.

في هذا السياق، يصبح واضحًا أن الإعلام العراقي، وبخاصة القنوات المدعومة خارجيًا، ليس مجرد مساحة للرأي والمعلومة، بل ميادين قوة تؤثر في السياسة والمجتمع، وتعزز الانقسامات التاريخية. استمرار هذا النمط يعيد إنتاج الخطاب الطائفي بين الأجيال الجديدة، ويجعل المواطن العراقي هدفًا سهلًا لتوجيهات سياسية معلنة أو ضمنية.

حملات الإعلام الإيراني في العراق لا تقتصر على استهداف الشخصيات البارزة، بل تشمل أيضًا المجتمع المدني والصحافيين المستقلين، إذ يتم تصويرهم على أنهم جزء من “التهديد” أو “الانفصال عن الولاء الوطني”. هذه الممارسة تستند إلى نموذج إعلامي قائم على التضليل، والاستقطاب، وإعادة إنتاج القوالب النمطية، ما يجعل العملية الإعلامية جزءًا من اللعبة السياسية الأكبر على الأرض العراقية.

في النهاية، يتضح أن الإعلام العراقي في وضعه الحالي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل أداة قوة يمكن أن توجه السياسة والمجتمع وفق مصالح جهات محددة، ما يجعل الانقسامات الطائفية والأيديولوجية مستمرة، ويعيد إنتاجها عبر الخطاب الإعلامي اليومي، مع تأثيرات طويلة الأمد على وحدة المجتمع وثقافة الحوار الوطني.

مقابر المجازر في السويداء
نديم خوري | 14.07.2026

السويداء بعد عام على المجازر: مقابر جماعيّة وضحايا مجهولو الهويّة

يرفض عدد كبير من ذوي الضحايا اليوم الإجراءات الرسمية الخاصة بالتوفية، ويعتبرونها إنكاراً علنياً لمجازر عايشوها بأنفسهم، وسبباً يضاعف الشرخ بين عائلات السويداء وحكومة دمشق، وحصاراً معنوياً يضاف الى الحصار المكاني الذي فُرض على العائلات، إذ تعيش في مراكز إيواء تفتقر الى أدنى مقومات الإنسانية، وسط غياب شبه تام للمساعدات الغذائية والطبية منذ أشهر طويلة.
12.01.2026
زمن القراءة: 5 minutes

الإعلام الطائفي العراقي لم يكتفِ بالكلمات أو الصور، بل ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في سفك دماء العراقيين خلال السنوات الماضية، إذ كانت خطابات التحريض والتقارير المضللة مادة استخدمتها الجماعات السياسية والعسكرية لاستهداف مناطق وشخصيات معينة.

في العراق، حيث تتشابك الهويات المذهبية والجغرافية والسياسية، أصبح الإعلام إحدى أقوى أدوات التأثير في الرأي العام. لكنه، للأسف، لم يعد وسيلة للتثقيف أو لتعزيز الوحدة الوطنية، بل تحوّل في حالات كثيرة إلى أداة لإذكاء الانقسامات الطائفية واستهداف المواطن على أساس انتمائه المذهبي، لهجته، مدينته، أو حتى ثقافته اليومية.

الواقع الإعلامي العراقي يعكس بشكل واضح توزيع النفوذ السياسي على الفضائيات والمحطات الإعلامية، إذ يسيطر عليها سياسيون أو جهات مرتبطة بأحزاب ومكونات طائفية. بعض هذه القنوات يُقدَّم على أنه مستقل، لكنه في الواقع يعمل وفق أجندة محددة تصب في خدمة جهة سياسية معينة. الإعلاميون في هذا السياق لا يكتفون بتقديم برامج سياسية أو نقاشية، بل يستخدمون منصاتهم لهدم صورة الآخر وبث رسائل الخوف والتحقير، وهو ما يجعل من الصعب على المواطن العادي فصل الأخبار عن الدعاية الطائفية والسياسية.

تظهر هذه الممارسات من خلال استهداف اللهجات المحلية، أو المظاهر الثقافية، أو المدن، أو الرموز الدينية والتاريخية للطائفة المقابلة. وعلى سبيل المثال، تكررت في الآونة الأخيرة أحداث تعكس هذا الانقسام، أبرزها ما حصل مع السياسي السني يزيد الحسون، الذي أثار جدلًا واسعًا بعد حادثة وقعت على الهواء مباشرة، حين أوقفه ضيف أحد البرامج التلفزيونية بسبب حديثه بلهجة مدينته واستخدامه كلمة “عجل” بمعنى “أجل”. وقد ظهر الضيف في اللقاء نفسه وهو يصف الكلمة بأنها “تقزز وتذكر بالنظام السابق”، مضيفًا: “ولا تخلونا نرجعكم عشرين سنة لِوَرَه”، في مشهد يعكس كيف تحوّلت اللهجة المحلية إلى أداة إقصاء وتشويه داخل الخطاب الإعلامي.

هذه الواقعة البسيطة تحمل رمزية كبيرة، حتى اللهجة المحلية أصبحت مادة للتشويه والتحريض، ويظهر من خلالها كيف يمكن للإعلام أن يساهم في ترسيخ الانقسامات.

في المقابل، شهدت الساحة الإعلامية الشيعية قبل أسابيع ما هو مشابه، مثل ما قام به المهوال علي نعيم، الذي أساء إلى الخلفاء الراشدين في قصيدة شعرية، ثم تم تضخيم ذلك عبر منصات وقنوات مختلفة، ليصبح مادة إعلامية للتحريض.

هذه الأمثلة ليست استثناءً، بل تعكس سياسة ممنهجة في الإعلام العراقي، إذ يعتمد بعض المحللين على خطاب طائفي مباشر أو ضمني، مستغلين غياب رقابة فعلية أو نقابات صحافية قوية. وفي حالات كثيرة، يتمتع هؤلاء بحماية قانونية مسبقة من الجهات السياسية التي ينتمون إليها، ما يجعلهم خارج نطاق المساءلة.

من أبرز مظاهر هذه الظاهرة هو الإعلام المدعوم من إيران، الذي يستهدف المدن والرموز السنية ويحوّل الشخصيات السياسية والثقافية إلى أدوات في حملة تضليلية منظمة. يدير هذا الإعلام اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، الذي يشمل قنوات فضائية مثل: العهد (عصائب أهل الحق)، الغدير (منظمة بدر)، الاتجاه (كتائب حزب الله)، النجباء (حركة النجباء)، آي نيوز (كتائب سيد الشهداء)، وآفاق (حزب الدعوة الإسلامية).

إلى جانب منصات رقمية وتطبيقات وحضور واسع على شبكات التواصل، يكشف المحتوى الإعلامي لهذه القنوات نمطًا ثابتًا: تضخيم الأخطاء البسيطة أو تصريحات عادية للشخصيات السنية، استهداف مدن ومناطق معينة، ونشر رسائل ضمنية أو صريحة بأن هذه المناطق أو مواطنيها غير جديرين بالثقة أو يمثلون تهديدًا للوحدة الوطنية.

وتمتد استراتيجيات الإعلام الإيراني أيضًا إلى أساليب أكثر تعقيدًا، لا تقتصر على القنوات الفضائية والمنصات الرسمية، بل تشمل العمل المنظم داخل فضاء وسائل التواصل الاجتماعي. فقد اتجهت هذه الجهات إلى استهداف مؤثرين وصنّاع محتوى يمتلكون ملايين المتابعين على منصاتهم الرقمية، مستفيدة من الثقة التي راكمتها لدى جمهورها خلال سنوات من الخطاب العام أو الترفيهي أو “الوطني” غير المصنّف سياسيًا. هؤلاء المؤثرون، الذين كانوا يرفعون سابقًا شعارات عامة عن الوطنية أو القضايا الاجتماعية، تم احتواؤهم تدريجيًا عبر الإغراء المالي، أو الدعم التقني، أو توفير الحماية والترويج، مقابل تبنّي سرديات سياسية محددة وبثها للجمهور العراقي بشكل غير مباشر.

هذا التحوّل لا يحدث غالبًا بشكل فجّ أو مباشر، بل عبر إعادة توجيه المحتوى خطوةً بعد أخرى، من منشورات محايدة إلى رسائل مبطّنة، ثم إلى مواقف أكثر وضوحًا تتماشى مع الخطاب السياسي للإعلام المدعوم من إيران.

ويتم ذلك من خلال نشر ميمات، ومقاطع فيديو قصيرة، ورسائل عاطفية تُغلف الخطاب السياسي بلغة شعبية، تجعل المتلقي يتفاعل معها من دون أن يدرك بالضرورة أبعادها السياسية أو الطائفية. ومع اتساع قاعدة المتابعين، تتحول هذه الصفحات إلى أدوات تأثير تفوق أحيانًا القنوات الفضائية التقليدية، نظرًا الى سرعة انتشار المحتوى وقدرته على الوصول إلى فئات شبابية واسعة.

الأخطر في هذا النمط أنه يعيد تعريف “الخطاب الوطني” نفسه، إذ يوظَّف لخدمة أجندات سياسية محددة، مع تصوير أي خطاب نقدي أو مستقل على أنه تهديد أو خروج عن الإجماع. وبهذا، يصبح المؤثر الرقمي جزءًا من منظومة إعلامية موازية، تعمل على إعادة إنتاج الانقسام، ولكن بأدوات أكثر حداثة وأقل مباشرة، ما يصعّب مهمة كشفها أو مساءلتها أمام الرأي العام.

بعض هذه المؤسسات يُدار بشكل مباشر من إيران أو عبر شركاء محليين، ويستهدف بناء سردية موحدة حول “التهديدات الداخلية” و”غياب الولاء الوطني” للطوائف أو المدن المستهدفة.

في الجهة الأخرى، القنوات السنية التي تحاول الرد بالمثل غالبًا ما تكون محدودة الموارد، ما يجعل تأثيرها ضعيفًا مقارنة بالشبكات المدعومة خارجيًا. غياب الرقابة المهنية والقانونية يزيد من قدرة الإعلام الطائفي على التحرك بلا رادع، ويؤثر بشكل مباشر على وعي المواطنين، إذ تساهم البرامج التي تسخر من اللهجات المحلية أو تنتقص من الرموز الثقافية للطوائف، في بناء صور نمطية عن الآخر، ما ينعكس على الممارسة اليومية والعلاقات بين المكونات العراقية.

المواطن العراقي يتعرض يوميًا لمزيج من المعلومات والتحريض، ما يؤدي تدريجيًا إلى تكوين أحكام مسبقة عن الآخر. حتى المحتوى غير السياسي، مثل البرامج الثقافية أو الترفيهية، يمكن أن يحتوي على رسائل ضمنية تؤثر على الانتماءات والمواقف المجتمعية، بما في ذلك التنميط السلبي للمدن والطوائف، هذه الديناميكية تجعل الحوار الوطني السياسي أكثر هشاشة، وتضعف فرص بناء مؤسسات قوية ومستقلة.

الواقع يظهر أيضًا أن الإعلام الطائفي العراقي لم يكتفِ بالكلمات أو الصور، بل ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في سفك دماء العراقيين خلال السنوات الماضية، إذ كانت خطابات التحريض والتقارير المضللة مادة استخدمتها الجماعات السياسية والعسكرية لاستهداف مناطق وشخصيات معينة. كانت النتيجة أحداث عنف متكررة وانقسامات مجتمعية عميقة، تؤكد العلاقة المباشرة بين خطاب الإعلام والتحركات السياسية والأمنية على الأرض.

استمرار هذا النمط الإعلامي يعني أن الخطاب الطائفي سيستمر في تشكيل وعي الأجيال القادمة، وسيظل المواطن العراقي هدفًا سهلًا لتوجيهات سياسية معلنة أو ضمنية، مستهلكًا محتوى يزرع الانقسام ويستثمر الخلافات التاريخية لصالح أجندات ضيقة. كما أن ضعف الرقابة المهنية يجعل من الصعب مساءلة القنوات أو الصحافيين الذين يسيئون استخدام منصاتهم، وهو ما يكرّس البيئة الإعلامية الطائفية ويعزز شعور المواطنين بعدم المساواة أمام القانون الإعلامي.

في هذا السياق، يصبح واضحًا أن الإعلام العراقي، وبخاصة القنوات المدعومة خارجيًا، ليس مجرد مساحة للرأي والمعلومة، بل ميادين قوة تؤثر في السياسة والمجتمع، وتعزز الانقسامات التاريخية. استمرار هذا النمط يعيد إنتاج الخطاب الطائفي بين الأجيال الجديدة، ويجعل المواطن العراقي هدفًا سهلًا لتوجيهات سياسية معلنة أو ضمنية.

حملات الإعلام الإيراني في العراق لا تقتصر على استهداف الشخصيات البارزة، بل تشمل أيضًا المجتمع المدني والصحافيين المستقلين، إذ يتم تصويرهم على أنهم جزء من “التهديد” أو “الانفصال عن الولاء الوطني”. هذه الممارسة تستند إلى نموذج إعلامي قائم على التضليل، والاستقطاب، وإعادة إنتاج القوالب النمطية، ما يجعل العملية الإعلامية جزءًا من اللعبة السياسية الأكبر على الأرض العراقية.

في النهاية، يتضح أن الإعلام العراقي في وضعه الحالي ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل أداة قوة يمكن أن توجه السياسة والمجتمع وفق مصالح جهات محددة، ما يجعل الانقسامات الطائفية والأيديولوجية مستمرة، ويعيد إنتاجها عبر الخطاب الإعلامي اليومي، مع تأثيرات طويلة الأمد على وحدة المجتمع وثقافة الحوار الوطني.

12.01.2026
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية