جاء هذا القرار في توقيت حساس للغاية، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة ترتيب القيادة الأمنية في البلاد، أم أنها نتيجة لضغوط خارجية وداخلية تهدف إلى إعادة توزيع الأدوار بين المسؤولين في الدائرة المقربة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
من هو عباس كامل “رجل النظام الثاني”؟
يُعتبر عباس كامل أحد أبرز الوجوه الأمنية في مصر، إذ رافق الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ صعوده إلى منصب وزير الدفاع ثم رئاسة الجمهورية. بصفته مديراً لمكتب السيسي، كان كامل الذراع الأيمن للرئيس في الملفات الحساسة، وبمجرد تعيينه رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، تعاظم نفوذه ليصبح واحداً من أهم المسؤولين في الدولة. كان دوره محورياً في السياسة الخارجية المصرية، خصوصاً في الملفات الحساسة مثل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، والتوترات الإقليمية في ليبيا والسودان.
عباس كامل كان له دور بارز في السيطرة على المشهد الإعلامي المصري، وهو ما يعكس توسّع نفوذه داخل النظام السياسي والأمني في البلاد. في ظل قيادته لجهاز الاستخبارات العامة، لم يكن تأثير الجهاز محصوراً فقط في الشؤون الأمنية، بل امتدّ ليشمل التحكم في الإعلام وتوجيهه بما يخدم مصالح الدولة وسياساتها. يُعتقد أن “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية”، التي تمتلك الكثير من القنوات التلفزيونية والصحف الكبرى، كانت خاضعة بشكل مباشر لإشراف جهاز الاستخبارات العامة. هذا الوضع منح عباس كامل قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام وتوجيه الرسائل الإعلامية بما يتماشى مع الأهداف السياسية للنظام.
من خلال السيطرة على الإعلام، استطاع النظام التأكد من توجيه الرسائل بما يخدم استقرار النظام ويعزز من شرعيته. مصادر أشارت إلى أن الاستخبارات العامة كانت لها اليد الطولى في تعيين رؤساء تحرير الصحف وتحديد الخطوط التحريرية التي تتبعها القنوات التلفزيونية والإذاعية. هذا الدور ساهم بشكل كبير في توجيه النقاشات العامة وضمان عدم خروج الإعلام عن السياسات الحكومية، بخاصة في اللحظات الحساسة التي تتطلب السيطرة على الخطاب العام، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي.
أحد الأمثلة الواضحة على هذا التأثير كان الدور الذي لعبته وسائل الإعلام المملوكة للدولة أو المدارة من الاستخبارات خلال فترات الانتخابات والاستفتاءات الشعبية. تلك الوسائل عملت على تعزيز صورة النظام وتقديمه كحامي الاستقرار الوطني، مع توجيه النقد أو التشكيك إلى أي أطراف معارضة. وفي الوقت نفسه، كان الجهاز يشرف على تقييد وصول المعلومات المتعلقة بالقضايا الحساسة أو النزاعات الداخلية، مثل النزاع مع جماعة الإخوان المسلمين أو الأزمة الاقتصادية، إلى الرأي العام، وذلك لتفادي أي توترات داخلية قد تؤدي إلى اضطرابات.
علاوة على ذلك، استخدم عباس كامل نفوذه في الإعلام لضمان الرسائل السياسية المتعلقة بالسياسة الخارجية المصرية، بخاصة في ما يتعلق بالدور المصري في النزاعات الإقليمية. وسائل الإعلام المدعومة من الاستخبارات كانت تعمل على تسليط الضوء على دور مصر في الوساطة في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، كما تم تقديم مصر في الإعلام كطرف محايد ومسؤول يسعى الى تحقيق الاستقرار في المنطقة، فيما كانت بعض الدول الأخرى تتعرض للنقد بسبب تدخلاتها.
إلى جانب التأثير على وسائل الإعلام التقليدية، امتدت جهود عباس كامل وجهاز الاستخبارات إلى السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي. استخدم النظام الأدوات الرقمية لمراقبة النقاشات الإلكترونية، وتوجيه حملات تضليل ضد شخصيات معارضة أو حملات تستهدف تأييد سياسات النظام عبر حسابات وهمية أو توجيه النقاشات في الفضاء الإلكتروني. هذه السيطرة على الإعلام بشقّيه التقليدي والرقمي جعلت عباس كامل وجهاز الاستخبارات العامة أدوات قوية في يد النظام، ليس فقط للحفاظ على الاستقرار الداخلي ولكن أيضاً لتعزيز صورة مصر في الخارج.
إقرأوا أيضاً:
توقيت الإقالة: ماذا يكشف عن التغيّرات الأمنيّة في مصر؟
إقالة كامل جاءت فيما تشهد المنطقة توترات غير مسبوقة، بخاصة مع الحرب الدائرة في غزة والتحديات الأمنية في ليبيا والسودان. في هذا السياق، يبدو أن توقيت الإقالة لم يكن عشوائياً. بحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال“، كان عباس كامل إحدى الشخصيات البارزة في المفاوضات بين إسرائيل وحماس. قد يوحي هذا التوقيت بأن هناك رغبة في إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي الداخلي في مصر، ربما لتجنب تركز السلطة في يد شخصيات معينة لفترة طويلة.
لا يمكن الحديث عن إقالة عباس كامل من دون الإشارة إلى الملفات الحيوية التي كان يديرها، وأبرز هذه الملفات تشمل:
الملف الفلسطيني-الإسرائيلي: كان عباس كامل يلعب دوراً حيوياً في الوساطة بين حماس وإسرائيل، وسبق أن شارك في مفاوضات لوقف إطلاق النار بين الطرفين. ومع اندلاع الحرب الأخيرة في غزة، كان كامل في قلب الأحداث، إذ التقى برئيس جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) رونين بار. من غير الواضح ما إذا كانت هذه الإقالة ستؤثر على قدرة مصر على مواصلة لعب دور الوسيط في هذا الملف.
الملف الليبي: لعب اللواء كامل دوراً بارزاً في دعم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، مع الحفاظ على توازن مع الحكومة المعترف بها دولياً. تعكس هذه التوازنات دور مصر المتعاظم في المشهد الليبي.
الملف السوداني: مع اندلاع الصراع المسلح في السودان، واتهام قوات الدعم السريع لمصر بالتدخل في النزاع، تعاظمت المخاوف من تداعيات هذا الصراع على الأمن القومي المصري. وكان لكامل دور محوري في هذا الملف من خلال العلاقات مع قيادات في الجيش السوداني.
القرن الأفريقي وسد النهضة: شهدت مصر توترات متزايدة مع إثيوبيا بسبب مشروع سد النهضة، وبرز دور جهاز الاستخبارات العامة في إدارة الملف من خلال توجيه الدعم العسكري والسياسي لبعض الدول المجاورة لإثيوبيا مثل الصومال وإريتريا.
يمكن اعتبار هذه الخطوة جزءاً من عملية إعادة ترتيب الصفوف داخل النظام لمواكبة التحديات الأمنية الإقليمية التي تشهدها مصر في هذه الفترة، بخاصة مع تصاعد التوترات في غزة، ليبيا، والسودان.
لعبة الكراسي الموسيقيّة
منذ ثورة 1952، اعتمد النظام المصري على سياسة إعادة تدوير القيادات الأمنية والعسكرية بشكل دوري، خوفاً من حدوث انقلاب داخلي. من هذا المنطلق، قد يُنظر إلى إقالة كامل على أنها خطوة احترازية تهدف إلى منع تركز النفوذ في يد شخص واحد.
قد تعكس هذه الخطوة تخوفاً تقليدياً للنظام من تزايد نفوذ شخصيات أمنية معينة، وهو ما سبق وحدث مع شخصيات بارزة في الماضي مثل عبد الحكيم عامر. هذا التخوف ينبع من طبيعة النظام المصري الذي يسعى دائماً إلى توزيع النفوذ بين مختلف القيادات لتجنب ظهور تهديد محتمل للسلطة الحاكمة.
في ما يتعلق بمنصبه الجديد، قد يعكس تعيين عباس كامل كمبعوث خاص للرئيس ومنسق بين الأجهزة الأمنية، رغبة النظام في الحفاظ على توازن بين الاستمرارية والتغيير. وعلى رغم إقالته من جهاز الاستخبارات، لم يتم استبعاده بالكامل من المشهد السياسي، بل نُقل إلى دور جديد قد يكون أقل وضوحاً، ولكنه لا يزال مؤثراً. هذا يشير إلى أن النظام يسعى الى الحفاظ على كامل كشخصية قادرة على تقديم المشورة في الملفات الحساسة، من دون أن تحتفظ بالنفوذ الكامل الذي كان يتمتع به كرئيس للاستخبارات العامة.
إجمالاً، يمكن اعتبار إقالة عباس كامل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب الأدوار داخل النظام المصري، سواء نتيجة للتحديات الإقليمية المتزايدة أو الضغوط الدولية. ومع أن هذه الخطوة قد تبدو كتقليص لنفوذ بعض الشخصيات البارزة، فإنها تهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على استقرار النظام وضمان توزيع النفوذ بين مختلف القيادات لمنع أي تهديدات داخلية محتملة.
ما الذي يحمله المستقبل لعباس كامل؟
إقالة عباس كامل من رئاسة جهاز الاستخبارات العامة المصرية تعتبر نقطة تحوّل بارزة في المشهد السياسي والأمني في مصر. وعلى رغم إبعاده عن هذا المنصب، فإن تعيينه في منصب جديد كمبعوث خاص للرئيس ومنسق بين الأجهزة الأمنية يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل دوره داخل النظام. من جهة، تشير علاقته الطويلة والمقربة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن تعيينه في هذا المنصب الجديد قد يكون محاولة للحفاظ على نفوذه، وإن كان ذلك بشكل أقل وضوحاً مما كان عليه في منصبه السابق. كامل كان يتمتع بدور كبير في الملفات الحساسة على مستوى السياسة الخارجية، مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والملفات الليبية والسودانية، ومن المحتمل أن يستمر في لعب دور مؤثر ولكن من خلف الكواليس.
الضغوط الدولية قد تكون أيضاً جزءاً من الصورة. ظهور تقارير تتحدث عن تورط عباس كامل في قضايا دولية حساسة، مثل قضية السيناتور الأميركي روبرت مينديز، قد يزيد من احتمالات أن هذه الخطوة تأتي استجابة لضغوط خارجية بهدف تهدئة التوترات بين مصر وبعض الدول الغربية. وقد يكون هذا التعيين الجديد محاولة لتقديم تنازلات محدودة من دون أن يكون لذلك تأثير كبير على استقرار النظام أو هيكل السلطة في مصر.
إلى جانب هذه العوامل، قد يكون تعيين عباس كامل في منصب “منسق الأجهزة الأمنية” جزءاً من عملية إعادة ترتيب شاملة للأدوار الأمنية داخل النظام. فمصر تواجه تحديات إقليمية كبيرة، بدءاً من الصراع في غزة إلى الأوضاع المتأزمة في ليبيا والسودان، وهذه التحديات تتطلب تغييرات في طريقة إدارة الملفات الأمنية. وقد يكون تعيين كامل في هذا المنصب الجديد وسيلة لتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة في مواجهة هذه التحديات، ولكن يبقى السؤال حول مدى تأثيره الفعلي في هذا الدور الجديد.
بناءً على هذه السيناريوهات، يبقى مستقبل عباس كامل في النظام المصري غامضاً وغير مؤكد. ومع ذلك، من المرجح أن يظل يحتفظ بدور مهم في صياغة السياسات الأمنية والدبلوماسية، سواء كان ذلك من خلال منصبه الجديد أو من خلال تولّيه دور المستشار للرئيس السيسي.












