ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إلغاء المواد الأدبيّة واللغة الأجنبيّة الثانية… مصر كمعسكر لا كأمّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“بدلاً من أن تعمل الدولة على إعادة تأهيل معلمي الدراسات الإنسانية لكي نتوقف عن تدريس التاريخ بالطريقة التقليدية، وتعليم الفلسفة في مدرجات كلية التربية الرياضية، نجد أنفسنا نلغي هذه العلوم الإنسانية، لأنها من وجهة نظر صناع القرار مجرد هراء”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خرج المذيع المصري تامر أمين في برنامجه على قناة النهار بتصريح مثير للجدل، حين طالب بإلغاء دراسة المواد الأدبية من مقررات الثانوية العامة، لأنها حسب تعبيره “لا تؤمّن لقمة العيش”.

لم تكن تصريحات تامر أمين حول ضرورة إلغاء بعض المواد التعليمية، منها الفلسفة والمنطق وعلم النفس والتاريخ، واللغات (حيث اعتبر أن دراستها لمدة شهرين في أي سنتر كافية) ناتجة من مصادفة، بل كانت عن إرادة سياسية، وتمهّد لمجموعة من القرارات التي اتخذها وزير التعليم محمد عبد اللطيف المتهم بتزوير شهادات دكتوراه، عندما أعلن في اليوم التالي لزوبعة تامر أمين، خطة لهيكلة شهادة الثانوية العامة.

تضمنت قرارات وزير التعليم إلغاء مواد وإضافة مواد جديدة، واحتساب درجات بعض المواد الدراسية ضمن إجمالي مجموع الدرجات، التي يحصل عليها الطلاب، بحيث تؤثر في النتائج النهائية للامتحانات، وعدم احتساب درجات مواد أخرى مهمة كانت تُحتسب من قبل، لتكون عاملاً حاسماً في نتائج الطلاب.

المواد الملغاة من الشعبة العلمية علوم، هي الجيولوجيا وعلوم البيئة واللغة الأجنبية الثانية، التي ستعتبر من المواد غير المضافة الى المجموع. أما المواد الملغاة من الشعبة العلمية رياضيات، فتضمّ الرياضيات التطبيقية مع وضع اللغة الأجنبية الثانية ضمن المواد غير المضافة الى المجموع، بينما تضم المواد الملغاة من الشعبة الأدبية، علم النفس والاجتماع واللغة الأجنبية الثانية، ضمن المواد غير المضافة الى المجموع.

أبرز ملامح الهيكلة الجديدة للثانوية العامة تتمثل في أن كل طالب سيدرس خمس مواد فقط في السنة الدراسية، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الثانوية العامة، التي كانت ولا تزال تمثل أحد أكبر مصادر الخوف والقلق للأسرة المصرية.

أثارت قرارات وزير التربية والتعليم جدلاً واسع النطاق على مواقع التواصل الاجتماعي ما بين مؤيد للقرارات ورافض لها، ورأى البعض أن التغييرات الجديدة من شأنها إصلاح نظام الثانوية العامة، بينما اعتبر آخرون أنها إفساد للتعليم في مصر.

بالطبع، تجعل تلك التعديلات التعليم أقل تعقيداً مما اعتاد الطلاب أن يواجهوه، وتخفف حملاً ثقيلاً عن عاتق أولياء الأمور، وتشير الآراء الأولية خارج إطار النخب الثقافية الى أنها قد تلقى قبولاً شعبياً، بسبب الكلفة المادية العالية التي يواجهها الآباء إزاء كابوس اسمه الثانوية العامة، على رغم رداءة التعليم بشكل عام، لكن هل الحل هو تخفيف المواد أم تطويرها؟

المواد المتّهمة بعدم مناسبتها سوق العمل، ترتبط كلها بما يمكن تسميته “العلوم الإنسانية”، في مقابل فكرة نطق بها رئيس الجمهورية من قبل عن تعلم “البرمجة”، كأنه وجد الحل السحري لكل مشاكلنا، ومن دون ” دراسة جدوى” كالعادة.

حتى في عالم السياسة والاقتصاد، تلعب العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع والجغرافيا والتاريخ، دوراً مهماً في فهم السياسات العامة والاقتصاد، بل إن فهمها جزء لا يتجزأ من القدرة على النجاح في تلك المجالات، التي تتطلب إدراكاً عميقاً لطبيعة الإنسان، مزاجه، تفضيلاته، وخلفيته النفسية والاجتماعية، وهو ما توفره تلك العلوم، فكيف بإمكان المسؤولين اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بشعوبهم، من دون دراية بالخلفيات التاريخية والجغرافية والنفسية والاجتماعية؟

علم الرياضيات هو علم نظري بالأساس، ويمكن دراسته في كلية العلوم لسنوات ضمن قسم الرياضيات البحتة أو النظرية، وسوق العمل غالباً لن يطلب علماء أو خبراء رياضيات للعمل فيه، ولكن الرياضيات تُعد علماً أساسياً في تكوين المهندس والفيزيائي، وتساهم بشكل كبير في أي بحث علمي أو ابتكاري في مجالات الفيزياء والكيمياء والهندسة.

ينطبق هذا الكلام على الجغرافيا التي يتحدث عنها تامر أمين باعتبارها مادة أدبية غير مطلوبة في سوق العمل، كما أن الجغرافيا علم أساسي في تكوين مهن عدة مثل رصد الأحوال الجوية وتخريج المهندسين المدنيين والمعماريين والزراعيين.

الكلام نفسه ينطبق على الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس، فالفلسفة هي أساس لكثير من العلوم الأساسية والنظرية، والتكوين الجيد فيها ضروري للتفكير النقدي ولتوسيع أفق الباحث في أي علم نظري، بما في ذلك الفيزياء التي كانت في وقت ما جزءاً من الفلسفة.

التاريخ هو المجال التأسيسي لدراسات الآثار ومكون أساسي لعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وإذا لم يكن لدينا تكوين جيد في التاريخ، فمن الصعب أن نخرج اقتصاديين جيدين مثلاً.

العلاقة بين العلوم والمعارف متداخلة، وعلاقتها بسوق العمل ليست مباشرة كما يتصور المسؤولون عن التعليم، لأن المعرفة العلمية معرفة مركبة وليست بسيطة، فليس من الضروري أن تكون دارساً للفيزياء لتصبح فيزيائياً فقط أو مدرس فيزياء، بل تحتاج إلى تكوين في الفيزياء لتكون بعد ذلك متخصصاً في الزراعة، أو الهندسة المدنية أو المعمارية، أو هندسة الميكانيك أو الكهرباء، أو الطب، أو غيرها من المهن التطبيقية.

العبث هنا هو ضرورة التوقف لشرح أهمية تلك العلوم، من أجل وزير تعليم مشكوك في صحة علمه وشهاداته، وإعلامي جهول ورئيس جمهورية صرح بأنه لا يعتمد على دراسات الجدوى قبل تنفيذ مشروعاته، كأنه علينا أن نبدأ من منطقة التعليم الأولى، التي تعلم الأبجدية.

المناهج التي لم تعد مواد أساسية كالفلسفة وعلم النفس، مناهج سيئة بالأساس، فلا وجود لكلمة واحدة عن فلاسفة حقيقيين من أفلاطون إلى نيتشه، بل مجرد كلام إنشائي، كما أن عدداً كبيراً من مدرسي الفلسفة، قد يدرسونها مضطرين وهم مؤمنون بأنها علم كافر. لكن الحل السحري الذي توصل إليه المسؤولون هو إلغاؤها من المواد المضافة الى المجموع، عوضاً عن تطويرها، لأنه حتى دولة بحجم مصر لا تملك الجرأة أو الإرادة أو الرغبة في خلق “عقل نقدي”، أو بتعبير رئيس الجمهورية في أحد نقاشاته حول التعليم “مواطن تصعب السيطرة عليه بالطرق الحديثة”.

أو بحسب صفحة “الموقف المصري”: الطريقة السيئة التي تقدم بها هذه المواد للطلاب، كأنها مجموعة من المعلومات المبعثرة والتعريفات لمفاهيم غامضة، يجب على الطالب حفظها للإجابة عنها في الامتحانات، وليس كعملية اكتشاف لظاهرة طبيعية أو اجتماعية أو إنسانية. 

هذا يؤدي إلى مشكلة حقيقية أخرى، وهي اتجاه آلاف الطلاب سنوياً الى دراسة الآداب والحقوق والتجارة، ليس بهدف التعلم فعلياً، ولكن لمجرد الحصول على شهادة جامعية لأسباب اجتماعية ومادية، وهذا يخلق اختلالاً فعلياً في علاقة المؤسسة التعليمية بالمجتمع كله، وليس فقط بسوق العمل.

المشكلة الأخرى هي البنية المتخلفة نسبياً لسوق العمل في مصر، حيث معظم فرص العمل ذات جودة منخفضة، وبالتالي لا تتطلب تكويناً علمياً قوياً. ونتيجة لذلك، نتخيل أنه ما فائدة للفلسفة مثلاً لكي أعمل في الإعلام، أو ما فائدة معرفتي بالرياضيات في ظل غياب أقسام البحث والتطوير عن معظم شركاتنا التي تعمل في قطاعات خدمية أو صناعات تجميعية غير معمقة وغير مهتمة بالبحث والتطوير.

قبل نحو تسعين عاماً، كتب العميد طه حسين عن أهمية تدريس أكثر من لغة أجنبية للتلاميذ، ربما لم يكن طه حسين ليتخيل أن يجلس على مقعده رجل زوّر شهادته باعتراف الدولة التي أزالت لقب دكتور من خطاباتها الرسمية المتعلقة به، وأن يتخذ قراراً بتهميش دراسة اللغة الأجنبية الثانية.

كانت رؤية طه حسين هي أن التعليم العالي لا يمكن أن يكتفي بلغة أجنبية واحدة أو حتى بلغتين، بل يحتاج إلى أعظم حظ ممكن من اللغات الأجنبية، هو الذي لم يعاصر العولمة والشركات العابرة للحدود، أشار إلى نقص خطير في معرفة خريجي المدارس باللغات، وهي مشكلة ما زلنا نواجهها إلى اليوم.

في عام 1938، أوضح طه حسين أن الطلاب الذين يرغبون في التخصص في مجالات مثل اللغات السامية أو الآثار، لا يستطيعون الاستغناء عن لغات إضافية مثل الألمانية، ولكنه أشار إلى أن الطلاب يواجهون مشكلات عندما يضطرون إلى تعلم هذه اللغات في أثناء التخصص، ما يضيع وقتاً وجهداً كبيرين، ولفت إلى أن هذه المشكلات تكلف الدولة أموالاً كثيرة عندما ترسل البعثات إلى أوروبا لتعلّم لغات إضافية.

حذّر طه حسين من أن الاعتماد على لغة أو لغتين فقط في التعليم يحد من قدرة الطلاب على التفاعل مع أساتذتهم والمشاركة في البحث، ونبه إلى أن هذا النظام العقيم يحد من تنوع المصادر الثقافية والمعرفية للطلاب، وعلى رغم كل هذه التحديات، وعلى رغم أن الجامعة قاومت هذا الاتجاه، إلا أنها فتحت العقل المصري على كل ألوان الثقافة، وظهرت النتيجة عندما عاد الطلاب المتعلمون في مختلف الدول الأوروبية إلى مصر ليشاركوا في تدريس الأجيال الجديدة.

ربما نستطيع فهم وجهة نظر تامر أمين من خلال مقارنتها بتصريحات رئيس الدولة، الذي فضّل تعلم البرمجة على الالتحاق بالكليات الأدبية. وعلى الرغم من أن هذا الاقتراح يمكن أن يبدو مناسباً لاحتياجات سوق العمل، إلا أنه ينطوي على تفضيل مجال معين فقط (البرمجة) دون غيره، ما يعكس وجهة نظر ضيقة حول احتياجات سوق العمل.

بحسب دينا الخواجة، هناك طريقتان للتعامل مع الأداء الإعلامي الحالي في ما يتعلق بالتعليم: الأولى هي التركيز على تامر أمين، وجعله عبرة وترند و”كيس ملاكمة” (punching bag) والثانية هي التركيز على الخطر الأكبر، ألا وهو السردية التي تسأل “ما فائدة التعليم في تخصصات مثل الآداب والتجارة والحقوق؟”، والعمل على تفكيكها واختيار تصعيد المطالب المتعلقة بالإنفاق على التعليم وضرورة تطويره، وتحسين تدريب الأساتذة ومرتباتهم، وترميم المدارس والجامعات كمبانٍ وفصول. 

تامر أمين ليس سوى ترس في آلة، ليس بإمكان القيادة السياسية أن تقرر ازدراء بعض العلوم بناءً على منطق محدودية فرص التشغيل، مصر ليست مجرد طابونة، بل هي بلد، والرئيس ليس دوره أن يكون مستشاراً لسياسات التعليم أو متحدثاً باسم احتياجات سوق العمل، ودور المتخصصين هو الرد عليه من موقع الخبير، وليس كمنفّذين لأفكاره حول البرمجة.

هناك مشاكل وانهيار في التعليم، والحلول لا تكمن في إلغاء مقررات أو مواد، بل تكمن في أن تأتي مصادر الإلهام من متخصصين قادرين على التعبير المستقل تماماً، في ما يتعلق بأفضل المسارات لتحسين مضامين مناهج التعليم وأهمية تكامل المعرفة العلمية، والسياسات، والموارد اللازمة لذلك، بدلاً من تكرار ما يقوله الرئيس على شاشات التلفزيون لكسب النقاط.

تصريح تامر أمين ليس اعتباطياً ولا يتحدث بمزاجه الخاص، بل هو يعكس توجه الدولة التي تتعامل على أساس أننا في “معسكر”، وكل فرد يجب أن يؤدي عمله، والهدف الوحيد هو جلب الأموال بسرعة. التعليم هنا يُختزل فقط بتخريج عاملين في هذا المعسكر ليساعدوا الدولة، أما إذا أردنا أن نتعلم فلسفة ومنطقاً وتفكيراً حراً ونقدياً، فهذا يعتبر مضيعة للوقت وغير مفيد للمعسكر، بل وأكثر من ذلك، فهو خطر، لأن الناس إذا تعلموا الفلسفة والمنطق والتفكير النقدي، فلن يعود بالإمكان السيطرة عليهم. تامر أمين لا يتحدث من نفسه، بل من خلال جهاز التعليمات الأمني الذي نعّرفه في مصر ساخرين بـ”السامسونج”.

على رغم ذلك، فقليل من التحليل لوصفة الإعلامي تامر أمين قد تخبرنا بالمواطن المستقبلي الذي ستصنعه سياسات التعليم في الجمهورية الجديدة، بحسب الكاتب محمد صالح. فهي وصفة الإنسان الطفيلي، هذا النوع من التفكير هو ما أوصلنا إلى فتح معارض سيارات وصيدليات وسوبرماركات وكافيهات على كل ناصية، حيث نتفنّن في اختيار الأسماء والديكورات وتصميم قوائم الطعام والمشروبات، بدلاً من الابتكار والتصميم، وفتح المصانع والمعامل، وزراعة الأراضي، واستغلال الثروات الطبيعية المدفونة في باطن الأرض.

هذه هي الأشياء التي “تأكل عيش”، على حد قول الأستاذ تامر أمين، وهو محق في ذلك إلى حد ما، لكن هذه الأشياء ليست ما يبني الإنسان أو الأمة، بل هي ما يدفن الأمة ببطء، عندما تتحول الأمة إلى طابور من الطفيليين الذين يعيشون على حساب بعضهم بعضاً، يمتصون دماء بعضهم، ويصبحون عالة على حضارات ودول أخرى.

مثلاً، لكي تكون إعلامياً ناجحاً من المفترض أن تكون مستوعباً لسيكولوجية الجماهير، وأن يكون لديك تكوين جيد في علوم الاجتماع، لتعرف شرائح جمهورك وتفهمهم وتفهم احتياجاتهم والعلاقة بين الثقافة والتواصل والإعلام وباقي الأنشطة الاجتماعية. من المفترض أيضاً أن تكون مدرباً على التفكير النقدي والعلمي من خلال الفلسفة والمنطق، وإلا للأسف ستصبح مثل الأستاذ تامر أمين، إعلامياً ينشر الجهل بدلاً من الوعي.

تامر أمين نفسه هو أكبر دليل على أن هناك خللاً كبيراً في منظومتنا التعليمية.

  بالتأكيد الحل لهذا الخلل  ليس إفقار النظام التعليمي وتخريبه أكثر بحذف العلوم الأساسية، وإنما بإصلاح طريقة تدريسها وطريقة الالتحاق بالجامعات من الأساس.

كل تلك السياسات في النهاية تدور حول فكرة واحدة، تخفيض الإنفاق الحكومي على التعليم ما قبل الجامعي وما بعده، لتجعله مقتصراً على من يملكون ثمنه. يقول الكاتب عبده البرماوي: “على الرغم من رفع الحكومة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، شعار إصلاح التعليم، وتغذيتها خطاباً تنموياً يعج بالوعود الكاذبة والمبالغ فيها، إلا أن البنية التحتية للتعليم، وبخاصة في الجانب التمويلي، شهدت تراجعاً حاداً، وقد دفعت الحكومة بسياسات نيوليبرالية يمكن وصفها بالطبقية والانحياز الاجتماعي وإهدار العدالة الاجتماعية”.

ويضيف: “ما نشهده اليوم هو تصاعد الحواجز الطبقية أمام الطلاب المجتهدين، وهي حواجز مالية بحتة، تسمح لمن يملكون القدرة المالية بالحصول على الفرص على حساب هؤلاء المحرومين. هذا الأمر يمثل تراجعاً في قيمة ينبغي الحفاظ عليها، وهي قيمة الاجتهاد الدراسي، التي لا يمكن يحصّلها المنتمون إلى الطبقات الأعلى بثمن مالي. 

لقد ظل الحصول على ما يزيد عن 90 في المئة لضمان مقعد في الكليات العليا، وبخاصة الطب والهندسة، يمثل الحلم التقليدي للفقراء المصريين في الصعود الاجتماعي، وهذا الأمر استمر منذ بدء نظام التعليم الحديث في مصر. 

لكن السياسات الجديدة عملت على خفض هذه النسب في الكليات الممتازة في الجامعات الخاصة إلى مستويات متدنية، لا تضمن في جامعات التعليم العام دخول كليات متوسطة، وكأن الأمر أصبح تعويضاً لقيمة الاجتهاد بمقابل مالي تعكسه المصروفات العالية”.

ويتابع البرماوي: “أسوأ شيء يمكن أن تعيشه هو تراجع الأمل، فتجارب النهضة في العالم كانت تعتمد على تحسين جودة التعليم، بدءاً من محمد علي، مروراً بالإمبراطور ميجي في اليابان وكيشور محبوباني في إندونيسيا، وصولاً إلى مهاتير محمد وهكذا.

ونحن نجد أنفسنا نصمّم على هدم هذه الفكرة في التاريخ، والتخلص من قيمتها، بدءاً من الإصرار على تعيين وزير غير مؤهل ومشكوك في شهادته، الى درجة أن الدولة منعته من استخدام رمزيتها في وصفه الإعلامي، ولكن ذلك لم يمنع السيد الوزير من إجراء تعديلات على مناهج مرحلة فاصلة مثل الثانوية العامة، من دون المرور على لجان الخبراء المتخصصة باعتماد المناهج وتقييمها.

وبدلاً من أن تعمل الدولة على إعادة تأهيل معلمي الدراسات الإنسانية لكي نتوقف عن تدريس التاريخ بالطريقة التقليدية، وتعليم الفلسفة في مدرجات كلية التربية الرياضية، نجد أنفسنا نلغي هذه العلوم الإنسانية، لأنها من وجهة نظر صناع القرار مجرد هراء”.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 17.01.2026

لماذا تربكني الراحة؟

أفكر أحياناً أن جيلاً كاملاً من أبناء هذه البلاد يواجه اليوم المعضلة نفسها، جيل كبير بعدد أفراده وصغير بعدد لحظاته الآمنة، جيل محترف في الاستعداد، سيّئ في الاسترخاء، جيل تعلّم أن يدير الأزمات لكنّه لم يتعلّم كيف يعيش بين أزمة وأخرى.
20.08.2024
زمن القراءة: 10 minutes

“بدلاً من أن تعمل الدولة على إعادة تأهيل معلمي الدراسات الإنسانية لكي نتوقف عن تدريس التاريخ بالطريقة التقليدية، وتعليم الفلسفة في مدرجات كلية التربية الرياضية، نجد أنفسنا نلغي هذه العلوم الإنسانية، لأنها من وجهة نظر صناع القرار مجرد هراء”.

خرج المذيع المصري تامر أمين في برنامجه على قناة النهار بتصريح مثير للجدل، حين طالب بإلغاء دراسة المواد الأدبية من مقررات الثانوية العامة، لأنها حسب تعبيره “لا تؤمّن لقمة العيش”.

لم تكن تصريحات تامر أمين حول ضرورة إلغاء بعض المواد التعليمية، منها الفلسفة والمنطق وعلم النفس والتاريخ، واللغات (حيث اعتبر أن دراستها لمدة شهرين في أي سنتر كافية) ناتجة من مصادفة، بل كانت عن إرادة سياسية، وتمهّد لمجموعة من القرارات التي اتخذها وزير التعليم محمد عبد اللطيف المتهم بتزوير شهادات دكتوراه، عندما أعلن في اليوم التالي لزوبعة تامر أمين، خطة لهيكلة شهادة الثانوية العامة.

تضمنت قرارات وزير التعليم إلغاء مواد وإضافة مواد جديدة، واحتساب درجات بعض المواد الدراسية ضمن إجمالي مجموع الدرجات، التي يحصل عليها الطلاب، بحيث تؤثر في النتائج النهائية للامتحانات، وعدم احتساب درجات مواد أخرى مهمة كانت تُحتسب من قبل، لتكون عاملاً حاسماً في نتائج الطلاب.

المواد الملغاة من الشعبة العلمية علوم، هي الجيولوجيا وعلوم البيئة واللغة الأجنبية الثانية، التي ستعتبر من المواد غير المضافة الى المجموع. أما المواد الملغاة من الشعبة العلمية رياضيات، فتضمّ الرياضيات التطبيقية مع وضع اللغة الأجنبية الثانية ضمن المواد غير المضافة الى المجموع، بينما تضم المواد الملغاة من الشعبة الأدبية، علم النفس والاجتماع واللغة الأجنبية الثانية، ضمن المواد غير المضافة الى المجموع.

أبرز ملامح الهيكلة الجديدة للثانوية العامة تتمثل في أن كل طالب سيدرس خمس مواد فقط في السنة الدراسية، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الثانوية العامة، التي كانت ولا تزال تمثل أحد أكبر مصادر الخوف والقلق للأسرة المصرية.

أثارت قرارات وزير التربية والتعليم جدلاً واسع النطاق على مواقع التواصل الاجتماعي ما بين مؤيد للقرارات ورافض لها، ورأى البعض أن التغييرات الجديدة من شأنها إصلاح نظام الثانوية العامة، بينما اعتبر آخرون أنها إفساد للتعليم في مصر.

بالطبع، تجعل تلك التعديلات التعليم أقل تعقيداً مما اعتاد الطلاب أن يواجهوه، وتخفف حملاً ثقيلاً عن عاتق أولياء الأمور، وتشير الآراء الأولية خارج إطار النخب الثقافية الى أنها قد تلقى قبولاً شعبياً، بسبب الكلفة المادية العالية التي يواجهها الآباء إزاء كابوس اسمه الثانوية العامة، على رغم رداءة التعليم بشكل عام، لكن هل الحل هو تخفيف المواد أم تطويرها؟

المواد المتّهمة بعدم مناسبتها سوق العمل، ترتبط كلها بما يمكن تسميته “العلوم الإنسانية”، في مقابل فكرة نطق بها رئيس الجمهورية من قبل عن تعلم “البرمجة”، كأنه وجد الحل السحري لكل مشاكلنا، ومن دون ” دراسة جدوى” كالعادة.

حتى في عالم السياسة والاقتصاد، تلعب العلوم الإنسانية مثل علم النفس والاجتماع والجغرافيا والتاريخ، دوراً مهماً في فهم السياسات العامة والاقتصاد، بل إن فهمها جزء لا يتجزأ من القدرة على النجاح في تلك المجالات، التي تتطلب إدراكاً عميقاً لطبيعة الإنسان، مزاجه، تفضيلاته، وخلفيته النفسية والاجتماعية، وهو ما توفره تلك العلوم، فكيف بإمكان المسؤولين اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بشعوبهم، من دون دراية بالخلفيات التاريخية والجغرافية والنفسية والاجتماعية؟

علم الرياضيات هو علم نظري بالأساس، ويمكن دراسته في كلية العلوم لسنوات ضمن قسم الرياضيات البحتة أو النظرية، وسوق العمل غالباً لن يطلب علماء أو خبراء رياضيات للعمل فيه، ولكن الرياضيات تُعد علماً أساسياً في تكوين المهندس والفيزيائي، وتساهم بشكل كبير في أي بحث علمي أو ابتكاري في مجالات الفيزياء والكيمياء والهندسة.

ينطبق هذا الكلام على الجغرافيا التي يتحدث عنها تامر أمين باعتبارها مادة أدبية غير مطلوبة في سوق العمل، كما أن الجغرافيا علم أساسي في تكوين مهن عدة مثل رصد الأحوال الجوية وتخريج المهندسين المدنيين والمعماريين والزراعيين.

الكلام نفسه ينطبق على الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس، فالفلسفة هي أساس لكثير من العلوم الأساسية والنظرية، والتكوين الجيد فيها ضروري للتفكير النقدي ولتوسيع أفق الباحث في أي علم نظري، بما في ذلك الفيزياء التي كانت في وقت ما جزءاً من الفلسفة.

التاريخ هو المجال التأسيسي لدراسات الآثار ومكون أساسي لعلوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وإذا لم يكن لدينا تكوين جيد في التاريخ، فمن الصعب أن نخرج اقتصاديين جيدين مثلاً.

العلاقة بين العلوم والمعارف متداخلة، وعلاقتها بسوق العمل ليست مباشرة كما يتصور المسؤولون عن التعليم، لأن المعرفة العلمية معرفة مركبة وليست بسيطة، فليس من الضروري أن تكون دارساً للفيزياء لتصبح فيزيائياً فقط أو مدرس فيزياء، بل تحتاج إلى تكوين في الفيزياء لتكون بعد ذلك متخصصاً في الزراعة، أو الهندسة المدنية أو المعمارية، أو هندسة الميكانيك أو الكهرباء، أو الطب، أو غيرها من المهن التطبيقية.

العبث هنا هو ضرورة التوقف لشرح أهمية تلك العلوم، من أجل وزير تعليم مشكوك في صحة علمه وشهاداته، وإعلامي جهول ورئيس جمهورية صرح بأنه لا يعتمد على دراسات الجدوى قبل تنفيذ مشروعاته، كأنه علينا أن نبدأ من منطقة التعليم الأولى، التي تعلم الأبجدية.

المناهج التي لم تعد مواد أساسية كالفلسفة وعلم النفس، مناهج سيئة بالأساس، فلا وجود لكلمة واحدة عن فلاسفة حقيقيين من أفلاطون إلى نيتشه، بل مجرد كلام إنشائي، كما أن عدداً كبيراً من مدرسي الفلسفة، قد يدرسونها مضطرين وهم مؤمنون بأنها علم كافر. لكن الحل السحري الذي توصل إليه المسؤولون هو إلغاؤها من المواد المضافة الى المجموع، عوضاً عن تطويرها، لأنه حتى دولة بحجم مصر لا تملك الجرأة أو الإرادة أو الرغبة في خلق “عقل نقدي”، أو بتعبير رئيس الجمهورية في أحد نقاشاته حول التعليم “مواطن تصعب السيطرة عليه بالطرق الحديثة”.

أو بحسب صفحة “الموقف المصري”: الطريقة السيئة التي تقدم بها هذه المواد للطلاب، كأنها مجموعة من المعلومات المبعثرة والتعريفات لمفاهيم غامضة، يجب على الطالب حفظها للإجابة عنها في الامتحانات، وليس كعملية اكتشاف لظاهرة طبيعية أو اجتماعية أو إنسانية. 

هذا يؤدي إلى مشكلة حقيقية أخرى، وهي اتجاه آلاف الطلاب سنوياً الى دراسة الآداب والحقوق والتجارة، ليس بهدف التعلم فعلياً، ولكن لمجرد الحصول على شهادة جامعية لأسباب اجتماعية ومادية، وهذا يخلق اختلالاً فعلياً في علاقة المؤسسة التعليمية بالمجتمع كله، وليس فقط بسوق العمل.

المشكلة الأخرى هي البنية المتخلفة نسبياً لسوق العمل في مصر، حيث معظم فرص العمل ذات جودة منخفضة، وبالتالي لا تتطلب تكويناً علمياً قوياً. ونتيجة لذلك، نتخيل أنه ما فائدة للفلسفة مثلاً لكي أعمل في الإعلام، أو ما فائدة معرفتي بالرياضيات في ظل غياب أقسام البحث والتطوير عن معظم شركاتنا التي تعمل في قطاعات خدمية أو صناعات تجميعية غير معمقة وغير مهتمة بالبحث والتطوير.

قبل نحو تسعين عاماً، كتب العميد طه حسين عن أهمية تدريس أكثر من لغة أجنبية للتلاميذ، ربما لم يكن طه حسين ليتخيل أن يجلس على مقعده رجل زوّر شهادته باعتراف الدولة التي أزالت لقب دكتور من خطاباتها الرسمية المتعلقة به، وأن يتخذ قراراً بتهميش دراسة اللغة الأجنبية الثانية.

كانت رؤية طه حسين هي أن التعليم العالي لا يمكن أن يكتفي بلغة أجنبية واحدة أو حتى بلغتين، بل يحتاج إلى أعظم حظ ممكن من اللغات الأجنبية، هو الذي لم يعاصر العولمة والشركات العابرة للحدود، أشار إلى نقص خطير في معرفة خريجي المدارس باللغات، وهي مشكلة ما زلنا نواجهها إلى اليوم.

في عام 1938، أوضح طه حسين أن الطلاب الذين يرغبون في التخصص في مجالات مثل اللغات السامية أو الآثار، لا يستطيعون الاستغناء عن لغات إضافية مثل الألمانية، ولكنه أشار إلى أن الطلاب يواجهون مشكلات عندما يضطرون إلى تعلم هذه اللغات في أثناء التخصص، ما يضيع وقتاً وجهداً كبيرين، ولفت إلى أن هذه المشكلات تكلف الدولة أموالاً كثيرة عندما ترسل البعثات إلى أوروبا لتعلّم لغات إضافية.

حذّر طه حسين من أن الاعتماد على لغة أو لغتين فقط في التعليم يحد من قدرة الطلاب على التفاعل مع أساتذتهم والمشاركة في البحث، ونبه إلى أن هذا النظام العقيم يحد من تنوع المصادر الثقافية والمعرفية للطلاب، وعلى رغم كل هذه التحديات، وعلى رغم أن الجامعة قاومت هذا الاتجاه، إلا أنها فتحت العقل المصري على كل ألوان الثقافة، وظهرت النتيجة عندما عاد الطلاب المتعلمون في مختلف الدول الأوروبية إلى مصر ليشاركوا في تدريس الأجيال الجديدة.

ربما نستطيع فهم وجهة نظر تامر أمين من خلال مقارنتها بتصريحات رئيس الدولة، الذي فضّل تعلم البرمجة على الالتحاق بالكليات الأدبية. وعلى الرغم من أن هذا الاقتراح يمكن أن يبدو مناسباً لاحتياجات سوق العمل، إلا أنه ينطوي على تفضيل مجال معين فقط (البرمجة) دون غيره، ما يعكس وجهة نظر ضيقة حول احتياجات سوق العمل.

بحسب دينا الخواجة، هناك طريقتان للتعامل مع الأداء الإعلامي الحالي في ما يتعلق بالتعليم: الأولى هي التركيز على تامر أمين، وجعله عبرة وترند و”كيس ملاكمة” (punching bag) والثانية هي التركيز على الخطر الأكبر، ألا وهو السردية التي تسأل “ما فائدة التعليم في تخصصات مثل الآداب والتجارة والحقوق؟”، والعمل على تفكيكها واختيار تصعيد المطالب المتعلقة بالإنفاق على التعليم وضرورة تطويره، وتحسين تدريب الأساتذة ومرتباتهم، وترميم المدارس والجامعات كمبانٍ وفصول. 

تامر أمين ليس سوى ترس في آلة، ليس بإمكان القيادة السياسية أن تقرر ازدراء بعض العلوم بناءً على منطق محدودية فرص التشغيل، مصر ليست مجرد طابونة، بل هي بلد، والرئيس ليس دوره أن يكون مستشاراً لسياسات التعليم أو متحدثاً باسم احتياجات سوق العمل، ودور المتخصصين هو الرد عليه من موقع الخبير، وليس كمنفّذين لأفكاره حول البرمجة.

هناك مشاكل وانهيار في التعليم، والحلول لا تكمن في إلغاء مقررات أو مواد، بل تكمن في أن تأتي مصادر الإلهام من متخصصين قادرين على التعبير المستقل تماماً، في ما يتعلق بأفضل المسارات لتحسين مضامين مناهج التعليم وأهمية تكامل المعرفة العلمية، والسياسات، والموارد اللازمة لذلك، بدلاً من تكرار ما يقوله الرئيس على شاشات التلفزيون لكسب النقاط.

تصريح تامر أمين ليس اعتباطياً ولا يتحدث بمزاجه الخاص، بل هو يعكس توجه الدولة التي تتعامل على أساس أننا في “معسكر”، وكل فرد يجب أن يؤدي عمله، والهدف الوحيد هو جلب الأموال بسرعة. التعليم هنا يُختزل فقط بتخريج عاملين في هذا المعسكر ليساعدوا الدولة، أما إذا أردنا أن نتعلم فلسفة ومنطقاً وتفكيراً حراً ونقدياً، فهذا يعتبر مضيعة للوقت وغير مفيد للمعسكر، بل وأكثر من ذلك، فهو خطر، لأن الناس إذا تعلموا الفلسفة والمنطق والتفكير النقدي، فلن يعود بالإمكان السيطرة عليهم. تامر أمين لا يتحدث من نفسه، بل من خلال جهاز التعليمات الأمني الذي نعّرفه في مصر ساخرين بـ”السامسونج”.

على رغم ذلك، فقليل من التحليل لوصفة الإعلامي تامر أمين قد تخبرنا بالمواطن المستقبلي الذي ستصنعه سياسات التعليم في الجمهورية الجديدة، بحسب الكاتب محمد صالح. فهي وصفة الإنسان الطفيلي، هذا النوع من التفكير هو ما أوصلنا إلى فتح معارض سيارات وصيدليات وسوبرماركات وكافيهات على كل ناصية، حيث نتفنّن في اختيار الأسماء والديكورات وتصميم قوائم الطعام والمشروبات، بدلاً من الابتكار والتصميم، وفتح المصانع والمعامل، وزراعة الأراضي، واستغلال الثروات الطبيعية المدفونة في باطن الأرض.

هذه هي الأشياء التي “تأكل عيش”، على حد قول الأستاذ تامر أمين، وهو محق في ذلك إلى حد ما، لكن هذه الأشياء ليست ما يبني الإنسان أو الأمة، بل هي ما يدفن الأمة ببطء، عندما تتحول الأمة إلى طابور من الطفيليين الذين يعيشون على حساب بعضهم بعضاً، يمتصون دماء بعضهم، ويصبحون عالة على حضارات ودول أخرى.

مثلاً، لكي تكون إعلامياً ناجحاً من المفترض أن تكون مستوعباً لسيكولوجية الجماهير، وأن يكون لديك تكوين جيد في علوم الاجتماع، لتعرف شرائح جمهورك وتفهمهم وتفهم احتياجاتهم والعلاقة بين الثقافة والتواصل والإعلام وباقي الأنشطة الاجتماعية. من المفترض أيضاً أن تكون مدرباً على التفكير النقدي والعلمي من خلال الفلسفة والمنطق، وإلا للأسف ستصبح مثل الأستاذ تامر أمين، إعلامياً ينشر الجهل بدلاً من الوعي.

تامر أمين نفسه هو أكبر دليل على أن هناك خللاً كبيراً في منظومتنا التعليمية.

  بالتأكيد الحل لهذا الخلل  ليس إفقار النظام التعليمي وتخريبه أكثر بحذف العلوم الأساسية، وإنما بإصلاح طريقة تدريسها وطريقة الالتحاق بالجامعات من الأساس.

كل تلك السياسات في النهاية تدور حول فكرة واحدة، تخفيض الإنفاق الحكومي على التعليم ما قبل الجامعي وما بعده، لتجعله مقتصراً على من يملكون ثمنه. يقول الكاتب عبده البرماوي: “على الرغم من رفع الحكومة، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، شعار إصلاح التعليم، وتغذيتها خطاباً تنموياً يعج بالوعود الكاذبة والمبالغ فيها، إلا أن البنية التحتية للتعليم، وبخاصة في الجانب التمويلي، شهدت تراجعاً حاداً، وقد دفعت الحكومة بسياسات نيوليبرالية يمكن وصفها بالطبقية والانحياز الاجتماعي وإهدار العدالة الاجتماعية”.

ويضيف: “ما نشهده اليوم هو تصاعد الحواجز الطبقية أمام الطلاب المجتهدين، وهي حواجز مالية بحتة، تسمح لمن يملكون القدرة المالية بالحصول على الفرص على حساب هؤلاء المحرومين. هذا الأمر يمثل تراجعاً في قيمة ينبغي الحفاظ عليها، وهي قيمة الاجتهاد الدراسي، التي لا يمكن يحصّلها المنتمون إلى الطبقات الأعلى بثمن مالي. 

لقد ظل الحصول على ما يزيد عن 90 في المئة لضمان مقعد في الكليات العليا، وبخاصة الطب والهندسة، يمثل الحلم التقليدي للفقراء المصريين في الصعود الاجتماعي، وهذا الأمر استمر منذ بدء نظام التعليم الحديث في مصر. 

لكن السياسات الجديدة عملت على خفض هذه النسب في الكليات الممتازة في الجامعات الخاصة إلى مستويات متدنية، لا تضمن في جامعات التعليم العام دخول كليات متوسطة، وكأن الأمر أصبح تعويضاً لقيمة الاجتهاد بمقابل مالي تعكسه المصروفات العالية”.

ويتابع البرماوي: “أسوأ شيء يمكن أن تعيشه هو تراجع الأمل، فتجارب النهضة في العالم كانت تعتمد على تحسين جودة التعليم، بدءاً من محمد علي، مروراً بالإمبراطور ميجي في اليابان وكيشور محبوباني في إندونيسيا، وصولاً إلى مهاتير محمد وهكذا.

ونحن نجد أنفسنا نصمّم على هدم هذه الفكرة في التاريخ، والتخلص من قيمتها، بدءاً من الإصرار على تعيين وزير غير مؤهل ومشكوك في شهادته، الى درجة أن الدولة منعته من استخدام رمزيتها في وصفه الإعلامي، ولكن ذلك لم يمنع السيد الوزير من إجراء تعديلات على مناهج مرحلة فاصلة مثل الثانوية العامة، من دون المرور على لجان الخبراء المتخصصة باعتماد المناهج وتقييمها.

وبدلاً من أن تعمل الدولة على إعادة تأهيل معلمي الدراسات الإنسانية لكي نتوقف عن تدريس التاريخ بالطريقة التقليدية، وتعليم الفلسفة في مدرجات كلية التربية الرياضية، نجد أنفسنا نلغي هذه العلوم الإنسانية، لأنها من وجهة نظر صناع القرار مجرد هراء”.