ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إلقاء القبض على أمجد يوسف: لن نغلق الحفرة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

النظام السوري الأسدي المديد قتل الماضي والحاضر، ثم قتل الإمكان نفسه. يقتل الغد قبل أن يصير غداً. لهذا لا تبدو حفرة التضامن حفرة للضحايا وحدهم. إنها حفرة للزمن السوري.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أمجد يوسف، ذلك الذي صنع الحفرة الأكثر وضوحاً واعترافاً في مجزرة حي التضامن. لكن الفظاعة هناك لا تكمن في وضوح الصورة التي شاهدناها فقط، بل في بطئها، وفي تنوعها الدرامي، في ضحايا يمشون فوق أحجار بيوت مهدمة قد تكون بيوتهم، معصوبي الأعين، ثم يرمون واحداً تلو الآخر في حفرة، بأمر شاب لم يبلغ الأربعين.

مجزرة التضامن لا تُرى كجريمة واحدة. إنها لقطة ناقصة من آلاف اللقطات التي نتخيلها ولم نرها، من سرد طويل لنظام الأسد، من عادة القتل وسهولته. لكنها، في الوقت نفسه، مكثفة إلى حد لا يطاق. ضحايا من أعمار متعددة، كأنهم ثلاثة أو أربعة أجيال سورية تساق إلى المكان نفسه. لذلك لا تبدو الحفرة مكاناً للموت، بل شكلاً مصغراً لتاريخ كامل من أجيال سورية عاشت في ظل النظام، وانتهت في فجوة ترابية، مغمضة العيون، بلا أسماء، وبلا حق في السؤال الأخير.

في مجزرة التضامن، لم تكن الحفرة محفورة في الأرض وحدها، بل في ضمير كل إنسان شاهدها أو تخيل تفاصيلها الغائبة. كان الرجال يسيرون مغمضي العيون، لكن العمى الحقيقي لم يكن في عيونهم بل في عين القاتل، في تلك القدرة المرعبة على أن يرى جسداً يرتجف أمامه، يتعرج، يقع، يحاول الثبات في خطواته قبل السقوط، ولا يسمع في داخله شيئاً يقول له توقف، تمهل، لا تفعل.

السؤال الأهم الذي نحجبه يصبح سؤالاً عن الإنسان نفسه. كيف بإمكان شاب لم يبلغ الأربعين أن يحمل داخله هذا العمر الطويل من القسوة؟ من أين جاء بكل هذا الموت؟  نظام الأسد قاتل وقتل ببشرٍ استخدمهم، صُنعوا من روح فارغة، مملوءة بالأوامر، قادرة على أن تنفذ الجريمة كما لو أنها وظيفة يومية باردة، ويحق للموظف فيها قدر من الاستمتاع والتلذذ. والضحايا، وهم يسقطون في الحفرة، لم يسقطوا كأفراد أو  كأعداد نُجبر على قولها كأرقام لتراكم المقتولين، ولاعتياد لغة العالم الحديث على الإحصاء رياضياً. بل يسقط معهم الأب، والابن، والجد، والذاكرة، والحي، والمدينة، وكل سوريا التي تعلمت أن تمشي مغمضة العينين أمام سلطة تريدها أن تصل إلى موتها من دون أن تعرف لماذا، ومن دون أن تفهم استحقاق هذا التفرد في الموت بوصفه خلاصاً من خوف طويل.

حفرة التضامن هي حفرة لكل السوريين. لم يسقط فيها الذين قُتلوا وحدهم، بل سقطنا جميعاً. لكنهم هم وصلوا إلى نهاية الألم، إلى كامله، إلى تلك النقطة التي لا يعود بعدها شيء قابلاً للإضافة بالتالي تحرروا. ماتوا أكثر منا بكثير، حتى صار موتهم شكلاً قاسياً من الحرية التي يجسدها كل سوري وهو يقول: “الموت أهون ألنا”، أو يلي مات ارتاح”. أما نحن فبقينا في الامتداد، في الألم المفتوح، في العجز الذي لا ينتهي، في موت معذب يتكرر، ولم يكن آخره في الساحل والسويداء. لقد تجاوز فرحنا بسقوط الأسد أحلامنا، إننا في مكان ما زال الموت الدرامي فيه ممكناً، درامياً لأن التراجيديا التي فيه مختلف عليها، ما زلنا نرى أبطالاً دراميين يستسهلون القتل والتعذيب والعروض المكثفة للرمي من الشرفات أو القتل المتعرج لرجال يحاولون الهرب.

ماذا فعل أمجد يوسف أكثر من أنه كشف لنا هذه الحقيقة العارية؟ لم يقل لنا فقط كيف مات ضحاياه، بل قال لنا كيف نموت نحن أيضاً في أيدي غيره. قال لنا أيضاً إن جزءاً كبيراً من الحرية يكون في الموت، خلاصهم المرعب وعجزنا الطويل نحن الذين لم نمت ونشهد جرائم أخرى. قال لنا إن الموت الذي أسسه الأسد لا ينتهي عند الجثة، بل يمتد في الأحياء وفي الرحم الذي أسسه في حفرة التضامن، في الذاكرة، في الخوف، وفي الذين سينتقمون، وفي الذين لن ينتبهوا أن سوريا امتلأت بمن تشوهوا، ومن تساهلوا مع الموت والقتل وإنتاجه. امتدت الحفرة إلى كل من شاهدها وعرف أنه كان يمكن أن يكون واحداً من الواقفين على حافتها، أو واحداً ممن سيفتحون حفرة جديدة.

في حفرة التضامن لا نرى مجزرة أبداً، بل نرى تاريخاً يؤسس لمستقبل ممكن أيضاً،  نرى أجيالاً سورية مغمضة العيون، لا لأنها لا ترى، بل لأن السلطة أرادت لها أن تصل إلى موتها بلا سؤال، وحينما تحررت من السلطة ظلت تحافظ على الخوف بعد مجزرتين كبيرتين وتعذيب في السجون ما زال سارياً.  سقط النظام، وما زلنا نتخيل أن حفرة التضامن قد اتسعت، وأن القتلة ينتشرون بيننا، كما عاش بيننا أمجد يوسف، هو وعائلته ومشجعوه ورفاقه. إنه تمرين طويل على ما يمكن أن يصير عادياً.

الأجيال الأربعة التي دُفنت

العجوز ذو اللباس الرمادي، المبيض الشعر، في حفرة التضامن، سقط معه أبي، وعمي، وجيل كامل قاتل في 67 و73، أو عاش على ذاكرة تلك الحروب، ضد عدو كنا نظن أن أحداً لا يقتل مثله. جيل ما زال يتذكر سوريا بوصفها خيراً ممكناً، قبل أن تبتلعها قسوة البعث، وعائلة الأسد، والحكم العسكري.جسد مسن يُرمى إلى الرعب والعتمة، لكي تسقط معه ذاكرة قديمة عن البلد. ذاكرة كانت تظن أن سوريا يمكن أن تكون شيئاً آخر غير هذا المصير. في بكاء الرجل العجوز وحيرته نسمع انكسار جيل كامل ظل يراهن، بالصبر أو الصمت أو الاحتمال، على أن النجاة ممكنة.

أما ابن العمر الوسط، فهو السوري الذي عاش بين واجب البيت وذل الدولة. ليس شيخاً تحرر من الرجاء أو الدعاء، ولا شاباً يملك وهم البداية. هو العمر الذي يحمل العائلة، والعمل، والخبز، والأبناء، والخوف من الغد، وقد يحمل الثورة على نظام إبادة. في الحفرة قتل مركز البيت. قتلت اليد التي تعمل. قتل الجسد الذي كان يحاول أن يؤجل الانهيار يوماً آخر. مات في الحفرة البيت الذي كان ينتظر عودته، والباب الذي لم يفتح له، والخبز الذي كان عليه أن يحضره، والأولاد الذين كان عليهم أن يصدقوا أن الأب سيعود.

أما الثالث، الأصغر سناًً، فهو الألم الأشد، لأنه لا يمثل ما مضى فقط، بل ما كان يمكن أن يأتي. هو المستقبل الذي لم يأخذ وقته. حين يرمى الشاب في الحفرة، لا تموت حياته وحدها، بل يموت الاحتمال، الدراسة التي ربما لم تكتمل، الحب الذي لم يعش يوماً، البيت الذي تنتظر فيه الأم عودته، الغد الذي لم يسمح له أن يصير غداً.

النظام السوري الأسدي المديد قتل الماضي والحاضر، ثم قتل الإمكان نفسه. يقتل الغد قبل أن يصير غداً.

لهذا لا تبدو حفرة التضامن حفرة للضحايا وحدهم. إنها حفرة للزمن السوري.بل إنها أقرب إلى رحم معكوس منها إلى حفرة. نحن لا نقع في الحفر فقط، ونحن لا نحفر لنخفي فقط. أحياناً نحفر لنصنع. أمجد يوسف حفر لا ليخفي الضحايا، بل ليصنعنا نحن. حفر ليهندس ذاكرة الخوف، والانتقام، والمقتلة.

في الجريمة العادية يقتل القاتل ضحيته. في التضامن قتل القاتل الضحية، وقتل الشاهد، وتركنا نحن في سجن المعرفة: نعرف، ولا نستطيع أن نعيد أحداً من الحفرة.

كيف نغلق الرحم لا الحفرة؟

نتبادل اليوم صور أمجد يوسف. السوشل ميديا تغرق في وجه القاتل. في عينيه. في ملامحه. في سيرته في الدماء النازلة منه جراء ضربه. في احتمال أن يكون وحشاً صافياً، أو مأموراً أعمى أو وحشاً طائفياً أو وحشاً عسكرياً، أو ابناً طبيعياً لبنية أمنية صنعت القتل ثم رمته بيننا.لكن حفرة التضامن لا تغلق بصورة القاتل ولا بالقبض عليه. ولا تغلق بالشماتة به. ولا تغلق بأن نراه ذليلاً أو مكسوراً. هذه كلها مشاعر مفهومة، وربما ضرورية في لحظة أولى، لكنها لا تكفي. لأن السؤال الأخطر ليس ماذا نفعل بأمجد فقط، بل كيف صار أمجد ممكناً؟ كيف صار شاب لم يبلغ الأربعين قادراً على أن يقف فوق حفرة، وأن يرى رجلاً معصوب العينين يسير نحو موته، ثم يطلق النار كما لو أنه ينجز عملاً يومياًً في مؤسسة عادية؟ ثم يتبادل الصور عبر صفحاته الاجتماعية.

العنف في سوريا كان نظاماً عاماً. تلوث به الجميع بدرجات مختلفة، خوفاً أو صمتاً أو نجاة أو تواطؤاً أو أمراً أو تنفيذاً أو مشاهدة أو حتى بالتبرير له. لم يكن القاتل وحده داخل الحفرة. كانت معه لغة كاملة بررت القتل، ومؤسسات نفذته، وصمت حماه، وجمهور تعلم أن ينجو بالتجاهل.لذلك لا تكفي محاسبة القاتل. يجب أن يسقط النظام الداخلي للعنف.  العدالة الانتقالية تبدأ من هنا. لا من خطاب مصالحة سريع، ولا من دعوة أخلاقية إلى النسيان، ولا من انتقام أهلي يعيد إنتاج الجريمة باسم الضحية، وهذا أسهل ما يفعله السوريون اليوم لغة وكلاماً وسلوكاً. تبدأ من إعادة ترتيب البلاد أخلاقياً. أن نقول إن الضحية ليست رقماً لأننا بعد عام ونصف العام لم نبحث جيداً لإنصاف الضحايا، وإن العائلة التي تبحث عن ابنها ليست عبئاً على الدولة أو تلجأ الى منظمات أوروبية لكي تنقذ سيرة الموت، بل هي أصل الدولة وأساس عملها. الدولة التي لا تسمع أم المفقود لا تستحق أن تطلب من الناس احترام القانون.

لا نغلق الحفرة بأن نبكي فقط. البكاء بداية، لكنه ليس معرفة بل عائق معرفي. يجب أن نتوقف عند البكاء لا أن نقيم فيه وننتقم من خلاله. أن نسأل ماذا كشف لنا أمجد يوسف؟ لم يكشف لنا وحشيته وحدها، بل كشف البنية التي صنعت الوحش. كشف كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة قتل وهو يظن نفسه جزءاً من عمل عادي. كشف كيف تتحول الطاعة إلى جريمة والطائفية إلى إجرام مؤجل.

يجب أن تكون الذاكرة مؤسسة، أرشيفاً للشهادات، أسماء للمفقودين، خرائط للمقابر، ملفات للمعتقلين، محاكمات علنية بقدر الإمكان تليها دراسة تجعل العنف منبوذاً، تعويضات للضحايا، إصلاحاً للأجهزة. تربية عامة تقول للأجيال الجديدة إن العنف ليس بطولة، وإن إذلال الإنسان ليس سياسة ولا عملاً مُنتجاً لدولة، وإن الدولة لا تقاس بقدرتها على التخويف والانتقام اللامقونن، بل بقدرتها على حماية الضعيف من القوي. أمجد يوسف لا يجب أن يتحول إلى ترند تُتاجر به سلطة تدعي أنها حررت السوريين، بل يجب أن يتحول إلى ملف، إلى سؤال، إلى محكمة، إلى درس عام عن قابلية الإنسان للتشوه حين تنكسر الدولة، وحين يتحول الأمن إلى دين وطائفة.

لذلك لا نغلق الحفرة بإخفاء صورتها، ولا بإغراقها بالشتائم، ولا بتحويل أمجد إلى شيطان يريحنا من سؤالنا الأصعب. نغلقها حين نفهم أن القاتل ليس خارج التاريخ، بل نتيجة تاريخ عرفناه وعرفنا شخصياته وسياقاته التي ولدت لنا أمجد يوسف.  ونغلق الحفرة حين يصبح السؤال السوري واضحاً كيف نمنع أمجد آخر من أن يولد؟ ونظرة الى أقل من سنة من الآن جعلتنا نشاهد مئات أمجد يوسف يقتلون ويتجولون في الساحل والسويداء. كيف نمنع المؤسسة التي صنعته من العودة باسم جديد؟

24.04.2026
زمن القراءة: 7 minutes

النظام السوري الأسدي المديد قتل الماضي والحاضر، ثم قتل الإمكان نفسه. يقتل الغد قبل أن يصير غداً. لهذا لا تبدو حفرة التضامن حفرة للضحايا وحدهم. إنها حفرة للزمن السوري.

أمجد يوسف، ذلك الذي صنع الحفرة الأكثر وضوحاً واعترافاً في مجزرة حي التضامن. لكن الفظاعة هناك لا تكمن في وضوح الصورة التي شاهدناها فقط، بل في بطئها، وفي تنوعها الدرامي، في ضحايا يمشون فوق أحجار بيوت مهدمة قد تكون بيوتهم، معصوبي الأعين، ثم يرمون واحداً تلو الآخر في حفرة، بأمر شاب لم يبلغ الأربعين.

مجزرة التضامن لا تُرى كجريمة واحدة. إنها لقطة ناقصة من آلاف اللقطات التي نتخيلها ولم نرها، من سرد طويل لنظام الأسد، من عادة القتل وسهولته. لكنها، في الوقت نفسه، مكثفة إلى حد لا يطاق. ضحايا من أعمار متعددة، كأنهم ثلاثة أو أربعة أجيال سورية تساق إلى المكان نفسه. لذلك لا تبدو الحفرة مكاناً للموت، بل شكلاً مصغراً لتاريخ كامل من أجيال سورية عاشت في ظل النظام، وانتهت في فجوة ترابية، مغمضة العيون، بلا أسماء، وبلا حق في السؤال الأخير.

في مجزرة التضامن، لم تكن الحفرة محفورة في الأرض وحدها، بل في ضمير كل إنسان شاهدها أو تخيل تفاصيلها الغائبة. كان الرجال يسيرون مغمضي العيون، لكن العمى الحقيقي لم يكن في عيونهم بل في عين القاتل، في تلك القدرة المرعبة على أن يرى جسداً يرتجف أمامه، يتعرج، يقع، يحاول الثبات في خطواته قبل السقوط، ولا يسمع في داخله شيئاً يقول له توقف، تمهل، لا تفعل.

السؤال الأهم الذي نحجبه يصبح سؤالاً عن الإنسان نفسه. كيف بإمكان شاب لم يبلغ الأربعين أن يحمل داخله هذا العمر الطويل من القسوة؟ من أين جاء بكل هذا الموت؟  نظام الأسد قاتل وقتل ببشرٍ استخدمهم، صُنعوا من روح فارغة، مملوءة بالأوامر، قادرة على أن تنفذ الجريمة كما لو أنها وظيفة يومية باردة، ويحق للموظف فيها قدر من الاستمتاع والتلذذ. والضحايا، وهم يسقطون في الحفرة، لم يسقطوا كأفراد أو  كأعداد نُجبر على قولها كأرقام لتراكم المقتولين، ولاعتياد لغة العالم الحديث على الإحصاء رياضياً. بل يسقط معهم الأب، والابن، والجد، والذاكرة، والحي، والمدينة، وكل سوريا التي تعلمت أن تمشي مغمضة العينين أمام سلطة تريدها أن تصل إلى موتها من دون أن تعرف لماذا، ومن دون أن تفهم استحقاق هذا التفرد في الموت بوصفه خلاصاً من خوف طويل.

حفرة التضامن هي حفرة لكل السوريين. لم يسقط فيها الذين قُتلوا وحدهم، بل سقطنا جميعاً. لكنهم هم وصلوا إلى نهاية الألم، إلى كامله، إلى تلك النقطة التي لا يعود بعدها شيء قابلاً للإضافة بالتالي تحرروا. ماتوا أكثر منا بكثير، حتى صار موتهم شكلاً قاسياً من الحرية التي يجسدها كل سوري وهو يقول: “الموت أهون ألنا”، أو يلي مات ارتاح”. أما نحن فبقينا في الامتداد، في الألم المفتوح، في العجز الذي لا ينتهي، في موت معذب يتكرر، ولم يكن آخره في الساحل والسويداء. لقد تجاوز فرحنا بسقوط الأسد أحلامنا، إننا في مكان ما زال الموت الدرامي فيه ممكناً، درامياً لأن التراجيديا التي فيه مختلف عليها، ما زلنا نرى أبطالاً دراميين يستسهلون القتل والتعذيب والعروض المكثفة للرمي من الشرفات أو القتل المتعرج لرجال يحاولون الهرب.

ماذا فعل أمجد يوسف أكثر من أنه كشف لنا هذه الحقيقة العارية؟ لم يقل لنا فقط كيف مات ضحاياه، بل قال لنا كيف نموت نحن أيضاً في أيدي غيره. قال لنا أيضاً إن جزءاً كبيراً من الحرية يكون في الموت، خلاصهم المرعب وعجزنا الطويل نحن الذين لم نمت ونشهد جرائم أخرى. قال لنا إن الموت الذي أسسه الأسد لا ينتهي عند الجثة، بل يمتد في الأحياء وفي الرحم الذي أسسه في حفرة التضامن، في الذاكرة، في الخوف، وفي الذين سينتقمون، وفي الذين لن ينتبهوا أن سوريا امتلأت بمن تشوهوا، ومن تساهلوا مع الموت والقتل وإنتاجه. امتدت الحفرة إلى كل من شاهدها وعرف أنه كان يمكن أن يكون واحداً من الواقفين على حافتها، أو واحداً ممن سيفتحون حفرة جديدة.

في حفرة التضامن لا نرى مجزرة أبداً، بل نرى تاريخاً يؤسس لمستقبل ممكن أيضاً،  نرى أجيالاً سورية مغمضة العيون، لا لأنها لا ترى، بل لأن السلطة أرادت لها أن تصل إلى موتها بلا سؤال، وحينما تحررت من السلطة ظلت تحافظ على الخوف بعد مجزرتين كبيرتين وتعذيب في السجون ما زال سارياً.  سقط النظام، وما زلنا نتخيل أن حفرة التضامن قد اتسعت، وأن القتلة ينتشرون بيننا، كما عاش بيننا أمجد يوسف، هو وعائلته ومشجعوه ورفاقه. إنه تمرين طويل على ما يمكن أن يصير عادياً.

الأجيال الأربعة التي دُفنت

العجوز ذو اللباس الرمادي، المبيض الشعر، في حفرة التضامن، سقط معه أبي، وعمي، وجيل كامل قاتل في 67 و73، أو عاش على ذاكرة تلك الحروب، ضد عدو كنا نظن أن أحداً لا يقتل مثله. جيل ما زال يتذكر سوريا بوصفها خيراً ممكناً، قبل أن تبتلعها قسوة البعث، وعائلة الأسد، والحكم العسكري.جسد مسن يُرمى إلى الرعب والعتمة، لكي تسقط معه ذاكرة قديمة عن البلد. ذاكرة كانت تظن أن سوريا يمكن أن تكون شيئاً آخر غير هذا المصير. في بكاء الرجل العجوز وحيرته نسمع انكسار جيل كامل ظل يراهن، بالصبر أو الصمت أو الاحتمال، على أن النجاة ممكنة.

أما ابن العمر الوسط، فهو السوري الذي عاش بين واجب البيت وذل الدولة. ليس شيخاً تحرر من الرجاء أو الدعاء، ولا شاباً يملك وهم البداية. هو العمر الذي يحمل العائلة، والعمل، والخبز، والأبناء، والخوف من الغد، وقد يحمل الثورة على نظام إبادة. في الحفرة قتل مركز البيت. قتلت اليد التي تعمل. قتل الجسد الذي كان يحاول أن يؤجل الانهيار يوماً آخر. مات في الحفرة البيت الذي كان ينتظر عودته، والباب الذي لم يفتح له، والخبز الذي كان عليه أن يحضره، والأولاد الذين كان عليهم أن يصدقوا أن الأب سيعود.

أما الثالث، الأصغر سناًً، فهو الألم الأشد، لأنه لا يمثل ما مضى فقط، بل ما كان يمكن أن يأتي. هو المستقبل الذي لم يأخذ وقته. حين يرمى الشاب في الحفرة، لا تموت حياته وحدها، بل يموت الاحتمال، الدراسة التي ربما لم تكتمل، الحب الذي لم يعش يوماً، البيت الذي تنتظر فيه الأم عودته، الغد الذي لم يسمح له أن يصير غداً.

النظام السوري الأسدي المديد قتل الماضي والحاضر، ثم قتل الإمكان نفسه. يقتل الغد قبل أن يصير غداً.

لهذا لا تبدو حفرة التضامن حفرة للضحايا وحدهم. إنها حفرة للزمن السوري.بل إنها أقرب إلى رحم معكوس منها إلى حفرة. نحن لا نقع في الحفر فقط، ونحن لا نحفر لنخفي فقط. أحياناً نحفر لنصنع. أمجد يوسف حفر لا ليخفي الضحايا، بل ليصنعنا نحن. حفر ليهندس ذاكرة الخوف، والانتقام، والمقتلة.

في الجريمة العادية يقتل القاتل ضحيته. في التضامن قتل القاتل الضحية، وقتل الشاهد، وتركنا نحن في سجن المعرفة: نعرف، ولا نستطيع أن نعيد أحداً من الحفرة.

كيف نغلق الرحم لا الحفرة؟

نتبادل اليوم صور أمجد يوسف. السوشل ميديا تغرق في وجه القاتل. في عينيه. في ملامحه. في سيرته في الدماء النازلة منه جراء ضربه. في احتمال أن يكون وحشاً صافياً، أو مأموراً أعمى أو وحشاً طائفياً أو وحشاً عسكرياً، أو ابناً طبيعياً لبنية أمنية صنعت القتل ثم رمته بيننا.لكن حفرة التضامن لا تغلق بصورة القاتل ولا بالقبض عليه. ولا تغلق بالشماتة به. ولا تغلق بأن نراه ذليلاً أو مكسوراً. هذه كلها مشاعر مفهومة، وربما ضرورية في لحظة أولى، لكنها لا تكفي. لأن السؤال الأخطر ليس ماذا نفعل بأمجد فقط، بل كيف صار أمجد ممكناً؟ كيف صار شاب لم يبلغ الأربعين قادراً على أن يقف فوق حفرة، وأن يرى رجلاً معصوب العينين يسير نحو موته، ثم يطلق النار كما لو أنه ينجز عملاً يومياًً في مؤسسة عادية؟ ثم يتبادل الصور عبر صفحاته الاجتماعية.

العنف في سوريا كان نظاماً عاماً. تلوث به الجميع بدرجات مختلفة، خوفاً أو صمتاً أو نجاة أو تواطؤاً أو أمراً أو تنفيذاً أو مشاهدة أو حتى بالتبرير له. لم يكن القاتل وحده داخل الحفرة. كانت معه لغة كاملة بررت القتل، ومؤسسات نفذته، وصمت حماه، وجمهور تعلم أن ينجو بالتجاهل.لذلك لا تكفي محاسبة القاتل. يجب أن يسقط النظام الداخلي للعنف.  العدالة الانتقالية تبدأ من هنا. لا من خطاب مصالحة سريع، ولا من دعوة أخلاقية إلى النسيان، ولا من انتقام أهلي يعيد إنتاج الجريمة باسم الضحية، وهذا أسهل ما يفعله السوريون اليوم لغة وكلاماً وسلوكاً. تبدأ من إعادة ترتيب البلاد أخلاقياً. أن نقول إن الضحية ليست رقماً لأننا بعد عام ونصف العام لم نبحث جيداً لإنصاف الضحايا، وإن العائلة التي تبحث عن ابنها ليست عبئاً على الدولة أو تلجأ الى منظمات أوروبية لكي تنقذ سيرة الموت، بل هي أصل الدولة وأساس عملها. الدولة التي لا تسمع أم المفقود لا تستحق أن تطلب من الناس احترام القانون.

لا نغلق الحفرة بأن نبكي فقط. البكاء بداية، لكنه ليس معرفة بل عائق معرفي. يجب أن نتوقف عند البكاء لا أن نقيم فيه وننتقم من خلاله. أن نسأل ماذا كشف لنا أمجد يوسف؟ لم يكشف لنا وحشيته وحدها، بل كشف البنية التي صنعت الوحش. كشف كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة قتل وهو يظن نفسه جزءاً من عمل عادي. كشف كيف تتحول الطاعة إلى جريمة والطائفية إلى إجرام مؤجل.

يجب أن تكون الذاكرة مؤسسة، أرشيفاً للشهادات، أسماء للمفقودين، خرائط للمقابر، ملفات للمعتقلين، محاكمات علنية بقدر الإمكان تليها دراسة تجعل العنف منبوذاً، تعويضات للضحايا، إصلاحاً للأجهزة. تربية عامة تقول للأجيال الجديدة إن العنف ليس بطولة، وإن إذلال الإنسان ليس سياسة ولا عملاً مُنتجاً لدولة، وإن الدولة لا تقاس بقدرتها على التخويف والانتقام اللامقونن، بل بقدرتها على حماية الضعيف من القوي. أمجد يوسف لا يجب أن يتحول إلى ترند تُتاجر به سلطة تدعي أنها حررت السوريين، بل يجب أن يتحول إلى ملف، إلى سؤال، إلى محكمة، إلى درس عام عن قابلية الإنسان للتشوه حين تنكسر الدولة، وحين يتحول الأمن إلى دين وطائفة.

لذلك لا نغلق الحفرة بإخفاء صورتها، ولا بإغراقها بالشتائم، ولا بتحويل أمجد إلى شيطان يريحنا من سؤالنا الأصعب. نغلقها حين نفهم أن القاتل ليس خارج التاريخ، بل نتيجة تاريخ عرفناه وعرفنا شخصياته وسياقاته التي ولدت لنا أمجد يوسف.  ونغلق الحفرة حين يصبح السؤال السوري واضحاً كيف نمنع أمجد آخر من أن يولد؟ ونظرة الى أقل من سنة من الآن جعلتنا نشاهد مئات أمجد يوسف يقتلون ويتجولون في الساحل والسويداء. كيف نمنع المؤسسة التي صنعته من العودة باسم جديد؟