ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إلى حلب… ومعي حرب ليست حربها!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في طريق العودة، لم تكن حلب هي التي تغيّرت؛ بل أنا، كانت القلعة لا تزال تطلّ من علوّها العتيد، والأسواق تسرد حكايتها، والقدود تنبعث من المذياع القديم، ورائحة الغار والصابون تتعانق مع عبق القهوة، تغيّرت أنا لأنني أدركت كيف سرقتنا الحرب بأسئلتها الكبرى من يسيطر؟ ومن يحكم؟ وحجبت عنّا السؤال الأشدّ إلحاحاً: ماذا صنعت الحرب في أرواحنا وعلاقاتنا؟ 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من وين؟

لم يطرح عليّ أحد في حلب هذا السؤال، لكنّه كان يعزف إيقاعه الخائف في رأسي طوال الطريق، فلم تكن زيارتي الأولى لمدينة سورية، لكنّها كانت الأولى لحلب، جئت أنتظر تدريباً، صحافياً، وأراجع جدول الأيّام ومواعيد الوصول، بينما كانت أسئلتي الدفينة تسبق خطاي إلى المدينة: هل ستسبقني لهجتي إلى الغرباء؟ وهل سيتوجّب عليّ أن أقدّم نسبي اللغوي قبل أن أفصح عن اسمي؟ 

أنا كردية من شمال شرقي سوريا، لم تكن لهجتي يوماً عبئاً، غير أن الحروب لا تكتفي بتهديم العمران، بل تفسد حسّ الإصغاء لدى البشر؛ تجعل الإنسان يزن كلماته بميزان الريبة، ويتهيّأ لدفع تهمة لم يُتّهم بها بعد.

طوال أعوام الجحيم، تعرّف السوريون إلى بعضهم بعضاً من خلال الشاشات لا الملامح؛ اختُزلت الأمكنة في خرائط سيطرة، والديار في ركام، والناس في هويّات قسرية، وصارت اللهجات تلك الموسيقى التي أسّست تنوّعناً أشبه ببطاقات حرس الحدود؛ تكفي كلمة واحدة ليعيد الآخر رسم تاريخك ومحاكمتك، لهذا، لم أكن أحمل في حقائبي ملابسي وأوراقي فحسب، بل حملت معها حلب كما أوجدتها الأخبار: رماداً، وجدراناً سوداء، ووجوماً يشي بأن الحرب أضحت اسمها الثاني. 

لكنّ شيئاً أزلياً في قلبي كان يرفض هذا الاختزال، فحلب لم تنشأ في كنف الحرب لتستسلم لظلّها؛ لقد عبرت فوق أجساد الإمبراطوريات، والزلازل، والقوافل، والحرائق، وكانت في كل مرّة تنتفض كالعنقاء لتلوذ بأسواقها، وحجارتها الصفراء، وبصوتها الذي يشبه الغناء أكثر ممّا يشبه الصخب، مدينة خبرت الخسارات عبر أزمنة تطول، لكنّها لم تتعلّم قطّ كيف تتخلّى عن روحها. 

وصلت والغروب ينسكب على المدينة، فبدت الأبنية المحيطة بالفندق تتّكئ على ندوبها؛ شرفات كسيحة، وواجهات مثقوبة تنضح برائحة الدخان القديم، للحظة، خُيّل إليّ أنني أقف داخل الصورة الميتة ذاتها، ثم… بدأت أسمعها… نداء بائع ينساب على عربته، ضحكة طفل تتمرجح بين الأزقّة، رنين فناجين القهوة، ولحن من القدود الحلبية يتسلّل من نافذة وارفة كأنه ما غادر الحارة يوماً، هناك أدركت أن المدن قد تُرى بالعين، لكنّها لا تُفهم إلا بالأذن؛ وكانت حلب، رغم كل جراحها، تشدو بنغمتها الخاصّة. 

عند المدخل، امتزج أريج البنّ برائحة الخبز الطازج، كان حارس الحقائب يمارس صبراً أليفاً، والسائق يداعب زبونه في الثمن، وموظّف الاستقبال يهشّ للواصلين كأن المساء أليف لا ريب فيه، لم يكن أحد يتصرّف بجمود الفاجعة، بل كان الجميع منغمساً في طقوس الحياة، هناك، تشقّقت الصخرة التي حملتها في صدري؛ إذ فهمت أن أعتى ما تُخفيه الحروب ليس دمار الحجر، بل تلك الأيام العادية التي ينجح الناس بصبر خفيّ لا ترصده العدسات في إنقاذها كل صباح.  

في الصباح التالي، خرجت أقتفي أثر المدينة التي لا تطالها النشرات، كان الضوء الأوّل يداعب الحجارة العتيقة، ويوقظ أزقّة لامستها أقدام التجّار والحجّاج منذ غابر الأزمان، لم تكن حلب تستعرض مجدها، بل تعيشه بوقار، كانت الأبواب الحديدية ترتفع متتالية، ورائحة الرغيف المشتعل تهبّ من أفرانها، بينما رجل يفرش عتبة متجره بالماء، ينفض عنها غبار ليلة عابرة لا أثر سنوات عجاف، ومن دكّان متوارٍ، انساب صوت صبحي جارور أو الصباح، دافئاً، كأن المدينة تدندن لنفسها قبل أن يشتعل النهار.   

مشيتُ بلا بوصلة؛ لم أبتغ القلعة الشامخة ولا الأسواق المعشوشبة بالزائرين، بل التفاصيل الصغيرة: امرأة تتفقّد باقة نعناع، طفل يطارد حمامة، وبائع ينادي بالصوت ذاته الذي ورثه أباً عن جدّ، كنت أريد أن أسمع حلب بألسنة أبنائها، لا عبر تقارير الخراب، فالأخبار تسجّل لحظة الانفجار وتعمى عن الصباح الذي يليه؛ تحصي الضحايا، لكنّها تعجز عن رسم العاديين الذين يرمّمون العالم بفتح دكاكينهم، أو بطفل يذهب إلى مدرسته يمارس انتصاره الخفيّ على العدم. 

في قاعة التدريب، التقينا صحافيين وصحافيات من شتات المدن السورية، جئنا لنفاوض الكلمة والمهنة، غير أن الاستراحات كانت تعيدنا حتماً إلى ديارنا، أدهشني كيف نحفظ جميعاً أسماء خطوط التماس، بينما نجهل أسماء المقاهي والأغاني التي يقطع بها الناس أزقّتهم! لقد منحنا الجحيم معرفة فائقة بالخرائط، ووسمَنا بأمّية مفجعة تجاه البشر.  

كنت أزن كلماتي في اليوم الأوّل كمن يسير على زجاج، أسمع لهجتي في حنجرتي قبل أن تفلت للعلن، وفجأة، التفتت إليّ إحدى المشاركات، وقالت بابتسامة صافية: لهجتك من الجزيرة… صح؟ قلت: نعم، أردفت برقّة: حبّ هذه اللهجة، ثم مضى الحديث إلى القهوة، وعناء الطريق، دون أن يحمل السؤال أيّ ظلال قاسية.

أما أنا، فكنت قد دجّجت السؤال بسنوات من التأويل السيّئ! أدركت حينها أنني أتيت مجهّزة للدفاع عن نفسي، في حين لم يكن أحد يتهيّأ لمحاكمتي، وأن الحرب التي ظننت أنني خلّفتها وراء ظهري، كانت تضيّق صدري وتسبقني إلى ظنوني بالآخرين، تلك المرأة لم تطمئن قلبي فحسب، بل أعادت للهجتي براءتها الأولى: أن تكون لساناً للهويّة، لا راية للانقسام.  

في طريق العودة، لم تكن حلب هي التي تغيّرت؛ بل أنا، كانت القلعة لا تزال تطلّ من علوّها العتيد، والأسواق تسرد حكايتها، والقدود تنبعث من المذياع القديم، ورائحة الغار والصابون تتعانق مع عبق القهوة، تغيّرت أنا لأنني أدركت كيف سرقتنا الحرب بأسئلتها الكبرى من يسيطر؟ ومن يحكم؟ وحجبت عنّا السؤال الأشدّ إلحاحاً: ماذا صنعت الحرب في أرواحنا وعلاقاتنا؟ 

لقد بنى الخوف جدراناً غير مرئية بين السوريين، جعلتنا نتوقّع سوء الظنّ، ونقرأ في الملامح البسيطة تهديداً مضمراً، حفظنا أسماء المعارك، ونسينا صنّاع الحياة؛ الحرفيين الذين يطرقون النحاس، والخبّازين الذين يستقبلون الفجر، والقهوجية الذين يوزّعون الدفء. 

بعد عودتي، سألني الأصدقاء عن الدمار والحواجز والأمن، فكنت أجيبهم، لكنّني أؤجّل دوماً الجواب الحقيقي؛ كنت أحدّثهم عن رائحة الخبز، وعن دندنة القدود، وعن المرأة التي أحبّت لهجتي دون أن تسألني إلى أيّ معسكر أنتمي، لم تتغيّر لهجتي الجزراوية، ولم أعد أسمعها كعقدة أعتذر عنها، بل كنوتة أصيلة في الموشّح السوري الكبير، فاللهجات لم تُخلق لتشقيق الوطن، بل لتكشف اتّساعه؛ واختلاف النبرات كاختلاف المقامات في القدود الحلبية، لا ينفي بعضها بعضاً، بل يمنح اللحن التمام، لا أدّعي أن رحلة قصيرة تمحو جراح سنين، لكنّها كانت قبساً كافياً لمراجعة الصور النمطية في مخيّلتي، ومنذ ذلك اليوم، كلما التقيت بسوريّ من حلب، أو الساحل، أو السويداء، أو الشام، أطرد الصورة المسبقة، وأفسح للإنسان أمامي أن يكتب قصّته بلسانه. 

وعندما تستبدّ بي الذكرى، لا أتذكّر قاعة التدريب ولا الفندق، بل يتردّد في صدري سؤال واحد: كم مدينةً في هذا الوطن ما زلنا نعرفها برعب الخوف، لا برحابة أهلها؟ وربما تبدأ قيامة البلاد من هنا: أن نصغي إلى المدن بأصوات قاطنيها لا بأصداء المدافع، وأن نمنح كل إنسان حقّ التعريف بنفسه لا بما ترسمه أوهامنا، فالحرب التي حملتها معي إلى حلب… لم تكن حربها؛ بل كانت الحرب التي استوطنت في داخلي.

27.07.2026
زمن القراءة: 5 minutes

في طريق العودة، لم تكن حلب هي التي تغيّرت؛ بل أنا، كانت القلعة لا تزال تطلّ من علوّها العتيد، والأسواق تسرد حكايتها، والقدود تنبعث من المذياع القديم، ورائحة الغار والصابون تتعانق مع عبق القهوة، تغيّرت أنا لأنني أدركت كيف سرقتنا الحرب بأسئلتها الكبرى من يسيطر؟ ومن يحكم؟ وحجبت عنّا السؤال الأشدّ إلحاحاً: ماذا صنعت الحرب في أرواحنا وعلاقاتنا؟ 

من وين؟

لم يطرح عليّ أحد في حلب هذا السؤال، لكنّه كان يعزف إيقاعه الخائف في رأسي طوال الطريق، فلم تكن زيارتي الأولى لمدينة سورية، لكنّها كانت الأولى لحلب، جئت أنتظر تدريباً، صحافياً، وأراجع جدول الأيّام ومواعيد الوصول، بينما كانت أسئلتي الدفينة تسبق خطاي إلى المدينة: هل ستسبقني لهجتي إلى الغرباء؟ وهل سيتوجّب عليّ أن أقدّم نسبي اللغوي قبل أن أفصح عن اسمي؟ 

أنا كردية من شمال شرقي سوريا، لم تكن لهجتي يوماً عبئاً، غير أن الحروب لا تكتفي بتهديم العمران، بل تفسد حسّ الإصغاء لدى البشر؛ تجعل الإنسان يزن كلماته بميزان الريبة، ويتهيّأ لدفع تهمة لم يُتّهم بها بعد.

طوال أعوام الجحيم، تعرّف السوريون إلى بعضهم بعضاً من خلال الشاشات لا الملامح؛ اختُزلت الأمكنة في خرائط سيطرة، والديار في ركام، والناس في هويّات قسرية، وصارت اللهجات تلك الموسيقى التي أسّست تنوّعناً أشبه ببطاقات حرس الحدود؛ تكفي كلمة واحدة ليعيد الآخر رسم تاريخك ومحاكمتك، لهذا، لم أكن أحمل في حقائبي ملابسي وأوراقي فحسب، بل حملت معها حلب كما أوجدتها الأخبار: رماداً، وجدراناً سوداء، ووجوماً يشي بأن الحرب أضحت اسمها الثاني. 

لكنّ شيئاً أزلياً في قلبي كان يرفض هذا الاختزال، فحلب لم تنشأ في كنف الحرب لتستسلم لظلّها؛ لقد عبرت فوق أجساد الإمبراطوريات، والزلازل، والقوافل، والحرائق، وكانت في كل مرّة تنتفض كالعنقاء لتلوذ بأسواقها، وحجارتها الصفراء، وبصوتها الذي يشبه الغناء أكثر ممّا يشبه الصخب، مدينة خبرت الخسارات عبر أزمنة تطول، لكنّها لم تتعلّم قطّ كيف تتخلّى عن روحها. 

وصلت والغروب ينسكب على المدينة، فبدت الأبنية المحيطة بالفندق تتّكئ على ندوبها؛ شرفات كسيحة، وواجهات مثقوبة تنضح برائحة الدخان القديم، للحظة، خُيّل إليّ أنني أقف داخل الصورة الميتة ذاتها، ثم… بدأت أسمعها… نداء بائع ينساب على عربته، ضحكة طفل تتمرجح بين الأزقّة، رنين فناجين القهوة، ولحن من القدود الحلبية يتسلّل من نافذة وارفة كأنه ما غادر الحارة يوماً، هناك أدركت أن المدن قد تُرى بالعين، لكنّها لا تُفهم إلا بالأذن؛ وكانت حلب، رغم كل جراحها، تشدو بنغمتها الخاصّة. 

عند المدخل، امتزج أريج البنّ برائحة الخبز الطازج، كان حارس الحقائب يمارس صبراً أليفاً، والسائق يداعب زبونه في الثمن، وموظّف الاستقبال يهشّ للواصلين كأن المساء أليف لا ريب فيه، لم يكن أحد يتصرّف بجمود الفاجعة، بل كان الجميع منغمساً في طقوس الحياة، هناك، تشقّقت الصخرة التي حملتها في صدري؛ إذ فهمت أن أعتى ما تُخفيه الحروب ليس دمار الحجر، بل تلك الأيام العادية التي ينجح الناس بصبر خفيّ لا ترصده العدسات في إنقاذها كل صباح.  

في الصباح التالي، خرجت أقتفي أثر المدينة التي لا تطالها النشرات، كان الضوء الأوّل يداعب الحجارة العتيقة، ويوقظ أزقّة لامستها أقدام التجّار والحجّاج منذ غابر الأزمان، لم تكن حلب تستعرض مجدها، بل تعيشه بوقار، كانت الأبواب الحديدية ترتفع متتالية، ورائحة الرغيف المشتعل تهبّ من أفرانها، بينما رجل يفرش عتبة متجره بالماء، ينفض عنها غبار ليلة عابرة لا أثر سنوات عجاف، ومن دكّان متوارٍ، انساب صوت صبحي جارور أو الصباح، دافئاً، كأن المدينة تدندن لنفسها قبل أن يشتعل النهار.   

مشيتُ بلا بوصلة؛ لم أبتغ القلعة الشامخة ولا الأسواق المعشوشبة بالزائرين، بل التفاصيل الصغيرة: امرأة تتفقّد باقة نعناع، طفل يطارد حمامة، وبائع ينادي بالصوت ذاته الذي ورثه أباً عن جدّ، كنت أريد أن أسمع حلب بألسنة أبنائها، لا عبر تقارير الخراب، فالأخبار تسجّل لحظة الانفجار وتعمى عن الصباح الذي يليه؛ تحصي الضحايا، لكنّها تعجز عن رسم العاديين الذين يرمّمون العالم بفتح دكاكينهم، أو بطفل يذهب إلى مدرسته يمارس انتصاره الخفيّ على العدم. 

في قاعة التدريب، التقينا صحافيين وصحافيات من شتات المدن السورية، جئنا لنفاوض الكلمة والمهنة، غير أن الاستراحات كانت تعيدنا حتماً إلى ديارنا، أدهشني كيف نحفظ جميعاً أسماء خطوط التماس، بينما نجهل أسماء المقاهي والأغاني التي يقطع بها الناس أزقّتهم! لقد منحنا الجحيم معرفة فائقة بالخرائط، ووسمَنا بأمّية مفجعة تجاه البشر.  

كنت أزن كلماتي في اليوم الأوّل كمن يسير على زجاج، أسمع لهجتي في حنجرتي قبل أن تفلت للعلن، وفجأة، التفتت إليّ إحدى المشاركات، وقالت بابتسامة صافية: لهجتك من الجزيرة… صح؟ قلت: نعم، أردفت برقّة: حبّ هذه اللهجة، ثم مضى الحديث إلى القهوة، وعناء الطريق، دون أن يحمل السؤال أيّ ظلال قاسية.

أما أنا، فكنت قد دجّجت السؤال بسنوات من التأويل السيّئ! أدركت حينها أنني أتيت مجهّزة للدفاع عن نفسي، في حين لم يكن أحد يتهيّأ لمحاكمتي، وأن الحرب التي ظننت أنني خلّفتها وراء ظهري، كانت تضيّق صدري وتسبقني إلى ظنوني بالآخرين، تلك المرأة لم تطمئن قلبي فحسب، بل أعادت للهجتي براءتها الأولى: أن تكون لساناً للهويّة، لا راية للانقسام.  

في طريق العودة، لم تكن حلب هي التي تغيّرت؛ بل أنا، كانت القلعة لا تزال تطلّ من علوّها العتيد، والأسواق تسرد حكايتها، والقدود تنبعث من المذياع القديم، ورائحة الغار والصابون تتعانق مع عبق القهوة، تغيّرت أنا لأنني أدركت كيف سرقتنا الحرب بأسئلتها الكبرى من يسيطر؟ ومن يحكم؟ وحجبت عنّا السؤال الأشدّ إلحاحاً: ماذا صنعت الحرب في أرواحنا وعلاقاتنا؟ 

لقد بنى الخوف جدراناً غير مرئية بين السوريين، جعلتنا نتوقّع سوء الظنّ، ونقرأ في الملامح البسيطة تهديداً مضمراً، حفظنا أسماء المعارك، ونسينا صنّاع الحياة؛ الحرفيين الذين يطرقون النحاس، والخبّازين الذين يستقبلون الفجر، والقهوجية الذين يوزّعون الدفء. 

بعد عودتي، سألني الأصدقاء عن الدمار والحواجز والأمن، فكنت أجيبهم، لكنّني أؤجّل دوماً الجواب الحقيقي؛ كنت أحدّثهم عن رائحة الخبز، وعن دندنة القدود، وعن المرأة التي أحبّت لهجتي دون أن تسألني إلى أيّ معسكر أنتمي، لم تتغيّر لهجتي الجزراوية، ولم أعد أسمعها كعقدة أعتذر عنها، بل كنوتة أصيلة في الموشّح السوري الكبير، فاللهجات لم تُخلق لتشقيق الوطن، بل لتكشف اتّساعه؛ واختلاف النبرات كاختلاف المقامات في القدود الحلبية، لا ينفي بعضها بعضاً، بل يمنح اللحن التمام، لا أدّعي أن رحلة قصيرة تمحو جراح سنين، لكنّها كانت قبساً كافياً لمراجعة الصور النمطية في مخيّلتي، ومنذ ذلك اليوم، كلما التقيت بسوريّ من حلب، أو الساحل، أو السويداء، أو الشام، أطرد الصورة المسبقة، وأفسح للإنسان أمامي أن يكتب قصّته بلسانه. 

وعندما تستبدّ بي الذكرى، لا أتذكّر قاعة التدريب ولا الفندق، بل يتردّد في صدري سؤال واحد: كم مدينةً في هذا الوطن ما زلنا نعرفها برعب الخوف، لا برحابة أهلها؟ وربما تبدأ قيامة البلاد من هنا: أن نصغي إلى المدن بأصوات قاطنيها لا بأصداء المدافع، وأن نمنح كل إنسان حقّ التعريف بنفسه لا بما ترسمه أوهامنا، فالحرب التي حملتها معي إلى حلب… لم تكن حربها؛ بل كانت الحرب التي استوطنت في داخلي.