في أكتوبر 2011، قررنا أنا وزوجي خليل مغادرة دمشق. كانت الحواجز الأمنية تخنقنا كأننا نحمل ذنباً لم نرتكبه، فقط لأن خليل ينتمي إلى دير الزور. كنا غرباء في مدينتنا.
قبل أيام من الرحيل، كنا في دير الزور نهتف ضد النظام، ولأول مرة في حياتي، صرخت: “الشعب يريد إسقاط النظام”. تلك الصرخة جاءت بعد وداعنا عبد المنعم ابن عمّة خليل، الذي قتله النظام. أردت أن أفهم: هل يُقتل الناس فقط لأنهم يهتفون للحرية؟ وجاء الجواب سريعاً: نعم، قتلونا، وقصفونا، وشردونا.
في الليلة الأخيرة قبل مغادرتنا، جاء ثابت، صديقنا ورفيق دراستنا في كلية الإعلام في جامعة دمشق، كان ينبض بالحياة، بروحه المرحة وأحلامه الكبيرة، ودعناه بوعد أننا سنعود قريباً، وأن دمشق التي نحب، لن تطول غيبتنا عنها. حزمت حقيبتين فقط، لأننا كنا على يقين أننا عائدون، لكنني لم أعد منذ 13 عاماً.
بقي ثابت يخبرنا عن دمشق الحزينة، يقول بأسى: “كلكم رحلتم”، حتى جاء الخبر: اعتقلوه ووضعوه في سجن صيدنايا؛ “الصحافي ذو السن المكسور من الرقة”، هكذا وصفوه، ومنذ 2017، توقفت الأخبار عنه.
في ديسمبر 2024، فتحوا أبواب السجون. خرج كثيرون، لكن ثابت لم يكن بينهم. “ترحموا عليه”، قالوا. كم هو قاسٍ أن يُقال ذلك. لم يكن ثابت الوحيد؛ كثيرون اختفوا، وابتلعتهم السجون، لم تترك لنا سوى الذكرى: زاهر، رانيا وأطفالها.
كيف نمحو 13 عاماً من القهر؟
أعيش نصف حياة، مثقلة بذاكرتي. بعد سقوط النظام، انفجر صندوقي الأسود، ذلك الذي خبأت فيه حزني طوال السنوات. اليوم، كبلني هذا الصندوق في السرير. الأمل انهار، لن ألتقي ثابت مرة أخرى، ولن يلتقي كثيرون بأحبائهم؟ كيف أستطيع النجاة من هذا الجنون؟
أنا صحافية، غطيت الحرب الشرسة في بلدي، لكنني أخفيت سراً، كنت أخشى الموت بالرصاص، أكره الدم. حلمي بسيط: أن أموت دافئة في سريري، ومع ذلك، ودّعت الكثيرين: أصدقاء، وأقارب وأحلاماً.
ركبتاي كانتا تذوبان كلما شممت رائحة الرصاص، عندما غطيت المعارك في دير الزور، وكلما عبرت “معبر الموت”؛ كما وصفوه، كانت قدماي تخونانني، تتخاذلان تحت ثقل الخوف.
كنت من أوائل من دخل حي الحويقة في دير الزور قبل عشرة أعوام، بعد تحريره من النظام. عبوري جسر الفرات، وقصص معبر الموت، ما زالت طي الكتمان داخلي، ومع ذلك، في كل مرة كانت ركبتاي تخذلانني.
واليوم، وأنا أوثّق قصص المعتقلين وأطفال الحرب، أشعر بالخجل، هؤلاء الأطفال الذين لم يعرفوا سوى الحرب لم تخذلهم ركبهم مثلي.
13 عاماً، وعدني خليل العشاوي، المصور الصحافي ورفيق الدرب، الذي غطى النزوح، والقصف، والزلزال، وكل الأحداث المؤلمة التي مرت على البلاد. وعدنا بأنه لن يموت، وفي كل مرة كنت أودّعه أنا وميلا، طفلتنا الصغيرة، كان يعدنا بأنه سيعود، وصدق وعده، كان ذلك الوعد هو وقودي للاستمرار.
لكن الوعد لم يكن كافياً لإقناع الآخرين. اتهموني باللامبالاة: “كيف تدعينه يغطي الحرب؟ ألا تخافين عليه؟”، لكنني كنت أؤمن بخليل وبوعوده، ووفى بوعده، ونجا برغم كل شيء.
أحب دمشق، لكن في قلبي جروحاً عميقة. مع سقوط النظام، عادت لي ذكريات الأيام الأخيرة في دمشق، وذاك الخوف الذي زرعه سجن صيدنايا في داخلي. أتذكر صديقتي رشا سرية، كيف كانت تخشى ألا يُفرج عن أخيها دياب من سجون صيدنايا. عندما أُفرج عنه، عرفتُ مبكراً ما يعنيه هذا السجن، وزرع ذلك داخلي خوفاً لا يُمحى.
لكنني ما زلت أعيش، وأكتب، وأوثّق. لأن هذه القصص يجب أن تُروى، لأننا مدينون لهم، وللحرية التي حلمنا بها والتي لن نسمح أن تُنتزع منا مرة أخرى. لروحك يا ثابت، سأستمر، ومن أجلك يا خليل، سأواصل الطريق!









