في 21 تموز/ يوليو 2026، جلس الرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض إلى جانب نظيره الأميركي دونالد ترامب، في أول زيارة لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ نحو سبعة عشر عاماً. وجاء اللقاء، الذي طال انتظاره، محمّلاً بملفات ثقيلة، أبرزها سحب سلاح “حزب الله”، وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ومستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني. لكن خلف هذا الحدث، الذي وصفه البعض بـ”التاريخي”، انقسمت الآراء بين من رأى فيه فرصة لاستعادة الدولة هيبتها وانتقال قرار الحرب والسلم من حزب الله إليها، وأيضاً تحريك ملفات بقيت مجمّدة لسنوات، وبين من خشي أن يكون مصير لبنان، مرة جديدة، يُرسم بعيداً من مؤسساته ومن أبنائه، ما يجعله عرضة لتضارب المصالح والانتكاسات.
لسنا غرباء عن هذا المشهد. فمنذ عقود، نعيش الانتظار نفسه، ولم يتغير سوى اسم العاصمة التي تُناقش فيها القضية اللبنانية ويُبحث فيها مستقبل البلاد: دمشق تارة، وطهران طوراً، واليوم واشنطن. أما الجوهر فبقي على حاله؛ قرارنا الوطني لا يزال معلّقاً بيد الآخرين. تتبدل العواصم والوجوه، فيما يبقى اللبناني مجرد متلقٍّ للأخبار عن مستقبله، يترقبها في نشرات الأخبار أو عبر التسريبات الصحافية، بدلاً من أن يكون شريكاً في صنعها داخل مؤسسات دولته.
ضغوط متصاعدة
يأتي لقاء ترامب – عون في ظل ضغوط أميركية متزايدة للدفع نحو تنفيذ “اتفاق الإطار”، الذي وُقّع في 26 حزيران/ يونيو 2026 برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل، بهدف وضع أسس لوقف حالة الحرب وفتح مسار تفاوضي مباشر بين البلدين. واليوم، يدخل الاتفاق مرحلة التنفيذ عبر دخول الجيش اللبناني أولى المناطق التجريبية، وتسريع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب، مقابل حصر السلاح بيد الدولة والعمل على نزع سلاح “حزب الله” بصورة متدرجة.
وفي هذا السياق، تُختبر “المناطق التجريبية” الحدودية كأول تطبيق ميداني لهذا المسار، بعدما بدأ الجيش اللبناني، الثلاثاء الماضي، الانتشار في بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا.
وتختصر هذه “المناطق التجريبية” بحدّ ذاتها جانباً كبيراً من المأزق اللبناني: بلد تُختبر سيادته بالقطعة، منطقةً تلو أخرى، وكأن استعادة سلطته الكاملة ستكون مشروطة بنجاح “التجربة” الأولى قبل الانتقال إلى الثانية. أما أهالي تلك البلدات، الذين لم يخرجوا بعد من آثار الحرب المدمّرة، فيراقبون انتشار الجيش بمزيج من الارتياح لاستعادة الدولة جزءاً من حضورها، والقلق من أن يبقى هذا الانتشار مجرد خطوة شكلية لا تغيّر ميزان القوى الحقيقي على الأرض، ورفض وجود الجيش في هذه المناطق التي لطالما كان القرار والسيطرة فيها لحزب الله. وقد شهدت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى زوطر الغربية رفضاً من بعض الفعاليات والأهالي المناصرين لحزب الله.
قمة تاريخية؟
يحلو للبعض وصف هذه القمة بأنها “محطة تاريخية”، وكثير من اللبنانيين، وأنا منهم، لا ينكرون أنها تحمل بالفعل دلالات استثنائية. فرئيس لبناني لا يحمل إرث الوصاية السورية، ولا يدين بالولاء لإيران، زار البيت الأبيض ممثلاً دولة تقول إنها تريد أن تستعيد قرارها وأن تحدّد مصيرها بنفسها.
ومع ذلك، فإن خيبات السنوات الماضية تجعل من الصعب الانسياق وراء أي بارقة أمل من دون قدرٍ من الحذر. فكم من “محطة تاريخية” مرّت على لبنان، قبل أن تنتهي، في كل مرة، إلى النتيجة نفسها: وعود كبيرة تتراجع أمام واقع أقل بكثير مما وُعد به اللبنانيون.
إقرأوا أيضاً:
هل يكفي لقاء واحد؟
يبقى السؤال: هل يكفي لقاء واحد، مهما بلغت رمزيته، لاستعادة الدولة سيادتها وقرارها؟ وهل تتّجه إسرائيل فعلاً إلى انسحاب حقيقي، أم أن عبارة “الانسحاب التدريجي” ليست سوى تسمية جديدة لواقع مختلف شكلاً لا مضموناً؟
في المقابل، يواصل “حزب الله” تمسكه بسلاحه، رابطاً قراره بإيران في الحرب والسلم معاً، ورافضاً الدخول في حوار مع الدولة اللبنانية للتوصل إلى آلية متوافق عليها لحصر السلاح بيدها.
والمفارقة أن الحزب يبدو اليوم في موقع أضعف مما كان عليه في أي مرحلة سابقة، على الرغم من إصراره على إظهار نفسه بمظهر القادر على مواجهة إسرائيل وعدم الاستسلام. أما إيران، التي شكّلت لعقود مصدر دعمه الرئيسي، فتبدو غارقة بأزماتها الداخلية والخارجية، بعدما تم تعليق المسارات التفاوضية التي كانت قائمة مع واشنطن، فيما يزداد الضغط على الحزب داخل لبنان، سياسياً وشعبياً وجغرافياً، بصورة لم يشهدها من قبل.
ومع ذلك، لا يزال الحزب يراهن على عامل الوقت، وكأن المراوحة وحدها كفيلة بتغيير موازين قوى بدأت، فعلياً، تميل في اتجاه مختلف.
في جميع الأحوال، لا يزال المشهد في بداياته، والوعود لم تتجاوز حتى الآن حدود التصريحات، ولم تتحول إلى وقائع ملموسة على الأرض. وحين سُئل ترامب عن حجم الدعم الأميركي المباشر للجيش اللبناني في مهمة نزع سلاح “حزب الله”، تجنب تقديم إجابة واضحة، واكتفى بالحديث عن خطط “ملموسة” من دون تفاصيل، فيما يبقى الجيش اللبناني، كعادته، مطالباً بالاعتماد على إمكاناته الذاتية.
ولعلّ أكثر ما يثير الأسى أن اللبنانيين اعتادوا أن ينتظروا مصيرهم من الخارج. ينتظرون قمة بعد أخرى، واتفاقاً بعد آخر، على أمل أن يحمل أحدها ما عجزت عنه كل المحطات السابقة.
وعلى الرغم من ذلك، يبقى لدى كثير من اللبنانيين، ممن لا يريدون سوى السلام والاستقرار والأمان، أمل، لكنه هشّ وقابل للكسر في كل مرة. أمل بأن تختلف هذه الزيارة عن سابقاتها، وأن يحمل جوزاف عون من واشنطن ما هو أكثر من الصور التذكارية والتصريحات الدبلوماسية المعتادة والكلام المنمق والوعود البرّاقة. فربما تحمل هذه الزيارة بداية مسار مختلف، لا مجرد فصل جديد من خيبات اعتاد اللبنانيون تكرارها.
إقرأوا أيضاً:











