يفتح في علامة تبويب جديدة
ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إليسا والكوفية… حينما يصبح الرمز أكثر أهمية من البشر

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تتجاوز واقعة الكوفية التي ردّتها اليسا حدود حركة عابرة في قرطاج، لتعيد طرح سؤال قديم ازداد إلحاحًا منذ الحرب على غزة: إلى أي مدى يُطلب من الفنان العربي أن يكون صاحب موقف سياسي، وهل يتحول الصمت أو الامتناع عن حمل رمز ما إلى موقف في حدّ ذاته؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ثوانٍ قليلة كانت كافية لإشعال جدل واسع في تونس خلال حفل المغنية اللبنانية إليسا على ركح مهرجان قرطاج ليلة 16 آب/ أغسطس، بعدما ألقى أحد الحاضرين كوفية فلسطينية باتجاهها. التقطتها إليسا، قبل أن تعيدها باتجاه الجمهور وتواصل حفلها. حركة قصيرة، من دون شرح مقصدها، سرعان ما خرجت من المسرح إلى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، حيث تحولت إلى مادة للجدل حول موقف المغنية من فلسطين، ولكن أيضًا حول حق الجمهور في مطالبة الفنان، من الأساس، بموقف سياسي.

لم يعد الجدل متعلقًا فقط بما إذا كانت إليسا قد احترمت الكوفية أم أهانتها. فالواقعة كشفت سريعًا عن أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا: هل يملك الجمهور حق مطالبة الفنان بموقف سياسي؟ وهل يصبح حمل الكوفية اختبارًا إلزاميًا للتضامن مع فلسطين؟ وفي المقابل، هل يستطيع فنان عربي، في لحظة حرب وإبادة بهذا الحجم الضخم والمؤثر على كل المنطقة، التعامل مع رمز كالكوفية كما لو كان مجرد قطعة قماش أُلقيت على المسرح؟

إليسا تتصدر عناوين الإعلام الإسرائيلي

لم يبقَ الجدل حول لقطة الكوفية داخل تونس أو الفضاء العربي فقط؛ فسرعان ما التقطتها مواقع وحسابات إسرائيلية وأعادت تأطيرها سياسيًا باعتبارها موقفًا من إليسا يتجاوز مجرد حركة عفوية على المسرح. فبعد مشهد إعادتها الكوفية الفلسطينية احتفى بها الإسرائيليون معتبرين تصرفها بطولياً. إذ نشر موقع JFeed الإسرائيلي مادة بعنوان يفيد بأن إليسا “ألقت الكوفية” خلال حفل قرطاج، وقدّم الواقعة باعتبارها لحظة فجّرت نقاشًا حول الرمز الفلسطيني والضغط السياسي على الفنانين، مع إبراز قراءة ترى في تصرفها رفضًا للمشاركة في إيماءة سياسية مفروضة عليها. 

وعلى شبكات التواصل العبرية، انتشرت قراءة أكثر احتفائية بالمشهد. فإحدى المنشورات بالعبرية حملت عبارة “لا، شكرًا”، وقدّمت إليسا باعتبارها رفضت ارتداء الكوفية ثم أعادتها إلى الجمهور، قبل أن تخلص إلى أن “أحيانًا حتى لا، شكرًا، تكون موقفًا سياسيًا”. هذا النوع من المنشورات لم يكتفِ بنقل الفيديو، بل حمّله معنى سياسيًا واضحًا: رفض الكوفية بوصفها رمزًا للهوية والنضال الفلسطينيين. 

وهنا تحديدًا تنفصل الصورة عن نية صاحبتها، فما إن خرجت اللقطة من ركح قرطاج حتى أصبحت مادة مستقلة قابلة لإعادة التدوير السياسي، واستُخدمت في فضاء إعلامي إسرائيلي لتقديم إليسا وكأنها تتخذ موقفًا لم تصرّح به أصلًا. وهذا يفتح سؤالًا أوسع من سؤال “ماذا قصدت إليسا؟”: من امتلك الصورة بعد انتشارها، ومن أعاد تعريف معناها؟ ففي زمن المنصات، قد تكون ثوانٍ قليلة كافية لأن تتحول حركة قابلة لأكثر من تفسير إلى مادة دعائية مكتملة، تُنتزع من سياقها وتُدفع إلى سياق سياسي جديد.

والمفارقة هنا أن تاريخ إليسا نفسه لا يسمح بسهولة بإسقاط هذا التأويل عليها، بالنظر إلى مواقف سابقة أعلنت فيها دعمها فلسطين وانتقادها إسرائيل، فأثناء الحرب على غزة كانت إليسا قد ارتدت الكوفية مرات عدة في حفلات سابقة، من بينها سنة  2024 في السويد، وأقامت دقيقة صمت من أجل فلسطين والشهداء في إحدى حفلاتها، مع دفاعها في الوقت نفسه عن حق الفنانين في الاستمرار في العمل وعدم إيقاف حفلاتهم وفق تصريحاتها، التي كانت مثيرة للجدل أيضاً. إذ تعرضت لهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سؤاله الرئيسي: كيف نرقص ونغني وعلى بعد “فشخة رجل” شعب يُباد وأطفال يُقتلون تحت القصف؟!

وعلى الرغم من ذلك، كتبت إليسا بعد قصف رفح في أيار/ مايو 2024، أن “صور رفح لن تغادر بالها”، ووصفت ما حدث بـ”الإجرام”، ودعت بـ”الرحمة لفلسطين وأطفالها”.

 لكن في مشهد حفل قرطاج تحولت الكوفية في لحظة واحدة من قطعة قماش رماها شخص من الجمهور إلى ساحة صراع على المعنى: جمهور تونسي رأى في إعادتها إساءة أو برودًا تجاه فلسطين، وحسابات إسرائيلية رأت فيها رفضًا للرمز الفلسطيني، بينما بقيت نية إليسا الحقيقية غير محسومة. وهذا وحده يكشف إلى أي مدى صار الرمز الفلسطيني محمّلًا بدلالات تتجاوز صاحبه، وكيف يمكن للمنصات أن تصنع من حركة صغيرة رواية سياسية كاملة.

هل الفنان العربي ملزم باتّخاذ موقف؟

تتجاوز واقعة الكوفية التي ردّتها اليسا حدود حركة عابرة في قرطاج، لتعيد طرح سؤال قديم ازداد إلحاحًا منذ الحرب على غزة: إلى أي مدى يُطلب من الفنان العربي أن يكون صاحب موقف سياسي، وهل يتحول الصمت أو الامتناع عن حمل رمز ما إلى موقف في حدّ ذاته؟

منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لم يعد الجمهور العربي يتعامل مع الفنانين باعتبارهم أصواتًا للترفيه فحسب، بل باتت صفحاتهم، حفلاتهم، اختياراتهم وحتى إيماءاتهم تحت المجهر، فيما تحولت فلسطين إلى اختبار أخلاقي شبه دائم: من نشر؟ من صمت؟ من ألغى حفله؟ مسرحيته ؟ من تبرع؟ من ارتدى الكوفية؟ من تظاهر ومن امتنع عن ذلك؟

واللافت أن فلسطين لم تعد وحدها محور مواقف الفنانين العرب السياسية، بل توسع الأمر ليشمل حزب الله اللبناني والنظام الإيراني بعدما امتدّ الصراع من فلسطين المحتلّة إلى إيران…

وهنا يمكن القول إن خطورة هذا المنطق تبدأ حين يُختزل الموقف في الرمز، وتتحول الكوفية من تعبير حر عن التضامن إلى امتحان إلزامي لقياس صدق الانتماء إلى القضية الفلسطينية.

فهل رفض الفنان ارتداءها، أو إعادتها إلى صاحبها، يكفي وحده للحكم على موقفه من فلسطين؟ وهل يصبح حملها، في المقابل، شهادة براءة سياسية وأخلاقية؟

في حالة إليسا تحديدًا، يبدو السؤال أكثر تعقيدًا، بالنظر إلى مواقف سابقة أعلنت فيها عن تضامنها مع الفلسطينيين ونددت بما يحدث في غزة. لذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو لماذا أعادت إليسا الكوفية، بقدر ما هو: لماذا احتاج الجمهور إلى أن يراها تحملها؟

وهنا وجب التنويه بأن الحق في مساءلة الشخصيات العامة ومواقفها مشروع، لكنه يصبح أكثر إشكالية عندما تتحول ثوانٍ قليلة إلى محاكمة كاملة، وحركة قابلة لأكثر من تفسير إلى دليل إدانة نهائي

21.08.2026
زمن القراءة: 4 minutes

تتجاوز واقعة الكوفية التي ردّتها اليسا حدود حركة عابرة في قرطاج، لتعيد طرح سؤال قديم ازداد إلحاحًا منذ الحرب على غزة: إلى أي مدى يُطلب من الفنان العربي أن يكون صاحب موقف سياسي، وهل يتحول الصمت أو الامتناع عن حمل رمز ما إلى موقف في حدّ ذاته؟

ثوانٍ قليلة كانت كافية لإشعال جدل واسع في تونس خلال حفل المغنية اللبنانية إليسا على ركح مهرجان قرطاج ليلة 16 آب/ أغسطس، بعدما ألقى أحد الحاضرين كوفية فلسطينية باتجاهها. التقطتها إليسا، قبل أن تعيدها باتجاه الجمهور وتواصل حفلها. حركة قصيرة، من دون شرح مقصدها، سرعان ما خرجت من المسرح إلى مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، حيث تحولت إلى مادة للجدل حول موقف المغنية من فلسطين، ولكن أيضًا حول حق الجمهور في مطالبة الفنان، من الأساس، بموقف سياسي.

لم يعد الجدل متعلقًا فقط بما إذا كانت إليسا قد احترمت الكوفية أم أهانتها. فالواقعة كشفت سريعًا عن أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا: هل يملك الجمهور حق مطالبة الفنان بموقف سياسي؟ وهل يصبح حمل الكوفية اختبارًا إلزاميًا للتضامن مع فلسطين؟ وفي المقابل، هل يستطيع فنان عربي، في لحظة حرب وإبادة بهذا الحجم الضخم والمؤثر على كل المنطقة، التعامل مع رمز كالكوفية كما لو كان مجرد قطعة قماش أُلقيت على المسرح؟

إليسا تتصدر عناوين الإعلام الإسرائيلي

لم يبقَ الجدل حول لقطة الكوفية داخل تونس أو الفضاء العربي فقط؛ فسرعان ما التقطتها مواقع وحسابات إسرائيلية وأعادت تأطيرها سياسيًا باعتبارها موقفًا من إليسا يتجاوز مجرد حركة عفوية على المسرح. فبعد مشهد إعادتها الكوفية الفلسطينية احتفى بها الإسرائيليون معتبرين تصرفها بطولياً. إذ نشر موقع JFeed الإسرائيلي مادة بعنوان يفيد بأن إليسا “ألقت الكوفية” خلال حفل قرطاج، وقدّم الواقعة باعتبارها لحظة فجّرت نقاشًا حول الرمز الفلسطيني والضغط السياسي على الفنانين، مع إبراز قراءة ترى في تصرفها رفضًا للمشاركة في إيماءة سياسية مفروضة عليها. 

وعلى شبكات التواصل العبرية، انتشرت قراءة أكثر احتفائية بالمشهد. فإحدى المنشورات بالعبرية حملت عبارة “لا، شكرًا”، وقدّمت إليسا باعتبارها رفضت ارتداء الكوفية ثم أعادتها إلى الجمهور، قبل أن تخلص إلى أن “أحيانًا حتى لا، شكرًا، تكون موقفًا سياسيًا”. هذا النوع من المنشورات لم يكتفِ بنقل الفيديو، بل حمّله معنى سياسيًا واضحًا: رفض الكوفية بوصفها رمزًا للهوية والنضال الفلسطينيين. 

وهنا تحديدًا تنفصل الصورة عن نية صاحبتها، فما إن خرجت اللقطة من ركح قرطاج حتى أصبحت مادة مستقلة قابلة لإعادة التدوير السياسي، واستُخدمت في فضاء إعلامي إسرائيلي لتقديم إليسا وكأنها تتخذ موقفًا لم تصرّح به أصلًا. وهذا يفتح سؤالًا أوسع من سؤال “ماذا قصدت إليسا؟”: من امتلك الصورة بعد انتشارها، ومن أعاد تعريف معناها؟ ففي زمن المنصات، قد تكون ثوانٍ قليلة كافية لأن تتحول حركة قابلة لأكثر من تفسير إلى مادة دعائية مكتملة، تُنتزع من سياقها وتُدفع إلى سياق سياسي جديد.

والمفارقة هنا أن تاريخ إليسا نفسه لا يسمح بسهولة بإسقاط هذا التأويل عليها، بالنظر إلى مواقف سابقة أعلنت فيها دعمها فلسطين وانتقادها إسرائيل، فأثناء الحرب على غزة كانت إليسا قد ارتدت الكوفية مرات عدة في حفلات سابقة، من بينها سنة  2024 في السويد، وأقامت دقيقة صمت من أجل فلسطين والشهداء في إحدى حفلاتها، مع دفاعها في الوقت نفسه عن حق الفنانين في الاستمرار في العمل وعدم إيقاف حفلاتهم وفق تصريحاتها، التي كانت مثيرة للجدل أيضاً. إذ تعرضت لهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سؤاله الرئيسي: كيف نرقص ونغني وعلى بعد “فشخة رجل” شعب يُباد وأطفال يُقتلون تحت القصف؟!

وعلى الرغم من ذلك، كتبت إليسا بعد قصف رفح في أيار/ مايو 2024، أن “صور رفح لن تغادر بالها”، ووصفت ما حدث بـ”الإجرام”، ودعت بـ”الرحمة لفلسطين وأطفالها”.

 لكن في مشهد حفل قرطاج تحولت الكوفية في لحظة واحدة من قطعة قماش رماها شخص من الجمهور إلى ساحة صراع على المعنى: جمهور تونسي رأى في إعادتها إساءة أو برودًا تجاه فلسطين، وحسابات إسرائيلية رأت فيها رفضًا للرمز الفلسطيني، بينما بقيت نية إليسا الحقيقية غير محسومة. وهذا وحده يكشف إلى أي مدى صار الرمز الفلسطيني محمّلًا بدلالات تتجاوز صاحبه، وكيف يمكن للمنصات أن تصنع من حركة صغيرة رواية سياسية كاملة.

هل الفنان العربي ملزم باتّخاذ موقف؟

تتجاوز واقعة الكوفية التي ردّتها اليسا حدود حركة عابرة في قرطاج، لتعيد طرح سؤال قديم ازداد إلحاحًا منذ الحرب على غزة: إلى أي مدى يُطلب من الفنان العربي أن يكون صاحب موقف سياسي، وهل يتحول الصمت أو الامتناع عن حمل رمز ما إلى موقف في حدّ ذاته؟

منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لم يعد الجمهور العربي يتعامل مع الفنانين باعتبارهم أصواتًا للترفيه فحسب، بل باتت صفحاتهم، حفلاتهم، اختياراتهم وحتى إيماءاتهم تحت المجهر، فيما تحولت فلسطين إلى اختبار أخلاقي شبه دائم: من نشر؟ من صمت؟ من ألغى حفله؟ مسرحيته ؟ من تبرع؟ من ارتدى الكوفية؟ من تظاهر ومن امتنع عن ذلك؟

واللافت أن فلسطين لم تعد وحدها محور مواقف الفنانين العرب السياسية، بل توسع الأمر ليشمل حزب الله اللبناني والنظام الإيراني بعدما امتدّ الصراع من فلسطين المحتلّة إلى إيران…

وهنا يمكن القول إن خطورة هذا المنطق تبدأ حين يُختزل الموقف في الرمز، وتتحول الكوفية من تعبير حر عن التضامن إلى امتحان إلزامي لقياس صدق الانتماء إلى القضية الفلسطينية.

فهل رفض الفنان ارتداءها، أو إعادتها إلى صاحبها، يكفي وحده للحكم على موقفه من فلسطين؟ وهل يصبح حملها، في المقابل، شهادة براءة سياسية وأخلاقية؟

في حالة إليسا تحديدًا، يبدو السؤال أكثر تعقيدًا، بالنظر إلى مواقف سابقة أعلنت فيها عن تضامنها مع الفلسطينيين ونددت بما يحدث في غزة. لذلك ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو لماذا أعادت إليسا الكوفية، بقدر ما هو: لماذا احتاج الجمهور إلى أن يراها تحملها؟

وهنا وجب التنويه بأن الحق في مساءلة الشخصيات العامة ومواقفها مشروع، لكنه يصبح أكثر إشكالية عندما تتحول ثوانٍ قليلة إلى محاكمة كاملة، وحركة قابلة لأكثر من تفسير إلى دليل إدانة نهائي

21.08.2026
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية