ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تحاور الشاعرة والصحافية رنا زيد الكاتبة والنسوية إنان م. بلاي في طقس تصفه زيد بأنه يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، لضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تكن الكاتبة والنسوية العراقية إنان م. بلاي، تعلم أنني حين بدأت التواصل المكثّف معها من أجل إجراء هذا الحوار، كنت في حالة من التجمّد État de sidération، وأنني أكثرت من تمارين دفع الحائط، كي أخرج من حالتي تلك. كنت أدفع الحائط بكلتا كفّيّ، مدّة ثلاثين ثانية في كلّ مرّة، ثم أتوقّف وأكرّر التمرين، حتى أُعيد جهازي العصبي إلى حالته الطبيعية، فأغدو غير متجمّدة أمام ذكرى العنف.   

إذ لم أكن أتوقّع، أثناء إحدى جلسات الزووم لواحد من أهم السمينارات عن الأدب العربي الحديث في فرنسا، أن أشهد قرصنة الجلسة، لنجد أنفسنا أمام فيديو يظهر فيه هتلر وعلى ذراعه شعاره النازي، مراقباً رجلاً أسود وهو في حالة عريّ وأداء جنسي فاحش. لم تكن نظرة هتلر موجّهة إلى الرجل بقدر ما كانت موجّهة إلى المشاهد، أي إلينا نحن. 

انهار الجوّ الأكاديمي في لحظات. لقد كنّا أمام شكل من أشكال الفتيش السياسي لليمين المتطرّف الأوروبي، في مرحلة يشهد فيها العالم صعوداً متزايداً للعنف والتطرّف والفاشية السياسية.

لقد أعادني العنف الذي حدث في السمينار، إلى فهم معنى ذاك العنف الذي يُمارَس اليوم سياسياً على كلّ العابرين/ات سواء عبر الحدود، أو عبر الجندر، أو عبر الثقافات. فإن كنّا أفراداً بين ثقافتين أو صُنّفنا جغرافياً وسياسياً كلاجئين/ات، أو أصبحنا عابرين/ات جندرياً ككوير، فإننا في مواجهة هذا العنف، سنتوقّف جميعاً عند إحدى الاستجابات الثلاثة: التجمّد، أو الهروب، أو المواجهة، فيما يزداد العنف والخطر، من حولنا. وقتئذ سنتوقّف، محرومين من ترف متابعة الحياة بصورة طبيعية ودون عراقيل.

لقد مسّنا العنف جميعاً. لكنّ العنف الذي تلاه في كوننا عابرين/ات للثقافات، أو عابرين/ات للأمكنة والحدود كلاجئين/ات، أو عابرين/ات في الجندر، بات يعني أن نعيش بين مكانين أو بين ثقافتين أو حتى في اللامكان، وأن نساهم في تشكيل الوعي الجديد الهجين الميستيثا Une nouvelle conscience Mestiza، الذي تحدّثت عنه الباحثة والمنظّرة النسوية الأميركية من أصول مكسيكية غلوريا أنزالدوا Gloria Anzaldúa، وهو وعي يتشكّل انطلاقاً من هذا التلاقح العرقي والأيديولوجي والثقافي والبيولوجي، متمظهراً في صورة وعي غريب Alien؛ وعياً ميستيثياً هجيناً، وعي امرأة، إنه وعي الأراضي الحدودية. 

إن العنف والفاشية السياسية العالمية الجديدة، جعلانا نهرب جميعاً من العالم الخارجي إلى ملاجئنا الذاتية في ذلك “اللامكان”، كما تهرب إنان من كلّ العراق إلى غرفتها، غاضبة من منطقتها، وعائلتها، ومجتمعها، ودولتها التي تُجرّم العبور الجندري.

لن يخفف من قسوة هذا الحوار، أنني وقعت في تساؤل ذهني أخلاقي كبير، حينما أوقفني محرّك البحث عندما حاولت البحث عن الأغنية التي وضعتها إنان في ستوري لها على إنستغرام، ورأيت فيها صورة قطّ يضع في أذنيه سماعات سلكية لجيل Y، ويستمع إلى أغنية تقول بصوت العراقي صباح محمود: “فكرت مرة أنتحر/ وأذب روحي من الجسر/ وأغرق بنهر الفرات/ من ألم هاي الحياة”، كنت أحاول أن أفتّش إن كانت هذه الأغنية موجودة حقّاً وأنني لا أتوهّم، أوقفني محرّك البحث ليكتب لي بالفرنسية رقم الطوارئ للمساعدة، في حال فكّرت أنا أو أحد ممّن أعرفهم في الانتحار، وأضاف بأنني لست وحدي. 

كان هذا قبل أن آخذ قراري بمحاورة الكاتبة إنان م. بلاي، وقبل أن ترسل لي صورة جديدة… لنضحك معاً، كنوع من اتّخاذ موقف تهكّمي وانقلابي ضدّ العنف، صورة يظهر فيها القطّ صابر، قطّ صديقتها المثلية، الذي وجدته في يوم من الأيّام تحت المطر فسمّته صابر إذ كانت عينه متضرّرة من البرد؛ يضع صابر (صبوري) عمامة رجل دين من حوزة النجف، وهي عمامة ليست لشيخ (كما نسمّيه ببساطة في سوريا)، لأن طلّاب الحوزة العلمية كلّهم رجال دين، ورجل الدين هو لقب في المطلق، وصفة لأب صديقتها دون تخصيص. صبوري، يحبّ اللهو ويخاف أن يظلَّ وحده أيضاً، كما تقول إنان. 

أجلس أمام إنان اليوم لأحاورها عن بُعد، وأنا أعلم أنني أمتلك امتيازات عديدة لن تمنع تواصلنا ومحاولاتنا لتفكيك العنف العربي ونظيره العالمي اجتماعياً وسياسياً، والحديث عن الكتابة وعن الصحافة البديلة وعن تساؤلاتنا حول المنصّة الصحافية العربية الأكثر احتفاءً بنا، والأكثر احتراماً لألمنا وواقعنا ككاتبات من دون شروط. 

ولأن الحوارات من مؤنّث إلى مؤنّث لا يمكن لها أن تتوقّف فجأة؛ لذا قرّرنا أنا وإنان أن نكمل هذا الحوار كنوع من طقس يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، ولضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.

كان لـ”درج” معها الحوار التالي:  

– قبل نحو عامين، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يُجرّم أفراد مجتمع الميم/عين، تحت ذريعة الحفاظ على كيان المجتمع العراقي. ووفق ما أفهم، يتضمّن القانون غرامات قد تصل إلى نحو عشرة آلاف دولار، إضافة إلى عقوبات بالسجن قد تمتدّ لسنوات، ولا يقتصر هذا التجريم على العبور الجندري الجسدي فحسب، بل قد يشمل أيضاً التعريف الجندري غير المطابق على مستوى الهويّة أو الإعلان الشخصي؛ كأن يعرّف الشخص نفسه مثلاً بوصفه لا ثنائي الجندر، ومن دون أن يكون قد أجرى أيّ عبور جسدي؟

إنان: لا يمكن النجاة من القوانين المطّاطة. أليست هذه هي وظيفة القوانين في بلداننا العربية؟ أن تكون مطّاطة تُصاغ وتعلّب وتُؤوّل وفق مزاج السلطة؟ نصّ قانون مكافحة البغاء (8) لسنة 1988، المعدّل ليصبح قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي، لم يأتِ بمصطلحات مثل الجندر أو الهويّة الجندرية أو العبور الجندري، ففي الواقع كانت هناك حملات قبل صدور المسوّدة الأولى للقانون المعدّل أدّت في نهايتها إلى منع كلمة جندر وتداولها كمثلية جنسية، واستبدالها بالشذوذ الجنسي في الإعلام ومؤسّسات الدولة. وحتى منع عمل أو استضافة مؤسّسات الدولة منظّمات عادةً هي نسوية، فقط لأنها تستخدم كلمة جندر، وبالتالي منع تيّار نسوي كامل من استخدام أدوات تكشف المرئي واللامرئي للعنف القائم على الجندر داخل المنظومة الأبوية. لكنّه بنى شبكة قانونية تستطيع السلطة من خلالها ملاحقة أيّ شخص يحمل/تحمل هويّة غير متطابقة من الجنس المسجّل في الأوراق الرسمية.


القانون يميّز بين بندين رئيسيين في المادّة السابعة، البند الأوّل يُجرّم “التشبّه بالنساء”، وهو بند سلوكي وأدائي لا يشترط أيّ تدخّل جراحي أو هرموني. يكفي أن يقرأ الضابط أو القاضي، المظهر أو الهيئة أو طريقة الكلام على أنها تشّبه بالنساء، وقد يشمل ذلك: الملابس، التصرّفات، الشعر، الإكسسوارات (مثلاً: كالقلائد والأقراط)، وحتى حركات الجسد. 

بينما البند الثاني يُجرّم “تغيير الجنس البيولوجي”، وهو يستهدف التدخّلات الطبّية الجسدية، ويعاقب الفرد ومَن يجريها له/ا على حدّ سواء، وبين هذين البندين توجد مساحة شاسعة حتى يتقولب بها التجريم. 

النصف جندر ” Demi-genre”، أو اللا ثنائية الجندرية “Non-binarité”، قضايا لا يوجد لها مكان في لغة هذا القانون. النصّ لا يعترف بالجندر كفئة منفصلة عن الجنس، أساساً هو ينكرها. شخص يعرّف عن نفسه بأنه لا ثنائي الجندر ولم يخضع لأيّ تدخّل طبّي، ولم يغيّر مظهره في شكل يُقرأ “تشبّهاً بالنساء”، قد يقع في فراغ قانوني- قمعي. القانون لا يحمي وجوده، وإذا أعلن عن هويّته يمكن تأويل ذلك على أنه “ترويج للشذوذ الجنسي”، وهي عبارة مطّاطة وغير معرّفة، تتّسع لأيّ منشور، أو مقال، أو تصريح، أو تعريف عن النفس في سياق عامّ.

وهناك سؤال آخر أيضاً: ماذا لو كان هناك رجل عابر جندرياً يأخذ هرمونات دون جراحة أو يُجري عمليّة تجميل للوجه فقط؟ النصّ يقول “غيّر جنسه بيولوجياً”، وهذا التعبير مطّاط، هل تغيير الصوت بالهرمونات هو “تغيير بيولوجي”؟ ماذا عن فئة من النساء تحقن هرمونات لأسباب متعلّقة بالرياضة، أو في الجيم؟ هل تُقرأ كرغبة شخصية في تغيير الجنس أو “التشبّه”؟  القانون لا يحدّد، إنما يترك الأمر لتقدير القاضي أو الطبيب الشرعي، مثلها مثل الفحوصات الشرجية القسرية “التقديرية “، وهذه الصياغة المطّاطية وظيفية لهذا القانون. 

في بلداننا العربية غالباً ما تُصاغ القوانين بهذا الشكل المفتوح لتكون أدوات سياسية في يد السلطة قبل أن تكون أدوات عدلية، ويمكن تعليبها وتأويلها وفق المزاج وحسب الضرورة السياسية.
التشبّه بالنساء أيضاً ليس مفهوماً طبّياً أو نفسياً، بل هو مفهوم اجتماعي- تأديبي، يكفي أن يقرأ الآخر المظهر على أنه “تشبّه”، حتى لو كان الفرد لا يعتبر ولا يعرّف نفسه على أنه “امرأة عابرة”، فهو “ليس كذلك” بالمعنى الطبّي والجندري. هذا يجعل القانون يستهدف الأداء الجندري لا الهويّة الجندرية وحدها. أيّ إنسان يخرج عن المعايير الأبوية الثنائية للرجولة والأنوثة يصبح/ تصبح عرضة للملاحقة. 

في حالتي كامرأة عابرة تتضاعف هذه المحاصرة، إذا أجريت تدخّلات طبّية سأقع تحت بند تغيير الجنس البيولوجي، وإذا عشت بمظهر يُقرأ “تشبّهاً بالنساء” دون إجراءات، فسأكون في بند “التخنّث”، إذ تكلّمت عن هويّتي فسأكون تحت تهمة الترويج، وإذا لم أفعل شيئاً فأنا محاصرة في هذا الجسد الذي يُؤرق وجودي داخله، وأريد الانسلاخ عنه؛ وفي السياق العراقي يضاف إلى هذا القانون خطر الميليشيات والعنف المجتمعي والأسري الذي يتجاوز النصّ القانوني إلى حدّ القتل. فأنا محاصرة بين أن أُقتل أو أن أقتل أنا نفسي، وهذا كلّه بمعزل عن عملي ككاتبة، التي هي أساساً تهمة جاهزة. 

– هناك جملة قلتِها قبل قليل، وربما تكون من أكثر الجمل إيلاماً في هذا الحوار، وأودّ أن أتوقّف عندها بكلّ احترام وحذر. ما الذي يجعل الخوف أو الضغط يصلان إلى هذا الحدّ؟ وما هي المخاطر اليومية، القانونية أو الاجتماعية أو العائلية التي تواجهينها كامرأة ترانس في العراق، وتجعلك تشعرين بأن حياتك محاصرة إلى هذه الدرجة؟

إنان: توقّفت عن إخفاء هذه الرغبة في الانتحار منذ ثلاث سنوات، فالأفكار الانتحارية ليست جديدة عليّ، على العكس تماماً هي نتيجة منطقية لعنف ممنهج لا يتوقّف وقد كثّفه القانون في العام 2024. جسدي ليس ملكي هو ملك للدولة، للمجتمع، للعائلة. يكبر كلّ يوم وفق هذه الملكية، منذ أن أدركت حقيقة أنني لست رجلاً ولن أكون، لأوّل مرّة قبل بلوغي، كما أدرك أنني امرأة عابرة الآن. 

حاجتي إلى الرعاية الطبّية ليست رفاهية، هي حقّي في الوجود، الهرمونات التي يحتاجها جسدي لكي يتوقّف هذا الشعور اليومي في الاغتراب وفي رغبة الانسلاخ عن جلدي. أصبحت سلعة مُجرّمة الآن، وحتى قبل تعديل القانون كان هناك المخاطر الموزّعة بين الميليشيات والمجتمع والعائلة، أخطار كانت كفيلة بالموت، وهناك سوق سوداء حيث يمكنك أن تجدي شيئاً، لكنّه موت آخر، ليس فقط بأن تكون الأدوية مغشوشة، لكنّ الرعاية الطبّية والصحّية للعابرين/ ات تحتاج إلى مراقبة طبّية مستمرّة، أي رعاية ذاتية قد تقابلها خطورة الجرعات الزائدة. هذا هو الحصار اليومي أن تكوني في حاجة إلى العلاج لكي تعيشي لكنّ الوصول إلى العلاج يعني الموت، ليس مجازياً فقط، إذ قد تصابين بجلطة أو بفشل في وظائف الكبد. 

في كلّ الاحتمالات؛ الجسد مهدّد والخيار الوحيد الآمن هو أن تفعلي: لا شيء، أن تبقي عالقة، وأن تراقبي جسدك يتآكل من الداخل. والبقاء عالقة هو موت بطيء آخر، يكون الجسد والقانون والمجتمع سجناً والدماغ مكاناً للحسابات المستحيلة. كلّ استيقاظ من النوم هو سؤال يومي عن المخاطرة بين أشكال مختلفة من الموت، هذا التردّد المستمرّ بين سجن الدولة، وسجن المجتمع، وسجن الميليشيات، وسجن العائلة والرعائية غير الآمنة بين خيارات كلّها قاتلة، يستنزف ما تبقّى من القدرة على الصمود. حتى الانتحار نفسه لا يأتي كحلّ مفاجئ، يبقى استنتاجاً منطقياً لكلّ ما يحدث عندما تغلق كلّ المنافذ للعلاج، ويصبح الجسد مكاناً لا يطاق ويتحوّل البقاء إلى سلسلة من الأيّام التي أمضيها واقفة في مكاني أنتظر انهياراً ما. وغالباً مع الكتابة المستمرّة لطلب المساعدة بالخروج من العراق، ثم عدم الحصول على ردّ، عندها يصبح الموت بيدي خياراً أقلّ رعباً من الموت البطيء الذي تفرضه عليّ الجغرافيا، والثقافة، والمجتمع، والسلطة، وحتى الاقتصاد. أقلّ رعباً أيضاً، لا لأنني أريد الموت، لكنّني أريد التخلّص من الجسد الذي تحوّل إلى قبر حيّ. 

– في ظلّ القيود القانونية والاجتماعية، ما هو واقع الحصول على الرعاية أو التدخّلات الطبّية المتعلّقة بالعبور الجندري في العراق؟ وهل يدفع غياب الحماية القانونية أو الطبّية بعض الأشخاص إلى اللجوء إلى السوق السوداء أو إلى ممارسات غير آمنة؟ 

إنان: عندما أقول سوق سوداء، لا أفكّر فيه كمكان ظلامي تجبرين فيه على استعمال حقن ملوّثة، أو أدوية مغشوشة، أو منتهية الصلاحية، أو مهرّبة دون تبريد، أو مقلّدة “وقد يكون كذلك”. لكنّني أقصد أيضاً أنه قد يكون مذخّراً (في صيدلية) طبّياً ومرخّصاً من الدولة، لكنّ بيع هذا النوع من الأدوية أو الهرمون بدون وصفة طبّية، عادة هو ملزم لشراء الهرمونات، لكنّك تشترينها بأضعاف مضاعفة. العبء الاقتصادي يضاعف المأساة أيضاً، ومن دون عمل ثابت أو مصدر دخل يناسب. وهو شيء لا يملكه، من يعيش/تعيش في الظلّ، كلّ دواء تدفع ثمنه المدخّرات، أو الديون، أو أيّ عمل إضافي يعرّض حياة الفرد إلى الخطر أو الاستغلال الجنسي المستمرّ. لكنّ أحد أكثر أشكال القسوة في هذا أيضاً، هو عدم استقرار هذه السوق التي لا تضمن الاستمرارية، ثم في الجسد الذي بدأ يتأقلم مع الهرمونات، ثم يُفاجأ بانقطاع العلاج فجأة فيعود الأستروجين أو التستوستيرون وتعود الأعراض، وعدم التطابق الجندري بعنف أشدّ، وهذا التوقّف والاستئناف يسبّبان ضرراً لا يختلف عن الاستمرار في تلقّي جرعات خاطئة.

الفرد هنا يدفع/ تدفع ثلاثة أثمان. ثمن الدواء المضاعف اقتصادياً، وثمن الخطر الصحّي من جرعات غير مراقبة، وأدوية غير مضمونة، والثمن النفسي من العيش في دائرة الخوف المستمرّ، وتستكمل كلّ ذلك الدولة بعدم اكتفائها بمنع الوصول إلى العلاج الآمن، من خلال اعتبار أن الأفراد ووجودهم/ ن بحدّ ذاته جريمة، لكنّها صنعت سوقاً سوداء تستنزف مادياً وتقتل صحّياً، لمجرّد أنك تريدين رعاية صحّية آمنة جسدك يصبح محتجزاً ومستنزفاً اقتصادياً، ويتناول دواء قد يكون سمّاً بطيئاً، ولأن البديل الأسرع، يا للأسف، يصبح هو الانتحار، أو عدم تلقّي أيّ علاج حفاظاً على الحياة، وهو انتحار آخر. أثره المادّي والنفسي والاجتماعي على الفرد لا يتوقّف عن العزل، وعدم قدرة الأفراد على الانخراط في المجتمع أو العمل، لكنّه أيضاً يزيد من التبعات النفسية السيّئة التي لا يتوفّر لها علاج أيضاً، اقتصادياً أو نفسياً، إذاً فإنّ محاولة الحصول على “ثيرابي” مثلاً، ستنتهي في أحسن الأحوال بمحاولة الطبيب/ة النفسي/ة تأكيد ما هو مكتوب في الأوراق الثبوتية. 

– عندما تتحدّثين عن وجود سوق سوداء للتدخّلات الطبّية، أودّ أن أسألك عن أثر ذلك عليك أنت: كيف عشت هذا الواقع؟ وما الذي تركه فيك نفسياً وجسدياً، وعلى مستوى شعورك بالأمان؟

إنان: كنت مستمرّة براديكاليتي ومقاومتي/ رفضي لأيّ علاج بديل دون مراقبة طبّية آمنة. إيماناً مني بالحقّ الإنساني في الوصول إلى الرعاية الصحّية الآمنة، قبل أن أصطدم في الواحدة والعشرين من عمري بكلّ التصنيفات لماهيّة المرأة التي كانت تنزل على رأسي من حقوقيين/ ات ونسويين/ ات داخل التيّارات المدنية العراقية كلما عرّفت عن نفسي كامرأة عابرة، ووجدت نفسي بسبب عجزي الاقتصادي أتناول حبوب منع الحمل كعلاج بديل عن الهرمونات، ولم أكن الأولى فقد استخدمت النساء العابرات في سياقات متعدّدة ودول مختلفة حبوب منع الحمل كبديل، لكنّ تلك الحبوب مجرّد أداة معطوبة لأنها تحتوي على إيثينيل إستراديول (Ethinyl Estradiol) وهو نوع صناعي/ كيميائي من الأستروجين، يختلف عن الأستروجين  المتطابق حيوياً (Bioidentical Estrogens) والمستخدم في علاجات تأكيد الجندر، وجرعاته لا تناسب الاحتياجات، ولا يحتوي على مثبطات للتستوستيرون التي يحتاجها جسدي لوقف إنتاجه. 

هذا يعني أنني أتناول شيئاً يشبه العلاج دون أن يكون كذلك، جسدي يتلقّى إشارات مختلطة. أستروجين صناعي بجرعات غير دقيقة من دون تثبيط للتستوستيرون، ومن دون أيّ رقابة طبّية على وظائف الكبد أو الدهون أو تجلّط الدم، وتستوستيرون طبيعي في الجسد قادر على مقاومة الأستروجين الضعيف الموجود في حبوب منع الحمل، وهذا ضرره أكبر من نفعه. كنت في مرحلة من الممكن أن أُصاب فيها بجلطة، أو تتوقّف وظائف كبدي قبل أن أرى ثديي، وهي مرحلة بعيدة؛ فحبوب منع الحمل لا تذهب أبعد من تقليل الشعر، ونعومة البشرة، وزيادة خطر الإصابة بجلطات الدم. 

لكنّني توقّفت بعد نوبات من الغثيان والبكاء والقلق المفرط، نوبات أجلستني في سريري حتى فقدت عملي حينها، ولم تضف إليّ تلك التجربة أيّ شعور بالأمان، فقد تحوّل الخوف فقط من مصدر خارجي واقع على جسدي إلى حبوب أتناولها أنا. في البداية كانت “أفضل من لا شيء” كذبة صغيرة أرويها لنفسي، عندما أبدأ بالاشمئزاز منها. لكنّها لاحقاً أعادت تشكيل إدراكي لهويّتي أيضاً، وعلى الرغم من أنها وضعتني في تلك المنطقة الوسطية المرعبة، التي كلّ خياراتها تعني موتاً ما، بشكل أو بآخر، إلا أن التوقّف كان خياري أنا وليس الهدف إيقاف العبور الجندري ذاته، لكنّه قرار سيادي على قرار العبور. هذا الرفض الذي أعادني إلى مراحل مبكرة من حياتي لكن ليس فقط في رفض التقنيات غير الآمنة، إنما أيضاً في رفض شروطها المفروضة، لامتلاك قرار بسيط عن جسدي، وحتى لو لم أحصل على اعتراف اجتماعي أو قانوني، أكون قد قلت، على الأقلّ: هذا جسدي، وأنا من أعيشه. 

– ما هو أثر التفاوت المناطقي داخل العراق السياسي على واقع الأشخاص الترانس؟ وهل تختلف الحياة والفرص والمخاطر بين مناطق العراق المختلفة؟

إنان: بشكل أو بآخر… أعتقد أنه علينا الاعتراف دوماً بذلك رغم المآسي كلّها، أننا جميعاً نقف على مسافة امتياز عن الآخر سواء أكان طبقياً، أو اجتماعياً، أو جندرياً، أو جغرافياً، كلّها امتيازات لا تقلّل من قيمة الخطر المحيط بالأفراد، لكنّ ذلك يبقى امتيازاً في النهاية، وهو يشكّل وعي الأفراد بذواتهم/ ن، فبالتأكيد أن رجلين عابرين أو امرأتين عابرتين يعيشان/تعيشان التجارب نفسها بحذافيرها، لو أن أحدهما يمتلك/ تمتلك غرفة تقفل بابها والآخر/الأخرى لا، فإن هناك تفاوتاً قد غيّر من الفرص، والمخاطر، والتجارب اليومية في عيش الهويّة أو استكشافها.

 
لكنّنا جميعاً نشترك في شيء وهو الفقد غير المعلن، أو كما تسمّيه الأرجنتينية لوهانا بيركنز، وأنا أفضّله تسميته بذلك أيضاً: الاستئصال (Desarraigo)، أي حين تتّخذ امرأة عابرة/ رجل عابر قرار العيش وفق هويّته/ا الحقيقية يؤدّي هذا في أغلب الأحيان (وفي حالة العراق دائماً)، إلى فقدان البيت وقطع الروابط الأسرية والإقصاء من الحياة العامّة، أو المدينة، أو البلد، كسياسة هيكلية منظّمة ومباشرة، ينتهجها مجتمع يُجرّم الوجود.

في العراق هذا الاستئصال يأخذ شكلاً له خصوصيته الجغرافية، لكنّه لا يتوقّف عندها أيضاً. الفارق بين بغداد والبصرة وإقليم كردستان، أو وسط العراق وغربه، هو فارق في شدّة الملاحقة وفي توفّر شبكات الدعم (حتى السرّية منها) وفي حجم الفضاء المشترك أيضاً. النساء العابرات في وسط أربيل مثلاً قد يملكن فضاء معيّناً: من الناشطين/ ات الكوييريين/ ات ومجموعات أندرجراوند، بينما قد تواجه المرأة نفسها، لو كانت سورية أو عراقية أخطاراً مختلفة متعلّقة بالإقامة، وحدود اللغة والعمل. وحتى في سياق المدينة الواحدة في مناطق جنوب العراق لو أخذنا محافظة ميسان كمثال فإن المرأة العابرة التي تعيش في الأهوار (التي تتعرّض للتجفيف والتهجير القسري لسكّانها)، تعيش تجارب مختلفة عن تلك التي تسكن في وسط المدينة ذات الطابع العشائري والقبلي المتزمّت، ومع توسّع نفوذ الميليشيات. 

هذا الاستئصال هو القاعدة، لكنّ الاستئصال نفسه يمكن أن يصبح مكاناً جديداً للمعرفة وإنتاجها لأنهم/ ن مستأصَلون/ ات، ويطوّرون/ يطوّرن فهماً جديداً ومعقّداً للأنظمة التي تحاول حذفهم/ ن.

– إذا عدنا إلى الوراء قليلًا، كيف تصفين وضع الأشخاص الترانس في العراق خلال فترة حكم “البعث” والدكتاتور صدّام حسين؟ ثم بعد العام 2003 ومع وجود النظام السياسي الجديد، كيف تغيّر هذا الواقع؟ في رأيك، ما أبرز التحوّلات التي طرأت على المستوى القانوني والسياسي والاجتماعي؟

إنان: كلّ الأنظمة الدكتاتورية بما فيها نظام صدّام حسين، ما يزعجها أكثر هو شكل المعارضة الكلاسيكية لسلطتها، لكن أيضاً، البُعد الثقافي والاجتماعي للقومية العربية أو الدكتاتوريات العربية عموماً، لديها أيضاً معايير ثنائية صارمة تطبّقها، أفكّر مثلاً: كم امرأة عابرة ماتت في حروب صدّام حسين العبثية؟ دون أن يعرف أحد أنها امرأة عابرة؟ انتهى الأمر بها في خنادق أو مدن إيرانية، أو على طريق العودة من الكويت، أو حتى في معتقلات صدّام، لأنها قد تكون رفضت تجنيدها إلزامياً. وسياسة نظام البعث أساساً كما شرحها كنعان مكية، وذكرتها في تفكيكي للمواطنة كامرأة عابرة كانت بوصفها “أيّ السلطة”، مناخاً للخوف يُعيد تشكيل الحياة اليومية ويدرّب الأفراد على الطاعة والنجاة.

ولم تختلف القوانين كثيراً، فكلّ من النظامين السابق والحالي، حتى صدور قانون مكافحة البغاء، والمثلية الجنسية، كان يستخدم مفهوم الأخلاق العامّة، وهو مفهوم مطّاط آخر لملاحقة الأفراد غير المعياريين/ ات. وعلى المستوى الاجتماعي، حتى في لحظتنا هذه، العراق ممتلئ بالقصص المثلية التي يتجاهلها المجتمع بناءً على الممارسة والسلوك الجنسي، المنطلقين من النظرة الأبوية ذاتها، والمعايير الثنائية الجندرية التي ترى في السلوك الجنسي، أو في موقع الفرد في العلاقة الجنسية معياراً للحكم عليه. فإذا كان الشخص، رغم أني أكره هذه التصنيفات، “توب”، فإن المجتمع لا يكترث بتصرّفاته، لأنه يقوم بممارسة جنسية من موقعه كرجل، ويقوم بفعلٍ رجولي، على عكس الآخر المتلقّي الذي يرتبط هنا، جندرياً بأنه يقوم بـ”فعل مؤنّث”.

عندما نقرأ التقارير الأممية التي تحدّثت عن نساء عابرات قُتلن بعد العام 2003، أثناء الحملة الإيمانية التي قادتها ميليشيات مقتدى الصدر، نرى أن أولئك النساء غالباً ما كن يعملن في الجنس حتى قبل سقوط النظام. وهنا أعود إلى مفهوم الاستئصال نفسه؛ حتى لو استطعن الوصول إلى علاجات هرمونية، فلن يستطعن تغيير الجنس في الأوراق الثبوتية، وتالياً لن يستطعن العمل. كلّ من النظامين شكَّل خطراً مختلفاً على النساء العابرات، وعلى مجتمع الميم/عين عامّة، لكنّ تفاوت الخطر هو في نوع “الانضباط الجندري” الذي تقوده السلطة. والميليشيات التي ظهرت بعد العام 2003، هي ليست ميليشيات محلّية فقط؛ فهم فكرة وأيديولوجيا، إضافة إلى تعقيد وجودهم العسكري كفصيل، وعدم رغبتهم في أن يكونوا تحت سيادة الدولة، ودخولهم إلى الانتخابات عبر أذرع سياسية. 

كلّ ذلك حوّلهم إلى حزب سياسي “الآن هم من يحكمون الدولة”، وهم تنظيم اجتماعي. كلّ هذه المستويات المتقاطعة في ما بينها، بالتأكيد لديها تصوّر عن شكل المجتمع: كيف يكون؟ وكيف تكون مؤسّساته الاجتماعية؟ وكيف تدار الأحوال الشخصية؟ وبلا شكّ مع دمج أفراد مجتمع الميم/ عين بالمؤامرة التي تلاحق صفاء مجتمعاتهم المتدينة ونقاءها. التي أوصلتنا إلى نتيجة وجود القانون، بعد أن كنا نُقتل ونُرمى في الشوارع “وما زلنا”.

ولا يعني هذا أن صدّام حسين كان أكثر رأفة بمجتمع الميم/ عين، لأن هناك تقارير وحكايات تصف حياة مثلية ليلية في بغداد كانت طبقية جدّاً، ولا يصلها إلا من يملك امتيازات، ويمكن أن نجدها الآن حتى في مناطق ومدن في أوروبا، أو نساء عابرات وصلن إلى علاج هرموني بسهولة؛ فنظام “البعث” هو أكثر من يعرف صبّ البول في جروح الضحايا. 

– هل يشبه هذا، إلى حدّ ما، وضع الكوير في سوريا في عهد الطاغية والسفّاح بشّار الأسد، ثم في الفترة اللاحقة لحكم “هيئة تحرير الشام” والجولاني؟ هل أصبحنا أمام نوع من “الفتيش السياسي” Le fétichisme politique، حيث تتحوّل الهويّة إلى هاجس سياسي أكثر منها مسألة شخصية؟

إنان: في العراق سابقاً وحتى الآن، ليس بما يخصّ مجتمع الميم/ عين فقط يمكن رؤية كيف يرى الأفراد أن اختلاف الطبقة الاقتصادية سوف ينجيهم/ ن من الوضع المأساوي الذي يعيشونه، وهو أمر صحيح إلى حدّ ما، لكن أيضاً لأنني لا أعرف الكثير عن وضع مجتمع الميم/ عين السوري في عهد بشّار، سوى القوانين المطّاطة التي تخصّ “المجامعة على خلاف الطبيعة”، فبالتأكيد قد استخدمها لملاحقة المثليين/ ات.

ولكن لا يمكن استبعاد الممارسات الأمنية، والابتزاز الممنهج المالي والسياسي الذي مارسته قوى وعناصر الأمن لابتزاز أفراد مجتمع الميم/ عين مادّياً، مقابل عدم فضحهم/ هن لعائلاتهم/ هن أو اعتقالهم/ هن، أو استعمال هذا الضغط ليعمل الأفراد كمخبرين/ ات للأجهزة الأمنية، وإذ لم يكن الأفراد محظوظين/ ات كفاية فأكيد قد عاشوا تعذيباً نفسياً وجسدياً واعتداءات جنسية ممنهجة، في السجون. بعد محاولة بشّار كما صدّام في العام 1991 استرضاء التيّارات الدينية المحافظة، وصولاً إلى العام 2011 واستخدام التهم الأخلاقية لملاحقة الناشطين/ ات السياسيين/ ات والحقوقيين/ ات، كوسيلة إضافية للتعذيب والابتزاز، ثم لاحقاً سيطرة “داعش” و”جبهة النصرة” على مناطق من سوريا، حيث كانت هذه التنظيمات الجهادية تتعامل مع أفراد مجتمع الميم/ عين بالإعدام، والرمي من شاهق. وبعد هروب الأسد وسيطرة الجولاني على الحكومة السورية، بقيت هذه التنظيمات الجهادية تمارس أساليبها نفسها مرّة أخرى، فهي أيضاً تُملي تصوّراً عن المجتمع، وكيف يكون، وفي وقت الانقسام الطائفي الحادّ وتفجير الكنائس وضياع ملفّات المغيبين/ ات والمعتقلين/ ات، كانوا يلاحقون النساء العابرات ويعذّبونهن علانية.

 مع سقوط نظام الأسد ظهر الكثير من الصور، منها صور للنمر، على ما أعتقد وهو بالزيّ العسكري يعانق شابّاً يتّضح من تعبيره الجندري أنه ليس رجلاً معيارياً، هذه الصورة تُعيد إلى ذاكرتي معارف سابقة لأشخاص مثليين، ونساء عابرات كنّ بشكل أو بآخر مقربين/ ات من ميليشيات وفصائل مسلّحة لا تتردّد بقتلهم/ هن، ويتوسّع شكل الاقتراب هذا حتى عند الحوثيين في اليمن، و”حزب الله” في لبنان. مناخ الاستئصال الذي تحدّثنا عنه سابقاً، وأذى يدفع بأفراد في بعض الأحيان إلى الاحتماء بظلّ الوحش، إذا نظرنا من زاوية الأفراد غير المعياريين/ ات أنفسهم/ هن، فالوجود ضمن حاشية قادة فصائل مسلّحة ليس بالضرورة خياراً ترفياً، لكنّه محاولة للنجاة في بيئة قاسية ومميتة وعدوانية، ونوع من مقايضة الحياة مقابل عبودية مطلقة واستمرار في إظهار الولاء. 

هذا أقرب إلى أن يكون عبودية جنسية، فالفرد الكويري موجود هنا كموضع سيطرة تامّة وليس كموضع اعتراف، ولا يُسمح له أن يكون كويرياً بالطريقة التي تستدعي قتله أو حرمانه من حرّيته بالحركة، والاختيار، والرغبة المستقلّة، كلّها إذاً أمور معلّقة. هو موجود في جسده حتى يُستهلك، فالمنظومة العسكرية الأبوية لا تمتلك أيديولوجيا أخلاقية حقيقية، إنما تطمح إلى السلطة، والتطويع. وهنا يقع هذا الجسد غير المعياري كأداة للمتعة السرّية وكبش فداء للفضيلة، أو للفتيش السياسي كما أسميته.

– يصف عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه Marc Augé مفهوم اللامكان Non-lieu، بأنه عالم «مقدَّر له أن يكون فضاء للفردية المنعزلة، وللعبور وللمؤقّت وللزائل». عندما أستمع إلى تجربتك، أتساءل: هل تشعرين أن غرفتك اليوم أصبحت، بالنسبة إليك، نوعاً من اللامكان، ولو كان ذلك خارج السياق الأوروبي للحداثة الفائقة الذي صاغ فيه أوجيه هذا المفهوم؟ وهل صارت الحلّ الوحيد لوجودك، كأنكِ تهربين من العراق كلّه، سياسياً واجتماعياً، إلى هذه الغرفة؟

إنان: بالنسبة لي كامرأة عابرة، اللامكان ليس فقط مصطلحاً أنثروبولجياً معقّداً، بل هو الواقع اليومي والمعاش، والطريقة الوحيدة للبقاء وسط فضاء أقلّ ما يقال عنه إنه دموي، في المدينة مثلاً لا أختبر الشارع أو الحيّ، أو حتى بيت العائلة كأمكنة عادية، لكنّها فضاءات ملأى بالعيون المراقبة التي تحاكم جسدي وتطالبني بأن أكون شخصاً آخر أو تهدّد بقتلي، هذا الخنق المستمرّ يدفعني للبحث عن زوايا، ومناطق رمادية أستطيع أن أتنفّس فيها بعيداً عن هذه المراقبة التي تبدأ تجربتي معها عند الباب.

 خلف هذا الباب الخشبي أعيش حالة تغيّر معنى الأمان بالنسبة لي، غرفتي التي يفترض أنها مكان حميمي تتشظّى في تجربتي وتتحوّل إلى “لامكان داخلي”، كما لو كنت أوقف الزمن في الخارج. يتعطّل وقت العائلة والمجتمع، وأدخل في زمن معلّق ومرحلة عبور أنتقل فيها بين قناع أرتديه لأنجو في الخارج وبين واقع حقيقتي، التي لا تجد مكاناً آخر تتنفّس فيه سوى هذه المساحة الضيّقة، التي هي في واقع الحال أصبحت مخبأ اضطرارياً أتخلّص فيه من هويّة فُرضت عليّ، محوّلة غرفتي إلى لامكان، لأنني فصلتها تماماً عن باقي المنزل، كما لو أنها لا تنتمي إليه.


هذا العزل أيضاً لا يتوقّف عند الجدران والباب، بل أشعر فيه، وهو يُعيد تشكيلي في داخله. قبل غرفتي وقبل المدينة أرى جسدي هو “لا مكاني الأوّل” مساحة أعيش فيها عبوراً مستمرّاً بين واقع معاش وحقيقة محاصرة. الغرفة أيضاً، تصبح مجرّد غلاف مادّي يحمي هشاشتي. الغرفة تصبح مساحة صمود وتجسيد للاغتراب المستمرّ في الوقت ذاته، تتحوّل فيه الجدران كلّ يوم إلى عالمي الوحيد، بينما أنتظر فضاء أوسع لا يشترط محوي لأكون موجودة.

– في فرنسا، أصبح الحديث عن هويّات جندرية متعدّدة، مثل الـ Demi-genre (نصف جندر) وغيرها، جزءاً من النقاش العامّ. عندما تنظرين إلى هذا الواقع من موقعك كامرأة ترانس عراقية، ماذا تشعرين؟ هل ترين أن هذه النقاشات بعيدة عن واقعكم، أم أنها تمنحكم لغةً للتعبير عن أنفسكم في العراق أيضاً؟

إنان: في العراق نحن في تجربة منفصلة تماماً، وفي سياق مختلف، كنّا نناقش مثلاً: كيف تغيّر المدينة الواحدة وعي الأفراد بذواتهم/ هن، والمخاطر التي ترافق جغرافياً الخوف نفسه؟ أعني، في الوقت الذي يتمّ فيه نقاش “النصف جندر” في فرنسا، أنا أخوض حوارات، وإن كان بمساحات ضيّقة على الإنترنت، لكنّها المساحة الوحيدة في العراق لغياب فضاء مدني آمن، حوارات مع أشخاص يناقشونني: هل أنا إنسانة أم لا؟ هل أستحقّ الحياة أم لا؟ هل أنا مختلّة عقلياً أم لا؟.

حتى داخل الفضاءات المدنية تحدّثني إحدى صديقاتي الصحافيات أن أحد أفراد المكتب الإعلامي لحزب سياسي يقدّم نفسه على أنه مدني (وهما اثنان فقط في العراق)، منزعج من الحديث عن مجتمع الميم/ عين العراقي، في مواقع الصحافة البديلة، لأنه يرى أن الحديث عن الحقوق سيجلب الأنظار إلى مجتمع الميم/ عين، في الوقت ذاته يُقتل أفراد مجتمع الميم/ عين…  هل أبقى خبراً؟ أو نقاش النسويات المُقصيات والمعاديات للعابرات من خلال مواضيع يستحضرنها من النسوية البيضاء البريطانية التي تموّلها جي كي رولينج، كالنساء العابرات في الرياضة؛ أو الحمّامات العامّة غير الموجودة أساساً، وبدلاً من التفكير في كيف تقوم المنظومة الأبوية في تشكيل الفضاء العمومي للنساء، عبر إجبارهن على التحرّك وفق ساعات بيولوجية، أصبح أنا الجريمة في ذات البلد؛ موضع الخطر في حمّامات غير موجودة في العراق.

لكنّي لا أستبعد وجود هذه اللغة أو التفكير مثلاً بـ”النصف جندر”، أي أن المصطلح غير موجود لكنّه مبنيّ على امتياز الأفراد، فربما فرد كويري في كردستان، أو حتى في بغداد، أو الأنبار، سيشعر أن “النصف جندر” تمثّل هويّته، بينما في منطقة أخرى حيث المواجهة اليومية مع الموت، لا توجد مساحة للتفكير إلا في حدود التجربة المعاشة، ولا أعتقد أيضاً أنه بعد سنّ القانون الخاصّ بالتجريم، يمكن استخدام هذه اللغة، ليس لأن المجتمع لا يفهمها بل لأنه مسلّح، ولأنها ستصنّف ترويجاً.


– أعلم أنك مهتمّة بالأدب وبالنظريات الحديثة عن المكان، ومنها الوعي الجديد الهجين الميستيثا Une nouvelle conscience Mestiza لدى غلوريا أنزالدوا Gloria Anzaldúa، كيف للشعر أن يصنع عبر المخيال هذا الوعي الهجين دون الخروج من العراق؟ وهل الخروج اليوم هو شرط من أجل تشكيل وعيك الهجين كترانس؟ 

إنان: عندما أفكر في غلوريا فأنا أشعر أنني أعرف هذا الوعي الهجين من الداخل، الحدود التي وصفتها غلوريا بالجرح المفتوح عند احتكاك العالم الثالث بالأوّل على حدود المكسيك، لم تكن بالنسبة لي جغرافيا حدودية إنما كانت جسدي نفسه. الحدود تعبر خلاله كلّ صباح بين الجنس والجندر، بين اللغة العامّة التي تسمّيني تشبّهاً، وبين اللغة التي أعرّف بها نفسي، حتى بين اسمي في وثائقي الثبوتية وبين إنان، بين القانون والميليشيا والعشيرة والعائلة، كلّ هذه حدود متراكمة أسكن فيها… ولا أعبرها فقط، لكنّي لا أريد أن “أُرمسن” هذه المأساة أيضاً. أنزالدوا نفسها لم تصنع وعيها الهجين من المخيال المحض، بل صنعته من احتكاك جسدي فعلي بخطّ حدودي، وعنف اقتصادي، وعرقي، وجندري. بينما وعيي الهجين أنا أيضاً لم يولد من القراءة أو الكتابة وحدها، لقد ولد في عبء الاختيارات المستحيلة، التي وصفتها سابقاً، بين أشكال الموت المختلفة.

ربما يكون السؤال: هل يكفي الشعر لحمل هذا الوعي الهجين إلى الأبد، دون أن يستنزف الجسد الذي يحمله؟ أعتقد أن الكتابة تستطيع أن تُبقي الوعي الهجين حيّاً لكنّها لا تستطيع أن تُبقي الرئة تتنفّس أو الكبد يعمل، عندما يكون العلاج غائباً والقانون يُجرّم، ربما هذا هو التناقض الذي لا يمكن للمخيال حلّه، أن أكون قادرة على صياغة وعي هجين معقّد يفكّك كلّ شيء حول جسدي، بينما جسدي الذي هو حدودي الأولى يُستهلك ببطء داخل فضاءات دموية، ولا أعرف كيف أنقذه منها. 

هل الخروج هنا، هو شرط لتشكّل الوعي؟ أم أنه فقط شرط لبقاء الجسد الفيزيائي الحامل لهذا الوعي على قيد الحياة، حتى يستمرّ في الكتابة؟ وهل يمكن أن نميّز بين الاثنين أصلاً؟

تحاور الشاعرة والصحافية رنا زيد الكاتبة والنسوية إنان م. بلاي في طقس تصفه زيد بأنه يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، لضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.

لم تكن الكاتبة والنسوية العراقية إنان م. بلاي، تعلم أنني حين بدأت التواصل المكثّف معها من أجل إجراء هذا الحوار، كنت في حالة من التجمّد État de sidération، وأنني أكثرت من تمارين دفع الحائط، كي أخرج من حالتي تلك. كنت أدفع الحائط بكلتا كفّيّ، مدّة ثلاثين ثانية في كلّ مرّة، ثم أتوقّف وأكرّر التمرين، حتى أُعيد جهازي العصبي إلى حالته الطبيعية، فأغدو غير متجمّدة أمام ذكرى العنف.   

إذ لم أكن أتوقّع، أثناء إحدى جلسات الزووم لواحد من أهم السمينارات عن الأدب العربي الحديث في فرنسا، أن أشهد قرصنة الجلسة، لنجد أنفسنا أمام فيديو يظهر فيه هتلر وعلى ذراعه شعاره النازي، مراقباً رجلاً أسود وهو في حالة عريّ وأداء جنسي فاحش. لم تكن نظرة هتلر موجّهة إلى الرجل بقدر ما كانت موجّهة إلى المشاهد، أي إلينا نحن. 

انهار الجوّ الأكاديمي في لحظات. لقد كنّا أمام شكل من أشكال الفتيش السياسي لليمين المتطرّف الأوروبي، في مرحلة يشهد فيها العالم صعوداً متزايداً للعنف والتطرّف والفاشية السياسية.

لقد أعادني العنف الذي حدث في السمينار، إلى فهم معنى ذاك العنف الذي يُمارَس اليوم سياسياً على كلّ العابرين/ات سواء عبر الحدود، أو عبر الجندر، أو عبر الثقافات. فإن كنّا أفراداً بين ثقافتين أو صُنّفنا جغرافياً وسياسياً كلاجئين/ات، أو أصبحنا عابرين/ات جندرياً ككوير، فإننا في مواجهة هذا العنف، سنتوقّف جميعاً عند إحدى الاستجابات الثلاثة: التجمّد، أو الهروب، أو المواجهة، فيما يزداد العنف والخطر، من حولنا. وقتئذ سنتوقّف، محرومين من ترف متابعة الحياة بصورة طبيعية ودون عراقيل.

لقد مسّنا العنف جميعاً. لكنّ العنف الذي تلاه في كوننا عابرين/ات للثقافات، أو عابرين/ات للأمكنة والحدود كلاجئين/ات، أو عابرين/ات في الجندر، بات يعني أن نعيش بين مكانين أو بين ثقافتين أو حتى في اللامكان، وأن نساهم في تشكيل الوعي الجديد الهجين الميستيثا Une nouvelle conscience Mestiza، الذي تحدّثت عنه الباحثة والمنظّرة النسوية الأميركية من أصول مكسيكية غلوريا أنزالدوا Gloria Anzaldúa، وهو وعي يتشكّل انطلاقاً من هذا التلاقح العرقي والأيديولوجي والثقافي والبيولوجي، متمظهراً في صورة وعي غريب Alien؛ وعياً ميستيثياً هجيناً، وعي امرأة، إنه وعي الأراضي الحدودية. 

إن العنف والفاشية السياسية العالمية الجديدة، جعلانا نهرب جميعاً من العالم الخارجي إلى ملاجئنا الذاتية في ذلك “اللامكان”، كما تهرب إنان من كلّ العراق إلى غرفتها، غاضبة من منطقتها، وعائلتها، ومجتمعها، ودولتها التي تُجرّم العبور الجندري.

لن يخفف من قسوة هذا الحوار، أنني وقعت في تساؤل ذهني أخلاقي كبير، حينما أوقفني محرّك البحث عندما حاولت البحث عن الأغنية التي وضعتها إنان في ستوري لها على إنستغرام، ورأيت فيها صورة قطّ يضع في أذنيه سماعات سلكية لجيل Y، ويستمع إلى أغنية تقول بصوت العراقي صباح محمود: “فكرت مرة أنتحر/ وأذب روحي من الجسر/ وأغرق بنهر الفرات/ من ألم هاي الحياة”، كنت أحاول أن أفتّش إن كانت هذه الأغنية موجودة حقّاً وأنني لا أتوهّم، أوقفني محرّك البحث ليكتب لي بالفرنسية رقم الطوارئ للمساعدة، في حال فكّرت أنا أو أحد ممّن أعرفهم في الانتحار، وأضاف بأنني لست وحدي. 

كان هذا قبل أن آخذ قراري بمحاورة الكاتبة إنان م. بلاي، وقبل أن ترسل لي صورة جديدة… لنضحك معاً، كنوع من اتّخاذ موقف تهكّمي وانقلابي ضدّ العنف، صورة يظهر فيها القطّ صابر، قطّ صديقتها المثلية، الذي وجدته في يوم من الأيّام تحت المطر فسمّته صابر إذ كانت عينه متضرّرة من البرد؛ يضع صابر (صبوري) عمامة رجل دين من حوزة النجف، وهي عمامة ليست لشيخ (كما نسمّيه ببساطة في سوريا)، لأن طلّاب الحوزة العلمية كلّهم رجال دين، ورجل الدين هو لقب في المطلق، وصفة لأب صديقتها دون تخصيص. صبوري، يحبّ اللهو ويخاف أن يظلَّ وحده أيضاً، كما تقول إنان. 

أجلس أمام إنان اليوم لأحاورها عن بُعد، وأنا أعلم أنني أمتلك امتيازات عديدة لن تمنع تواصلنا ومحاولاتنا لتفكيك العنف العربي ونظيره العالمي اجتماعياً وسياسياً، والحديث عن الكتابة وعن الصحافة البديلة وعن تساؤلاتنا حول المنصّة الصحافية العربية الأكثر احتفاءً بنا، والأكثر احتراماً لألمنا وواقعنا ككاتبات من دون شروط. 

ولأن الحوارات من مؤنّث إلى مؤنّث لا يمكن لها أن تتوقّف فجأة؛ لذا قرّرنا أنا وإنان أن نكمل هذا الحوار كنوع من طقس يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، ولضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.

كان لـ”درج” معها الحوار التالي:  

– قبل نحو عامين، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يُجرّم أفراد مجتمع الميم/عين، تحت ذريعة الحفاظ على كيان المجتمع العراقي. ووفق ما أفهم، يتضمّن القانون غرامات قد تصل إلى نحو عشرة آلاف دولار، إضافة إلى عقوبات بالسجن قد تمتدّ لسنوات، ولا يقتصر هذا التجريم على العبور الجندري الجسدي فحسب، بل قد يشمل أيضاً التعريف الجندري غير المطابق على مستوى الهويّة أو الإعلان الشخصي؛ كأن يعرّف الشخص نفسه مثلاً بوصفه لا ثنائي الجندر، ومن دون أن يكون قد أجرى أيّ عبور جسدي؟

إنان: لا يمكن النجاة من القوانين المطّاطة. أليست هذه هي وظيفة القوانين في بلداننا العربية؟ أن تكون مطّاطة تُصاغ وتعلّب وتُؤوّل وفق مزاج السلطة؟ نصّ قانون مكافحة البغاء (8) لسنة 1988، المعدّل ليصبح قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي، لم يأتِ بمصطلحات مثل الجندر أو الهويّة الجندرية أو العبور الجندري، ففي الواقع كانت هناك حملات قبل صدور المسوّدة الأولى للقانون المعدّل أدّت في نهايتها إلى منع كلمة جندر وتداولها كمثلية جنسية، واستبدالها بالشذوذ الجنسي في الإعلام ومؤسّسات الدولة. وحتى منع عمل أو استضافة مؤسّسات الدولة منظّمات عادةً هي نسوية، فقط لأنها تستخدم كلمة جندر، وبالتالي منع تيّار نسوي كامل من استخدام أدوات تكشف المرئي واللامرئي للعنف القائم على الجندر داخل المنظومة الأبوية. لكنّه بنى شبكة قانونية تستطيع السلطة من خلالها ملاحقة أيّ شخص يحمل/تحمل هويّة غير متطابقة من الجنس المسجّل في الأوراق الرسمية.


القانون يميّز بين بندين رئيسيين في المادّة السابعة، البند الأوّل يُجرّم “التشبّه بالنساء”، وهو بند سلوكي وأدائي لا يشترط أيّ تدخّل جراحي أو هرموني. يكفي أن يقرأ الضابط أو القاضي، المظهر أو الهيئة أو طريقة الكلام على أنها تشّبه بالنساء، وقد يشمل ذلك: الملابس، التصرّفات، الشعر، الإكسسوارات (مثلاً: كالقلائد والأقراط)، وحتى حركات الجسد. 

بينما البند الثاني يُجرّم “تغيير الجنس البيولوجي”، وهو يستهدف التدخّلات الطبّية الجسدية، ويعاقب الفرد ومَن يجريها له/ا على حدّ سواء، وبين هذين البندين توجد مساحة شاسعة حتى يتقولب بها التجريم. 

النصف جندر ” Demi-genre”، أو اللا ثنائية الجندرية “Non-binarité”، قضايا لا يوجد لها مكان في لغة هذا القانون. النصّ لا يعترف بالجندر كفئة منفصلة عن الجنس، أساساً هو ينكرها. شخص يعرّف عن نفسه بأنه لا ثنائي الجندر ولم يخضع لأيّ تدخّل طبّي، ولم يغيّر مظهره في شكل يُقرأ “تشبّهاً بالنساء”، قد يقع في فراغ قانوني- قمعي. القانون لا يحمي وجوده، وإذا أعلن عن هويّته يمكن تأويل ذلك على أنه “ترويج للشذوذ الجنسي”، وهي عبارة مطّاطة وغير معرّفة، تتّسع لأيّ منشور، أو مقال، أو تصريح، أو تعريف عن النفس في سياق عامّ.

وهناك سؤال آخر أيضاً: ماذا لو كان هناك رجل عابر جندرياً يأخذ هرمونات دون جراحة أو يُجري عمليّة تجميل للوجه فقط؟ النصّ يقول “غيّر جنسه بيولوجياً”، وهذا التعبير مطّاط، هل تغيير الصوت بالهرمونات هو “تغيير بيولوجي”؟ ماذا عن فئة من النساء تحقن هرمونات لأسباب متعلّقة بالرياضة، أو في الجيم؟ هل تُقرأ كرغبة شخصية في تغيير الجنس أو “التشبّه”؟  القانون لا يحدّد، إنما يترك الأمر لتقدير القاضي أو الطبيب الشرعي، مثلها مثل الفحوصات الشرجية القسرية “التقديرية “، وهذه الصياغة المطّاطية وظيفية لهذا القانون. 

في بلداننا العربية غالباً ما تُصاغ القوانين بهذا الشكل المفتوح لتكون أدوات سياسية في يد السلطة قبل أن تكون أدوات عدلية، ويمكن تعليبها وتأويلها وفق المزاج وحسب الضرورة السياسية.
التشبّه بالنساء أيضاً ليس مفهوماً طبّياً أو نفسياً، بل هو مفهوم اجتماعي- تأديبي، يكفي أن يقرأ الآخر المظهر على أنه “تشبّه”، حتى لو كان الفرد لا يعتبر ولا يعرّف نفسه على أنه “امرأة عابرة”، فهو “ليس كذلك” بالمعنى الطبّي والجندري. هذا يجعل القانون يستهدف الأداء الجندري لا الهويّة الجندرية وحدها. أيّ إنسان يخرج عن المعايير الأبوية الثنائية للرجولة والأنوثة يصبح/ تصبح عرضة للملاحقة. 

في حالتي كامرأة عابرة تتضاعف هذه المحاصرة، إذا أجريت تدخّلات طبّية سأقع تحت بند تغيير الجنس البيولوجي، وإذا عشت بمظهر يُقرأ “تشبّهاً بالنساء” دون إجراءات، فسأكون في بند “التخنّث”، إذ تكلّمت عن هويّتي فسأكون تحت تهمة الترويج، وإذا لم أفعل شيئاً فأنا محاصرة في هذا الجسد الذي يُؤرق وجودي داخله، وأريد الانسلاخ عنه؛ وفي السياق العراقي يضاف إلى هذا القانون خطر الميليشيات والعنف المجتمعي والأسري الذي يتجاوز النصّ القانوني إلى حدّ القتل. فأنا محاصرة بين أن أُقتل أو أن أقتل أنا نفسي، وهذا كلّه بمعزل عن عملي ككاتبة، التي هي أساساً تهمة جاهزة. 

– هناك جملة قلتِها قبل قليل، وربما تكون من أكثر الجمل إيلاماً في هذا الحوار، وأودّ أن أتوقّف عندها بكلّ احترام وحذر. ما الذي يجعل الخوف أو الضغط يصلان إلى هذا الحدّ؟ وما هي المخاطر اليومية، القانونية أو الاجتماعية أو العائلية التي تواجهينها كامرأة ترانس في العراق، وتجعلك تشعرين بأن حياتك محاصرة إلى هذه الدرجة؟

إنان: توقّفت عن إخفاء هذه الرغبة في الانتحار منذ ثلاث سنوات، فالأفكار الانتحارية ليست جديدة عليّ، على العكس تماماً هي نتيجة منطقية لعنف ممنهج لا يتوقّف وقد كثّفه القانون في العام 2024. جسدي ليس ملكي هو ملك للدولة، للمجتمع، للعائلة. يكبر كلّ يوم وفق هذه الملكية، منذ أن أدركت حقيقة أنني لست رجلاً ولن أكون، لأوّل مرّة قبل بلوغي، كما أدرك أنني امرأة عابرة الآن. 

حاجتي إلى الرعاية الطبّية ليست رفاهية، هي حقّي في الوجود، الهرمونات التي يحتاجها جسدي لكي يتوقّف هذا الشعور اليومي في الاغتراب وفي رغبة الانسلاخ عن جلدي. أصبحت سلعة مُجرّمة الآن، وحتى قبل تعديل القانون كان هناك المخاطر الموزّعة بين الميليشيات والمجتمع والعائلة، أخطار كانت كفيلة بالموت، وهناك سوق سوداء حيث يمكنك أن تجدي شيئاً، لكنّه موت آخر، ليس فقط بأن تكون الأدوية مغشوشة، لكنّ الرعاية الطبّية والصحّية للعابرين/ ات تحتاج إلى مراقبة طبّية مستمرّة، أي رعاية ذاتية قد تقابلها خطورة الجرعات الزائدة. هذا هو الحصار اليومي أن تكوني في حاجة إلى العلاج لكي تعيشي لكنّ الوصول إلى العلاج يعني الموت، ليس مجازياً فقط، إذ قد تصابين بجلطة أو بفشل في وظائف الكبد. 

في كلّ الاحتمالات؛ الجسد مهدّد والخيار الوحيد الآمن هو أن تفعلي: لا شيء، أن تبقي عالقة، وأن تراقبي جسدك يتآكل من الداخل. والبقاء عالقة هو موت بطيء آخر، يكون الجسد والقانون والمجتمع سجناً والدماغ مكاناً للحسابات المستحيلة. كلّ استيقاظ من النوم هو سؤال يومي عن المخاطرة بين أشكال مختلفة من الموت، هذا التردّد المستمرّ بين سجن الدولة، وسجن المجتمع، وسجن الميليشيات، وسجن العائلة والرعائية غير الآمنة بين خيارات كلّها قاتلة، يستنزف ما تبقّى من القدرة على الصمود. حتى الانتحار نفسه لا يأتي كحلّ مفاجئ، يبقى استنتاجاً منطقياً لكلّ ما يحدث عندما تغلق كلّ المنافذ للعلاج، ويصبح الجسد مكاناً لا يطاق ويتحوّل البقاء إلى سلسلة من الأيّام التي أمضيها واقفة في مكاني أنتظر انهياراً ما. وغالباً مع الكتابة المستمرّة لطلب المساعدة بالخروج من العراق، ثم عدم الحصول على ردّ، عندها يصبح الموت بيدي خياراً أقلّ رعباً من الموت البطيء الذي تفرضه عليّ الجغرافيا، والثقافة، والمجتمع، والسلطة، وحتى الاقتصاد. أقلّ رعباً أيضاً، لا لأنني أريد الموت، لكنّني أريد التخلّص من الجسد الذي تحوّل إلى قبر حيّ. 

– في ظلّ القيود القانونية والاجتماعية، ما هو واقع الحصول على الرعاية أو التدخّلات الطبّية المتعلّقة بالعبور الجندري في العراق؟ وهل يدفع غياب الحماية القانونية أو الطبّية بعض الأشخاص إلى اللجوء إلى السوق السوداء أو إلى ممارسات غير آمنة؟ 

إنان: عندما أقول سوق سوداء، لا أفكّر فيه كمكان ظلامي تجبرين فيه على استعمال حقن ملوّثة، أو أدوية مغشوشة، أو منتهية الصلاحية، أو مهرّبة دون تبريد، أو مقلّدة “وقد يكون كذلك”. لكنّني أقصد أيضاً أنه قد يكون مذخّراً (في صيدلية) طبّياً ومرخّصاً من الدولة، لكنّ بيع هذا النوع من الأدوية أو الهرمون بدون وصفة طبّية، عادة هو ملزم لشراء الهرمونات، لكنّك تشترينها بأضعاف مضاعفة. العبء الاقتصادي يضاعف المأساة أيضاً، ومن دون عمل ثابت أو مصدر دخل يناسب. وهو شيء لا يملكه، من يعيش/تعيش في الظلّ، كلّ دواء تدفع ثمنه المدخّرات، أو الديون، أو أيّ عمل إضافي يعرّض حياة الفرد إلى الخطر أو الاستغلال الجنسي المستمرّ. لكنّ أحد أكثر أشكال القسوة في هذا أيضاً، هو عدم استقرار هذه السوق التي لا تضمن الاستمرارية، ثم في الجسد الذي بدأ يتأقلم مع الهرمونات، ثم يُفاجأ بانقطاع العلاج فجأة فيعود الأستروجين أو التستوستيرون وتعود الأعراض، وعدم التطابق الجندري بعنف أشدّ، وهذا التوقّف والاستئناف يسبّبان ضرراً لا يختلف عن الاستمرار في تلقّي جرعات خاطئة.

الفرد هنا يدفع/ تدفع ثلاثة أثمان. ثمن الدواء المضاعف اقتصادياً، وثمن الخطر الصحّي من جرعات غير مراقبة، وأدوية غير مضمونة، والثمن النفسي من العيش في دائرة الخوف المستمرّ، وتستكمل كلّ ذلك الدولة بعدم اكتفائها بمنع الوصول إلى العلاج الآمن، من خلال اعتبار أن الأفراد ووجودهم/ ن بحدّ ذاته جريمة، لكنّها صنعت سوقاً سوداء تستنزف مادياً وتقتل صحّياً، لمجرّد أنك تريدين رعاية صحّية آمنة جسدك يصبح محتجزاً ومستنزفاً اقتصادياً، ويتناول دواء قد يكون سمّاً بطيئاً، ولأن البديل الأسرع، يا للأسف، يصبح هو الانتحار، أو عدم تلقّي أيّ علاج حفاظاً على الحياة، وهو انتحار آخر. أثره المادّي والنفسي والاجتماعي على الفرد لا يتوقّف عن العزل، وعدم قدرة الأفراد على الانخراط في المجتمع أو العمل، لكنّه أيضاً يزيد من التبعات النفسية السيّئة التي لا يتوفّر لها علاج أيضاً، اقتصادياً أو نفسياً، إذاً فإنّ محاولة الحصول على “ثيرابي” مثلاً، ستنتهي في أحسن الأحوال بمحاولة الطبيب/ة النفسي/ة تأكيد ما هو مكتوب في الأوراق الثبوتية. 

– عندما تتحدّثين عن وجود سوق سوداء للتدخّلات الطبّية، أودّ أن أسألك عن أثر ذلك عليك أنت: كيف عشت هذا الواقع؟ وما الذي تركه فيك نفسياً وجسدياً، وعلى مستوى شعورك بالأمان؟

إنان: كنت مستمرّة براديكاليتي ومقاومتي/ رفضي لأيّ علاج بديل دون مراقبة طبّية آمنة. إيماناً مني بالحقّ الإنساني في الوصول إلى الرعاية الصحّية الآمنة، قبل أن أصطدم في الواحدة والعشرين من عمري بكلّ التصنيفات لماهيّة المرأة التي كانت تنزل على رأسي من حقوقيين/ ات ونسويين/ ات داخل التيّارات المدنية العراقية كلما عرّفت عن نفسي كامرأة عابرة، ووجدت نفسي بسبب عجزي الاقتصادي أتناول حبوب منع الحمل كعلاج بديل عن الهرمونات، ولم أكن الأولى فقد استخدمت النساء العابرات في سياقات متعدّدة ودول مختلفة حبوب منع الحمل كبديل، لكنّ تلك الحبوب مجرّد أداة معطوبة لأنها تحتوي على إيثينيل إستراديول (Ethinyl Estradiol) وهو نوع صناعي/ كيميائي من الأستروجين، يختلف عن الأستروجين  المتطابق حيوياً (Bioidentical Estrogens) والمستخدم في علاجات تأكيد الجندر، وجرعاته لا تناسب الاحتياجات، ولا يحتوي على مثبطات للتستوستيرون التي يحتاجها جسدي لوقف إنتاجه. 

هذا يعني أنني أتناول شيئاً يشبه العلاج دون أن يكون كذلك، جسدي يتلقّى إشارات مختلطة. أستروجين صناعي بجرعات غير دقيقة من دون تثبيط للتستوستيرون، ومن دون أيّ رقابة طبّية على وظائف الكبد أو الدهون أو تجلّط الدم، وتستوستيرون طبيعي في الجسد قادر على مقاومة الأستروجين الضعيف الموجود في حبوب منع الحمل، وهذا ضرره أكبر من نفعه. كنت في مرحلة من الممكن أن أُصاب فيها بجلطة، أو تتوقّف وظائف كبدي قبل أن أرى ثديي، وهي مرحلة بعيدة؛ فحبوب منع الحمل لا تذهب أبعد من تقليل الشعر، ونعومة البشرة، وزيادة خطر الإصابة بجلطات الدم. 

لكنّني توقّفت بعد نوبات من الغثيان والبكاء والقلق المفرط، نوبات أجلستني في سريري حتى فقدت عملي حينها، ولم تضف إليّ تلك التجربة أيّ شعور بالأمان، فقد تحوّل الخوف فقط من مصدر خارجي واقع على جسدي إلى حبوب أتناولها أنا. في البداية كانت “أفضل من لا شيء” كذبة صغيرة أرويها لنفسي، عندما أبدأ بالاشمئزاز منها. لكنّها لاحقاً أعادت تشكيل إدراكي لهويّتي أيضاً، وعلى الرغم من أنها وضعتني في تلك المنطقة الوسطية المرعبة، التي كلّ خياراتها تعني موتاً ما، بشكل أو بآخر، إلا أن التوقّف كان خياري أنا وليس الهدف إيقاف العبور الجندري ذاته، لكنّه قرار سيادي على قرار العبور. هذا الرفض الذي أعادني إلى مراحل مبكرة من حياتي لكن ليس فقط في رفض التقنيات غير الآمنة، إنما أيضاً في رفض شروطها المفروضة، لامتلاك قرار بسيط عن جسدي، وحتى لو لم أحصل على اعتراف اجتماعي أو قانوني، أكون قد قلت، على الأقلّ: هذا جسدي، وأنا من أعيشه. 

– ما هو أثر التفاوت المناطقي داخل العراق السياسي على واقع الأشخاص الترانس؟ وهل تختلف الحياة والفرص والمخاطر بين مناطق العراق المختلفة؟

إنان: بشكل أو بآخر… أعتقد أنه علينا الاعتراف دوماً بذلك رغم المآسي كلّها، أننا جميعاً نقف على مسافة امتياز عن الآخر سواء أكان طبقياً، أو اجتماعياً، أو جندرياً، أو جغرافياً، كلّها امتيازات لا تقلّل من قيمة الخطر المحيط بالأفراد، لكنّ ذلك يبقى امتيازاً في النهاية، وهو يشكّل وعي الأفراد بذواتهم/ ن، فبالتأكيد أن رجلين عابرين أو امرأتين عابرتين يعيشان/تعيشان التجارب نفسها بحذافيرها، لو أن أحدهما يمتلك/ تمتلك غرفة تقفل بابها والآخر/الأخرى لا، فإن هناك تفاوتاً قد غيّر من الفرص، والمخاطر، والتجارب اليومية في عيش الهويّة أو استكشافها.

 
لكنّنا جميعاً نشترك في شيء وهو الفقد غير المعلن، أو كما تسمّيه الأرجنتينية لوهانا بيركنز، وأنا أفضّله تسميته بذلك أيضاً: الاستئصال (Desarraigo)، أي حين تتّخذ امرأة عابرة/ رجل عابر قرار العيش وفق هويّته/ا الحقيقية يؤدّي هذا في أغلب الأحيان (وفي حالة العراق دائماً)، إلى فقدان البيت وقطع الروابط الأسرية والإقصاء من الحياة العامّة، أو المدينة، أو البلد، كسياسة هيكلية منظّمة ومباشرة، ينتهجها مجتمع يُجرّم الوجود.

في العراق هذا الاستئصال يأخذ شكلاً له خصوصيته الجغرافية، لكنّه لا يتوقّف عندها أيضاً. الفارق بين بغداد والبصرة وإقليم كردستان، أو وسط العراق وغربه، هو فارق في شدّة الملاحقة وفي توفّر شبكات الدعم (حتى السرّية منها) وفي حجم الفضاء المشترك أيضاً. النساء العابرات في وسط أربيل مثلاً قد يملكن فضاء معيّناً: من الناشطين/ ات الكوييريين/ ات ومجموعات أندرجراوند، بينما قد تواجه المرأة نفسها، لو كانت سورية أو عراقية أخطاراً مختلفة متعلّقة بالإقامة، وحدود اللغة والعمل. وحتى في سياق المدينة الواحدة في مناطق جنوب العراق لو أخذنا محافظة ميسان كمثال فإن المرأة العابرة التي تعيش في الأهوار (التي تتعرّض للتجفيف والتهجير القسري لسكّانها)، تعيش تجارب مختلفة عن تلك التي تسكن في وسط المدينة ذات الطابع العشائري والقبلي المتزمّت، ومع توسّع نفوذ الميليشيات. 

هذا الاستئصال هو القاعدة، لكنّ الاستئصال نفسه يمكن أن يصبح مكاناً جديداً للمعرفة وإنتاجها لأنهم/ ن مستأصَلون/ ات، ويطوّرون/ يطوّرن فهماً جديداً ومعقّداً للأنظمة التي تحاول حذفهم/ ن.

– إذا عدنا إلى الوراء قليلًا، كيف تصفين وضع الأشخاص الترانس في العراق خلال فترة حكم “البعث” والدكتاتور صدّام حسين؟ ثم بعد العام 2003 ومع وجود النظام السياسي الجديد، كيف تغيّر هذا الواقع؟ في رأيك، ما أبرز التحوّلات التي طرأت على المستوى القانوني والسياسي والاجتماعي؟

إنان: كلّ الأنظمة الدكتاتورية بما فيها نظام صدّام حسين، ما يزعجها أكثر هو شكل المعارضة الكلاسيكية لسلطتها، لكن أيضاً، البُعد الثقافي والاجتماعي للقومية العربية أو الدكتاتوريات العربية عموماً، لديها أيضاً معايير ثنائية صارمة تطبّقها، أفكّر مثلاً: كم امرأة عابرة ماتت في حروب صدّام حسين العبثية؟ دون أن يعرف أحد أنها امرأة عابرة؟ انتهى الأمر بها في خنادق أو مدن إيرانية، أو على طريق العودة من الكويت، أو حتى في معتقلات صدّام، لأنها قد تكون رفضت تجنيدها إلزامياً. وسياسة نظام البعث أساساً كما شرحها كنعان مكية، وذكرتها في تفكيكي للمواطنة كامرأة عابرة كانت بوصفها “أيّ السلطة”، مناخاً للخوف يُعيد تشكيل الحياة اليومية ويدرّب الأفراد على الطاعة والنجاة.

ولم تختلف القوانين كثيراً، فكلّ من النظامين السابق والحالي، حتى صدور قانون مكافحة البغاء، والمثلية الجنسية، كان يستخدم مفهوم الأخلاق العامّة، وهو مفهوم مطّاط آخر لملاحقة الأفراد غير المعياريين/ ات. وعلى المستوى الاجتماعي، حتى في لحظتنا هذه، العراق ممتلئ بالقصص المثلية التي يتجاهلها المجتمع بناءً على الممارسة والسلوك الجنسي، المنطلقين من النظرة الأبوية ذاتها، والمعايير الثنائية الجندرية التي ترى في السلوك الجنسي، أو في موقع الفرد في العلاقة الجنسية معياراً للحكم عليه. فإذا كان الشخص، رغم أني أكره هذه التصنيفات، “توب”، فإن المجتمع لا يكترث بتصرّفاته، لأنه يقوم بممارسة جنسية من موقعه كرجل، ويقوم بفعلٍ رجولي، على عكس الآخر المتلقّي الذي يرتبط هنا، جندرياً بأنه يقوم بـ”فعل مؤنّث”.

عندما نقرأ التقارير الأممية التي تحدّثت عن نساء عابرات قُتلن بعد العام 2003، أثناء الحملة الإيمانية التي قادتها ميليشيات مقتدى الصدر، نرى أن أولئك النساء غالباً ما كن يعملن في الجنس حتى قبل سقوط النظام. وهنا أعود إلى مفهوم الاستئصال نفسه؛ حتى لو استطعن الوصول إلى علاجات هرمونية، فلن يستطعن تغيير الجنس في الأوراق الثبوتية، وتالياً لن يستطعن العمل. كلّ من النظامين شكَّل خطراً مختلفاً على النساء العابرات، وعلى مجتمع الميم/عين عامّة، لكنّ تفاوت الخطر هو في نوع “الانضباط الجندري” الذي تقوده السلطة. والميليشيات التي ظهرت بعد العام 2003، هي ليست ميليشيات محلّية فقط؛ فهم فكرة وأيديولوجيا، إضافة إلى تعقيد وجودهم العسكري كفصيل، وعدم رغبتهم في أن يكونوا تحت سيادة الدولة، ودخولهم إلى الانتخابات عبر أذرع سياسية. 

كلّ ذلك حوّلهم إلى حزب سياسي “الآن هم من يحكمون الدولة”، وهم تنظيم اجتماعي. كلّ هذه المستويات المتقاطعة في ما بينها، بالتأكيد لديها تصوّر عن شكل المجتمع: كيف يكون؟ وكيف تكون مؤسّساته الاجتماعية؟ وكيف تدار الأحوال الشخصية؟ وبلا شكّ مع دمج أفراد مجتمع الميم/ عين بالمؤامرة التي تلاحق صفاء مجتمعاتهم المتدينة ونقاءها. التي أوصلتنا إلى نتيجة وجود القانون، بعد أن كنا نُقتل ونُرمى في الشوارع “وما زلنا”.

ولا يعني هذا أن صدّام حسين كان أكثر رأفة بمجتمع الميم/ عين، لأن هناك تقارير وحكايات تصف حياة مثلية ليلية في بغداد كانت طبقية جدّاً، ولا يصلها إلا من يملك امتيازات، ويمكن أن نجدها الآن حتى في مناطق ومدن في أوروبا، أو نساء عابرات وصلن إلى علاج هرموني بسهولة؛ فنظام “البعث” هو أكثر من يعرف صبّ البول في جروح الضحايا. 

– هل يشبه هذا، إلى حدّ ما، وضع الكوير في سوريا في عهد الطاغية والسفّاح بشّار الأسد، ثم في الفترة اللاحقة لحكم “هيئة تحرير الشام” والجولاني؟ هل أصبحنا أمام نوع من “الفتيش السياسي” Le fétichisme politique، حيث تتحوّل الهويّة إلى هاجس سياسي أكثر منها مسألة شخصية؟

إنان: في العراق سابقاً وحتى الآن، ليس بما يخصّ مجتمع الميم/ عين فقط يمكن رؤية كيف يرى الأفراد أن اختلاف الطبقة الاقتصادية سوف ينجيهم/ ن من الوضع المأساوي الذي يعيشونه، وهو أمر صحيح إلى حدّ ما، لكن أيضاً لأنني لا أعرف الكثير عن وضع مجتمع الميم/ عين السوري في عهد بشّار، سوى القوانين المطّاطة التي تخصّ “المجامعة على خلاف الطبيعة”، فبالتأكيد قد استخدمها لملاحقة المثليين/ ات.

ولكن لا يمكن استبعاد الممارسات الأمنية، والابتزاز الممنهج المالي والسياسي الذي مارسته قوى وعناصر الأمن لابتزاز أفراد مجتمع الميم/ عين مادّياً، مقابل عدم فضحهم/ هن لعائلاتهم/ هن أو اعتقالهم/ هن، أو استعمال هذا الضغط ليعمل الأفراد كمخبرين/ ات للأجهزة الأمنية، وإذ لم يكن الأفراد محظوظين/ ات كفاية فأكيد قد عاشوا تعذيباً نفسياً وجسدياً واعتداءات جنسية ممنهجة، في السجون. بعد محاولة بشّار كما صدّام في العام 1991 استرضاء التيّارات الدينية المحافظة، وصولاً إلى العام 2011 واستخدام التهم الأخلاقية لملاحقة الناشطين/ ات السياسيين/ ات والحقوقيين/ ات، كوسيلة إضافية للتعذيب والابتزاز، ثم لاحقاً سيطرة “داعش” و”جبهة النصرة” على مناطق من سوريا، حيث كانت هذه التنظيمات الجهادية تتعامل مع أفراد مجتمع الميم/ عين بالإعدام، والرمي من شاهق. وبعد هروب الأسد وسيطرة الجولاني على الحكومة السورية، بقيت هذه التنظيمات الجهادية تمارس أساليبها نفسها مرّة أخرى، فهي أيضاً تُملي تصوّراً عن المجتمع، وكيف يكون، وفي وقت الانقسام الطائفي الحادّ وتفجير الكنائس وضياع ملفّات المغيبين/ ات والمعتقلين/ ات، كانوا يلاحقون النساء العابرات ويعذّبونهن علانية.

 مع سقوط نظام الأسد ظهر الكثير من الصور، منها صور للنمر، على ما أعتقد وهو بالزيّ العسكري يعانق شابّاً يتّضح من تعبيره الجندري أنه ليس رجلاً معيارياً، هذه الصورة تُعيد إلى ذاكرتي معارف سابقة لأشخاص مثليين، ونساء عابرات كنّ بشكل أو بآخر مقربين/ ات من ميليشيات وفصائل مسلّحة لا تتردّد بقتلهم/ هن، ويتوسّع شكل الاقتراب هذا حتى عند الحوثيين في اليمن، و”حزب الله” في لبنان. مناخ الاستئصال الذي تحدّثنا عنه سابقاً، وأذى يدفع بأفراد في بعض الأحيان إلى الاحتماء بظلّ الوحش، إذا نظرنا من زاوية الأفراد غير المعياريين/ ات أنفسهم/ هن، فالوجود ضمن حاشية قادة فصائل مسلّحة ليس بالضرورة خياراً ترفياً، لكنّه محاولة للنجاة في بيئة قاسية ومميتة وعدوانية، ونوع من مقايضة الحياة مقابل عبودية مطلقة واستمرار في إظهار الولاء. 

هذا أقرب إلى أن يكون عبودية جنسية، فالفرد الكويري موجود هنا كموضع سيطرة تامّة وليس كموضع اعتراف، ولا يُسمح له أن يكون كويرياً بالطريقة التي تستدعي قتله أو حرمانه من حرّيته بالحركة، والاختيار، والرغبة المستقلّة، كلّها إذاً أمور معلّقة. هو موجود في جسده حتى يُستهلك، فالمنظومة العسكرية الأبوية لا تمتلك أيديولوجيا أخلاقية حقيقية، إنما تطمح إلى السلطة، والتطويع. وهنا يقع هذا الجسد غير المعياري كأداة للمتعة السرّية وكبش فداء للفضيلة، أو للفتيش السياسي كما أسميته.

– يصف عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارك أوجيه Marc Augé مفهوم اللامكان Non-lieu، بأنه عالم «مقدَّر له أن يكون فضاء للفردية المنعزلة، وللعبور وللمؤقّت وللزائل». عندما أستمع إلى تجربتك، أتساءل: هل تشعرين أن غرفتك اليوم أصبحت، بالنسبة إليك، نوعاً من اللامكان، ولو كان ذلك خارج السياق الأوروبي للحداثة الفائقة الذي صاغ فيه أوجيه هذا المفهوم؟ وهل صارت الحلّ الوحيد لوجودك، كأنكِ تهربين من العراق كلّه، سياسياً واجتماعياً، إلى هذه الغرفة؟

إنان: بالنسبة لي كامرأة عابرة، اللامكان ليس فقط مصطلحاً أنثروبولجياً معقّداً، بل هو الواقع اليومي والمعاش، والطريقة الوحيدة للبقاء وسط فضاء أقلّ ما يقال عنه إنه دموي، في المدينة مثلاً لا أختبر الشارع أو الحيّ، أو حتى بيت العائلة كأمكنة عادية، لكنّها فضاءات ملأى بالعيون المراقبة التي تحاكم جسدي وتطالبني بأن أكون شخصاً آخر أو تهدّد بقتلي، هذا الخنق المستمرّ يدفعني للبحث عن زوايا، ومناطق رمادية أستطيع أن أتنفّس فيها بعيداً عن هذه المراقبة التي تبدأ تجربتي معها عند الباب.

 خلف هذا الباب الخشبي أعيش حالة تغيّر معنى الأمان بالنسبة لي، غرفتي التي يفترض أنها مكان حميمي تتشظّى في تجربتي وتتحوّل إلى “لامكان داخلي”، كما لو كنت أوقف الزمن في الخارج. يتعطّل وقت العائلة والمجتمع، وأدخل في زمن معلّق ومرحلة عبور أنتقل فيها بين قناع أرتديه لأنجو في الخارج وبين واقع حقيقتي، التي لا تجد مكاناً آخر تتنفّس فيه سوى هذه المساحة الضيّقة، التي هي في واقع الحال أصبحت مخبأ اضطرارياً أتخلّص فيه من هويّة فُرضت عليّ، محوّلة غرفتي إلى لامكان، لأنني فصلتها تماماً عن باقي المنزل، كما لو أنها لا تنتمي إليه.


هذا العزل أيضاً لا يتوقّف عند الجدران والباب، بل أشعر فيه، وهو يُعيد تشكيلي في داخله. قبل غرفتي وقبل المدينة أرى جسدي هو “لا مكاني الأوّل” مساحة أعيش فيها عبوراً مستمرّاً بين واقع معاش وحقيقة محاصرة. الغرفة أيضاً، تصبح مجرّد غلاف مادّي يحمي هشاشتي. الغرفة تصبح مساحة صمود وتجسيد للاغتراب المستمرّ في الوقت ذاته، تتحوّل فيه الجدران كلّ يوم إلى عالمي الوحيد، بينما أنتظر فضاء أوسع لا يشترط محوي لأكون موجودة.

– في فرنسا، أصبح الحديث عن هويّات جندرية متعدّدة، مثل الـ Demi-genre (نصف جندر) وغيرها، جزءاً من النقاش العامّ. عندما تنظرين إلى هذا الواقع من موقعك كامرأة ترانس عراقية، ماذا تشعرين؟ هل ترين أن هذه النقاشات بعيدة عن واقعكم، أم أنها تمنحكم لغةً للتعبير عن أنفسكم في العراق أيضاً؟

إنان: في العراق نحن في تجربة منفصلة تماماً، وفي سياق مختلف، كنّا نناقش مثلاً: كيف تغيّر المدينة الواحدة وعي الأفراد بذواتهم/ هن، والمخاطر التي ترافق جغرافياً الخوف نفسه؟ أعني، في الوقت الذي يتمّ فيه نقاش “النصف جندر” في فرنسا، أنا أخوض حوارات، وإن كان بمساحات ضيّقة على الإنترنت، لكنّها المساحة الوحيدة في العراق لغياب فضاء مدني آمن، حوارات مع أشخاص يناقشونني: هل أنا إنسانة أم لا؟ هل أستحقّ الحياة أم لا؟ هل أنا مختلّة عقلياً أم لا؟.

حتى داخل الفضاءات المدنية تحدّثني إحدى صديقاتي الصحافيات أن أحد أفراد المكتب الإعلامي لحزب سياسي يقدّم نفسه على أنه مدني (وهما اثنان فقط في العراق)، منزعج من الحديث عن مجتمع الميم/ عين العراقي، في مواقع الصحافة البديلة، لأنه يرى أن الحديث عن الحقوق سيجلب الأنظار إلى مجتمع الميم/ عين، في الوقت ذاته يُقتل أفراد مجتمع الميم/ عين…  هل أبقى خبراً؟ أو نقاش النسويات المُقصيات والمعاديات للعابرات من خلال مواضيع يستحضرنها من النسوية البيضاء البريطانية التي تموّلها جي كي رولينج، كالنساء العابرات في الرياضة؛ أو الحمّامات العامّة غير الموجودة أساساً، وبدلاً من التفكير في كيف تقوم المنظومة الأبوية في تشكيل الفضاء العمومي للنساء، عبر إجبارهن على التحرّك وفق ساعات بيولوجية، أصبح أنا الجريمة في ذات البلد؛ موضع الخطر في حمّامات غير موجودة في العراق.

لكنّي لا أستبعد وجود هذه اللغة أو التفكير مثلاً بـ”النصف جندر”، أي أن المصطلح غير موجود لكنّه مبنيّ على امتياز الأفراد، فربما فرد كويري في كردستان، أو حتى في بغداد، أو الأنبار، سيشعر أن “النصف جندر” تمثّل هويّته، بينما في منطقة أخرى حيث المواجهة اليومية مع الموت، لا توجد مساحة للتفكير إلا في حدود التجربة المعاشة، ولا أعتقد أيضاً أنه بعد سنّ القانون الخاصّ بالتجريم، يمكن استخدام هذه اللغة، ليس لأن المجتمع لا يفهمها بل لأنه مسلّح، ولأنها ستصنّف ترويجاً.


– أعلم أنك مهتمّة بالأدب وبالنظريات الحديثة عن المكان، ومنها الوعي الجديد الهجين الميستيثا Une nouvelle conscience Mestiza لدى غلوريا أنزالدوا Gloria Anzaldúa، كيف للشعر أن يصنع عبر المخيال هذا الوعي الهجين دون الخروج من العراق؟ وهل الخروج اليوم هو شرط من أجل تشكيل وعيك الهجين كترانس؟ 

إنان: عندما أفكر في غلوريا فأنا أشعر أنني أعرف هذا الوعي الهجين من الداخل، الحدود التي وصفتها غلوريا بالجرح المفتوح عند احتكاك العالم الثالث بالأوّل على حدود المكسيك، لم تكن بالنسبة لي جغرافيا حدودية إنما كانت جسدي نفسه. الحدود تعبر خلاله كلّ صباح بين الجنس والجندر، بين اللغة العامّة التي تسمّيني تشبّهاً، وبين اللغة التي أعرّف بها نفسي، حتى بين اسمي في وثائقي الثبوتية وبين إنان، بين القانون والميليشيا والعشيرة والعائلة، كلّ هذه حدود متراكمة أسكن فيها… ولا أعبرها فقط، لكنّي لا أريد أن “أُرمسن” هذه المأساة أيضاً. أنزالدوا نفسها لم تصنع وعيها الهجين من المخيال المحض، بل صنعته من احتكاك جسدي فعلي بخطّ حدودي، وعنف اقتصادي، وعرقي، وجندري. بينما وعيي الهجين أنا أيضاً لم يولد من القراءة أو الكتابة وحدها، لقد ولد في عبء الاختيارات المستحيلة، التي وصفتها سابقاً، بين أشكال الموت المختلفة.

ربما يكون السؤال: هل يكفي الشعر لحمل هذا الوعي الهجين إلى الأبد، دون أن يستنزف الجسد الذي يحمله؟ أعتقد أن الكتابة تستطيع أن تُبقي الوعي الهجين حيّاً لكنّها لا تستطيع أن تُبقي الرئة تتنفّس أو الكبد يعمل، عندما يكون العلاج غائباً والقانون يُجرّم، ربما هذا هو التناقض الذي لا يمكن للمخيال حلّه، أن أكون قادرة على صياغة وعي هجين معقّد يفكّك كلّ شيء حول جسدي، بينما جسدي الذي هو حدودي الأولى يُستهلك ببطء داخل فضاءات دموية، ولا أعرف كيف أنقذه منها. 

هل الخروج هنا، هو شرط لتشكّل الوعي؟ أم أنه فقط شرط لبقاء الجسد الفيزيائي الحامل لهذا الوعي على قيد الحياة، حتى يستمرّ في الكتابة؟ وهل يمكن أن نميّز بين الاثنين أصلاً؟