مرةً أخرى، بدت إيران أسيرة معادلةٍ صفرية: سلطةٌ تدّعي شرعيةً إلهية، في مقابل شعبٍ جليّ أنه في غالبيته فقد كل أملٍ بإصلاح هذه السلطة، ومن ثمّ لا يرى خلاصًا إلا بالتخلّص منها. في قلب هذه الدورة الأحدث من أزمات الجمهورية الإسلامية، يقف وضعٌ اقتصادي كارثي، لكنه بدوره ليس سوى مؤشر إلى مشاكل مزمنة تخلقها طبيعة النظام العقائدية وبنيته العسكرية–الأمنية، وتؤدي بدورها إلى افتقارٍ مزمنٍ الى الشرعية، لا يزداد إلا حدّةً مع مرور الوقت، اللهمّ إلا إذا نجح النظام في تغيير نفسه جذريًا، وهو احتمال لا مؤشر إليه حتى الآن.
وكأيّ نظامٍ يفتقد الشرعية، تعوّض السلطة هذا «العجز» في القبول من المحكومين بـ«فائض» من العنف ضدهم، بلغ مستوياتٍ مرعبة هذه المرّة. إذ تقول أحدث الأرقام الرسمية، التي أعلنها التلفزيون الإيراني نقلًا عن وزارة الداخلية الإيرانية، إن عدد القتلى بلغ ثلاثة آلافٍ ومئة وسبعة عشر قتيلًا. في المقابل، تقدّر منظمة ناشطي حقوق الإنسان، التي تعمل من العاصمة الأميركية، العدد بأربعة آلافٍ وخمسمئة وستين، بينما ترفع تقديراتٌ أخرى الرقم إلى ما فوق الخمسة عشر ألفًا.
وحسب ما صرّح به وزير خارجية الجمهورية الإسلامية في مقال رأي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، فإن الغالبية الكاسحة من القتلى سقطوا خلال «اثنتين وسبعين ساعة من العنف»، وهو ما يشير حُكمًا إلى الفترة الممتدة من الثامن إلى العاشر من كانون الثاني/ يناير 2026. علمًا أن النظام تحدّث عن استخدام المتظاهرين العنف ضد أفراده، الذين سقط منهم المئات، وأُقيمت لهم جنازات رسمية استُخدمت كدعايةٍ للنظام.
يدّعي النظام أنه استعاد السيطرة الكاملة، والأقرب للظن أن هذا صحيح. لكن، من جهة، ووفق تعبير الأكاديمي البريطاني–الإيراني علي أنصاري، فإن النظام يموت بـ«ألف ضربة»، أي أن موته طويل ومؤلم، لكنه ميتٌ لا محالة. ومن جهةٍ أخرى، فإن ما يعنيه هذا الموت الطويل هو أن النظام صامد الآن، ولزمنٍ قادم يصعب تقديره، لكن أسباب الاحتضار البطيء والمؤلم باقية. ومن ثمّ، سنشهد حتمًا تكرارًا للعنف من الجهتين، النظام ومعارضوه، وهو مسار متوقّع لحكمٍ فاقد الشرعية، جاهزٍ لقتل الآلاف بدمٍ بارد، بل ويضع كل اللوم على القوى الأجنبية «الشريرة» التي تريد، بحسب روايته، دفع الإيرانيين الى الخروج من «جنّتهم» التي يعيشونها، ويعرفونها جحيمًا على الأرض.
لكن ما الذي رفع حرارة جحيم الجمهورية الإسلامية إلى حدّ الخروج على الوليّ الفقيه بهذه الجرأة التي تقارب الانتحار، بل والاستماع إلى دعوات التظاهر من وليّ عهدهم السابق، الذي لم يطأ أرض «بلاده» منذ قرابة خمسة عقود؟ بخاصة ألا جديد فعليًا في التدهور الاقتصادي، فهذا «من طبع الأمور» منذ عقود.
الأسباب عدة، لكن الموجة الأخيرة حرّكها التدهور الهائل في سعر الريال الإيراني، وهو الضعيف المنهار أصلًا. فقد وصلت الأمور، للمرة الأولى، إلى أن يقف أصحاب الأعمال في بازار طهران الكبير، الذين كانوا حتى عهدٍ قريب حلفاء تقليديين لدولة ولاية الفقيه، متّحدين ضد سياساتٍ قضت، بشكلٍ شبه كامل، على القوة الشرائية للإيرانيين.
فبعد سنواتٍ من معدلات تضخّم تجاوزت، في المعتاد، متوسط العشرين في المئة سنويًا، وهو ما يعني تضاعف الأسعار كل أربع سنوات تقريبًا، ارتفعت وتيرة التضخّم بشكلٍ أكثر حدّة في السنوات الأخيرة، بعدما أعاد ترامب فرض العقوبات على البلاد. ومؤشرٌ مأساوي على انهيار قيمة العملة برز في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي (2025)، حين أقرّ البرلمان الإيراني حذف أربعة أصفار من أوراق النقد الإيرانية، أي أن عشرة آلاف ريال من الأوراق القديمة ستساوي ريالًا واحدًا «جديدًا».
بعضٌ من تاريخ هذا التدهور الكارثي يوضّح الكثير. فبين عامي 2003 و2010 لم يكن هناك سوى سعرٍ واحد للعملة الإيرانية مقابل الدولار، ما يعني أن القنوات الرسمية كانت قادرة على توفير العملة. وقد اقترن ذلك بانخفاضٍ تدريجي، إذ بلغ متوسط سعر الدولار الأميركي 8193 ريالًا عام 2003، لينحدر إلى 10308 ريالات عام 2010.
ثم تلا ذلك تدهورٌ متسارع، اقترن بظهور سوقٍ موازية بسعرٍ أعلى للدولار من السعر الرسمي، وبفارقٍ هائل أحيانًا. ففي عام 2011 كان السعر الرسمي 10800 ريال، بينما بلغ متوسطه في السوق الموازية 13568. وفي عام 2012 وصل السعر الرسمي إلى 12157.5 ريال، مقابل 26059 في السوق الموازية (أو السوداء إن شئت). واستمرّ اتساع الهوّة ليصبح، مثلًا لا حصرًا، السعر الرسمي في عام 2021 نحو 42000 ريال مقابل الدولار، في حين بلغ متوسطه في السوق الموازية 273800. وفي عام 2022 كان السعر الرسمي 41850، مقابل 427000 في السوق الموازية.
وفي عام 2024 توحّد السعر مرة أخرى عند 767000 ريال مقابل الدولار الواحد، في دلالة صارخة على الانخفاض الهائل في القيمة، ليصل إلى مليونٍ وأربعمئةٍ وعشرين ألف ريال عام 2025، ثم يعود لينخفض إلى ما يزيد قليلًا عن مليون ريال مطلع العام الحالي. أي أنه، حُكمًا وبالاستناد فقط إلى قيمة السوق الموازية، فقد الريال ما بين عامي 2021 و2025 نحو ثمانين في المئة من قيمته، أما مقارنةً بالسعر الرسمي، فقد خسر أكثر من 95 في المئة من قيمته.
علمًا أن العام الفائت وحده شهد انخفاضًا في قيمة الريال يفوق في حدّته كل ما سبق، من 767000 ريال للدولار إلى 1420000، قبل أن يسجّل ارتفاعًا طفيفًا لاحقًا. ومع الإشارة إلى أنه في كانون الأول/ ديسمبر 2025 فقط، انخفض الريال بنسبة 16 في المئة من قيمته شبه المعدومة أصلًا.
حدّة هذا التدهور لا تنفصل عن العقوبات الأميركية، التي رُفعت في عهد أوباما ثم عادت مع ولاية ترامب، الذي ألغى اتفاق سلفه مع الجمهورية الإسلامية بشأن برنامجها النووي. فعلى مدى أكثر من أربعة عقود من حكم الجمهورية الإسلامية، فشلت السلطة في تحرير الاقتصاد الإيراني من اعتماده على النفط والغاز، وقد تضرّر تصدير هاتين السلعتين بشدّة بفعل العقوبات الأميركية، ليس فقط عبر القيود على البيع، بل أيضًا من خلال اضطرار طهران إلى بيع النفط بأسعار أدنى من السعر العالمي لتجاوز تلك العقوبات.
ابتداءً من عام 2011، خفّضت العقوبات بشدّة دخل البلاد من العملات الأجنبية، ما أدّى إلى تراجع معدل النمو الاقتصادي من أرقامٍ تراوحت بين خمسة وتسعة في المئة خلال العقد السابق، إلى أقل من ثلاثة في المئة سنويًا بعد ذلك.
في المقابل، حاولت الحكومة الإيرانية الحدّ من انخفاض قيمة العملة عبر ضخّ الدولارات في السوق المحلية، وصولًا أحيانًا إلى أكثر من مئتي مليون دولار يوميًا، كما توسّعت بشكلٍ مطّرد في طباعة النقود، الأمر الذي لم يؤدِّ إلا إلى تفاقم أزمة التضخّم.
العودة إلى سعر صرفٍ موحّد، أي القضاء على السوق الموازية بما يعني حُكمًا توافر العملة الأجنبية في القنوات الرسمية، تعني أن الحكومة توقّفت عن محاولات التدخّل في سعر العملة، أو على الأقل حدّت منها. وبينما يُعدّ هذا الإجراء، في عرف الاقتصاد الكلّي، خطوة معيارية سليمة، فإنه لم يُحسّن الوضع الاقتصادي ولم يوقف التضخّم، الذي، كما أسلفنا، لم يزدد إلا توحّشًا.
في العام الماضي فقط، بلغ التضخّم اثنين وأربعين ونصف في المئة، علمًا أن النسبة في السلع الغذائية تجاوزت السبعين في المئة. أما الرقم المتوقع رسميًا لمعدل التضخّم في إيران لعام 2026، فهو 64 في المئة.
كل ذلك دفع المواطنين إلى محاولة حفظ ما استطاعوا من قيمة أموالهم، لا عبر العملة المحلية، بل من خلال العملات الأجنبية والذهب، وهو ما أضعف العملة المحلية أكثر فأكثر.(لمزبد من المعلومات عما سبق ذلك انظر مقالي …)
الاضطرابات السياسية لا تزيد الوضع الاقتصادي إلا سوءًا. فمثلًا لا حصرًا، انخفض سعر الريال الإيراني مقابل الدولار بما يقارب الثلث خلال تظاهرات «نساء، حياة، حرية» عام 2022، التي عمّت البلاد عقب مقتل الشابة الكردية مهسا أميني. ثم تأثّر الريال سلبًا بسقوط حليف طهران، نظام الأسد في سوريا، وبحرب الاثني عشر يومًا التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على الجمهورية الإسلامية في صيف العام الماضي.
بالتوازي مع ذلك كله، هناك تمدّد اقتصادي هائل لأذرع النظام العسكرية–الأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، إذ تسيطر السلطة، وفق تقديرات، على نحو ثلث الاقتصاد بشكل مباشر، وإن تحت مسمّيات مختلفة، تفاديًا للعقوبات الدولية المفروضة على النظام.
إذًا، ليس الوضع الاقتصادي ضاغطًا بشكل كارثي فحسب، بل لا يوجد أي مؤشر على الإطلاق إلى أنه يتّجه نحو التحسّن، بل على العكس تمامًا (ومرة أخرى، فإن معدل التضخم المتوقع للعام الحالي يبلغ واحدًا وأربعين في المئة). ويترافق ذلك مع السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، كما مع نهجها الداخلي. فالاقتصاد الإيراني المأزوم يموّل آلةً عسكرية ضخمة يُفترض بها أن تلعب دورًا إقليميًا واسعًا، ومن هنا تتكرّر الهتافات في شوارع البلاد: «إيران، لا غزة ولا لبنان».
إقرأوا أيضاً:
العقوبات الأميركية لا تنفصل عن هذه السياسة، ناهيك بما عاناه الدور الإقليمي الإيراني من تراجعٍ حاد خلال العامين الماضيين في سوريا ولبنان. ولا شيء يشير إلى تحسّنٍ محتمل في العلاقة مع الولايات المتحدة، بل على العكس، يبقى احتمال ضربة عسكرية أميركية قائمًا حتى بعد خفوت موجة الاحتجاجات الأخيرة (ولاية دونالد ترامب الثانية، وهو شديد الولاء لإسرائيل، لم يمضِ منها سوى عام واحد من أربعة).
السياسة الخارجية ذات النزعة الإمبراطورية، التي تُحمِّل اقتصادًا متهالكًا ما لا يطيق، لا تنفصل عن سوء الإدارة العامة للاقتصاد. فكما ذكرنا، فشلت الجمهورية الإسلامية في تقليل اعتماد البلاد على النفط. كما تعاني إيران من فسادٍ مستشرٍ لا يمكن فصله عن غياب الشفافية والطبيعة السلطوية للنظام من جهة، وعن تمدّد أذرعه العسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، من جهة أخرى.
هل من مؤشر إلى أي تغيّر في التوجّهات السياسية أو الاقتصادية للجمهورية الإسلامية؟ أو إلى نهايتها الوشيكة، التي افترض البعض أخيرًا أنها قيد الحدوث؟ كل من يقرأ التحليلات التي أغرقت الفضاء العام بعد تفجّر موجة التظاهرات الأخيرة سيجد سيلًا من التخمينات التي تبدو بلا أساس: ربما انقلاب من الداخل، ربما ضربة أميركية تُطيح رأس النظام فتدفع إلى تغيير، ربما صفقات مع عناصر داخل النظام، ربما عنف مفرط يضمن الهدوء يتبعه تغيير جذري يعيد الشرعية للنظام على طريقة الحزب الشيوعي الصيني في ساحة تيانانمن، أو ربما لا تغيير على الإطلاق — وهذا ما حدث (أو لم يحدث!) حتى الآن.
قد تكون لدى جهة استخباراتية ما معلومات خافية عنا، لكن الواضح أن النظام كان متحدًا وفعّالًا في القمع الوحشي لموجة التظاهرات الأخيرة. رئيس الجمهورية «المعتدل» مسعود بزشكيان، الذي اعترف بصعوبة الأزمة الاقتصادية، انتهى به الأمر إلى إدانة «المخرّبين» بين المتظاهرين، وهؤلاء — بطبيعة الحال — هم وحدهم، بحسب تصريحاته، المسؤولون عن دم المتظاهرين. أما الوليّ الفقيه، فكانت لغته معتادة: عملاء لأميركا وإسرائيل وطابور خامس. وطبعًا، فإن هؤلاء «العملاء»، أعداء دولة الوليّ الفقيه التي تمثّل الإسلام الحق، كفّار وأعداء لله، ومن ثمّ تأتي التحذيرات الرسمية الشديدة اللهجة من تبعات التظاهر، ويترافق ذلك مع قتل الآلاف بضمير مرتاح.
قوى خارجية وازنة تدعم الجمهورية الإسلامية، لكن إلى أي حدود سيذهب هذا الدعم؟ يبقى ذلك في طيّ الغيب. روسيا حليف لطهران، ومصدر أساسي للطائرات المسيّرة التي يستخدمها «الدب الروسي» ضد أوكرانيا، ناهيك بأن أي فوضى في إيران لا بد أن تؤثّر في روسيا القريبة جغرافيًا منها. الصين، من جهتها، تستورد النفط الإيراني الرخيص بفعل العقوبات. لكن هذه القوى لم تحمِ الجمهورية الإسلامية من ضربات أميركية وإسرائيلية قاسية في الصيف الماضي، ومن ثمّ يبدو غير مرجّح أن يعوّل نظام الوليّ الفقيه، الذي خبر السياسة لأكثر من أربعة عقود ونصف، على هذه القوى كضامنٍ لوجوده. ومن هنا، يبقى العنف المتوحّش ضد المتظاهرين خياره الأوضح.
مع انسداد كل أفقٍ للتغيير، واستمرار حكم خامنئي المحافظ ذي الستة والثمانين عامًا، يبدو القمع وحده قادرًا على إطالة عمر النظام. وهكذا بدا أن نظام طهران اختار سبيل حليفه الساقط بشار الأسد. ثمة تشابه في المسارات والمآلات المحتملة، وإن اختلفت التفاصيل.
لا خلاف على أن شرعية النظام في تآكلٍ مستمر، خصوصًا منذ الانتخابات الرئاسية عام 2009، التي زُوّرت لصالح أحمدي نجاد، وتلتها «الثورة الخضراء». وقبل ذلك، فشل الرئيس المحسوب على الإصلاحيين محمد خاتمي في إحداث أي تغيير جذري في مواجهة السلطة المطلقة التي يمنحها الدستور الإيراني للوليّ الفقيه. لاحقًا، عمل النظام بشكلٍ متواصل على «هندسة» الانتخابات عبر منع أي مرشح قد يشكّل تهديدًا لتوجّهاته المحافظة، وهو ما يتيحه الدستور من خلال هيئات يتحكّم بها الوليّ الفقيه، ممثّل الإمام الغائب على الأرض (خامنئي حاليًا).
النتيجة الحتمية لذلك أن كل من يرغب في التغيير لم يعد يرى سبيلًا إليه إلا بإطاحة النظام القائم برمّته. ومن هنا هتافات متظاهري انتفاضة 2022، التي أعقبت مقتل مهسا أميني، المطالبة بإسقاط الجمهورية الإسلامية، وكذلك شعار «الموت للدكتاتور» (أي خامنئي) الذي يتردّد باستمرار. وانعكس هذا الواقع في الانخفاض المطّرد لنسب المشاركة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية. فما الداعي للمشاركة في انتخاباتٍ لا خيارات حقيقية فيها؟
لا نملك أرقامًا أو نسبًا دقيقة للموالين للجمهورية الإسلامية مقابل معارضيها — وكيف لنا بإحصاءات دقيقة في ظل هذا الواقع؟ — لكن الواضح أن الفئة الأخيرة تحرّكت بدايةً نحو التظاهر السلمي، حتى عام 2022، ثم انتقلت أخيرًا إلى العنف. ووفق ما هو متوافر، فإن الغالبية من المئات من عناصر القوات الأمنية الذين قُتلوا خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة سقطوا في أطراف البلاد، ولا سيما في المناطق الكردية، حيث يتوافر السلاح. لكن سواء في هذه المناطق أو غيرها، فإن هذا المستوى من العنف ضد السلطة يُعدّ جديدًا.
هذا التطور الخطير هو نتيجة منطقية لفقدان الأمل في التغيير. ومع الجمود الظاهر للنظام، لا يبقى إلا توقّع تكرار العنف ضد الجمهورية الإسلامية، وهو أمر سيزيد حدّته أي تدخل أجنبي إن وقع. لكن العنف في الشارع سيجرّ هذا البلد الضخم، حكمًا، إلى فوضى مخيفة.
كثيرون تحدّثوا عن التنوع العرقي في إيران: عن الفوارق بين الغالبية الفارسية (المقدّرة بنحو ستين في المئة من السكان)، والأقلية الآذرية الكبيرة نسبيًا (أقل قليلًا من خمس السكان)، إلى جانب العرب في الجنوب الغربي، والكرد في الغرب، والبلوش في الشرق، وغيرهم. وهناك أيضًا الأقلية السنية الممتدّة خصوصًا بين الكرد والبلوش، والتي تعاني اضطهاد الإسلام الشيعي السياسي الحاكم. هذه خطوط شروخ محتملة، بعضها قابل للانفجار أسرع من غيره، لكن الظاهر حتى الآن هو تحالف واسع بين قطاعات كبيرة من المجتمع ضد النظام.
من مؤشرات ما هو آتٍ إقدام متظاهرين على إحراق مساجد، قيل إن الحرس الثوري يستخدمها كنقاط ارتكاز. لكن دلالات هذا الفعل قد تكون أعمق. ففي احتجاجات 2022، كان من «الأنشطة» المتكرّرة إسقاط عمائم رجال الدين في الشوارع، أما اليوم فتحترق المساجد. منذ سنوات تتردّد ادعاءات عن انتشار الإلحاد بين الشباب الإيراني بعد عقود من الحكم باسم الإسلام، إلى جانب إحصاءات يستحيل التحقق منها تتحدث عن نسب مرتفعة من الإيرانيين تميل إلى علمانية متطرفة تعادي الدين كليًا.
من جهة، تبدو هذه نتيجة منطقية لأربعة عقود ونصف من الحكم باسم الدين، فما من وسيلة أكثر فاعلية لتوليد العداء لدينٍ ما من الحكم باسمه. ومن جهة أخرى، نعلم يقينًا أن النظام ما زال يحتفظ بقاعدة اجتماعية مرتبطة به ومخلصة له، وهي الفئة التي تمتلك السلاح أو تستطيع امتلاكه. فكيف سيكون ردّ فعلها تجاه من يسعون إلى القضاء لا على الجمهورية الإسلامية فحسب، بل ربما على فكرة التدين أصلًا؟ وأي مستويات من العنف يمكن توقّعها هنا؟
قد يظن النظام أنه قادر على السير على نهج كوريا الشمالية: ترسانة عسكرية، نووية إن أمكن، تردع الأعداء خارجيًا، مع قبضة حديدية وحدود مغلقة داخليًا. هكذا، وعلى رغم الجوع والبؤس، احتفظت سلالة كيم إيل سونغ بالسلطة. لكن على النقيض من كوريا الشمالية، التي لا تشترك في حدودها البرية إلا مع دولتين، فإن إيران تشترك في حدود برية مع سبع دول، فضلًا عن ساحل طويل على الخليج العربي. وهي دولة متعددة الأعراق، بأقليات تعيش على حدود ممتدة يستحيل التحكم فيها جميعًا، وقد استُخدم السلاح ضد السلطة فعلًا في التظاهرات الأخيرة.
نهج بشار الأسد يبدو أقرب هنا، مع فارق أساسي: سفّاح دمشق اعتمد على أقلية ينتمي إليها، بينما تمتلك دولة ولاية الفقيه قاعدة مؤدلجة — أو مؤمنة إن شئت — مسلّحة ومنتفعة. كما أن بشار الأسد كان أفقر بكثير من سلطة لا تزال قادرة على بيع النفط وتمويل القمع على رغم أزمتها الاقتصادية. هنا، يصبح القتل عملًا «مباركًا» مقدّسًا، تمويله مضمون، ومن ثمّ فإن الصراع إن وقع قد يكون أطول وأعنف.
من جهة أخرى، تبقى القوة العسكرية للجمهورية الإسلامية تحت ترصّد التحالف الإسرائيلي–الأميركي، الذي يصغي دائمًا الى هتافات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» في كل تظاهرة مؤيدة لدولة الوليّ الفقيه. ولن يُسمح لإيران بتطوير سلاح نووي كما فعلت كوريا الشمالية، لكن قدرة الجمهورية الإسلامية على قمع مواطنيها وترويعهم تبدو باقية حتى إشعارٍ آخر.
الموجة الأخيرة من التظاهرات، في الثامن من كانون الثاني/ يناير الماضي، حرّكتها دعوة وليّ عهد آل بهلوي السابق من منفاه في الولايات المتحدة. وقبل هذا التاريخ، وحسب مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، التي نشرت مقابلة معه في كانون الثاني/ يناير 2026، كان نزيل ولاية ميريلاند الأميركية يُشار إليه، بدلًا من لقب Crown Prince، بلقب Clown Prince، أي «الأمير المهرّج»، إذ لم يكن هناك ما يدعو لأخذ الأمير المنفي منذ عام 1979 على محمل الجد.
لكن المتظاهرين حملوا صوره وهتفوا باسمه في شوارع إيران. وردّ البعض شعبيته إلى صغر سن غالبية الإيرانيين، الذين لم يعيشوا تحت حكم والده، ولم يعرفوا سوى ما قاسوه في ظل الجمهورية الإسلامية. وهنا يصحّ بيت الشعر الشهير: «ربَّ يومٍ بكيتُ منه، فلمّا صرتُ في غيرِه بكيتُ عليه».
لا ينفي هذا البيت أسباب النواح، لا في اليوم الأول ولا الأخير، ولا — في الحالة الإيرانية — في الأيام الآتية، التي يُرجّح أن تكون حالكة السواد.
إقرأوا أيضاً:














