ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

إيران بحاجة إلى المطر… واحتمال إخلاء طهران!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حين تُستنزف خزّانات المياه الجوفية، تُدمّر التربة بشكل كامل، وتفقد قدرتها على تخزين المياه الطبيعية، وهذا ما حدث بالفعل في طهران، إذ باتت تمتدّ الشقوق من ضواحيها الجنوبية الغربية إلى سهل ورامين، وتقترب من خطوط الكهرباء وأنفاق المترو، وحتى المباني السكنية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في العاصمة الإيرانية طهران، يتّجه الوضع نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة. المطر محتبس، وأنابيب المياه مهدّدة بالجفاف الكامل، والتربة تتشقّق وتهبط، وسكّانها يتحضّرون لموجة هجرة عكسية!

منذ دقّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ناقوس الإنذار في قضيّة “جفاف طهران”، الذي من المحتمل أن يؤدّي إلى إخلائها، تشجّع خبراء في مجال الموارد المائية وبناء السدود والبيئة على تفنيد أسباب هذا الجفاف، محمّلين السياسات الحكومية الخاطئة مسؤوليّة الكارثة، معرضين عن رميها على كاهل انحباس المطر وحده.

سكّان طهران من جهتهم، يؤكّدون أن هذا الخريف هو أسوأ خريف مرّ على مدينتهم في تاريخها الحديث، وفيما باتت أيّامه على وشك الانقضاء، ما زال المطر غائباً. وما يزيد الوضع صعوبة، أنهم علاوة على معاناتهم جرّاء غياب الأمن المائي، بدأوا يشعرون بغياب الأمن الاجتماعي الناتج منه، وفي حال استمرّت أزمة المطر، سيسجّلون ظاهرة نزوح هي الأولى من نوعها في تاريخ العواصم في العالم.

تُعدّ طهران من أوائل المدن الإيرانية التي وصلت إلى “عتبة يوم الصفر المائي”، في أزمة الجفاف التي تضرب البلاد، وهو اليوم الذي تتوقّف فيه المياه عن التدفّق في الأنابيب، فيما أكّدت هيئة الأرصاد الجوّية الإيرانية أن “الأجواء في طهران لا تبشّر بهطول أمطار تعويضية”، وأن العاصمة “لن تشهد أمطاراً غزيرة، على الأقلّ حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر”، على رغم أن موسم الأمطار يبدأ فيها عادة، في منتصف أيلول/ سبتمبر، وبذلك لن يعوّض النصف الثاني من العام النقص في النصف الأوّل منه، وسيكون الصيف المقبل أسوأ صيف يمرّ على طهران، بعد أسوأ خريف تشهده الآن.

ووفقا لصحيفة “اقتصاد 24″، على الرغم من اقتراب فصل الخريف من نهايته “فالغيوم ما زالت مختفية من سماء طهران، ولم تعد المياه متوافرة فيها، وشيطان الأزمات الاجتماعية والاقتصادية يكمن في تفاصيلها اليومية”.

يُرجِع خبراء في الشأن البيئي الكارثة التي حلّت بطهران، إلى الاعتماد الكبير على موارد المياه الجوفية، وازدياد الاستهلاك الحضري للماء، في حين أعلنت شركة مياه طهران الإقليمية، منذ أيّام أن “سدود لار وطالقان وكرج التي تزوّد العاصمة بالمياه، لا تحتوي حالياً إلا على 13 في المئة من سعتها”، وهذا يعني أن سكّان العاصمة، الذي يقارب عددهم الـ10 ملايين نسمة، مهدّدون بخطر العيش من دون ماء.

طهران واحدة من 50 مدينة في إيران على الأقلّ، تعاني حالة من الإجهاد المائي الشديد، إذ تسبّب الاستخراج المفرط للمياه الجوفية في العقود الأخيرة، في جفاف الينابيع والآبار، الذي أدّى بدوره إلى هبوط خطر في التربة. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، فإن مستوى الهبوط في سهل طهران يصل إلى 36 سنتيمتراً سنوياً، وهو رقم “يتجاوز عشرات أضعاف حدّ الحرج العالمي”.

فحين تُستنزف خزّانات المياه الجوفية، تُدمّر التربة بشكل كامل، وتفقد قدرتها على تخزين المياه الطبيعية، وهذا ما حدث بالفعل في طهران، إذ باتت تمتدّ الشقوق من ضواحيها الجنوبية الغربية إلى سهل ورامين، وتقترب من خطوط الكهرباء وأنفاق المترو، وحتى المباني السكنية.

في أصفهان أيضاً، وصل معدّل الهبوط الأرضي إلى 40 سنتيمتراً سنوياً في بعض مناطقها، وبات يُهدّد أجزاء من خطّ سكّة حديد أصفهان- شيراز.

وفي نهرها الخالد الذي تغنّى به الشعراء والغزاة والسلاطين “زاينده رود”، ونسخته الحائكات على قطع ثمنية من السجّاد اليدوي المصنوع من الحرير الخالص، وصلت نسبة المياه إلى الصفر، وجفّت الجداول التي تتفرّع منه، فماتت الحياة في المدينة التي كان يشكّل نهرها عمود وجودها وذاكرتها الحيّة.

عدا طهران وأصفهان، تواجه إيران كلّها، أزمة جفاف هي الأخطر في تاريخها الحديث، وربما على صعيد العالم، ويؤكّد خبراء محلّيون أن السبب الأساسي الذي أدّى إلى هذه الكارثة، ليس تراجع المتساقطات ولا جفاف خزّانات المياه الجوفية طبيعياً، كما يدّعي النظام، إنما سوء الإدارة والفساد الهيكلي والقرارات السياسية الخاطئة التي دمّرت الموارد الحيوية، إضافة إلى المصانع النووية ذات الاستهلاك المائي العالي، التي أنشأها الحرس الثوري في المناطق الداخلية القاحلة، وجرّ إليها المياه بالقوّة عبر تغيير مسارات الأنهار وبناء السدود العشوائية، ونقل الأحواض المائية. كما شهد نهر كارون في الأهواز، واستهلاك مياه الينابيع الجوفية الذي أدّى إلى جفاف عدد من البحيرات، منها بحيرة أرومية، وإلى هبوط الأراضي كما يحصل في طهران وأصفهان.

ويرى خبراء آخرون أن إيران اليوم عاجزة تماماً عن معالجة هذه الكارثة، بسبب افتقار النظام إلى الإدارة الرشيدة والكفاءة والشفافية والمساءلة، والشعب الإيراني هو الضحيّة المباشرة لهذا العجز، الذي سيجد نفسه أمام كارثة وجودية وأمنية، تُضاف إلى أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

الثروات الحيوانية والطبيعية، هي أيضاً من ضحايا هذه الكارثة، كما تُعدّ الزراعة أكبر الضحايا، وقد دعت هيئة الأرصاد الجوّية في البلاد المزارعين إلى الاستعداد لموجة جفاف طويلة الأمد، وبدأ الحديث عن تأثير زراعة الأرزّ في المحافظات الشمالية، على مخزون المياه، وضرورة أن يتحوّل المزارعون إلى محاصيل أقلّ استهلاكاً.

ويقرّ خبراء بأن نقص المياه لا يُشكّل تهديداً للزراعة فحسب، بل يُزعزع أسس الاقتصاد الوطني، حيث ترتفع أسعار المواد الغذائية المنتجة محلّياً، وينخفض ​​الإنتاج الصناعي، وتتضاعف الهجرة الريفية، ويزداد الضغط على المدن.
تشهد على هذه الحالة، قرى جنوب خراسان، التي كانت مشهورة بصوت الدوتار ونايات القصب في البراري، حيث ينتشر الرعاة والفلاحون ومزارعو الأرزّ والزعفران، ولم يعد يُسمع فيها الآن سوى صوت الريح، بعدما جفّت آبارها فاضطرّ سكّانها لهجرها، وتحوّلوا إلى أجساد مكدّسة في أحزمة البؤس على هوامش المدن الكبرى، يبحثون عن عمل يومي بأجر زهيد.

الجفاف يهدّد الأمن الاجتماعي، ويفكّك المجتمعات، وفي الوقت نفسه، يضع ضغوطاً إضافية على المدن الكبرى، وأوّل من يتلقّى هذا الضغط شبكة الخدمات الحضرية. ويعتقد خبراء أنه إذا لم تُوضع خطّة سريعة وعلمية للأزمة المائية، فستشهد إيران موجات هجرة داخلية ستُغيّر توازنها الاجتماعي، وستؤدّي إلى تصحّر المدن بشرياً وطبيعياً.

لسان حال الإيرانيين يقول إن بلادهم بحاجة إلى الكثير من المطر، لكنّها بداية بحاجة إلى إصلاحات جذرية في سياساتها المائية، فليس الحقّ كلّه على السماء، إذ تكمن الكارثة الفعلية في الخطط التنموية القاصرة، في الإفراط في بناء السدود، وحفر الآبار غير المرخّصة، وغياب الرقابة على استهلاك المياه، وتعامل تنظيم الحرس الثوري الذي يتحكّم بثروات البلاد، مع موارد المياه كما لو أنها رأسمال يملكه وحده.

بينما يتساءل سكّان طهران، هل ستعود القرية الصغيرة التي كانت قائمة على تخوم بلاد الريّ، والتي ظلّت تنمو وتتوسّع وتتمدّن وتتحدّث على مرّ العصور والأزمان، إلى أن خطفت لقب العاصمة من شيراز، قبل نحو مئتي عام، إلى خرابة مهجورة تنوح على أطلالها الريح؟ أم تشفق عليها السماء فترسل عليها مطراً غزيراً يُعيد إليها الحياة ويجرف في طريقه من تسبّب في موتها؟ ولعلّه حينذاك تعود أغاني الشوق والحنين لتصدح فيها من جديد: “اى بهار اى آسمون/ عيده ميرم به خونه مون/ داد ميزنم: اى جان… درام ميرم به تهران”.

*أيها الربيع، أيتها السماء/ هذا العيد سأعود إلى بيتي/ سأنادي: يا حبيبتي… أنا في طريقي إلى طهران.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
25.11.2025
زمن القراءة: 5 minutes

حين تُستنزف خزّانات المياه الجوفية، تُدمّر التربة بشكل كامل، وتفقد قدرتها على تخزين المياه الطبيعية، وهذا ما حدث بالفعل في طهران، إذ باتت تمتدّ الشقوق من ضواحيها الجنوبية الغربية إلى سهل ورامين، وتقترب من خطوط الكهرباء وأنفاق المترو، وحتى المباني السكنية.

في العاصمة الإيرانية طهران، يتّجه الوضع نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة. المطر محتبس، وأنابيب المياه مهدّدة بالجفاف الكامل، والتربة تتشقّق وتهبط، وسكّانها يتحضّرون لموجة هجرة عكسية!

منذ دقّ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ناقوس الإنذار في قضيّة “جفاف طهران”، الذي من المحتمل أن يؤدّي إلى إخلائها، تشجّع خبراء في مجال الموارد المائية وبناء السدود والبيئة على تفنيد أسباب هذا الجفاف، محمّلين السياسات الحكومية الخاطئة مسؤوليّة الكارثة، معرضين عن رميها على كاهل انحباس المطر وحده.

سكّان طهران من جهتهم، يؤكّدون أن هذا الخريف هو أسوأ خريف مرّ على مدينتهم في تاريخها الحديث، وفيما باتت أيّامه على وشك الانقضاء، ما زال المطر غائباً. وما يزيد الوضع صعوبة، أنهم علاوة على معاناتهم جرّاء غياب الأمن المائي، بدأوا يشعرون بغياب الأمن الاجتماعي الناتج منه، وفي حال استمرّت أزمة المطر، سيسجّلون ظاهرة نزوح هي الأولى من نوعها في تاريخ العواصم في العالم.

تُعدّ طهران من أوائل المدن الإيرانية التي وصلت إلى “عتبة يوم الصفر المائي”، في أزمة الجفاف التي تضرب البلاد، وهو اليوم الذي تتوقّف فيه المياه عن التدفّق في الأنابيب، فيما أكّدت هيئة الأرصاد الجوّية الإيرانية أن “الأجواء في طهران لا تبشّر بهطول أمطار تعويضية”، وأن العاصمة “لن تشهد أمطاراً غزيرة، على الأقلّ حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر”، على رغم أن موسم الأمطار يبدأ فيها عادة، في منتصف أيلول/ سبتمبر، وبذلك لن يعوّض النصف الثاني من العام النقص في النصف الأوّل منه، وسيكون الصيف المقبل أسوأ صيف يمرّ على طهران، بعد أسوأ خريف تشهده الآن.

ووفقا لصحيفة “اقتصاد 24″، على الرغم من اقتراب فصل الخريف من نهايته “فالغيوم ما زالت مختفية من سماء طهران، ولم تعد المياه متوافرة فيها، وشيطان الأزمات الاجتماعية والاقتصادية يكمن في تفاصيلها اليومية”.

يُرجِع خبراء في الشأن البيئي الكارثة التي حلّت بطهران، إلى الاعتماد الكبير على موارد المياه الجوفية، وازدياد الاستهلاك الحضري للماء، في حين أعلنت شركة مياه طهران الإقليمية، منذ أيّام أن “سدود لار وطالقان وكرج التي تزوّد العاصمة بالمياه، لا تحتوي حالياً إلا على 13 في المئة من سعتها”، وهذا يعني أن سكّان العاصمة، الذي يقارب عددهم الـ10 ملايين نسمة، مهدّدون بخطر العيش من دون ماء.

طهران واحدة من 50 مدينة في إيران على الأقلّ، تعاني حالة من الإجهاد المائي الشديد، إذ تسبّب الاستخراج المفرط للمياه الجوفية في العقود الأخيرة، في جفاف الينابيع والآبار، الذي أدّى بدوره إلى هبوط خطر في التربة. ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه، فإن مستوى الهبوط في سهل طهران يصل إلى 36 سنتيمتراً سنوياً، وهو رقم “يتجاوز عشرات أضعاف حدّ الحرج العالمي”.

فحين تُستنزف خزّانات المياه الجوفية، تُدمّر التربة بشكل كامل، وتفقد قدرتها على تخزين المياه الطبيعية، وهذا ما حدث بالفعل في طهران، إذ باتت تمتدّ الشقوق من ضواحيها الجنوبية الغربية إلى سهل ورامين، وتقترب من خطوط الكهرباء وأنفاق المترو، وحتى المباني السكنية.

في أصفهان أيضاً، وصل معدّل الهبوط الأرضي إلى 40 سنتيمتراً سنوياً في بعض مناطقها، وبات يُهدّد أجزاء من خطّ سكّة حديد أصفهان- شيراز.

وفي نهرها الخالد الذي تغنّى به الشعراء والغزاة والسلاطين “زاينده رود”، ونسخته الحائكات على قطع ثمنية من السجّاد اليدوي المصنوع من الحرير الخالص، وصلت نسبة المياه إلى الصفر، وجفّت الجداول التي تتفرّع منه، فماتت الحياة في المدينة التي كان يشكّل نهرها عمود وجودها وذاكرتها الحيّة.

عدا طهران وأصفهان، تواجه إيران كلّها، أزمة جفاف هي الأخطر في تاريخها الحديث، وربما على صعيد العالم، ويؤكّد خبراء محلّيون أن السبب الأساسي الذي أدّى إلى هذه الكارثة، ليس تراجع المتساقطات ولا جفاف خزّانات المياه الجوفية طبيعياً، كما يدّعي النظام، إنما سوء الإدارة والفساد الهيكلي والقرارات السياسية الخاطئة التي دمّرت الموارد الحيوية، إضافة إلى المصانع النووية ذات الاستهلاك المائي العالي، التي أنشأها الحرس الثوري في المناطق الداخلية القاحلة، وجرّ إليها المياه بالقوّة عبر تغيير مسارات الأنهار وبناء السدود العشوائية، ونقل الأحواض المائية. كما شهد نهر كارون في الأهواز، واستهلاك مياه الينابيع الجوفية الذي أدّى إلى جفاف عدد من البحيرات، منها بحيرة أرومية، وإلى هبوط الأراضي كما يحصل في طهران وأصفهان.

ويرى خبراء آخرون أن إيران اليوم عاجزة تماماً عن معالجة هذه الكارثة، بسبب افتقار النظام إلى الإدارة الرشيدة والكفاءة والشفافية والمساءلة، والشعب الإيراني هو الضحيّة المباشرة لهذا العجز، الذي سيجد نفسه أمام كارثة وجودية وأمنية، تُضاف إلى أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

الثروات الحيوانية والطبيعية، هي أيضاً من ضحايا هذه الكارثة، كما تُعدّ الزراعة أكبر الضحايا، وقد دعت هيئة الأرصاد الجوّية في البلاد المزارعين إلى الاستعداد لموجة جفاف طويلة الأمد، وبدأ الحديث عن تأثير زراعة الأرزّ في المحافظات الشمالية، على مخزون المياه، وضرورة أن يتحوّل المزارعون إلى محاصيل أقلّ استهلاكاً.

ويقرّ خبراء بأن نقص المياه لا يُشكّل تهديداً للزراعة فحسب، بل يُزعزع أسس الاقتصاد الوطني، حيث ترتفع أسعار المواد الغذائية المنتجة محلّياً، وينخفض ​​الإنتاج الصناعي، وتتضاعف الهجرة الريفية، ويزداد الضغط على المدن.
تشهد على هذه الحالة، قرى جنوب خراسان، التي كانت مشهورة بصوت الدوتار ونايات القصب في البراري، حيث ينتشر الرعاة والفلاحون ومزارعو الأرزّ والزعفران، ولم يعد يُسمع فيها الآن سوى صوت الريح، بعدما جفّت آبارها فاضطرّ سكّانها لهجرها، وتحوّلوا إلى أجساد مكدّسة في أحزمة البؤس على هوامش المدن الكبرى، يبحثون عن عمل يومي بأجر زهيد.

الجفاف يهدّد الأمن الاجتماعي، ويفكّك المجتمعات، وفي الوقت نفسه، يضع ضغوطاً إضافية على المدن الكبرى، وأوّل من يتلقّى هذا الضغط شبكة الخدمات الحضرية. ويعتقد خبراء أنه إذا لم تُوضع خطّة سريعة وعلمية للأزمة المائية، فستشهد إيران موجات هجرة داخلية ستُغيّر توازنها الاجتماعي، وستؤدّي إلى تصحّر المدن بشرياً وطبيعياً.

لسان حال الإيرانيين يقول إن بلادهم بحاجة إلى الكثير من المطر، لكنّها بداية بحاجة إلى إصلاحات جذرية في سياساتها المائية، فليس الحقّ كلّه على السماء، إذ تكمن الكارثة الفعلية في الخطط التنموية القاصرة، في الإفراط في بناء السدود، وحفر الآبار غير المرخّصة، وغياب الرقابة على استهلاك المياه، وتعامل تنظيم الحرس الثوري الذي يتحكّم بثروات البلاد، مع موارد المياه كما لو أنها رأسمال يملكه وحده.

بينما يتساءل سكّان طهران، هل ستعود القرية الصغيرة التي كانت قائمة على تخوم بلاد الريّ، والتي ظلّت تنمو وتتوسّع وتتمدّن وتتحدّث على مرّ العصور والأزمان، إلى أن خطفت لقب العاصمة من شيراز، قبل نحو مئتي عام، إلى خرابة مهجورة تنوح على أطلالها الريح؟ أم تشفق عليها السماء فترسل عليها مطراً غزيراً يُعيد إليها الحياة ويجرف في طريقه من تسبّب في موتها؟ ولعلّه حينذاك تعود أغاني الشوق والحنين لتصدح فيها من جديد: “اى بهار اى آسمون/ عيده ميرم به خونه مون/ داد ميزنم: اى جان… درام ميرم به تهران”.

*أيها الربيع، أيتها السماء/ هذا العيد سأعود إلى بيتي/ سأنادي: يا حبيبتي… أنا في طريقي إلى طهران.