يتحدّث ممثلو الجمهورية الإسلامية عن التفاوض، بينما يواصل البيت الأبيض وأعضاء في الحزب الجمهوري، ناهيك بالحليف الإسرائيلي، ترديد شرط الرضوخ الكامل الذي لن يقبلوا دونه شيئاً.
لا تفاوض هنا إذاً، فقط إملاء ومهلة قد تطول أو تقصر، للاستسلام. يعرف القاصي والداني، ناهيك بالأميركي والإسرائيلي، أن دولة ولاية الفقيه تعاني أزمةً وجودية. شرعية النظام في الداخل أقلّ ما يقال فيها إنها ضعيفة، إن لم تكن شبه معدومة، الحكم بيد محافظين، وهؤلاء بدورهم هم المحيطون بالوليّ الفقيه صاحب السلطة المطلقة، الخامنئي الذي قارب سنّه التسعين عاماً، والذي دعم دوماً العناصر الأكثر تشدّداً ومحافظةً في الجمهورية الإسلامية، وصولاً إلى ما آلت إليه الأمور اليوم.
الإسرائيليون بقيادة نتانياهو، وهؤلاء يدفعون دونالد ترامب عادة حيثما شاءوا، لا يرغبون فقط في ضمان تحييد إيران عسكرياً، بل في القضاء على الجمهورية الإسلامية التي تهتف بموت إسرائيل في شوارعها كلّ يوم (هتاف لم يقترن يوماً بقدرة تساويه).
البعض يظنّ أن هجوماً عسكرياً على إيران قد يوحّد أهل البلاد، أياً كان موقفهم من النظام، ضدّ المعتدي الخارجي. لكن لا هجوم قوى غربية على ليبيا دفع الليبيين إلى الاصطفاف خلف القذّافي في 2011، ولا وحدة رأيناها خلف جزّار بغداد حين هاجمه الأميركيون وحلفاؤهم في 2003، أما في سوريا حيث حكم حليف نظام الوليّ الفقيه المقرّب، فحدّث ولا حرج.
في كلّ هذه الحالات افتقد النظام الحاكم الشرعية بشكل شبه كامل، وفي الوقت نفسه لم يجد أيّ من هذه الأنظمة غضاضة في سفك دماء عشرات أو حتى مئات الآلاف من محكوميه. أليس طبيعياً أن يرحّب هؤلاء الضحايا بأيّ مخلّص مفترض أياً كانت جنسيته أو أهدافه؟ أوليس طبيعياً أيضاً أن يعميك الواقع المزري الذي تخلقه أنظمة كهذه عن التفكير في ما سيلي سقوطها؟ أنّى لك تدبّر المستقبل وأنت تباد بالسلاح الكيماوي أو البراميل المتفجّرة أو الرصاص الحيّ؟ في موجة المظاهرات الأخيرة قتلت الجمهورية الإسلامية في يومين فقط، تحديداً ما بين الثامن والتاسع من كانون الثاني/ يناير الماضي، ما قد يقارب العشرين ألفاً (أقلّ التقديرات، بما في ذلك الحكومية، تضع الرقم عند بضعة آلاف).
ربما يعتقد بعض من في النظام أنهم إن نجحوا في شراء الوقت من الأميركيين ربما وجدوا باباً لرفع العقوبات، ومن ثم تحسين الأوضاع الاقتصادية المزرية التي فجّرت الانتفاضة الأخيرة في شوارع البلاد. لا مؤشّر أن هذا وارد، ولا مؤشّر على أيّ تغيير أو مرونة من قلب النظام، قد ترمّم شرعيته. العكس يبدو صحيحاً.
صحيح أفرجت الجمهورية الإسلامية عن معتقلين مؤخّراً، لكن، في الأيّام القليلة الماضية، عدا عشرات الآلاف الباقين قيد الاعتقال، اعتقل رجال أمن الوليّ الفقه أسماء كبيرة محسوبة على الإصلاحيين في الجمهورية الإسلامية، بعض هؤلاء تولّى مناصب تحت حكم الرئيس الإصلاحي الأسبق محمّد خاتمي، وأحدهم نجل محمّد مهدي كروبي (الذي ترشّح في انتخابات 2009 الرئاسية التي يعتقد أنها زُورت لصالح أحمدي نجاد).
النظام لا يُبدي استعداداً حقيقاً لسماع أيّ صوت مخالف، وهو ما يؤدّي حتماً إلى المزيد من القطيعة بينه وبين محكوميه. وإن ردّ أحدهم بأن النظام، مثلاً، غضّ الطرف مؤخّراً عن خلع نساء الحجاب في شوارع إيران، متساهلاً في هذه الأمر الذي أثار مظاهرات حاشدة قبل بضع سنوات، نقول إن القوانين نفسها ما زالت قائمة، ومن ثم احتمال العودة لما مضى يبقى قائماً، خاصّة وأن الأمور تبقى في يد المحافظين داخل دولة الوليّ الفقيه.
إقرأوا أيضاً:
ربما تركت حرب الاثني عشر يوماً الصيف الماضي، بعض القدرة العسكرية الفعّالة للجمهورية الإسلامية، ربما نجحت في إعادة بناء ما خسرت، لكنّ قدرة دولة الوليّ الفقيه على إيذاء خصومها الخارجيين أقلّ بما لا يقاس ممّا يمتلكه أعداؤها (حيّد الإسرائيليون في الصيف الماضي الدفاعات الجوّية الإيرانية تماماً وكانت البلاد مجالاً مفتوحاً لطائراتهم). أجمع هذا إلى الاختراق المخابراتي الذي رأيناه خلال هذه الحرب وقبلها (اغتيال إسماعيل هنيّة ثم اصطياد قيادات بارزة خلال الهجوم الإسرائيلي)، تظهر صورة لا تكافؤ فيها من قريب أو بعيد. أضف إلى ذلك كلّه، شعب يتحرّق للتخلّص من سلطة تستخدم العنف المفرط تجاهه، بينما تعاني البلاد أزمة اقتصادية خانقة. بأيّ أوراق تستطيع سلطة كهذه التفاوض؟
صحيح، ربما يفضّل ترامب وفريقه خياراً سلمياً. لكن من جهة، الشروط التي يصرّحون بها يستحيل على الجمهورية الإسلامية القبول بها (منها تخلٍ كامل عن القدرات الصاروخية بعيدة المدى، تجميد البرنامج النووي، تخلٍ كامل عن دعم الأذرع الإقليمية)، ومن جهة أخرى ما يدفع تجاهه نتانياهو هو المزيد من التشدّد مع الجمهورية الإسلامية، علماً بأن نتانياهو مقبل على انتخابات ستكلّفه غالياً إن خسرها وأُخرج من منصبه.
“بيبي” يريد حروباً مستمرّة تبرّر هروباً متواصلاً من أيّ محاسبة، والمزيد من التحييد لأعداء إسرائيل. ضربة قاصمة لقلب “محور المقاومة”، بعد أن تقطّعت أذرعه، ستخدم رئيس الوزراء الذي يواجه تهماً بالفساد وسوء إدارة الملفّ الأمني ممّا أدّى إلى اقتحام السابع من أكتوبر 2023.
دول المنطقة وعلى رأسها دول الخليج لا تريد حرباً، ربما، لكن ما قوّة تأثير هذه مقارنة بنتانياهو على ترامب؟ ثم هل إن وُعدوا بعمليّة “نظيفة” و”سريعة” تضعف بشدّة “الخصم” الإيراني؟ هل سيبقون مجتمعين على الممانعة (بافتراض صحّة الظاهر والباطن، كما يقال)؟ أيّ تاريخ معقّد لعلاقة إيران عموماً (بغض النظر عن طبيعة الحكم القائمة) والجمهورية الإسلامية خصوصاً، بالخليج العربي ومن فيه؟
السؤال إذاً ليس احتمال هجوم أميركي، أو أميركي- إسرائيلي على إيران، بل طبيعة الهجوم وما سيليه، إلى أيّ مدى سيضعف النظام؟ وما سيتبع هذا الإضعاف؟ ضربة عسكرية مهما اشتدّت لن تقضي على دولة ولاية الفقيه، لكن ستشجّع على الانتفاض عليها. وقياساً على ما جرى في المظاهرات الأخيرة، سيعاود محتجّون استخدام العنف ضدّ النظام، الذي بدوره سيعود إلى ديدنه من العنف المفرط. قلق الجيران إذاً لا ينبغي أن يتوقّف عند ردّ فعل عسكري من الجمهورية الإسلامية، لكن من بلد هائل المساحة، تعداد سكّانه يفوق التسعين مليوناً، مهدّد بفوضى دموية، وربما بالتقسيم مع أقلّياته المتعدّدة.
المضحك المبكي أن أيّاً من هذا لم يكن حتماً مقضيّاً. كان هناك ألف سبيل وسبيل لحماية إيران من هذا المصير الأسود، لكنّ الطغيان والنرجسية صنوان، فما بالك إن زاد على ذلك ادّعاء القداسة المطلقة، بل وسلطة الخالق على الأرض؟ لا مخرج اليوم في ما يبدو، لا للوليّ الفقيه ومن معه، ولا لـ”رهائنهم” من أبناء الشعب الإيراني. أما النصر الإسرائيلي الآخر القادم على الجمهورية الإسلامية فلن يزيد من نعرفه عدواً إلا رعونة وغُلوّاً.
هل مصادفة التوسّع في الاستيلاء على الضفّة الغربية تزامناً مع الاستعداد لضرب إيران؟ مع إعلان صريح من داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي (وزير المالية الاستيطاني بتسلئيل سموتريتش تحديداً) أن الغرض هو “دفن فكرة الدولة الفلسطينية”؟ من ناحية، إلى ها هنا أخذتنا شعارات “الموت لإسرائيل” و”الموت لأميركا” التي لم تملك لأيّ منهما موتاً، ومن ناحية أخرى، ها هنا أوصلنا تمدّد إسرائيلي نبقى جميعاً في عجز شبه تامّ أمامه، لا لغياب القدرة، لكن لنقص الخيال وقصر النفس والغرام بالوهم، والعجز عن التمييز بين كسب معركة والفوز في الحرب، ناهيك بأنظمة وحكّام يتصوّرون قدرة لا محدودة على سحق محكوميهم.
الآن “ساعة حقيقة” شديدة الإيلام تطرق الأبواب، وما سيأتي بعدها لن يكون إلا أشدّ ألماً وسواداً.














