ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

احتجاج البازار الإيراني: النظام في مواجهة نفسه

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

البازار في إيران ليس مجرّد سوق للبيع والشراء، بل مؤسّسة سياسية اجتماعية دينية ذات رمزية تاريخية، شكّلت أحد أركان الحكم الثلاثة في إيران الحديثة (القصر، المسجد، البازار). من هنا، لا يمكن قراءة خروج الاحتجاج من البازار كتحرّك اعتراضي عادي، بل كتحوّل بالغ الحساسية يمسّ جوهر النظام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تُظهر موجة الاحتجاجات الجارية في إيران حالياً، اختلافاً جذرياً عن سابقاتها. اختلاف لا يقتصر على طبيعة المطالب، بل يمتدّ إلى هويّة الفاعل الذي حرّكها، وعجز السلطة عن احتوائها والتعامل المناسب معها. 

فالاحتجاجات هذه المرّة، لم تخرج من الهوامش الاجتماعية أو الأطراف الأقلّوية، ولم تشعلها قوى سياسية معارضة تقليدية، بل انطلقت من قلب القاعدة الاقتصادية للنظام، التي تتمثّل بالبازار (السوق الإيراني). والبازار في إيران ليس مجرّد سوق للبيع والشراء، بل مؤسّسة سياسية اجتماعية دينية ذات رمزية تاريخية، شكّلت أحد أركان الحكم الثلاثة في إيران الحديثة (القصر، المسجد، البازار). من هنا، لا يمكن قراءة خروج الاحتجاج من البازار كتحرّك اعتراضي عادي، بل كتحوّل بالغ الحساسية يمسّ جوهر النظام.

يمتلك البازار سلطة مركّبة، هي عبارة عن تحالف بين رأسمالية دينية تقليدية، وجسم نقابي حقوقي اجتماعي، وشبكة مصالح متشعّبة تربطه برجال الدين والحرس الثوري ومراكز نفوذ داخل الدولة، وبقدر ما شكّلت تحالفاته هذه ركيزة لاستقرار النظام، بقدر ما منحته قدرة استثنائية على تقويضه، لا عبر المواجهة المباشرة في الشارع فحسب، بل من خلال الخروج من التفاهم التاريخي المعمول به.

وعند مقارنة هذه الموجة من الاحتجاجات مع سابقاتها في الأعوام 2017 و2019 و2022، تتّضح هذه الإشكالية بجلاء. ففي حين مثّلت تلك المحطّات انفجارات اجتماعية معيشية، وبرز افتقارها إلى أدوات ضغط حاسمة كنقطة ضعف فيها، جاء احتجاج البازار الحالي؛ على رغم أنه ما زال محدوداً نسبياً في حجمه، ضاغطاً منذ لحظته الأولى، موجّهاً ضربته مباشرة إلى مركز القرار.

هذا ما يفسّر قلق النظام وارتباكه في التعامل مع الاحتجاجات في الأيّام الأولى، الذي تجلّى في المسارعة إلى تقديم تنازلات اقتصادية بالتنسيق بين الحكومة والبرلمان وبتوجيه ضمني من المرشد. وشملت هذه التنازلات تعليق تطبيق نظام دافعي الضرائب، وضريبة القيمة المضافة، والغرامات، ومتطلّبات التراخيص الجديدة لمدّة عامّ كامل، وهي مطالب لطالما رفعها البازار وقوبلت بالإهمال، قبل أن تُلبّى في توقيتها المتأخّر اليوم، أي بعد تمدّد الاحتجاجات إلى أبعد من البازار جغرافياً وسياسياً.

عموماً، لم تؤدِّ هذه الاستجابة إلى احتواء الأزمة، بل على العكس، استمرّت الاحتجاجات واتّسعت رقعتها، ودخلت عليها شعارات ومطالب سياسية، وأعمال قمع وعنف، لتبلغ أسبوعها الثالث، مع تفاقم المؤشّرات الخطرة مثل قتل المتظاهرين واحتمال تنفيذ دونالد ترامب تهديده بتوجيه ضربة إلى النظام.

لكنّ ذلك لم يمنع بازارات المدن الكبرى من الانضمام إلى بازار طهران، على خطّ الاحتجاج، بدءاً من تبريز ذات الرمزية التاريخية والقومية (التركية الآذرية وعاصمة الدولة الصفوية الأولى)، وصولاً إلى أصفهان وشيراز ومشهد، فكان هذا التوسّع بمثابة رسالة إضافية من البازار مفادها أن الأزمة لم تعد محصورة في الأعباء الضريبية أو السياسات المالية، بل في تعمّق الشرخ الذي أصاب العلاقة بين السلطة السياسية وحلفائها التقليديين، وصرخة علنية، تكشف للمرّة الأولى أن المشكلة لا تكمن فقط في خشبية القوانين، بل في هشاشتها وعدم استقرارها، وفي تغيّر السياسات الاقتصادية بشكل مفاجئ ومتكرّر، والتراجع عنها ثم العودة إليها من دون مبرّرات واضحة، علاوة على تسلّط الحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد عموماً كشريك يملك الحصّة الأكبر من كلّ شيء.

فضلاً عن ذلك، يحمل تحرّك البازار في الوقت نفسه، بعداً سياسياً لا يقلّ خطورة عن الاقتصادي، ذلك أنه كان على الدوام أحد أعمدة الشرعية في الدولة الإيرانية الحديثة (القاجارية، البهلوية، الإسلامية) ولعب أدواراً مفصلية في ثورة التبغ، والثورة الدستورية، وحركة تأميم النفط، وثورة 1979، فحين يتحوّل شريك أساسي في الحكم إلى قوّة احتجاجية، فذلك إشارة إلى تصدّع سياسي داخلي، يضرب في صميم شرعية النظام، ويكشف أن مركز الأزمة انتقل من الشارع إلى داخل بنية الحكم، ويُعيد إلى الأذهان مشهداً مألوفاً عشيّة سقوط النظام الملكي، حين انقلب البازار على تحالفه مع الدولة وساهم بشكل مباشر في إسقاطها.

من هذا المنظور، لا يمكن وصف الاحتجاجات الراهنة بأنها ردّ فعل ظرفي على انهيار العملة أو تفشّي الفساد أو هيمنة قوّة أمنية عسكرية على الاقتصاد فقط، بل كأزمة داخل مؤسّسات صنع القرار، نتجت من الضغط على إحدى قواعد الحكم الثلاث، في ظلّ عجز القاعدتين الأخريين عن حمل العبء أو موازنته… وبذلك تبدو التنازلات الاقتصادية المتأخّرة كعلاجات موضعية تسكّن الألم ولا تشفيه، وإذا استمرّ النظام في مقاربة تحرّك البازار بوصفه ملفّاً اقتصادياً قابلاً للاحتواء، فذلك يعني أنه يدفعه إلى الخروج من موقع الشريك المعترض إلى موقع الشريك المنقلب، الذي يملك أدوات إسقاطه الفعلي.

وبغضّ النظر عمّا يحصل في الشارع وعمّا تطلقه أميركا وإسرائيل ورضا بهلوي الثاني من تهديد ووعيد، حين يدخل البازار بثقله التاريخي والرمزي في مواجهة مفتوحة مع النظام، يعني أن الأخير دخل مسار الانهيار جدّياً… لذلك لا يعود السؤال متى أو كيف ستنتهي الاحتجاجات مهمّاً، بل هل سينجو النظام؟

البازار في إيران ليس مجرّد سوق للبيع والشراء، بل مؤسّسة سياسية اجتماعية دينية ذات رمزية تاريخية، شكّلت أحد أركان الحكم الثلاثة في إيران الحديثة (القصر، المسجد، البازار). من هنا، لا يمكن قراءة خروج الاحتجاج من البازار كتحرّك اعتراضي عادي، بل كتحوّل بالغ الحساسية يمسّ جوهر النظام.

تُظهر موجة الاحتجاجات الجارية في إيران حالياً، اختلافاً جذرياً عن سابقاتها. اختلاف لا يقتصر على طبيعة المطالب، بل يمتدّ إلى هويّة الفاعل الذي حرّكها، وعجز السلطة عن احتوائها والتعامل المناسب معها. 

فالاحتجاجات هذه المرّة، لم تخرج من الهوامش الاجتماعية أو الأطراف الأقلّوية، ولم تشعلها قوى سياسية معارضة تقليدية، بل انطلقت من قلب القاعدة الاقتصادية للنظام، التي تتمثّل بالبازار (السوق الإيراني). والبازار في إيران ليس مجرّد سوق للبيع والشراء، بل مؤسّسة سياسية اجتماعية دينية ذات رمزية تاريخية، شكّلت أحد أركان الحكم الثلاثة في إيران الحديثة (القصر، المسجد، البازار). من هنا، لا يمكن قراءة خروج الاحتجاج من البازار كتحرّك اعتراضي عادي، بل كتحوّل بالغ الحساسية يمسّ جوهر النظام.

يمتلك البازار سلطة مركّبة، هي عبارة عن تحالف بين رأسمالية دينية تقليدية، وجسم نقابي حقوقي اجتماعي، وشبكة مصالح متشعّبة تربطه برجال الدين والحرس الثوري ومراكز نفوذ داخل الدولة، وبقدر ما شكّلت تحالفاته هذه ركيزة لاستقرار النظام، بقدر ما منحته قدرة استثنائية على تقويضه، لا عبر المواجهة المباشرة في الشارع فحسب، بل من خلال الخروج من التفاهم التاريخي المعمول به.

وعند مقارنة هذه الموجة من الاحتجاجات مع سابقاتها في الأعوام 2017 و2019 و2022، تتّضح هذه الإشكالية بجلاء. ففي حين مثّلت تلك المحطّات انفجارات اجتماعية معيشية، وبرز افتقارها إلى أدوات ضغط حاسمة كنقطة ضعف فيها، جاء احتجاج البازار الحالي؛ على رغم أنه ما زال محدوداً نسبياً في حجمه، ضاغطاً منذ لحظته الأولى، موجّهاً ضربته مباشرة إلى مركز القرار.

هذا ما يفسّر قلق النظام وارتباكه في التعامل مع الاحتجاجات في الأيّام الأولى، الذي تجلّى في المسارعة إلى تقديم تنازلات اقتصادية بالتنسيق بين الحكومة والبرلمان وبتوجيه ضمني من المرشد. وشملت هذه التنازلات تعليق تطبيق نظام دافعي الضرائب، وضريبة القيمة المضافة، والغرامات، ومتطلّبات التراخيص الجديدة لمدّة عامّ كامل، وهي مطالب لطالما رفعها البازار وقوبلت بالإهمال، قبل أن تُلبّى في توقيتها المتأخّر اليوم، أي بعد تمدّد الاحتجاجات إلى أبعد من البازار جغرافياً وسياسياً.

عموماً، لم تؤدِّ هذه الاستجابة إلى احتواء الأزمة، بل على العكس، استمرّت الاحتجاجات واتّسعت رقعتها، ودخلت عليها شعارات ومطالب سياسية، وأعمال قمع وعنف، لتبلغ أسبوعها الثالث، مع تفاقم المؤشّرات الخطرة مثل قتل المتظاهرين واحتمال تنفيذ دونالد ترامب تهديده بتوجيه ضربة إلى النظام.

لكنّ ذلك لم يمنع بازارات المدن الكبرى من الانضمام إلى بازار طهران، على خطّ الاحتجاج، بدءاً من تبريز ذات الرمزية التاريخية والقومية (التركية الآذرية وعاصمة الدولة الصفوية الأولى)، وصولاً إلى أصفهان وشيراز ومشهد، فكان هذا التوسّع بمثابة رسالة إضافية من البازار مفادها أن الأزمة لم تعد محصورة في الأعباء الضريبية أو السياسات المالية، بل في تعمّق الشرخ الذي أصاب العلاقة بين السلطة السياسية وحلفائها التقليديين، وصرخة علنية، تكشف للمرّة الأولى أن المشكلة لا تكمن فقط في خشبية القوانين، بل في هشاشتها وعدم استقرارها، وفي تغيّر السياسات الاقتصادية بشكل مفاجئ ومتكرّر، والتراجع عنها ثم العودة إليها من دون مبرّرات واضحة، علاوة على تسلّط الحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد عموماً كشريك يملك الحصّة الأكبر من كلّ شيء.

فضلاً عن ذلك، يحمل تحرّك البازار في الوقت نفسه، بعداً سياسياً لا يقلّ خطورة عن الاقتصادي، ذلك أنه كان على الدوام أحد أعمدة الشرعية في الدولة الإيرانية الحديثة (القاجارية، البهلوية، الإسلامية) ولعب أدواراً مفصلية في ثورة التبغ، والثورة الدستورية، وحركة تأميم النفط، وثورة 1979، فحين يتحوّل شريك أساسي في الحكم إلى قوّة احتجاجية، فذلك إشارة إلى تصدّع سياسي داخلي، يضرب في صميم شرعية النظام، ويكشف أن مركز الأزمة انتقل من الشارع إلى داخل بنية الحكم، ويُعيد إلى الأذهان مشهداً مألوفاً عشيّة سقوط النظام الملكي، حين انقلب البازار على تحالفه مع الدولة وساهم بشكل مباشر في إسقاطها.

من هذا المنظور، لا يمكن وصف الاحتجاجات الراهنة بأنها ردّ فعل ظرفي على انهيار العملة أو تفشّي الفساد أو هيمنة قوّة أمنية عسكرية على الاقتصاد فقط، بل كأزمة داخل مؤسّسات صنع القرار، نتجت من الضغط على إحدى قواعد الحكم الثلاث، في ظلّ عجز القاعدتين الأخريين عن حمل العبء أو موازنته… وبذلك تبدو التنازلات الاقتصادية المتأخّرة كعلاجات موضعية تسكّن الألم ولا تشفيه، وإذا استمرّ النظام في مقاربة تحرّك البازار بوصفه ملفّاً اقتصادياً قابلاً للاحتواء، فذلك يعني أنه يدفعه إلى الخروج من موقع الشريك المعترض إلى موقع الشريك المنقلب، الذي يملك أدوات إسقاطه الفعلي.

وبغضّ النظر عمّا يحصل في الشارع وعمّا تطلقه أميركا وإسرائيل ورضا بهلوي الثاني من تهديد ووعيد، حين يدخل البازار بثقله التاريخي والرمزي في مواجهة مفتوحة مع النظام، يعني أن الأخير دخل مسار الانهيار جدّياً… لذلك لا يعود السؤال متى أو كيف ستنتهي الاحتجاجات مهمّاً، بل هل سينجو النظام؟

|

اشترك بنشرتنا البريدية