في زمن تتكرّر فيه الأزمات، وتغيب فيه الدولة عن دورها، يُطرَح سؤال: كيف يبدو لبنان حين يقرّر كلّ شخص؛ وبشكل مستقلّ، أن يُدير ظهره لـ”الزعامة” و”السلالة” الطائفية؟
سؤال طرحه عليّ صديق، لا من باب الخيال، بل كاختبار عكسي للواقع.
قال: “أغمضي عينيكِ… وتخيّلي”. تخيّلي بلداً لا تحمل أحزابه أسماء عائلية، لا يرث فيه الزعيم منصبه كما يُورَّث العقار، لا يتسلّق فيه الحفيد مجد الجدّ ليستخدمه جسر عبور إلى السلطة. تخيّلي شوارع بلا أعلام، جدراناً بلا صور، وصالونات لا توزّع النفوذ كما تُوزَّع القهوة. تخيّلي مجتمعاً لا يرث فيه الأبناء الولاء كما يرثون الطائفة، ولا يخاف فيه المواطن من كسر الطاعة.
أجبته: هذه الصورة لا تُشبه لبنان! نحن شعب وُلِد على إيقاع اللقب، ونشأ في ظلّ صورة الزعيم، يخشى الخروج من “البيت السياسي” كما يخاف الطفل من الغربة.
في لبنان، السلطة لم تَعُد خياراً ديموقراطياً، بل إرث عائلي. الزعيم لا يُنتخب، بل يُوَرَّث. الحزب لا يُبنى، بل يُؤخذ من الأب. والمقاعد لا تُمنَح بالكفاءة، بل تُحجَز بالكنية.
نحن نعيش في جمهورية العائلات، تتناوب على اللبنانيين منذ التأسيس، تتقاسم الوزارات، المجالس، وحتى البلديات، وكأنّ الزمن متوقّف، والشعب رهينة ذاكرة لا يملك منها سوى الولاء.
فمتى نبني وطناً؟ شعار “الدولة” لا يكفي، فالدولة عندنا كثيراً ما كانت غطاء لغياب الوطن.
نبني وطناً حين نتحرّر من سطوة الاسم، من ظلّ الجدّ، من عقدة “البيك” و”المعالي”.
حين نكسر جدران “البيوت السياسية” ونُدرك أن الزعامة وظيفة مؤقّتة، لا حقّ موروث. حين نقول لأنفسنا: لسنا ورثة الخوف، ولسنا خجولين من كسر الطاعة.
نحن مواطنون… لا رعايا.
نبني وطناً حين نتحرّر من سطوة الاسم، من ظلّ الجدّ، من عقدة “البيك” و”المعالي”
الوطن لا يُبنى بالوراثة، بل بالوعي. وعي المواطن هو بداية سقوط الإقطاع، ووعي الجيل الجديد هو بداية قيام وطن لا يُشبه ماضيه. لكن… هل هذا الوعي ممكن في وطنٍ ما زالت هواجس مكوّناته أكبر من أحلام التغيير؟ كيف نطلب من جماعات عاشت تحت التهديد أن تخلع درع الخوف؟
هؤلاء لم يرثوا السلطة فقط، بل ورثوا تجربة وجودية قاوموا وناضلوا لأجل بقائها.
قاتلوا حين شعروا أن هوّيتهم مهدّدة ومستقبلهم في خطر، وما زالوا يحاربون من أجل البقاء.
لهذا، فإن الحلم مؤجَّل… إلى أن تنضج لحظة وعي وطني شامل، لحظة يكون فيها المواطن أغلى من الزعيم، والمستقبل أوسع من الحنين.
سألته في النهاية: أعطني جملة أتمسّك بها وسط هذا الخراب. ابتسم وقال: “أعطِ الوقت للوقت… فهناك، تكمن الإجابة”.










