ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ارتفاع معدّلات الإجهاض في غزّة… ودفن الأجنّة بعيداً عن الكلاب الجائعة !

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

وفق تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية ازدياد معدلات الإجهاض في قطاع غزة يرتبط بانتشار الأمراض المعدية، وظروف النزوح والاكتظاظ، وما يرافقها من أعباء بدنية تتحمّلها النساء، مثل حمل المياه والأوزان الثقيلة، تُعدّ من أبرز العوامل التي تهدّد استقرار الحمل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ اللحظات الأولى لمعرفة أسيل خالد خبر حملها لم تكن سعيدة به، كونها لا تريد جلب طفل إلى حياة لا تتوفّر فيها أدنى متطلّبات الحياة، والخصوصية، والأمن، وحتى الوصول إلى دورة مياه نظيفة، أو تناول شربة ماء بسهولة ودون عناء حمل القارورة والمشي بها لمسافات طويلة.

في خيمة النزوح بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة، تعيش أسيل 24 عاماً مع زوجها محمود وطفلتهما سندس 3 سنوات، داخل خيمة مصنوعة من البلاستيك والقماش، بعد أن نزحوا قسراً من شرقي المدينة في أيّار/ مايو 2024، وتدمير منزلهم بفعل الحرب الإسرائيلية.

الحياة داخل الخيمة لم تكن أسوأ في كوابيس أسيل، التي كانت تحلم بالعيش في منزل مكوّن من حديقة وأشجار صغيرة كانت تحبّ زراعتها كما تربّت في بيت والدها الكبير، ولكنّ الحرب فرضت عليها هذا الواقع المرير.

عاشت أسيل عامين داخل الخيمة، ولم تنجح في التأقلم على الحياة فيها، وتمرّ بحالة ضغط وتوتّر، وتتنظر اليوم الذي تخرج فيه من قطاع غزّة للنجاة بنفسها وطفلتها وزوجها.

زاد حمل أسيل المفاجئ وغير المخطّط له الطين بلّة، فهي غير مستعدّة نفسياً ولا صحّياً لهذه المرحلة التي يحتاج جسدها فيها إلى الطعام الجيّد، والمكان الملائم، والرعاية الصحّية غير المتوفّرة في غزّة.

وجدت أسيل نفسها تحت الأمر الواقع بعد معرفة خبر الحمل، وبدأت التأقلم مع وضعها الجديد، ولكن لم تغيّر من نمط حياتها اليومي، بدءاً من تعبئة المياه بالقارورة سعة الـ15 لتراً، والتي تحملها من مكان وصول السيارات الكبيرة البعيدة عن خيمتها مسافة 400 متر.

لم تغيّر أسيل أيضاً نمط حياتها في الذهاب إلى التكية التي تقدّم الطعام مجّاناً للنازحين، والتي تبعد عن خيمتها 300 متر أيضاً، لعدم قدرة زوجها على مجابهة الأسعار المرتفعة في الأسواق.

مرّت الشهور الأربعة على حمل ابنة غزّة، ولم تشعر بها، ولكن في الشهر الخامس والسادس والسابع، بدأت المعاناة معها من نزيف مستمرّ، وتراجع في وزنها، وعدم قدرة على الحصول على الرعاية التي تحتاجها المرأة الحامل في هذه الشهور.

في الشهر الثامن، صرخت أسيل وطلبت من زوجها الإسراع في إيصالها إلى المستشفى بسبب شعورها بوجود نزيف مهبلي، وآلم أسفل البطن، خرج الزوج مسرعاً من الخيمة إلى الشارع وكانت الساعة تشير إلى العاشرة مساءً، وغاب أكثر من ساعة وعاد إلى زوجته دون وسيلة نقل لتوصلها إلى المستشفى التي تبعد عن مكان خيمتها 4 كيلومترات.

في الساعة التي غاب فيها الزوج، زاد النزيف على أسيل وأصبح الدم ظاهراً على جلبابها لعدم وجود فوط صحّية في خيمتها، اتّصل بالطوارئ وطلب منهم سيّارة إسعاف، فكان الردّ أن السيّارات لا تخرج بالليل إلا للقصف والحالات الخطرة جداً، بسبب نقص الوقود.

الطريق إلى المستشفى

قرّرت أسيل وزوجها الذهاب إلى المستشفى مشياً على أقدامهم، وبدأت مغامرتهما، وبعد قرابة كيلومتر من المشي، توقّفت أسيل ولم تعد قادرة على استكمال الطريق، فاضطرّا إلى الجلوس إلى جانب الطريق لقرابة ساعة كاملة، وخلالها لم تمرّ أي سيّارة، أو وسيلة نقل.

أكمل الاثنان طريقهما إلى المستشفى رغم الألم والنزيف الذي يزداد على أسيل مع كل خطوة تخطوها، في الطريق الطويلة التي شعرت أسيل أنها تمشي فيها لسنوات، وصلت أخيراً إلى مستشفى التحرير الخاصّ بالنساء والولادة داخل مجمّع ناصر الطبّي، وأدخلها الأطبّاء سريعاً إلى غرفة الطوارئ.

بعد دقائق قليلة من الفحص، خرج طبيب النساء والولادة المناوب في قسم الطوارئ للزوج وأخبره بأن زوجته فقدت جنينها وتحتاج إلى عمليّة إجهاض سريعة للحفاظ على حياتها، خاصّة مع فقدانها نسبة كبيرة من الدماء.

لم يكن الزوج يمتلك أي خيار إلا الموافقة على قرار الطبيب، وهو ما حصل وخضعت أسيل لعمليّة إجهاض، وإخراج المولود وتكفينه وإعطائه لوالده من أجل دفنه في حفرة صغيرة في مقبرة قريبة من المستشفى.

وصل الأب المنهك من تعب الطريق والحزن على إجهاض زوجته إلى المقبرة برفقة أحد أقاربه، وبدأ بحفر قبر صغير بيديه من أجل دفن ابنه الهزيل جداً والملفوف بكفن أبيض.

طلب قريب الأب منه تعميق الحفر حتى لا تصل الكلاب إلى مولوده، ولعدم توفّر أسمنت لإعداد قبر محكم الإغلاق، وهو ما فعله وبدأ يستخدم قطعة معدنية في الحفر حتى يصل إلى عمق أكثر.

انتهى الأب وقريبه من حفر القبر الذي وصل عمقه إلى نحو النصف متر، ووضعا في الجنين وأهالا التراب عليه، مع وضع لوح خشبي في الأعلى لمنع وصول الكلاب والقطط إلى جثته ونبشها.

عاد الأب إلى المستشفى لتفقد زوجته، التي تحتاج إلى بعض الطعام الذي يحتوي على البروتين كاللحوم الطازجة كما أوصى الأطبّاء والفواكه والخضروات، ولكن لم يكن أمامه إلا تقديم بعض التونة المعلّبة التي حصل عليها كمساعدة إغاثية من مؤسّسة أممية.

مضى على وجود أسيل ثلاثة أيّام في المستشفى بعد عمليّة الإجهاض من أجل استمرار حصولها على الفيتامينات الوريدية عبر الحقن، نظراً لحالة الضعف الجسدي، نتيجة فقدانها الدم بسبب النزيف، قبل الوصول للمستشفى.

خرجت أسيل من المستشفى وهذه المرّة في عربة يجرّها حيوان إلى مكان نزوحها، وعادت إلى حياة الخيمة من جديد، حيث الحرارة العالية في فصل الصيف، وانتشار القوارض والحشرات بخاصّة البراغيت.

ولن تنتظر أسيل طويلاً داخل الخيمة بعد عمليّة الإجهاض، حيث ينتظرها طابور الحصول على المياه، وتكية الطعام.

أرقام صادمة 

وزارة الصحّة الفلسطينية في قطاع غزّة وثّقت 4 آلاف حالة إجهاض خلال النصف الأوّل من العام 2026، بمعدّل 208 حالات إجهاض بين ألف مولود، وهو ما يمثّل ارتفاعاً بنحو 3.3 أضعاف مقارنة بالنصف الثاني من العام 2025، ويعادل قرابة ضعفي إلى ضعفي ونصف المعدّل الطبيعي.

ويؤكّد مدير وحدة المعلومات الصحّية في الوزارة زاهر الوحيدي، أن أعلى معدّل إجهاض سُجّل في شهر نيسان/ أبريل الماضي، بواقع 377 حالة بين ألف مولود، فيما سجّل شهر حزيران/ يونيو أعلى عدد مطلق من الحالات، إذ بلغ 790 حالة إجهاض.

26% من حالات الإجهاض، بحسب الوحيدي، وقعت خلال الثلث الثاني من الحمل، بينما سُجّل نحو 73.5% منها خلال الثلث الأوّل، معتبراً أن ارتفاع نسبة الإجهاض في الفترة الواقعة بين الأسبوعين 13 و24 من الحمل يُعدّ مؤشّراً مقلقاً، لأنه يرتبط غالباً بعوامل بيئية وصحّية تؤثّر على الأمّ، وليس لأسباب جينية أو تشوّهات خلقية في تكوين الجنين.

وأضاف أن هذا النمط من الإجهاض لم يكن سائداً قبل الحرب، ويشكّل مؤشّراً خطيراً يستوجب تحرّكاً عاجلاً من المؤسّسات الدولية المعنيّة بصحّة الأمّ والطفل.

وأشار الوحيدي إلى أن وزارة الصحّة أطلعت منظّمات دولية، من بينها منظّمة الصحّة العالمية، وصندوق الأمم المتّحدة للسكّان (UNFPA)، واليونيسف، على هذه المؤشّرات، داعياً إلى تدخّلات صحّية عاجلة، إلى جانب إجراء دراسات علمية لتحديد الأسباب الدقيقة وراء الارتفاع الكبير في حالات الإجهاض.

وترجّح وزارة الصحّة وجود خمسة عوامل رئيسية تقف وراء هذه الزيادة، في مقدّمتها سوء التغذية لدى النساء الحوامل، لافتاً إلى أن نسبة الإصابة بفقر الدم بين الحوامل بلغت 57% خلال النصف الثاني من العام 2025، وهو ما يزيد من مخاطر الإجهاض ومضاعفات الحمل.

ومن أسباب زيادة الإجهاض وفق تقديرات الوزارة، هو انتشار الأمراض المعدية، وظروف النزوح والاكتظاظ، وما يرافقها من أعباء بدنية تتحمّلها النساء، مثل حمل المياه والأوزان الثقيلة، تُعدّ من أبرز العوامل التي تهدّد استقرار الحمل.

ومن الأسباب أيضاً، بحسب الوزارة، يُعدّ تلوّث المياه وانتشار مياه الصرف الصحّي نتيجة وجود أكثر من 100 ألف حفرة امتصاصية عشوائية، أسهم في تلوّث المياه الجوفية، في ظلّ غياب عمليّات الكلورة والتعقيم، ما يزيد من المخاطر الصحّية على النساء الحوامل.

وبين العوامل المحتملة، وفق الوزارة، أيضاً الغبار والملوّثات الناتجة عن القصف وكميّات الركام الكبيرة، بما فيها الأسبستوس ومخلّفات الذخائر، التي قد تؤثّر على صحّة الحوامل، مؤكّداً أن تحديد العلاقة الدقيقة بين هذه العوامل وحالات الإجهاض يحتاج إلى دراسات علمية متخصّصة.

وشدّد على أن مجمل هذه الظروف الاستثنائية تقوّض قدرة النساء الحوامل على تلقّي الرعاية الصحّية اللازمة، وتفاقم المخاطر التي تهدّد صحّة الأمّهات والأجنّة في قطاع غزّة.

الأسباب التي رجّحتها وزارة الصحّة الفلسطينية لزيادة الإجهاض، اجتمعت كلها في حالة أسيل، التي عانت من المياه الملوثة، وسوء التغذية، وانتشار مخلّفات الذخائر، والازدحام.

04.08.2026
زمن القراءة: 6 minutes

وفق تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية ازدياد معدلات الإجهاض في قطاع غزة يرتبط بانتشار الأمراض المعدية، وظروف النزوح والاكتظاظ، وما يرافقها من أعباء بدنية تتحمّلها النساء، مثل حمل المياه والأوزان الثقيلة، تُعدّ من أبرز العوامل التي تهدّد استقرار الحمل.

منذ اللحظات الأولى لمعرفة أسيل خالد خبر حملها لم تكن سعيدة به، كونها لا تريد جلب طفل إلى حياة لا تتوفّر فيها أدنى متطلّبات الحياة، والخصوصية، والأمن، وحتى الوصول إلى دورة مياه نظيفة، أو تناول شربة ماء بسهولة ودون عناء حمل القارورة والمشي بها لمسافات طويلة.

في خيمة النزوح بمنطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزّة، تعيش أسيل 24 عاماً مع زوجها محمود وطفلتهما سندس 3 سنوات، داخل خيمة مصنوعة من البلاستيك والقماش، بعد أن نزحوا قسراً من شرقي المدينة في أيّار/ مايو 2024، وتدمير منزلهم بفعل الحرب الإسرائيلية.

الحياة داخل الخيمة لم تكن أسوأ في كوابيس أسيل، التي كانت تحلم بالعيش في منزل مكوّن من حديقة وأشجار صغيرة كانت تحبّ زراعتها كما تربّت في بيت والدها الكبير، ولكنّ الحرب فرضت عليها هذا الواقع المرير.

عاشت أسيل عامين داخل الخيمة، ولم تنجح في التأقلم على الحياة فيها، وتمرّ بحالة ضغط وتوتّر، وتتنظر اليوم الذي تخرج فيه من قطاع غزّة للنجاة بنفسها وطفلتها وزوجها.

زاد حمل أسيل المفاجئ وغير المخطّط له الطين بلّة، فهي غير مستعدّة نفسياً ولا صحّياً لهذه المرحلة التي يحتاج جسدها فيها إلى الطعام الجيّد، والمكان الملائم، والرعاية الصحّية غير المتوفّرة في غزّة.

وجدت أسيل نفسها تحت الأمر الواقع بعد معرفة خبر الحمل، وبدأت التأقلم مع وضعها الجديد، ولكن لم تغيّر من نمط حياتها اليومي، بدءاً من تعبئة المياه بالقارورة سعة الـ15 لتراً، والتي تحملها من مكان وصول السيارات الكبيرة البعيدة عن خيمتها مسافة 400 متر.

لم تغيّر أسيل أيضاً نمط حياتها في الذهاب إلى التكية التي تقدّم الطعام مجّاناً للنازحين، والتي تبعد عن خيمتها 300 متر أيضاً، لعدم قدرة زوجها على مجابهة الأسعار المرتفعة في الأسواق.

مرّت الشهور الأربعة على حمل ابنة غزّة، ولم تشعر بها، ولكن في الشهر الخامس والسادس والسابع، بدأت المعاناة معها من نزيف مستمرّ، وتراجع في وزنها، وعدم قدرة على الحصول على الرعاية التي تحتاجها المرأة الحامل في هذه الشهور.

في الشهر الثامن، صرخت أسيل وطلبت من زوجها الإسراع في إيصالها إلى المستشفى بسبب شعورها بوجود نزيف مهبلي، وآلم أسفل البطن، خرج الزوج مسرعاً من الخيمة إلى الشارع وكانت الساعة تشير إلى العاشرة مساءً، وغاب أكثر من ساعة وعاد إلى زوجته دون وسيلة نقل لتوصلها إلى المستشفى التي تبعد عن مكان خيمتها 4 كيلومترات.

في الساعة التي غاب فيها الزوج، زاد النزيف على أسيل وأصبح الدم ظاهراً على جلبابها لعدم وجود فوط صحّية في خيمتها، اتّصل بالطوارئ وطلب منهم سيّارة إسعاف، فكان الردّ أن السيّارات لا تخرج بالليل إلا للقصف والحالات الخطرة جداً، بسبب نقص الوقود.

الطريق إلى المستشفى

قرّرت أسيل وزوجها الذهاب إلى المستشفى مشياً على أقدامهم، وبدأت مغامرتهما، وبعد قرابة كيلومتر من المشي، توقّفت أسيل ولم تعد قادرة على استكمال الطريق، فاضطرّا إلى الجلوس إلى جانب الطريق لقرابة ساعة كاملة، وخلالها لم تمرّ أي سيّارة، أو وسيلة نقل.

أكمل الاثنان طريقهما إلى المستشفى رغم الألم والنزيف الذي يزداد على أسيل مع كل خطوة تخطوها، في الطريق الطويلة التي شعرت أسيل أنها تمشي فيها لسنوات، وصلت أخيراً إلى مستشفى التحرير الخاصّ بالنساء والولادة داخل مجمّع ناصر الطبّي، وأدخلها الأطبّاء سريعاً إلى غرفة الطوارئ.

بعد دقائق قليلة من الفحص، خرج طبيب النساء والولادة المناوب في قسم الطوارئ للزوج وأخبره بأن زوجته فقدت جنينها وتحتاج إلى عمليّة إجهاض سريعة للحفاظ على حياتها، خاصّة مع فقدانها نسبة كبيرة من الدماء.

لم يكن الزوج يمتلك أي خيار إلا الموافقة على قرار الطبيب، وهو ما حصل وخضعت أسيل لعمليّة إجهاض، وإخراج المولود وتكفينه وإعطائه لوالده من أجل دفنه في حفرة صغيرة في مقبرة قريبة من المستشفى.

وصل الأب المنهك من تعب الطريق والحزن على إجهاض زوجته إلى المقبرة برفقة أحد أقاربه، وبدأ بحفر قبر صغير بيديه من أجل دفن ابنه الهزيل جداً والملفوف بكفن أبيض.

طلب قريب الأب منه تعميق الحفر حتى لا تصل الكلاب إلى مولوده، ولعدم توفّر أسمنت لإعداد قبر محكم الإغلاق، وهو ما فعله وبدأ يستخدم قطعة معدنية في الحفر حتى يصل إلى عمق أكثر.

انتهى الأب وقريبه من حفر القبر الذي وصل عمقه إلى نحو النصف متر، ووضعا في الجنين وأهالا التراب عليه، مع وضع لوح خشبي في الأعلى لمنع وصول الكلاب والقطط إلى جثته ونبشها.

عاد الأب إلى المستشفى لتفقد زوجته، التي تحتاج إلى بعض الطعام الذي يحتوي على البروتين كاللحوم الطازجة كما أوصى الأطبّاء والفواكه والخضروات، ولكن لم يكن أمامه إلا تقديم بعض التونة المعلّبة التي حصل عليها كمساعدة إغاثية من مؤسّسة أممية.

مضى على وجود أسيل ثلاثة أيّام في المستشفى بعد عمليّة الإجهاض من أجل استمرار حصولها على الفيتامينات الوريدية عبر الحقن، نظراً لحالة الضعف الجسدي، نتيجة فقدانها الدم بسبب النزيف، قبل الوصول للمستشفى.

خرجت أسيل من المستشفى وهذه المرّة في عربة يجرّها حيوان إلى مكان نزوحها، وعادت إلى حياة الخيمة من جديد، حيث الحرارة العالية في فصل الصيف، وانتشار القوارض والحشرات بخاصّة البراغيت.

ولن تنتظر أسيل طويلاً داخل الخيمة بعد عمليّة الإجهاض، حيث ينتظرها طابور الحصول على المياه، وتكية الطعام.

أرقام صادمة 

وزارة الصحّة الفلسطينية في قطاع غزّة وثّقت 4 آلاف حالة إجهاض خلال النصف الأوّل من العام 2026، بمعدّل 208 حالات إجهاض بين ألف مولود، وهو ما يمثّل ارتفاعاً بنحو 3.3 أضعاف مقارنة بالنصف الثاني من العام 2025، ويعادل قرابة ضعفي إلى ضعفي ونصف المعدّل الطبيعي.

ويؤكّد مدير وحدة المعلومات الصحّية في الوزارة زاهر الوحيدي، أن أعلى معدّل إجهاض سُجّل في شهر نيسان/ أبريل الماضي، بواقع 377 حالة بين ألف مولود، فيما سجّل شهر حزيران/ يونيو أعلى عدد مطلق من الحالات، إذ بلغ 790 حالة إجهاض.

26% من حالات الإجهاض، بحسب الوحيدي، وقعت خلال الثلث الثاني من الحمل، بينما سُجّل نحو 73.5% منها خلال الثلث الأوّل، معتبراً أن ارتفاع نسبة الإجهاض في الفترة الواقعة بين الأسبوعين 13 و24 من الحمل يُعدّ مؤشّراً مقلقاً، لأنه يرتبط غالباً بعوامل بيئية وصحّية تؤثّر على الأمّ، وليس لأسباب جينية أو تشوّهات خلقية في تكوين الجنين.

وأضاف أن هذا النمط من الإجهاض لم يكن سائداً قبل الحرب، ويشكّل مؤشّراً خطيراً يستوجب تحرّكاً عاجلاً من المؤسّسات الدولية المعنيّة بصحّة الأمّ والطفل.

وأشار الوحيدي إلى أن وزارة الصحّة أطلعت منظّمات دولية، من بينها منظّمة الصحّة العالمية، وصندوق الأمم المتّحدة للسكّان (UNFPA)، واليونيسف، على هذه المؤشّرات، داعياً إلى تدخّلات صحّية عاجلة، إلى جانب إجراء دراسات علمية لتحديد الأسباب الدقيقة وراء الارتفاع الكبير في حالات الإجهاض.

وترجّح وزارة الصحّة وجود خمسة عوامل رئيسية تقف وراء هذه الزيادة، في مقدّمتها سوء التغذية لدى النساء الحوامل، لافتاً إلى أن نسبة الإصابة بفقر الدم بين الحوامل بلغت 57% خلال النصف الثاني من العام 2025، وهو ما يزيد من مخاطر الإجهاض ومضاعفات الحمل.

ومن أسباب زيادة الإجهاض وفق تقديرات الوزارة، هو انتشار الأمراض المعدية، وظروف النزوح والاكتظاظ، وما يرافقها من أعباء بدنية تتحمّلها النساء، مثل حمل المياه والأوزان الثقيلة، تُعدّ من أبرز العوامل التي تهدّد استقرار الحمل.

ومن الأسباب أيضاً، بحسب الوزارة، يُعدّ تلوّث المياه وانتشار مياه الصرف الصحّي نتيجة وجود أكثر من 100 ألف حفرة امتصاصية عشوائية، أسهم في تلوّث المياه الجوفية، في ظلّ غياب عمليّات الكلورة والتعقيم، ما يزيد من المخاطر الصحّية على النساء الحوامل.

وبين العوامل المحتملة، وفق الوزارة، أيضاً الغبار والملوّثات الناتجة عن القصف وكميّات الركام الكبيرة، بما فيها الأسبستوس ومخلّفات الذخائر، التي قد تؤثّر على صحّة الحوامل، مؤكّداً أن تحديد العلاقة الدقيقة بين هذه العوامل وحالات الإجهاض يحتاج إلى دراسات علمية متخصّصة.

وشدّد على أن مجمل هذه الظروف الاستثنائية تقوّض قدرة النساء الحوامل على تلقّي الرعاية الصحّية اللازمة، وتفاقم المخاطر التي تهدّد صحّة الأمّهات والأجنّة في قطاع غزّة.

الأسباب التي رجّحتها وزارة الصحّة الفلسطينية لزيادة الإجهاض، اجتمعت كلها في حالة أسيل، التي عانت من المياه الملوثة، وسوء التغذية، وانتشار مخلّفات الذخائر، والازدحام.