ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

استخدام إسرائيل الغليفوسات يهدّد عودة المدنيين

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قد يرقى استخدام هذه المبيدات إلى انتهاك لاتفاقيات دولية عدة، منها اتفاقيات حظر الأسلحة الكيميائية، وحظر الأسلحة البيولوجية، وحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي لأغراض عسكرية أو عدائية ENMOD.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تواصل إسرائيل خرق اتفاقية وقف الأعمال العدائية الموقّعة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، آخرها عبر رش مواد كيميائية على مساحات بجانب الخط الأزرق، وفقاً لما نقلت قوات الطوارئ الدولية. واعتبرت اليونيفيل هذه الممارسات خرقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، وتقويضاً لقدرتها على ممارسة أعمالها، مثيرةً مخاوف حول الآثار المحتملة لمواد كيميائية مجهولة على الأراضي الزراعية، ما قد يهدد عودة المدنيين وسبل عيشهم على المدى الطويل.

وأعلنت وزارتا البيئة والزراعة في بيان مشترك، أن العينات التي فُحصت بالتعاون مع الجيش اللبناني، وقوات اليونيفيل، أظهرت أن المواد التي رُشَّت هي مبيد الأعشاب “الغليفوسات”. وأشارت الوزارتان الى أن رش هذا المبيد “سيؤدي إلى تضرر الغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والتوازن البيئي، إذ تبين في بعض العينات نسب تركيز تتراوح بين 20 و 30 ضعفاً مقارنة بالنسب المعتادة”. ودعت الوزارتان المواطنين إلى “تجنب ملامسة المزروعات المتضررة أو استخدام المياه في المناطق المشتبه بتعرضها للرش إلى حين صدور الإرشادات الرسمية بعد إعداد خريطة دقيقة للمناطق المتضررة. 

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اعتبر قيام الطائرات الإسرائيلية برش المبيدات على القرى الحدودية “جريمة بيئية وصحية تستهدف الأراضي الزراعية ومصادر رزق المواطنين”.

الغليفوسات مادة مصنعة تحت اسم “Round Up” من شركة Bayer الأميركية، التي استحوذت على شركة التكنولوجيا الحيوية الزراعية “مونسانتو”. وتواجه الشركة دعاوى قضائية تتعلق بالمبيد وآثاره على صحة المواطنين.

وليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل هذه المواد في الجنوب اللبناني، إذ سبق أن استخدمتها في ريف القنيطرة السورية قبل أيام، كما في قطاع غزة خلال حرب الإبادة.

عام 2007، حظّرت المحكمة العليا الإسرائيلية استخدام مادة “الغليفوسات” بعد رشها من قِبل دائرة الأراضي في حقول تعود الى قرى في النقب، معتبرةً أنها “تشكل تهديداً لحياة البشر والكائنات الحية كما تلحق أضراراً بالمحاصيل الزراعية”.

الأرض المحروقة لفرض واقع أمنيّ وجغرافيّ جديد

نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن ممارسة رشّ هذه المواد الكيميائية تندرج ضمن خطة لمنع حزب الله من الاقتراب من الحدود. لكن هذه الممارسات تتجاوز الأهداف العسكرية لتندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تحويل القرى الحدودية إلى منطقة عازلة غير قابلة للحياة. وترتكب إسرائيل جرائم بيئية وصحية من خلال رش مواد لديها خصائص السلاح الكيميائي، حتى لو لم تُذكر صراحة في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ويخلق تلويث التربة والمياه وإتلاف المحاصيل الزراعية ومصادر الرزق، بيئة غير قابلة للحياة تساهم في منع عودة الجنوبيين وفرض واقع تهجيري طويل الأمد على طول الشريط الحدودي.

خلال الحرب الأخيرة، اعتمدت إسرائيل استراتيجية الهدم والترحيل كأداة حرب في الجنوب اللبناني. ولجأت إلى تهجير السكان القسري من خلال إنذارات إخلاء وصفتها منظمة العفو الدولية بـ “المضلّلة”. كما لجأت إلى استخدام الفوسفور الأبيض وأسلحة أخرى أشبعت المياه والتربة بمعادن ثقيلة. 

قد يرقى استخدام هذه المبيدات إلى انتهاك لاتفاقيات دولية عدة، منها اتفاقيات حظر الأسلحة الكيميائية، وحظر الأسلحة البيولوجية، وحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي لأغراض عسكرية أو عدائية ENMOD.

لم توقع إسرائيل على هذه الاتفاقيات، إلا أنه وفقاً للعرف الدولي الملزم، يحظر استخدام مبيدات الأعشاب كأداة حرب خلال النزاعات المسلحة، “خصوصاً، إذا كان من شأنها أن تسبب أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، أو التسبب بخسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو إصابات بينهم، أو أضراراً بالأعيان المدنية”.

واعتبر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن رش هذه المواد على الأراضي الزراعية في لبنان وسوريا بمثابة “انتهاك لقواعد القانون الإنساني وقد يرقى إلى جريمة حرب”. وأكد أنه “لا يمكن النظر إلى هذه الواقعة بمعزل عن سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي، إذ تشكل أداة عقاب جماعي ووسيلة تهدف إلى خلق بيئة تدفع السكان إلى النزوح القسري”. 

جريمة بيئيّة وصحّية

أثار الغليفوسات جدلاً علمياً واسعاً بين دراسات تُحذر من مخاطره الصحية والبيئية، وجهات تُقلل من هذه المخاطر وتدافع عن إمكانية استخدامه كنوع من أنواع المبيدات الزراعية.

عام 2015، صنّفت منظمة الصحة العالمية الغليفوسات كمادة مسرطنة محتملة للبشر. وتوصلت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) إلى أدلة تشير إلى تسبب هذا المبيد بالسرطان لدى الحيوانات، وأيضاً الى تسببه بتلف كروموسومي لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المناطق التي تم رشها، ما يشير إلى أن هذه المادة قادرة على إلحاق الضرر بالحمض النووي (DNA). وتعد هذه المادة من المواد المُعطلة للغدد الصماء، ما يؤثر سلباً على التوازن الهرموني في الجسم. وأظهرت دراسات أخرى أن الغليفوسات قد يلحق ضرراً بوظائف الكلى مع مرور الوقت. 

عام 2020، عقدت اللجنة الأميركية لحقوق الإنسان جلسة اجتماع حول الآثار السلبية المحتملة للمبيدات الحشرية، منها الغليفوسات، على الصحة الإنجابية للنساء والأطفال. ووفقاً لدراسة أجراها مركز الحقوق الإنجابية عام 2020 بعنوان “الصحة الإنجابية والغليفوسات في سياق النزاع المسلح في كولومبيا”،  يتسبب هذا النوع من المبيدات بأضرار سامة لدى البشر، منها ارتفاع معدلات اضطرابات الخصوبة، والإجهاض، وانخفاض وزن المواليد، والولادة المبكرة، والتشوهات الخلقية، ووفيات الرضع. 

وبدأت كولومبيا باستخدام الغليفوسات عام 1990 لأغراض عسكرية ضمن ما يُعرف بـ “الحرب على المخدرات”، وكان موضوع جدل إلى أن حُظّر نهائياً عام 2022.

أما في دول الاتحاد الأوروبي، فقد سُمح باستخدام الغليفوسات للمرة الأولى عام 2002. وفي 15 آذار/ مارس 2017، خلصت لجنة تقييم المخاطر التابعة لوكالة المواد الكيميائية الأوروبية (RAC) إلى عدم وجود أدلة تربط بين استخدامه وإصابة البشر بالسرطان، كما أنها لم تصنفه كمادة تسبب ضرراً جينياً أو كمادة تؤثر على القدرة الإنجابية. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، جدّدت المفوضية الأوروبية الموافقة على استخدام الغليفوسات لمدة عشر سنوات، أي حتى عام 2033.

لكن في خطوة مثيرة للجدل، سُحبت دراسة “تقييم مخاطر مبيد “راوند آب” ومادته الفعالة الغليفوسات على الإنسان” من السجل العلمي، لوجود وثائق تؤكد  تأثير شركة “مونسانتو” المصنعة لهذا المبيد، على نتائج الدراسة، ما أثار مخاوف جدية بشأن النزاهة العلمية والأخلاقية.

وتثير نتائج هذه الدراسات القلق في ظل استخدام إسرائيل هذه المبيدات بشكل مكثف في الجنوب اللبناني. وفي ظل غياب أي استعداد للتعامل مع المخاطر البيئية الناجمة عن النزاعات المسلحة، تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية عاجلة لوضع خطة طوارئ وطنية تشمل الرصد العلمي، وحماية الموارد الطبيعية، وتعويض المتضررين، وضمان حق السكان في بيئة صالحة للحياة.

منذ الحرب الأخيرة، تتصاعد المطالبة بانضمام لبنان إلى نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها أحد المسارات الأساسية لمساءلة مرتكبي الجرائم، بما فيها الجرائم البيئية.

وفي هذا السياق، أثارت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنياس كالامارد، مسألة انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية خلال اجتماعها مع رئيس الوزراء نواف سلام ووزير العدل عادل نصار العام الماضي، مشيرةً إلى أنهما “يدركان أهمية المحكمة على المستويين الإقليمي والدولي، لكنهما غير قادرين على رؤية المسار السياسي الذي يمكن أن يفضي إلى تنفيذ ذلك في لبنان في الوقت الحالي”، وفقًا لما قالته في مقابلة مع “درج”. وأضافت كالامارد: “إذا لم تقم الحكومة بهذه الخطوة الأساسية، فهي تبعث برسالة مفادها ألا دور لها تؤديه في ضمان المساءلة لشعبها”.

في ظل هذا الجدل السياسي والقانوني، يبقى الجنوب اللبناني عرضة لتهديدات بيئية، فيما تُترك المجتمعات المتضررة وحدها في مواجهة التلوث. فمن يحمي حقوق المواطنين من الاعتداءات المتكررة على البيئة؟

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
06.02.2026
زمن القراءة: 5 minutes

قد يرقى استخدام هذه المبيدات إلى انتهاك لاتفاقيات دولية عدة، منها اتفاقيات حظر الأسلحة الكيميائية، وحظر الأسلحة البيولوجية، وحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي لأغراض عسكرية أو عدائية ENMOD.

تواصل إسرائيل خرق اتفاقية وقف الأعمال العدائية الموقّعة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، آخرها عبر رش مواد كيميائية على مساحات بجانب الخط الأزرق، وفقاً لما نقلت قوات الطوارئ الدولية. واعتبرت اليونيفيل هذه الممارسات خرقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1701، وتقويضاً لقدرتها على ممارسة أعمالها، مثيرةً مخاوف حول الآثار المحتملة لمواد كيميائية مجهولة على الأراضي الزراعية، ما قد يهدد عودة المدنيين وسبل عيشهم على المدى الطويل.

وأعلنت وزارتا البيئة والزراعة في بيان مشترك، أن العينات التي فُحصت بالتعاون مع الجيش اللبناني، وقوات اليونيفيل، أظهرت أن المواد التي رُشَّت هي مبيد الأعشاب “الغليفوسات”. وأشارت الوزارتان الى أن رش هذا المبيد “سيؤدي إلى تضرر الغطاء النباتي في المناطق المستهدفة، مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعي وخصوبة التربة والتوازن البيئي، إذ تبين في بعض العينات نسب تركيز تتراوح بين 20 و 30 ضعفاً مقارنة بالنسب المعتادة”. ودعت الوزارتان المواطنين إلى “تجنب ملامسة المزروعات المتضررة أو استخدام المياه في المناطق المشتبه بتعرضها للرش إلى حين صدور الإرشادات الرسمية بعد إعداد خريطة دقيقة للمناطق المتضررة. 

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اعتبر قيام الطائرات الإسرائيلية برش المبيدات على القرى الحدودية “جريمة بيئية وصحية تستهدف الأراضي الزراعية ومصادر رزق المواطنين”.

الغليفوسات مادة مصنعة تحت اسم “Round Up” من شركة Bayer الأميركية، التي استحوذت على شركة التكنولوجيا الحيوية الزراعية “مونسانتو”. وتواجه الشركة دعاوى قضائية تتعلق بالمبيد وآثاره على صحة المواطنين.

وليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل هذه المواد في الجنوب اللبناني، إذ سبق أن استخدمتها في ريف القنيطرة السورية قبل أيام، كما في قطاع غزة خلال حرب الإبادة.

عام 2007، حظّرت المحكمة العليا الإسرائيلية استخدام مادة “الغليفوسات” بعد رشها من قِبل دائرة الأراضي في حقول تعود الى قرى في النقب، معتبرةً أنها “تشكل تهديداً لحياة البشر والكائنات الحية كما تلحق أضراراً بالمحاصيل الزراعية”.

الأرض المحروقة لفرض واقع أمنيّ وجغرافيّ جديد

نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن ممارسة رشّ هذه المواد الكيميائية تندرج ضمن خطة لمنع حزب الله من الاقتراب من الحدود. لكن هذه الممارسات تتجاوز الأهداف العسكرية لتندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تحويل القرى الحدودية إلى منطقة عازلة غير قابلة للحياة. وترتكب إسرائيل جرائم بيئية وصحية من خلال رش مواد لديها خصائص السلاح الكيميائي، حتى لو لم تُذكر صراحة في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ويخلق تلويث التربة والمياه وإتلاف المحاصيل الزراعية ومصادر الرزق، بيئة غير قابلة للحياة تساهم في منع عودة الجنوبيين وفرض واقع تهجيري طويل الأمد على طول الشريط الحدودي.

خلال الحرب الأخيرة، اعتمدت إسرائيل استراتيجية الهدم والترحيل كأداة حرب في الجنوب اللبناني. ولجأت إلى تهجير السكان القسري من خلال إنذارات إخلاء وصفتها منظمة العفو الدولية بـ “المضلّلة”. كما لجأت إلى استخدام الفوسفور الأبيض وأسلحة أخرى أشبعت المياه والتربة بمعادن ثقيلة. 

قد يرقى استخدام هذه المبيدات إلى انتهاك لاتفاقيات دولية عدة، منها اتفاقيات حظر الأسلحة الكيميائية، وحظر الأسلحة البيولوجية، وحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي لأغراض عسكرية أو عدائية ENMOD.

لم توقع إسرائيل على هذه الاتفاقيات، إلا أنه وفقاً للعرف الدولي الملزم، يحظر استخدام مبيدات الأعشاب كأداة حرب خلال النزاعات المسلحة، “خصوصاً، إذا كان من شأنها أن تسبب أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، أو التسبب بخسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو إصابات بينهم، أو أضراراً بالأعيان المدنية”.

واعتبر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن رش هذه المواد على الأراضي الزراعية في لبنان وسوريا بمثابة “انتهاك لقواعد القانون الإنساني وقد يرقى إلى جريمة حرب”. وأكد أنه “لا يمكن النظر إلى هذه الواقعة بمعزل عن سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي، إذ تشكل أداة عقاب جماعي ووسيلة تهدف إلى خلق بيئة تدفع السكان إلى النزوح القسري”. 

جريمة بيئيّة وصحّية

أثار الغليفوسات جدلاً علمياً واسعاً بين دراسات تُحذر من مخاطره الصحية والبيئية، وجهات تُقلل من هذه المخاطر وتدافع عن إمكانية استخدامه كنوع من أنواع المبيدات الزراعية.

عام 2015، صنّفت منظمة الصحة العالمية الغليفوسات كمادة مسرطنة محتملة للبشر. وتوصلت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) إلى أدلة تشير إلى تسبب هذا المبيد بالسرطان لدى الحيوانات، وأيضاً الى تسببه بتلف كروموسومي لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المناطق التي تم رشها، ما يشير إلى أن هذه المادة قادرة على إلحاق الضرر بالحمض النووي (DNA). وتعد هذه المادة من المواد المُعطلة للغدد الصماء، ما يؤثر سلباً على التوازن الهرموني في الجسم. وأظهرت دراسات أخرى أن الغليفوسات قد يلحق ضرراً بوظائف الكلى مع مرور الوقت. 

عام 2020، عقدت اللجنة الأميركية لحقوق الإنسان جلسة اجتماع حول الآثار السلبية المحتملة للمبيدات الحشرية، منها الغليفوسات، على الصحة الإنجابية للنساء والأطفال. ووفقاً لدراسة أجراها مركز الحقوق الإنجابية عام 2020 بعنوان “الصحة الإنجابية والغليفوسات في سياق النزاع المسلح في كولومبيا”،  يتسبب هذا النوع من المبيدات بأضرار سامة لدى البشر، منها ارتفاع معدلات اضطرابات الخصوبة، والإجهاض، وانخفاض وزن المواليد، والولادة المبكرة، والتشوهات الخلقية، ووفيات الرضع. 

وبدأت كولومبيا باستخدام الغليفوسات عام 1990 لأغراض عسكرية ضمن ما يُعرف بـ “الحرب على المخدرات”، وكان موضوع جدل إلى أن حُظّر نهائياً عام 2022.

أما في دول الاتحاد الأوروبي، فقد سُمح باستخدام الغليفوسات للمرة الأولى عام 2002. وفي 15 آذار/ مارس 2017، خلصت لجنة تقييم المخاطر التابعة لوكالة المواد الكيميائية الأوروبية (RAC) إلى عدم وجود أدلة تربط بين استخدامه وإصابة البشر بالسرطان، كما أنها لم تصنفه كمادة تسبب ضرراً جينياً أو كمادة تؤثر على القدرة الإنجابية. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، جدّدت المفوضية الأوروبية الموافقة على استخدام الغليفوسات لمدة عشر سنوات، أي حتى عام 2033.

لكن في خطوة مثيرة للجدل، سُحبت دراسة “تقييم مخاطر مبيد “راوند آب” ومادته الفعالة الغليفوسات على الإنسان” من السجل العلمي، لوجود وثائق تؤكد  تأثير شركة “مونسانتو” المصنعة لهذا المبيد، على نتائج الدراسة، ما أثار مخاوف جدية بشأن النزاهة العلمية والأخلاقية.

وتثير نتائج هذه الدراسات القلق في ظل استخدام إسرائيل هذه المبيدات بشكل مكثف في الجنوب اللبناني. وفي ظل غياب أي استعداد للتعامل مع المخاطر البيئية الناجمة عن النزاعات المسلحة، تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية عاجلة لوضع خطة طوارئ وطنية تشمل الرصد العلمي، وحماية الموارد الطبيعية، وتعويض المتضررين، وضمان حق السكان في بيئة صالحة للحياة.

منذ الحرب الأخيرة، تتصاعد المطالبة بانضمام لبنان إلى نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها أحد المسارات الأساسية لمساءلة مرتكبي الجرائم، بما فيها الجرائم البيئية.

وفي هذا السياق، أثارت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنياس كالامارد، مسألة انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية خلال اجتماعها مع رئيس الوزراء نواف سلام ووزير العدل عادل نصار العام الماضي، مشيرةً إلى أنهما “يدركان أهمية المحكمة على المستويين الإقليمي والدولي، لكنهما غير قادرين على رؤية المسار السياسي الذي يمكن أن يفضي إلى تنفيذ ذلك في لبنان في الوقت الحالي”، وفقًا لما قالته في مقابلة مع “درج”. وأضافت كالامارد: “إذا لم تقم الحكومة بهذه الخطوة الأساسية، فهي تبعث برسالة مفادها ألا دور لها تؤديه في ضمان المساءلة لشعبها”.

في ظل هذا الجدل السياسي والقانوني، يبقى الجنوب اللبناني عرضة لتهديدات بيئية، فيما تُترك المجتمعات المتضررة وحدها في مواجهة التلوث. فمن يحمي حقوق المواطنين من الاعتداءات المتكررة على البيئة؟