“بلحظة من اللحظات خسرت كل شيء. ما ضل عنا شي بس الحمدلله زمطنا بحياتنا وفلّينا”، هكذا يلخص علي كمال النازح من قرية دبعال جنوب لبنان، واقعاً مريراً عاشه أكثر من مليون لبناني منذ قرابة الشهرين.
يستذكر علي يوم التهجير الجماعي بسبب الغارات الجوية، “كنا نسمع صفير الصاروخ، هو بيحدد وين رايح. وقتها قلنا جاي علينا خلص، تشهدنا وقلنا هيدي آخر لحظاتنا، لأنو الصاروخ بيحتاج حوالي ثلاثين ثانية ليوصل”. ويضيف: “هيدي الثلاثين ثانية كأنها ثلاثمئة سنة، بتشوفي أولادك قدام عيونك، والصاروخ جايي، وما فيك تعملي شي، بس عم تنتظري. ناطرين الموت، ناطرين الموت”.
يتحدّث علي بحسرة عن قريته دبعال التي نشأ وترعرع فيها، قائلاً: “ريحة التراب لما تشتي بينعشك” و”القعدة حد الفلة والغاردينيا حياة بحد ذاتها… طلعت هي الجنة بالنسبة إلي”. ثم يروي كيف خسر عمله فيتذكر الأيام الماضية حين كان يجمع “الألف على أيام الـ 1500” من دكاكين المدارس حيث كان يعمل تاجراً كي يتمكن من “إتمام بناء المنزل وشراء السيارة”.
منازل تحوّلت إلى أكثر من مجرد مسكن، بل إلى “جزء من هويتك وكرامتك وأمانك”، وفقاً لما تقول دارين صفاوي النازحة من قضاء النبطية. هو منزل “بيفهمك وبتفهميه” بجانبه “الحاكورة”، التي على الرغم من بساطة محاصيلها، إلا أنها تفرح قلب صفاوي.
لم يعد الدمار مقتصراً على الأضرار المادية، بل بات يستهدف مقوّمات الحياة في القرى التي عاد إليها أهلها من بيروت بعد الانهيار الاقتصادي الذي حلّ على لبنان عام 2019. يُعطّل هذا الدمار المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وهو ما يُعتبر جزءاً أساسياً من الحق في التنمية.
إستراتيجيّة لاستهداف المدنيين
حوّلت إسرائيل القرى الأمامية إلى غُبار وركام بعد تنفيذ سياسة التهجير الجماعي بلسان المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، الذي لم يغب عن ساحة “معركة الآلة”. الرسائل الإسرائيلية للمدنيين تحوّلت من مناشير ورسمات عام 2006 إلى خرائط إخلاء.
وجّه أدرعي إنذارات إخلاء مضلّلة بحسب منظمة العفو الدولية، لأكثر من 129 قرية لبنانية في الجنوب وبعلبك ومناطق في الضاحية الجنوبية. هذه الإنذارات، التي غالباً ما تُنشر في منتصف الليل بينما يكون المواطنون نائمين، شملت أكثر من 32 في المئة من مساحة البلاد، وطاولت قرى في 8 أقضية مختلفة.
يقول علي كمال لـ “درج”: “إنتي طالعة من أرضك، طالعة من بيتك غصب عنك. فجأة تجدين نفسك وقد أُبعدت عن مكانك وألقي بك بعيداً، كأنها عملية احتلال بطريقة ما، إن صحّ التعبير. الآن، لا أستطيع العودة، لأنهم سيقصفونني إذا حاولت”.
التدمير وإلحاق الضرر بالمباني المدنية ليسا مصادفة بل هما جزء من “استراتيجية الضاحية” التي وضعتها إسرائيل بعد حرب لبنان الثانية أو حرب تموز 2006. في عام 2008، صرح غادي إيزنكوت، رئيس المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، بأن إسرائيل ستستخدم قوة غير متناسبة ضد القرى وتسبب أضراراً ودماراً كبيراً فيها. وأضاف: “من وجهة نظرنا، هذه ليست قرى مدنية، بل هي قواعد عسكرية”، وفقاً لما ذكره في صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
تطبّق إسرائيل العقاب الجماعي ضد المدنيين وتستخدم التفجيرات الجماعية كسلاح حرب. يشير المهندس المعماري والأكاديمي عبد الحليم جبر لـ “درج”، الى أن “هذا التدمير هدفه منع السكان من العودة. هناك نية واضحة، رأيناها في غزة ونراها الآن في الجنوب والبقاع. إنه قصاص جماعي، ومحاولة متعمدة لتعجيز إعادة الإعمار”.
أستاذة التخطيط المدني والباحثة في مختبر المدن في الجامعة الأميركية في بيروت منى فواز، قالت في مقابلة مع “درج”، إن الضربات الإسرائيلية “عملية تدمير ممنهج لبيروت وضواحيها”. وأضافت، “عام 2006 كان معظم الدمار مركزاً في حارة حريك حول المربع الأمني ووصل إلى نحو 220 مبنى تقريباً، أما اليوم فنحن نتحدث عن 350 مبنى إضافة إلى مبان أخرى في بيروت الإدارية”.
“إسرائيل تقول إنها تحارب “حزب الله”، ولكن في الحقيقة هي تحارب بيروت لأن الضاحية هي جزء من المدينة، مرتبطة بالمحال التجارية وعادات الناس وعملهم وتنقلهم عبر خطوط الفانات والسيارات التي تدخل وتخرج منها وإليها بشكل يومي، بالإضافة إلى كونها مناطق سكنية وتجارية واقتصادية وجزءاً من تجارة بيروت”، تضيف فواز.
دمّرت إسرائيل عدداً من القرى الواقعة على الشريط الحدودي بهدف إنشاء ما تسميه “المنطقة العازلة”. ووفقاً لمجلس الجنوب، بلغ عدد الوحدات السكنية التي دُمّرت جراء العدوان 45 ألف وحدة، منها 20 ألفاً في الجنوب، حسبما أفاد موقع “العربي الجديد”. كما بلغ عدد المحال التجارية المدمّرة نحو 10 آلاف محل.
وفقاً لـ تحليل أجرته وكالة “الأسوشييتد برس” لصور الأقمار الصناعية وبيانات جمعها خبراء الخرائط، فإن بعض الشروط لوجود المنطقة العازلة “موجودة بالفعل”. تظهر هذه الصور مدى الدمار في 11 قرية قرب الحدود بسبب ضربات جوية أو تفجيرات لعبوات ناسفة وضعها جنود إسرائيليون، بحسب الوكالة. وتقع القرى التي أشارت إليها الوكالة “على بعد 6.5 كيلومتر من الحدود”.
في حين تشير الـ Financial Times إلى أن التوغل البري أدى إلى دمار 30 قرية على الأقل. وتُظهر صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الهائل الذي لحق بالمنازل في القرى الواقعة على الشريط الحدودي بين 2 و26 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، إذ بلغت نسبة الدمار 20 في المئة في العديسة، 27 في المئة في مركبا، 35 في المئة في ميس الجبل، 19 في المئة في عيترون، 69 في المئة في محيبيب، 30 في المئة في يارون، و19في المئة في رامية، بحسب الصحيفة.
تشرح المحامية السابقة في الجنائية الدولية ديالا شحادة لـ “درج”، أن “المنطقة العازلة نشأت بقرارات سياسية من مجلس الأمن”. وتؤكد أن القانون الدولي لا يضع شيئاً فوق مصلحة المدنيين، موضحةً أن مفهوم “المنطقة العازلة” لا يستند إلى أساس قانوني واضح في إطار القانون الدولي. وتشير إلى أن المقصود من هذه المنطقة هو “أن تكون منطقة منزوعة السلاح تهدف إلى ضمان تنفيذ الهدنة”.
اعتبر المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك في حديثه عن نية إسرائيل إنشاء منطقة عازلة في غزة، أنها “قد تشكل جريمة حرب”. وأضاف أن التدمير “يبدو موجهاً أو يؤدي إلى جعل عودة المدنيين إلى هذه المناطق مستحيلة”.
“بلحظة من اللحظات خسرت كل شيء. ما ضل عنا شي بس الحمدلله زمطنا بحياتنا وفلّينا”
تسوية المنازل بالأرض جريمة
“لا نريد المساس بكم”، عبارة يكررها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، وهو يدعو سكان مناطق محددة باللون الأحمر على خرائطه، إلى “المغادرة فوراً”. لكن هذه الدعوات تسبق قصفاً جوياً من الطائرات الحربية أو المسيّرات الإسرائيلية بعد دقائق قليلة، ما يجعلها في الواقع تهديداً مباشراً للمدنيين، ولا تشكل إلا مساساً بأمنهم.
يوثّق الجنود الإسرائيليون عمليات تفخيخ المنازل وتسوية القرى بالأرض، مسجلين بذلك أدلة على تدمير واسع النطاق. وتوضح ديالا شحادة لـ “درج”، أن “تدمير المنازل السكنية في سياق نزاع مسلح يُعد جريمة حرب، ويصل إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية إذا تمّ خارج سياق استهداف مواقع عسكرية”. من جهته، يعترض الخبير في القانون الدولي في كلية لندن للاقتصاد، ألونسو غورميندي دانكيلبيرغ، على اعتبار إسرائيل هذه القرى أهدافاً عسكرية مشروعة، مؤكدًا أنه “لا يمكن اعتبار ذلك متناسباً” وفقاً لمعايير القانون الدولي.
في حين تتعارض عمليات الإخلاء القسري وتدمير المنازل كإجراءات عقابية مع قواعد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضاً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
تُهدد التفجيرات الجماعية وسياسات التهجير الجماعي أكثر من 19 حقاً منصوصاً عليه في اتفاقيات حقوق الإنسان، منها: الحق في التنمية وتقرير المصير، حرية تكوين الجمعيات، الهوية الثقافية، الحياة، الصحة، التعليم، الغذاء، العمل، المياه، الحرية الدينية، السكن اللائق، وحق السكن والعيش في بيئة سليمة وصحية. كما تمس هذه الانتهاكات حقوق الأسرة، بما فيها الحق في الخصوصية المنزلية، وحقوق النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين، إضافة إلى حقوق العمال والعاملات المهاجرات.
يؤكد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالسكن اللائق، بالاكريشنان راجاغوبال، أنه “لا يجوز تجريد السكان من ممتلكاتهم تعسفاً”. لكن في الحرب الحالية، جرّدت إسرائيل المواطنين من حقهم في السكن اللائق، إذ تعرّض ما لا يقل عن 9,934 مبنى للتضرر أو التدمير حتى تاريخ 26 تشرين الأول/ أكتوبر. ويعد الاستهداف المتعمد للمناطق السكنية انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف لعام 1949، التي تكفل حماية المدنيين في زمن الحرب.
القصف طاول علاقة المواطن بأرضه
أصبحت التلال التي كانت مغطاة بالبيوت الآن عبارة عن بقع رمادية من الأنقاض. لم تكن تلك التجمعات السكنية مجرد مأوى، بل مزيجاً من التراث والجذور المتأصلة في الأرض، تشهد على حياة أجيال متعاقبة. لكن الاعتداءات الإسرائيلية تمحو هوية هذه الأمكنة وتاريخ سكانها، مهدّدة بفقدان جزء كبير من الذاكرة الجماعية وملامح تراث المنطقة الثقافي.
“هذا الدمار لم نشهده حتى في الحرب الأهلية، ولا حتى خلال أشرس فترات الاحتلال”، قال المهندس المعماري والأكاديمي عبد الحليم جبر، لافتاً إلى أن “الدمار مقصود، وهدفه إبعاد جيل كامل عن مسقط رأسه”.
شملت الاعتداءات أيضاً المساجد، والحسينيات، والكنائس التراثية وساحات القرى، إضافة إلى المباني التي تعود الى العصور العثمانية والرومانية. وتؤكد الباحثة والخبيرة في الآثار نيللي عبود، أن “الاعتداءات والتشويه والتدمير تؤدي إلى قضم هوية الشعب اللبناني، كما تقضي على كل الشواهد والمعالم التي تربط الشعب بأرضه وتاريخه وحضارته التي تعود إلى آلاف السنين”، وفقاً لما ذكرته لـ”درج”.
من جانبها، تقول أستاذة التخطيط المدني منى فواز، إن “المعالم العمرانية والطبيعية تعكس العلاقة بين أفراد المجتمع، فهي ليست مجرد أماكن، بل روابط تجمع الناس بأبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية. وعندما نهدد هذه المعالم التي توحّدهم، فإننا نهدد مجتمعاً أكبر ونقوّض العلاقات الاجتماعية التي تربط أفراده”.
لقد شهدنا مثالاً على هذا التهديد في سوق النبطية، الذي يعود تاريخه لأكثر من 400 عام، بالإضافة إلى ميس الجبل، التي كانت تعتبر العاصمة الاقتصادية للجنوب ومركزاً اجتماعياً واقتصادياً حيوياً. تقول الصحافية والكاتبة بادية فحص لـ”درج”، إن “السوق هو نقطة تجمع أهل المدينة ولقائهم بالقرى المجاورة، ومكان للتبادل الثقافي والتعامل الاقتصادي الذي تنتج منه علاقات اجتماعية وإنسانية طويلة”. وتضيف فحص: “المقصود هو ضرب عصب النبطية الاقتصادي”.
أما دارين صفاوي، التي نزحت قسراً من النبطية، فقالت لـ”درج”: “أنا أذكر النبطية من خلال أحاديث أمي وجدتي عنها. هي مدينة مميزة بتاريخها وثقافتها وبأنها نقطة تفاعل ومركز لكل القرى”. ومن وجهة نظر أستاذة
التخطيط المدني منى فواز، فإن “تدمير السوق منهجي، وهدفه قتل علاقة الجماعة. فقدان هذه العلاقة يدفع الأفراد نحو الهجرة”.
تدمير المؤسسات وقتل المشاركة في صنع القرار
تهدّد الاعتداءات الإسرائيلية البنية التحتية المحلية ونظام الإدارة المحلي في المناطق المستهدفة .إذ استهدفت إسرائيل بشكل مباشر المباني البلدية مثل اتحاد بلديات بنت جبيل، واتحاد بلديات الشقيف، وبلدية النبطية، وقتلت عدداً من رؤساء البلديات، مثل رئيس بلدية سمحر، ورؤساء بلديات حناويه وشحور وموظفي مدينة بعلبك. وقد اعتبرت منظمة “التقرير عن الديمقراطية” في لبنان هذا الاستهداف “اعتداءً صارخاً على الحياة البشرية وانتهاكاً للديمقراطية من خلال استهداف مؤسساتها الحيوية”.
تحمّل المجتمع اللبناني تبعات غياب البلديات لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب الأهلية، إذ لم تُجرَ أول انتخابات بلدية إلا في عام 1993، بعد مرور 35 عاماً على آخر انتخابات بلدية سبقت اندلاع الحرب. وخلال فترة إعادة الإعمار التي تلت الحرب الأهلية، وحتى قبل الانهيار الاقتصادي عام 2019، عانت البلديات اللبنانية من نقص حاد في التمويل. إذ كانت الأموال التي يخصصها الصندوق البلدي المستقل تُصرف مرة كل سنتين على الأقل، ما دفع بكثيرين من البلديات إلى الاعتماد على المشاريع التنموية التي تموّلها الجهات المانحة أو التبرعات من المغتربين. ومع حلول الأزمة الاقتصادية، توقفت عجلة التنمية في قرى وبلدات عدة.
يشير ممثل منظمة “التقرير عن الديمقراطية” في لبنان أندريه سليمان، إلى أن “الحرب لم تأتِ بمشكلة جديدة، لكنها جعلت المشاكل الموجودة تزيد سوءاً وعمقاً وتأزّماً”، ويضيف: “كان دماراً على المستوى القانوني، ما يعني وجود فراغ تشريعي كبير”. لم تُجرَ انتخابات بلدية جديدة منذ عام 2018، وأدى ذلك إلى حل 160 بلدية. “اليوم نتحدث عن مؤسسات كانت بمثابة ‘أشباح’، ولا أدري ما إذا كان هناك وصف أعلى من ‘الأشباح’ يعكس الوضع الحالي. فهذه المؤسسات تعمل – إذا كانت تعمل حقاً – في ظل ظروف صعبة للغاية”، يقول سليمان.
لطالما كانت الحرب عاملاً رئيسياً في ضعف التنمية والخدمات في لبنان، حيث أن مشاكل تنموية كثيرة تعود جذورها إلى الحرب الأهلية. خلال الحرب الحالية، لم يؤثر النزاع فقط على البنية التحتية، بل قضى أيضاً على آمال المشاركة في صناعة القرار وتعزيز اللامركزية الإدارية التي كانت تمثل الركيزة الأساسية في تقديم الخدمات للمواطنين وتمكينهم من البقاء في أرضهم.
في هذا السياق، يوضح أندريه سليمان قائلاً: “نحن نشهد على تدمير الإدارة العامة. المؤسسات هي الحجر وهي أيضاً خدمة، ونحن نشهد على تدمير هذه الخدمة والرابط بين المواطنين والدولة”.
يشرح عبد الحليم جبر لـ “درج”، أن “البلديات هي الجهة المسؤولة عن إصدار التراخيص وتنفيذ المخططات التوجيهية والتفصيلية”، ويضيف: “ضرب البلدية هو بمثابة القضاء على عصب الحياة في البلدة”.
بسبب الحرب الحالية، دمرت إسرائيل سنوات من الجهود المبذولة لتحقيق اللامركزية الإدارية. كما تشرح منى فواز: “عندما تقصف إسرائيل بلدية أو قرية ومعالمها، فإنها تمحو جغرافيا تربط الناس ببعضهم البعض. هذه هي إحدى تكتيكات الحرب: فعندما يفقد الناس انتماءهم إلى مكان معين، يشعرون بنوع من الاغتراب، ما قد يدفعهم إلى الهجرة”. ويعتبر عبد الحليم جبر أن غياب البلدية يقوّض إعادة الإعمار، إذ إن “هناك فرقاً كبيراً بين العودة إلى حي أو بلدة مدمرة، ولكن لا تزال بلديتها موجودة، ما يوفر نقطة انطلاق للعمل، وبين العودة إلى مكان لا يوجد فيه أي شيء”.
عدالة غائبة
تشير المحامية السابقة في الجنائية الدولية ديالا شحادة لـ “درج”، إلى أن “اتفاقية روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، تنص على المعاقبة على تدمير الأحياء السكنية في حال وقوع الجرائم بعد عام 2002، في الدول التي صادقت برلماناتها أو وافقت حكوماتها على اختصاص المحكمة، أو إذا أُحيلت القضية من مجلس الأمن، أو إذا كان الجاني من دولة طرف في الاتفاقية”، موضحة أن العقوبات قد تصل إلى السجن لمدة 30 عاماً.
لبنان وإسرائيل ليسا طرفين في اتفاقية روما، وقد تراجعت الحكومة اللبنانية عن قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
“عندما يكون التدمير واسع النطاق ويطاول قرى بكاملها وليس ممتلكات أفراد محددين، يصبح جبر الضرر والتعويض عملية شاملة تشمل إعادة بناء القرية والمدارس، وذلك من خلال الصندوق الاستئماني الخاص بالضحايا أو Trust Fund for Victims، الذي يُموَّل من الدول الأعضاء أو من أي جهة ترغب في التبرع”، تشرح شحادة.
ﻳﻀﻄﻠﻊ الصندوق بولايتين، الأولى لتمويل التعويضات بعد صدور حكم من المحكمة، والثانية لتقديم الدعم النفسي والصحي للضحايا حتى قبل بدء المحاكمة. لكن “اللبنانيين محرومون من هذه الآلية لأن الحكومة اللبنانية لم تسمح للمحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم على أراضيها،” تختم شحادة.
لا يقتصر التعويض على إعادة الإعمار والتأهيل النفسي فحسب، بل يشمل أيضاً تعويض الحقوق المهدورة نتيجة استراتيجية الأرض المحروقة التي طُبِّقت خلال الحرب الحالية. هذه الاستراتيجية تركت آثاراً على المجتمع، بما في ذلك تدمير الممتلكات والمرافق العامة. وفي هذا السياق، يشير ممثل منظمة “التقرير عن الديمقراطية” في لبنان، أندريه سليمان، إلى أن “هناك حاجة ملحة الى مؤسسات بلدية معززة وقوية، وإدارة عامة دامجة، والى اللامركزية الإدارية. فالعبء أصبح أكبر من قدرة الحكومة المركزية على تحمّله، ولن تكون قادرة على إعادة الإعمار وتقديم الخدمات للجميع”.
من الضروري إشراك المجتمعات المحلية بشكل فعال في عملية إعادة الإعمار، إذ إن هذه المجتمعات هي الأكثر دراية باحتياجاتها الفعلية. يلفت سليمان: “نحن نتحدث عن إعادة بناء المؤسسات بكل أبعادها، سواء الجسدية، المادية، المعنوية، أو المؤسساتية. وهذه ورشة عمل ضخمة ستحتاج إلى سنوات من العمل المستمر، افتراضاً أن هناك إرادة سياسية رصينة وثابتة في هذا الاتجاه”.
إقرأوا أيضاً:










