يمتلك الصندوق ما يقارب الـ 12 مليار دولار، وهو رقم ضئيل مقارنة بالصناديق السيادية للدول حول العالم، إلا أن الهدف نفسه من المفترض أن يكون واحداً: تعظيم أصول الصندوق والموارد الحكومية، كما أن أحد أهداف الصندوق غير المعلنة هو تسهيل عملية تخارج الجيش من الاقتصاد المصري. وتشير أصابع الاتهام إلى تردد الحكومة والجيش في التخلّي عن السيطرة على بعض الأصول، وهو ما دفع سليمان الى الاستقالة.
لا يبدو أن تعيين مدير آخر للصندوق هو تغيير للسياسات، بل مجرد تغيير في الوجوه.
لم ينجح الصندوق في جذب الاستثمارات الخارجية من القطاع الخاص، أو تطوير شركات الدولة وتعظيم أصولها، وبدلاً من أن ينجح في عملية تخفيف سيطرة الجيش على بعض الشركات، استحوذ الصندوق على حصص في القطاع الخاص، مثل امتلاك 20 في المئة من صيدليات كير و49 في المئة من صيدليات العزبي، وهو ما يتعارض مع الغرض الأساسي من الصندوق.
وكان الصندوق السيادي المصري منذ تأسيسه في 2019، تحت إشراف رئيس الجمهورية، والآن يتم النقاش حول تحويله ليكون تابعاً لرئيس الوزراء مع بقاء مدير تنفيذي، لكن تحت إشراف وزارة التخطيط.
بحسب تقرير منشور في “رويترز” و”مدى مصر”، فإن سبب استقالة المدير التنفيذي للصندوق السيادي المصري يعود إلى تعطيل جهات في الدولة طرح شركات تابعة للقوات المسلحة في البورصة. الى جانب التدخل المستمر في عمله، وتحديد أولويات الصندوق التي ما زالت غير واضحة.
وفيما باعت الدولة عدداً من الشركات الناجحة والمربحة، احتفظت بأصول أقل قيمة، وأنفقت إدارة الصندوق السيادي المصري الكثير من الأموال لتقييم شركات تابعة لجهاز الخدمة الوطنية (القوات المسلحة) وتوفير عروض شراء واستثمار، وفي النهاية لم يتحقق شيء، وهو ما يدفع الى التساؤل حول طبيعة القرارات التي تُتخذ وطبيعة إدارة الاقتصاد المصري، فإذا كان الهدف هو الاستثمار الحقيقي، فيجب الحفاظ على الشركات المربحة والاستراتيجية مثل شركات الأسمدة التي تعد من بين الأكثر ربحية في مصر، بدلاً من بيعها، فيما يسعى القائمون على الدولة إلى تطوير الاقتصاد من خلال بناء مجمعات سكنية وبيع الأراضي والعقارات وشرائها، وهو ما لا يؤدي في النهاية إلى قيمة مضافة أو تطوير حقيقي للاقتصاد.
بحسب تقريرَي كل من “رويترز” و”مدى مصر”، واجه الصندوق السيادي المصري صعوبة في تنفيذ أعماله، وأهدر موارده في إعداد الميزانيات والمناقصات وجلب العروض. كما واجه أيمن سليمان، المدير التنفيذي المستقيل، صعوبات كبيرة في برنامج بيع الأصول، وحدث تراجع عن اتفاقيات في مشاريع معينة بعد الانتهاء من معظم خطوات تنفيذها، بالإضافة إلى الجدل حول تبعية الصندوق ومحاولة التحكم في إدارته الفنية.
من المفترض أن يكون الصندوق، مثل أي جهاز آخر في مصر، مستقلاً في عمله. ولكننا نجد أن المسؤولين في مصر، حتى في أكبر المؤسسات المالية، يُعَيَّنُون لمدة عام واحد فقط، إذ عُيِّن رئيس الصندوق السيادي في البداية لمدة ثلاث سنوات، وبعد ذلك جُدِّدَت ولايته لمدة عام واحد فقط، ما ينعكس على استقلالية المسؤولين وتبني سياسات واضحة.
وتشير التقارير إلى أن ولاية الرئيس التنفيذي بدأت في عام 2019، وانتهت فترته الأولى في عام 2022، إذ عُيِّن لمدة ثلاث سنوات، ومن ثم جُدِّدَت ولايته في تشرين الأول/ أكتوبر 2022 لمدة عام واحد. وكان من المفترض أن تنتهي ولايته الأخيرة في الشهر نفسه من عام 2024، ولكنه استقال في آب/ أغسطس. ثم عينت نائبته نهى خليل كرئيسة تنفيذية جديدة للصندوق.
إقرأوا أيضاً:
“التدخل العسكري” في الصندوق السيادي
منذ عام 2016، عندما حصلت مصر على أول قرض من صندوق النقد الدولي، طلب الأخير من الحكومة المصرية بيع الشركات التابعة للمؤسسات الأمنية، فأعلنت عن خطط لبيع الشركات التابعة للقوات المسلحة كجزء من الخصخصة، ولكن لم يتحقّق الكثير منذ ذلك الحين.
وقّع الصندوق السيادي المصري اتفاقية تعاون مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية في شباط/ فبراير 2020، في خضم الأزمة الاقتصادية الأخيرة، لبيع بعض الأصول. ولكن حتى الآن، ما من نيّة للبيع باستثناء شركتين فقط: “صافي”، وهي شركة تعبئة مياه، و”وطنية”، وهي شركة توزيع مواد بترولية. وعلى الرغم من أن الرئيس المصري كان يتحدث عن بيع هذه الشركات منذ عام 2016، إلا أن ذلك لم يحصل حتى اليوم.
مع بوادر كل أزمة اقتصادية، يخرج الرئيس المصري ليُعلن عن بيع بعض الأصول التابعة لجهات سيادية. وكان آخر اجتماع بشأن هذا الموضوع في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، وقد حضره رئيس هيئة الشؤون المالية بالقوات المسلحة، ومدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، ومدير مجلس إدارة الشركة الوطنية للبترول، ورئيس الشركة الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه “صافي”.
بعد الاجتماع، تم تأكيد نية طرح “وطنية” و”صافي” للبيع، لكن تواجه الشركتان مشكلات هيكلية، مثل عدم وضوح تقارير المصروفات والأجور والأرباح.
حصل الصندوق السيادي المصري على عروض خليجية عدة، مثل السعودية والإمارات، ولكن هذه العروض غالباً ما تختفي بعد الإعلان عنها. وآخرها كان في نيسان/ أبريل 2023، وكان من المتوقع أن تُطرح بعض الشركات لمستثمر استراتيجي ثم عرضها في البورصة.
تأسّس الصندوق السيادي المصري في 2018 برأس مال مئتي مليار جنيه(ما يعادل آنذاك نحو 12 إلى 13 مليار دولار )، وبهدف إقامة شراكات واستثمارات، ولكن مذاك هل زاد رأس المال أم نقص؟ ما من إجابة.
ما يحدث هو أنه في كل مرة يحاول الصندوق السيادي تقييم الشركات، يحصل تدخل عسكري يوقف جميع إجراءات البيع، وهو ما ينطبق على 90 شركة كبيرة تابعة للمؤسسات الأمنية، باستثناء “الوطنية” و ” صافي”، فيما يعاني القطاع الخاص من منافسة الشركات التابعة للمؤسسات الأمنية، وليس من شركات الحكومة المدنية التي تُباع أو تُغلق غالباً.
هذا الوضع يؤثر سلباً على ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية في الاقتصاد المصري، بعد دخول البلاد في سلسلة من الأزمات الاقتصادية المتتالية على مدار السنوات العشر الماضية. كما أن القرارات المالية، مثل تخفيض الدعم عن الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وانخفاض قيمة الجنيه، من دون إجراء إصلاحات اقتصادية حقيقية، لن تُحسّن الوضع الاقتصادي بل ستؤدي إلى مزيد من التدهور في البلاد، وتحوّل الدولة إلى حارسة لمجموعة من الأشخاص الذين يملكون موارد ضخمة، بينما يعاني الباقون لتأمين قوت يومهم.
هل تتراجع سلطة السيسي؟
يذهب يزيد صايغ، الباحث وأستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية لندن الملكية سابقاً، في تقريره في “مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط”، الى أن استقالة أيمن سليمان، المدير التنفيذي لصندوق مصر السيادي، تثير تساؤلات حول نفوذ الرئيس عبد الفتاح السيسي وسلطته في مصر، على رغم سمعته كرجل قوي. والدليل أن صندوق مصر السيادي تأسس عام 2018 تحت إشراف السيسي لإدارة الأصول المملوكة للدولة وبيع حصص في الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية، لكنه واجه مقاومة من الجيش، ما أدى إلى تأخير عمليات البيع المستهدفة.
كانت إحدى المهام الرئيسية لصندوق مصر السيادي هي بيع حصص في شركات يملكها الجيش تعمل في الأسواق المدنية. وعلى رغم الجهود الكبيرة التي بذلها السيسي وسليمان، لم يتم طرح أي من هذه الشركات في البورصة. وتعود أسباب الفشل إلى رفض القوات المسلحة الكشف عن البيانات المالية لهذه الشركات، والتي تعد خطوة ضرورية للطرح العام.
في عام 2020، اتخذت السلطات مساراً جديداً، إذ وُقِّعَت اتفاقية تعاون بين صندوق مصر السيادي وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، لتهيئة عشر شركات لعرضها أمام المستثمرين، لكن هذا النهج لم ينجح في تحقيق أهدافه.
كان لسير المبيعات وشكل الملكية المحتملة تفسيرات متعددة. فالبعض اقترح أن تُطرح الأسهم في البورصة، ما يعني انتقال الملكية إلى المشترين مع تحكّمهم في الشركات وفقاً لحصصهم. بينما اقترح آخرون أن صندوق مصر السيادي سيحتفظ بهذه الشركات في حافظة استثمارية خاضعة لإدارته، مع إدخال مستثمرين عبر مفاوضات مباشرة أو مزادات مغلقة. ومع ذلك، لم يتم تنفيذ أي من هذه الخطط.
تباينت التصريحات حول النسبة المئوية لأسهم الشركات التي ستعرض على المستثمرين. في البداية، تم الحديث عن إمكانية بيع 100 في المئة من الأسهم، ولكن لاحقاً تراجعت هذه النسبة إلى 20-30 في المئة في بعض الحالات. هذا التضارب في المعلومات، بالإضافة إلى غياب الشفافية المالية من جانب المؤسسة العسكرية، جعل المستثمرين مترددين في المشاركة في هذه الصفقات، بخاصة في ظل استمرار سيطرة الجيش على العمليات.
الأسعار المتقلّبة للجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي زادت من تعقيد الوضع. إذ شهدت قيمة الجنيه انخفاضات حادة، ما جعل الأصول المصرية تبدو باهظة الثمن للمستثمرين بالدولار الأميركي. كما كانت هناك صعوبة في تقييم شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بسبب غياب الشفافية في إدارة الأصول والرواتب وعمليات الشراء. هذه العوامل أدت إلى تردّد المستثمرين في الدخول في شراكات مع الجيش.
على الرغم من محاولات الحكومة لجذب الاستثمارات، مثل إنشاء صندوق فرعي لإدارة وإعادة هيكلة الأصول قبل الطرح العام، إلا أن هذه المبادرات لم تنجح في تحقيق نتائج ملموسة. ففي عام 2022، تراجعت شركة “أدنوك” الإماراتية عن اهتمامها بشراء سلسلة “وطنية” التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، واستثمرت بدلاً من ذلك في شركة “توتال إنرجيز”. كما أشارت تقارير إلى أن “وطنية” جُرِّدَت من بعض أصولها، ما قلّل من جاذبيتها بالنسبة الى المشترين المحتملين.
في ظل هذه الظروف، لم تُنفَّذ أي من عمليات البيع المخطط لها. فيما أُعْلِن عن مواعيد عدة نهائية لتقديم العروض من دون نتيجة، ما يشير إلى معارضة مستمرة من داخل المؤسسة العسكرية. ويبدو أن استقالة سليمان جاءت نتيجة لفشل هذه الجهود، وتعكس قبول السيسي بعدم قدرته على فرض إرادته على الجيش في هذا الشأن.
تؤكد هذه التطورات، بحسب تقرير صايغ الذي نُشر على موقع معهد كارنيغي، التوترات المتزايدة بين السيسي وجنرالاته، والتي قد تمتد إلى قضايا أخرى مثل تأجير الأراضي في منطقة قناة السويس للمستثمرين الأجانب، وإعادة توطين الفلسطينيين من غزة في مصر. وفي النهاية، تُظهر استقالة سليمان حدود سلطة السيسي، وأنه يواجه تحديات حقيقية في ولايته الرئاسية الأخيرة، ما يضع مستقبله السياسي في موقف حرج.
يرى صايغ أن مساعي السيسي التي لم تنجح في طرح أي شركة تابعة للجيش، يمكن أن تعد “مؤشراً إلى تراجع سلطته”. فيما يلفت إلى أن طرح أسهم شركات الجيش سواء شركات الصلب والإسمنت المملوكة للمؤسسة العسكرية بالبورصة المصرية عام 2016، أو طرح شركتي “وطنية” للبترول، و”صافي” للمياه المعدنية لاحقا، “تطلب الكشف عن البيانات المالية للشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية، والتي تحجبها بشدة عن الجميع”.
وبحسب التقرير ،”هذا أمر لم تكن القوات المسلحة مستعدّة لفعله، فالسيسي لم يؤكد أن هذا كان سبب التأخير في طرح شركات الجيش، إذ إن “كبار المسؤولين أعلنوا مراراً عن الإطلاق الوشيك للمناقصات على هاتين الشركتين التابعتين لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، إلا أن المواعيد النهائية المتعاقبة لتقديم العروض واختيار الأنسب منها مرت وانقضت تباعاً من دون نتيجة”.
إقرأوا أيضاً:












