ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اسمه الأول “كرم” …لاجئ قادم من حوران الى النبطيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“الموت استهدى علينا، ربما سيخطفك كما خطف أباك، والمستقبل ينتظر، لكن الأفواه الجائعة لا تنتظر”، هذا ما قالته لكرم أمه وهي توضّب ثيابه وأوراقه في كيس من النايلون، وتحبس دموعها وهي تدسّ بين أغراضه الفقيرة صوراً للعائلة، استعداداً للسفر إلى لبنان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

اسمه الأول كرم، اسم عائلته لا داعي لذكره، عمره 20 عاماً، من قرية مغمورة في سهل حوران، أول حبة في عنقود العائلة المؤلفة من ثلاث شقيقات أكبرهن تصغره بسنتين، والاثنتان الأخريان توأمان شديدتا الشبه والجمال، الوالدة هي أحلى ما أهداه إليه الحظ في الحياة، علّمته من ضمن ما علمته إياه القيام باكراً والنهوض من الكبوات والأحزان والانهيارات، الوالد شهيد، لم يبق من معلومات إضافية لتكتمل بطاقة هويته سوى “سجل أنا لاجئ سوري”.

عمل كرم بعد قدومه إلى النبطية حارساً لمزرعة خيل يعيش صاحبها في أفريقيا، لكنه سرعان ما خسر عمله بسبب مرض الربو الذي يعاني منه منذ ولادته، فانتقل إلى العمل في متجر لبيع الغاز والمواد الغذائية، أحد أقاربه دبّر له هذه المصلحة “الخفيفة النظيفة”.

بداية، لم تكن فكرة انسلاخه عن عائلته بالأمر السهل، لكن رحيل أبيه في إحدى ليالي القمع، وخوف والدته عليه من مصير ألطفه ما حلّ بوالده، أجبراه على خوض مغامرة العمل في لبنان في ظروف اجتماعية غير لطيفة وعدائية في كثير من الأحيان، فودّع شقاوة الطفولة غصباً عنه، ودخل عالم الرجولة بقدمين نحيلتين هزيلتين، ليصبح بين ليلة وضحاها رب أسرة مؤلفة من خمسة أنفار، جدته وأمه وشقيقاته الثلاث.

يعيش كرم بعد انتقاله من مزرعة الخيل، في غرفة شبيهة بالزنزانة الانفرادية، عبارة عن بضعة أمتار من الباطون الأسود، أسفل أحد المباني المهجورة، بابها قليل الارتفاع، في أحد جدرانها كوة قريبة من السقف هي الشباك، يدخل منها الضوء والأوكسجين والحشرات الزاحفة، اقتنى عصا طويلة لفتحها وإغلاقها.

 منذ أكثر من سنة، صارت هذه الزنزانة مسكنه الذي لم يجد فيه سكينة ولا راحة، ويتقاسمها على رغم ضيق مساحتها مع شخصين آخرين من بلاده، الزاوية إلى يمين الحمام هي ركنه الخاص، كوم فيها أغراضه الشخصية وعدة نومه.

يشرح كرم، “منزل عائلتي في حوران على فقره، أفضل من هذه الزنزانة، هو بالكاد غرفة واحدة وبهو واسع، لا توجد في بيتي غرف مستقلة فيها حمامات ولا مطبخ يحوي آلات كهربائية للطبخ والتبريد والغسيل، لكنه الجنة ذاتها، بالألفة التي تتسلّق جدرانه، وأصوات شقيقاتي وضحكاتهن الصاخبة، وأدعية جدتي بعد كل صلاة، وحركة أمي الدائمة، تروح وتجيء، تنفخ فيه الحياة كما تنفخ الروح في جسد جنين، ورائحة المحاصيل الطازجة التي كان يرميها أبي عصر كل يوم عند عتبة الباب.

 كلما آويت إلى هذه الغرفة، ينتابني شوق إلى دفء جدرانه وأرضيته، إلى خشب أبوابه وشبابيكه العتيقة، وشجرة النارنج تضيء بثمارها باحته كما النجوم في ليلة صيف، وكركرة المياه في البركة الصغيرة، حين تنسى والدتي الحنفية مفتوحة، وتجرجر جدتي  قدميها لتغلقها جيداً، وهي تلعن الكنائن المهملات.

منذ بدأ كرم العمل، لاحظ صاحب المتجر تهذيبه وحياءه الشديدين، فانتخبه من بين جميع العاملين لديه لإيصال الطلبات إلى البيوت، استأمنه على دراجة نارية صغيرة للقيام بالمهمة.

قال لي كرم إن هذه المهمة أحزنته أكثر مما أسعدته، صار في بعض الأحيان، يبكي وهو في طريقه لإيصال طلبية ما، “أصوات الأطفال والأمهات والآباء الصاعدة من خلف الأبواب، نسائم الدفء التي تهب بخاصة عند الصباح، رائحة الغسيل وطقطقة الملاعق في كؤوس الشاي، تذكرني كم أنا وحيد وغريب”.

مع الأيام، نمت بينه وبين الأبواب التي يقرعها صلة تشبه القربى، ربما لأنه مثلها مقطوع من شجرة “أنا والأبواب نتقن فن الانتظار صامتين على الأعتاب”. 

كان والد كرم مزارع قمح “ولا أدري لماذا لم يزدنا عمله الكثير إلا فقراً، وجد في معارضة النظام والتظاهرات مكاناً لينفس فيه عن شعوره بالشقاء وبالغلبة، خرج مع من خرجوا يهتف ضد النظام، لم تمنعه أمي ولا أمه، لم تتوسلاه، كانتا أشد حماسة منه. مرت السنوات الثلاث الأولى على التظاهرات بخير، إلى أن قرع بابنا في إحدى الليالي مسلحون ببدلاتهم العسكرية، سحبوا أبي أمام أعيننا، بعنف لا أقوى على وصفه ولا تذكّره، ثم أعادوه إلينا بعد أيام، في كيس أبيض، منتفخ الجثة مقطوع الرأس والأطراف، فدفناه في الحال.

لبست نساء العائلة السواد، جدتي فقدت ذاكرتها من هول الصدمة، أمي جفّ حليبها، الصغيرتان ظلتا طوال ثلاث ليالٍ تبكيان وأمي تشاركهما البكاء. بعد مرور أسبوع على قتل أبي، قررت أمي أن تُبعدني، لأنه لم يبق لها معيل سوى ساعديّ النحيلين، تركت عائلتي ومدرستي وأترابي وقريتي الصغيرة وحقول القمح التي كان يحبها أبي والثورة التي أحبها أكثر، وجئت إلى هذا المكان”.

أحياناً، يوجه إليه زبائن المحل أسئلة تشبه أسئلة المحققين الذين اقتادوه إلى غرفة معتمة بعد مقتل أبيه: هل تحب النظام؟ هل تؤيد الثورة؟ هل يوجد بين أهلك من يتعامل مع الإرهابيين؟ هل أنت سلفي؟.

ضاق كرم ذرعاً بهذه الأسئلة، ومن أسئلة أكثر دقة وخصوصية، يطرحها عليه عناصر اللجان الأمنية في النبطية، ومن ملاحقاتهم السرية له، ومراقبتهم حركته وتجسسهم على علاقاته وزواره وحتى مكالماته الهاتفية.

“في قلبي أمور كثيرة أحب أن أسألهم عنها، لو أستطيع أن أستجوبهم أنا بدل أن يستجوبوني، أن نتبادل مواقعنا لدقائق قليلة فقط، لأسألهم إذا كان لدى أحدهم أب يكافح من أجل عائلته، يحبّ حقله مثل أبي، فقير لا يملك في الدنيا سوى القليل من المال والكثير من الكرامة، وقتلوه وعرفتم من قتله ولماذا قتله، هل تغفرون؟ هل تتجاوزون ألمكم بسرعة أو هل تنسونه؟ هل تصمتون أم تنتقمون؟”.

أجبته أنا: ما أبشع الإحساس بالظلم! أنا جربته، ما أكثر اللئام! أعيش بينهم مثلك، ما أبخل هذه الحياة يا كرم! 

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
25.07.2024
زمن القراءة: 4 minutes

“الموت استهدى علينا، ربما سيخطفك كما خطف أباك، والمستقبل ينتظر، لكن الأفواه الجائعة لا تنتظر”، هذا ما قالته لكرم أمه وهي توضّب ثيابه وأوراقه في كيس من النايلون، وتحبس دموعها وهي تدسّ بين أغراضه الفقيرة صوراً للعائلة، استعداداً للسفر إلى لبنان.

اسمه الأول كرم، اسم عائلته لا داعي لذكره، عمره 20 عاماً، من قرية مغمورة في سهل حوران، أول حبة في عنقود العائلة المؤلفة من ثلاث شقيقات أكبرهن تصغره بسنتين، والاثنتان الأخريان توأمان شديدتا الشبه والجمال، الوالدة هي أحلى ما أهداه إليه الحظ في الحياة، علّمته من ضمن ما علمته إياه القيام باكراً والنهوض من الكبوات والأحزان والانهيارات، الوالد شهيد، لم يبق من معلومات إضافية لتكتمل بطاقة هويته سوى “سجل أنا لاجئ سوري”.

عمل كرم بعد قدومه إلى النبطية حارساً لمزرعة خيل يعيش صاحبها في أفريقيا، لكنه سرعان ما خسر عمله بسبب مرض الربو الذي يعاني منه منذ ولادته، فانتقل إلى العمل في متجر لبيع الغاز والمواد الغذائية، أحد أقاربه دبّر له هذه المصلحة “الخفيفة النظيفة”.

بداية، لم تكن فكرة انسلاخه عن عائلته بالأمر السهل، لكن رحيل أبيه في إحدى ليالي القمع، وخوف والدته عليه من مصير ألطفه ما حلّ بوالده، أجبراه على خوض مغامرة العمل في لبنان في ظروف اجتماعية غير لطيفة وعدائية في كثير من الأحيان، فودّع شقاوة الطفولة غصباً عنه، ودخل عالم الرجولة بقدمين نحيلتين هزيلتين، ليصبح بين ليلة وضحاها رب أسرة مؤلفة من خمسة أنفار، جدته وأمه وشقيقاته الثلاث.

يعيش كرم بعد انتقاله من مزرعة الخيل، في غرفة شبيهة بالزنزانة الانفرادية، عبارة عن بضعة أمتار من الباطون الأسود، أسفل أحد المباني المهجورة، بابها قليل الارتفاع، في أحد جدرانها كوة قريبة من السقف هي الشباك، يدخل منها الضوء والأوكسجين والحشرات الزاحفة، اقتنى عصا طويلة لفتحها وإغلاقها.

 منذ أكثر من سنة، صارت هذه الزنزانة مسكنه الذي لم يجد فيه سكينة ولا راحة، ويتقاسمها على رغم ضيق مساحتها مع شخصين آخرين من بلاده، الزاوية إلى يمين الحمام هي ركنه الخاص، كوم فيها أغراضه الشخصية وعدة نومه.

يشرح كرم، “منزل عائلتي في حوران على فقره، أفضل من هذه الزنزانة، هو بالكاد غرفة واحدة وبهو واسع، لا توجد في بيتي غرف مستقلة فيها حمامات ولا مطبخ يحوي آلات كهربائية للطبخ والتبريد والغسيل، لكنه الجنة ذاتها، بالألفة التي تتسلّق جدرانه، وأصوات شقيقاتي وضحكاتهن الصاخبة، وأدعية جدتي بعد كل صلاة، وحركة أمي الدائمة، تروح وتجيء، تنفخ فيه الحياة كما تنفخ الروح في جسد جنين، ورائحة المحاصيل الطازجة التي كان يرميها أبي عصر كل يوم عند عتبة الباب.

 كلما آويت إلى هذه الغرفة، ينتابني شوق إلى دفء جدرانه وأرضيته، إلى خشب أبوابه وشبابيكه العتيقة، وشجرة النارنج تضيء بثمارها باحته كما النجوم في ليلة صيف، وكركرة المياه في البركة الصغيرة، حين تنسى والدتي الحنفية مفتوحة، وتجرجر جدتي  قدميها لتغلقها جيداً، وهي تلعن الكنائن المهملات.

منذ بدأ كرم العمل، لاحظ صاحب المتجر تهذيبه وحياءه الشديدين، فانتخبه من بين جميع العاملين لديه لإيصال الطلبات إلى البيوت، استأمنه على دراجة نارية صغيرة للقيام بالمهمة.

قال لي كرم إن هذه المهمة أحزنته أكثر مما أسعدته، صار في بعض الأحيان، يبكي وهو في طريقه لإيصال طلبية ما، “أصوات الأطفال والأمهات والآباء الصاعدة من خلف الأبواب، نسائم الدفء التي تهب بخاصة عند الصباح، رائحة الغسيل وطقطقة الملاعق في كؤوس الشاي، تذكرني كم أنا وحيد وغريب”.

مع الأيام، نمت بينه وبين الأبواب التي يقرعها صلة تشبه القربى، ربما لأنه مثلها مقطوع من شجرة “أنا والأبواب نتقن فن الانتظار صامتين على الأعتاب”. 

كان والد كرم مزارع قمح “ولا أدري لماذا لم يزدنا عمله الكثير إلا فقراً، وجد في معارضة النظام والتظاهرات مكاناً لينفس فيه عن شعوره بالشقاء وبالغلبة، خرج مع من خرجوا يهتف ضد النظام، لم تمنعه أمي ولا أمه، لم تتوسلاه، كانتا أشد حماسة منه. مرت السنوات الثلاث الأولى على التظاهرات بخير، إلى أن قرع بابنا في إحدى الليالي مسلحون ببدلاتهم العسكرية، سحبوا أبي أمام أعيننا، بعنف لا أقوى على وصفه ولا تذكّره، ثم أعادوه إلينا بعد أيام، في كيس أبيض، منتفخ الجثة مقطوع الرأس والأطراف، فدفناه في الحال.

لبست نساء العائلة السواد، جدتي فقدت ذاكرتها من هول الصدمة، أمي جفّ حليبها، الصغيرتان ظلتا طوال ثلاث ليالٍ تبكيان وأمي تشاركهما البكاء. بعد مرور أسبوع على قتل أبي، قررت أمي أن تُبعدني، لأنه لم يبق لها معيل سوى ساعديّ النحيلين، تركت عائلتي ومدرستي وأترابي وقريتي الصغيرة وحقول القمح التي كان يحبها أبي والثورة التي أحبها أكثر، وجئت إلى هذا المكان”.

أحياناً، يوجه إليه زبائن المحل أسئلة تشبه أسئلة المحققين الذين اقتادوه إلى غرفة معتمة بعد مقتل أبيه: هل تحب النظام؟ هل تؤيد الثورة؟ هل يوجد بين أهلك من يتعامل مع الإرهابيين؟ هل أنت سلفي؟.

ضاق كرم ذرعاً بهذه الأسئلة، ومن أسئلة أكثر دقة وخصوصية، يطرحها عليه عناصر اللجان الأمنية في النبطية، ومن ملاحقاتهم السرية له، ومراقبتهم حركته وتجسسهم على علاقاته وزواره وحتى مكالماته الهاتفية.

“في قلبي أمور كثيرة أحب أن أسألهم عنها، لو أستطيع أن أستجوبهم أنا بدل أن يستجوبوني، أن نتبادل مواقعنا لدقائق قليلة فقط، لأسألهم إذا كان لدى أحدهم أب يكافح من أجل عائلته، يحبّ حقله مثل أبي، فقير لا يملك في الدنيا سوى القليل من المال والكثير من الكرامة، وقتلوه وعرفتم من قتله ولماذا قتله، هل تغفرون؟ هل تتجاوزون ألمكم بسرعة أو هل تنسونه؟ هل تصمتون أم تنتقمون؟”.

أجبته أنا: ما أبشع الإحساس بالظلم! أنا جربته، ما أكثر اللئام! أعيش بينهم مثلك، ما أبخل هذه الحياة يا كرم! 

25.07.2024
زمن القراءة: 4 minutes
|
آخر القصص
كيف يعيش إيرانيون في سوريا بعد سقوط الأسد؟ 
الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 11.04.2026
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية