ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“اعتصام 17 نيسان”:  الشارع مساحة احتجاج أم عقاب؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

السلطة السورية الجديدة تعيش أيضاً على تركتين: تركة الاحتجاج ضد الأسد الذي ما زالت ذاكرته حاضرة لدى السوريين، وكانت نتائجها القتل المباشر. التركة الثانية هي الاحتجاجات ضد “هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بأشهر، والتي كانت تطالب بإسقاط الجولاني، والتي واجهتها السلطة الجديدة في دمشق، بالتقنيات ذاتها، شارع ضد شارع، حملات تخوين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كان اعتصام 17 نيسان/ إبريل أول إشارة واضحة ومركبة إلى مواجهة السلطة  الجديدة في دمشق ومحاججتها كسلطة مسؤولة  عن “تأمين حياة” السوريين، لا “تسهيل قتلهم” كما في مجازر الساحل والسويداء. الاحتجاج الخدميّ جاء لإعادة طرح سؤال سياسي في المكان الأخطر، الشارع، بعيداً عن صراعات “الجيوش الإلكترونيّة” وبروباغندا مذكرات التفاهم والمشاريع البليونية.

كان اعتصاماً مطلبياً تحت عنوان “القانون والكرامة”، وتمحورت نقاطه حول تفاصيل كثيرة: الكهرباء، الفساد، والحقوق المعيشية. وأهميته الأكبر هي تذكير السلطة بوجود مجتمع ما يزيح ظهورها الوحيد، بأركانها ومسؤوليها وتحيزاتهم وبذلاتهم و”عقابهم”، وأيضاً ما يظهر من عجرفة كبيرة في إدارتهم للشأن السوري.

الدعوات إلى الاعتصام تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. طيف واسع من السوريين داخل سوريا وخارجها دعوا إلى الوقوف في ساحة المحافظة، حيث تمثال يوسف العظمة. رمزية المكان، تتجاوز تاريخ الاستقلال وأحد أبطاله، بل ترتبط بالراهن نفسه، محافظة دمشق، ذات المشاريع الخُلبيّة.

استجابت للاعتصام فئات مثقّفة وناشطة في المجالين السياسي والمدني، ومحتجون يعانون من إجحاف هائل على مستوى التعويض وملفات العدالة الانتقالية المبعثرة، ومعتقلون سابقون إبان نظام الأسد يعون تماماً ضرورة العمل السياسي، وفئات من الطبقة الوسطى، وشخصيات يمكن القول إنها كانت جزءاً من بروباغندا النظام السابق، لكن ما جعل الجميع في المكان ذاته، هو المطالب الخدمية، وعدم “بيع سوريا وخصخصتها”.

الاستقطاب الذي ظهر قبل يوم واحد فقط، بدا مرعباً لمن استعدّ للمشاركة، بخاصة أن مواجهة التهديدات تحمل عبئاً نفسياً وإنهاكاً اجتماعياً لدى السوريين من مواجهة العنف. إذ نشط مؤيدو السلطة إلكترونياً، وبدأت حملات التخوين، والرهبة التي أحاطت بالاعتصام لم تأت من التهديد نفسه فقط، بل من كونه أعاد تذكير السوريين بأن الشارع لا يزال، في وعيهم العميق، مكاناً محتملاً للعقاب أكثر مما هو مكان لإبراز الحقوق والمطالبة بها.

السلطة السورية الجديدة تعيش أيضاً على تركتين: تركة الاحتجاج ضد الأسد الذي ما زالت ذاكرته حاضرة لدى السوريين، وكانت نتائجها القتل المباشر. التركة الثانية هي الاحتجاجات ضد “هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بأشهر، والتي كانت تطالب بإسقاط الجولاني، والتي واجهتها السلطة الجديدة في دمشق، بالتقنيات ذاتها، شارع ضد شارع، حملات تخوين.

الخوف من هذه التركات لم يهدد المحتجّين، إذ لعبت السلطة دور الوسيط، “حامي حرية التعبير والاحتجاج”، لكن الشارع  كمكان جغرافي لم يخسر دوره “السوريّ” كمكان للعقاب والالتباس والإهانة، لا لإبراز الحقوق أو المطالبة بها، ولا لدفع السلطة إلى إفساح المجال للمشاركة في الحكم.

هل يتحمّل الشارع “اعتصاماً”؟

التهديد والوعيد تجاه المعتصمين لم يأتيا بوصفهما سجالاً سياسياً، إذ لم يكن هناك أي رد على المطالب المنتظر طرحها، ولا أي نقاش لها من منطلق معية سياسية تشاركية، بل أتيا بوصفهما وعيداً عنيفاً، أي خارج السياسي تماماً: أمنياً وشوارعياً، بلغة شارع منتفخة تظن نفسها سياسية فقط لأنها تظهر عبر السوشال ميديا. 

كان الحديث كله تهديداً بالرصاص، والسلاح، والتعبئة المباشرة، والرد بأخلاق الانتصار على سقوط النظام الأسدي. هذا إن لم نتحدث عن شيخ ظهر أمام السيف الدمشقي، متهماً المنظمين والمشاركين بتأييد المشروع الصهيو – أميركي، ذلك المصطلح الثمانيني الذي لم يؤدِّه شيء، الموروث من خطاب الإسلاميين، والذي لا يفسر شيئاً بقدر ما يبتلع الوقائع داخل صورة عدو مختار دوماً بوصفه عدواً للإسلاميين، على رغم جلوس رأس النظام السوري مع الأميركي، والمفاوضات مع الإسرائيلي. وظهر أيضاً مسلح سوري في حمص يعرّف عن نفسه عاملاً في وزارة الداخلية، ويتحدث بلغة تحريضية وهو يصوّر السلاح الذي يريد به قتل المعتصمين، مع تداول اتهامات له بأدوار تعبوية في مجازر الساحل.

لكن الخلل لم يكن في العنف الذي أحاط بالاعتصام فقط، بل أيضاً في بنية الدعوة نفسها. فالدعوة افترضت، على نحو إرادوي، أن مجرد وجود الرغبة في الاحتجاج وصحة المطالب يكفيان لوجود ساحة سياسية قابلة للاستجابة، ومجال عام قادر على تلقّي مطلب حقوقي بوصفه حقاً قابلاً للنقاش. بينما أظهر الواقع أن البنى الأهلية والوسائط الاجتماعية والسياسية التي تجعل من الاعتراض فعلاً متماسكاً، لا تزال ضعيفة أو مفككة أو مفقرة أو مهملة. 

وهذا الإفقار لا يصيب التنظيم فقط، بل يؤثر أيضاً في بنية الأمل والرغبة والقدرة على التكيف أمام سلطة غير مدركة أصلاً لضرورة الفعل السياسي وأهميته. كذلك، لا تزال قوالب لغوية جاهزة تزيح المعنى السياسي إلى معنى آخر. لذلك بدا الاعتصام، من هذه الزاوية، وكأنه فعل احتجاجي متقدم على شروطه الاجتماعية والسياسية أيضاً، لأن الدولة بحد ذاتها ترى في الاحتجاج والاعتصام ما هو دون السياسي، وما لا يرتقي أخلاقياً ليكون سياسياً، وهذا خطير. لا لأن المطالب خاطئة، بل لأن المجال الذي يُفترض أن يحملها لم يُبنَ بعد بما يكفي، ولأن السلطة تتحكم به لكي تزيحه وتعيد تعريفه. 

لكن هذا التقدم على الشروط لم يكن فقط تقدماً على ضعف البنى الأهلية عموماً، بل أيضاً على ساحة مشبعة بطريقة مُريبة وُمخيفة مسبقاً بقوالب أمنية وأخلاقية جاهزة، لا تستقبل المحتج من جهة مطلبه، بل من جهة الشبهة التي يمكن إلصاقها به.

وكأن “الأبد” لا يزال حاضراً!

 هناك مهمة باتت رمزياً وسياسياً في حالة توهّج دائم، وصارت قالباً لتفسير كل شيء داخل الحدث السوري. هناك إدامة لا تنتهي، ولا يعود ممكناً معها فهم الاتهام نفسه على نحو محدد،  والمقصود هنا تهمة “الفلول”، أي وجود امتداد لنظام الأسد في المجتمع السوري. ولا تزال الساحة السياسية عالقة في طبيعة المهمات الأمنية التي نفذتها السلطة، بحيث أُبقي”الفلول” لا كملف ينتهي أو يمكن إغلاقه، بل كقالب إدراكي ومعنوي دائم، يُعاد عبره تفسير كل اعتراض جديد ونزع شرعيته قبل أن يدخل حيز السياسة، كأن الفلول والانفصالين بخسارتهم المعركة انتقلوا إلى الشارع، ما لم نتحدث عن آفة حقيقية في عدم تصديق سقوط الأسد، أو اعتبار الأسد وسلطته وداعميه ذوي توجه سياسي. وهكذا لم يعد “الفلول” توصيفاً لحالة محددة، بل صار بنية اتهام جاهزة، يُردّ إليه كل رافض، ويُعاد عبره سحب الاعتراض من المجال السياسي إلى المجال الأمني والأخلاقي معاً.

السلطة تسيطر على المناخ العام عبر اللغة، وعبر التهديد بالفزعة، والتي تحولت مهماتها إلى مهمات رمزية وسياسية،أي إلى اللغة التي رافقتها. هناك عالم جاهز ووحيد لفهم معارضة النظام: الفلول، والانفصالي، والأقلوي. الشكل الذي دافع عنه السلاح واشتبك معه بوصفه حقيقة، بات مع الوقت فكرةً سياسية قائمة بذاتها. 

 صارت اللغة، التي يُفترض ألا تقتل، تنسخ ما فعلته البارودة، وتعيد توزيعه على المعتصم والمحتجّ، وحتى على المتحالف مع النظام نفسه. لم تعد اللغة مجالاً للفهم، بل أداة لتثبيت عالم مغلق، تُسحب فيه الوقائع من تعددها، ويُردّ كل اختلاف إلى اسم جاهز، وكل اعتراض إلى شبهة. وهنا لا تعود المشكلة في أن اللغة تهاجم المحتجّ فقط، بل إنه يسقط فيها، وتنتزع منه إمكان الظهور بوصفه فاعلاً سياسياً أو فاعلاً ممكناً لأن يقول. إذ يصبح مضطراً، قبل أن يتكلم، إلى نفي التهمة عن نفسه، لا إلى عرض مطلبه. وبذلك تنجح السلطة في نقل أي اعتراض من حيز السياسة إلى حيز الدفاع عن الذات، أي من النقاش إلى الشبهة، ومن الحق إلى البراءة.

وما زاد المشهد برمّته سوءاً أن بعض المقاطع صُوّرت كأنها دليل عافية وحوار. الأمن العام يقف بين متشابكين أو راغبين في الاشتباك، وسيارة ترغب في الدهس، وحوارات قيل فيها إن الديمقراطية شرك، وإن السلطة حررتنا، وإن من يريد البناء عليه أن ينتظر، فيما تم الالتفات إلى كل مشاكل السلطة بوصفها أسباباً كافية لتعليق النقد. لكن هذا كله لا يكشف قوة جمهور السلطة، بل هشاشته التي يمكن رؤيتها في كل شارع سوري. فالبعد الدفاعي الفوضوي لموالي السلطة الأشداء لا يصدر عن ثقة سياسية، بل عن حاجة متزايدة إلى التبرير. 

وكلما اهتزت الشرعية، ارتفعت الحاجة إلى الامتنان القسري، وإلى تخفيض الاعتراض من حق إلى سوء توقيت وسوء استخدام. هناك تصور مثالي أبرزته الكاميرات التي هبطت نحو ساحة الاعتصام، واستغلته السلطة جيداً، حتى صار الجميع وكيلاً لأيديولوجيا صناعة رأي عام، لا طرفاً في فعل سياسي، حرية لا تُنتج شيئاً. فالصحافة تترك الفظائع اليومية: الإفقار، الإفلاس، الاستبداد الناعم، والعزلة عن السياسة، وتتجه بدلاً من ذلك إلى تفتيت ساحة اعتصام تُحارب بالرصاص والوعيد، فيما تلتزم وزارتا الداخلية والإعلام الصمت. لم تكن كل كاميرا هناك سوى محاولة لتدوير المشهد وتأصيل فوضوي لأرشفة الحدث، لا لتكثيف السياسة. 

صنع الإعلام اشتغالاً جماعياً على الصورة، لا على معنى الظهور نفسه وخطورة مظاهره أمنياً، ولا على تأخره السياسي وقسوته. لذلك لا يمكن الحديث عن حرية إعلام في سوريا، بل عن حرية هزيلة للتصوير. كأن الحدث يغدو قوة لمجرد أنه صُوِّر وأُرشف. أما هذا الاستهلاك كله، فليس إعلاماً في مجتمع طبيعي، بل إدارة بصرية لفعل سياسي أُفرغ من معناه، والأهم رسم خطوطه بين متحاربين.

21.04.2026
زمن القراءة: 6 minutes

السلطة السورية الجديدة تعيش أيضاً على تركتين: تركة الاحتجاج ضد الأسد الذي ما زالت ذاكرته حاضرة لدى السوريين، وكانت نتائجها القتل المباشر. التركة الثانية هي الاحتجاجات ضد “هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بأشهر، والتي كانت تطالب بإسقاط الجولاني، والتي واجهتها السلطة الجديدة في دمشق، بالتقنيات ذاتها، شارع ضد شارع، حملات تخوين.

كان اعتصام 17 نيسان/ إبريل أول إشارة واضحة ومركبة إلى مواجهة السلطة  الجديدة في دمشق ومحاججتها كسلطة مسؤولة  عن “تأمين حياة” السوريين، لا “تسهيل قتلهم” كما في مجازر الساحل والسويداء. الاحتجاج الخدميّ جاء لإعادة طرح سؤال سياسي في المكان الأخطر، الشارع، بعيداً عن صراعات “الجيوش الإلكترونيّة” وبروباغندا مذكرات التفاهم والمشاريع البليونية.

كان اعتصاماً مطلبياً تحت عنوان “القانون والكرامة”، وتمحورت نقاطه حول تفاصيل كثيرة: الكهرباء، الفساد، والحقوق المعيشية. وأهميته الأكبر هي تذكير السلطة بوجود مجتمع ما يزيح ظهورها الوحيد، بأركانها ومسؤوليها وتحيزاتهم وبذلاتهم و”عقابهم”، وأيضاً ما يظهر من عجرفة كبيرة في إدارتهم للشأن السوري.

الدعوات إلى الاعتصام تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. طيف واسع من السوريين داخل سوريا وخارجها دعوا إلى الوقوف في ساحة المحافظة، حيث تمثال يوسف العظمة. رمزية المكان، تتجاوز تاريخ الاستقلال وأحد أبطاله، بل ترتبط بالراهن نفسه، محافظة دمشق، ذات المشاريع الخُلبيّة.

استجابت للاعتصام فئات مثقّفة وناشطة في المجالين السياسي والمدني، ومحتجون يعانون من إجحاف هائل على مستوى التعويض وملفات العدالة الانتقالية المبعثرة، ومعتقلون سابقون إبان نظام الأسد يعون تماماً ضرورة العمل السياسي، وفئات من الطبقة الوسطى، وشخصيات يمكن القول إنها كانت جزءاً من بروباغندا النظام السابق، لكن ما جعل الجميع في المكان ذاته، هو المطالب الخدمية، وعدم “بيع سوريا وخصخصتها”.

الاستقطاب الذي ظهر قبل يوم واحد فقط، بدا مرعباً لمن استعدّ للمشاركة، بخاصة أن مواجهة التهديدات تحمل عبئاً نفسياً وإنهاكاً اجتماعياً لدى السوريين من مواجهة العنف. إذ نشط مؤيدو السلطة إلكترونياً، وبدأت حملات التخوين، والرهبة التي أحاطت بالاعتصام لم تأت من التهديد نفسه فقط، بل من كونه أعاد تذكير السوريين بأن الشارع لا يزال، في وعيهم العميق، مكاناً محتملاً للعقاب أكثر مما هو مكان لإبراز الحقوق والمطالبة بها.

السلطة السورية الجديدة تعيش أيضاً على تركتين: تركة الاحتجاج ضد الأسد الذي ما زالت ذاكرته حاضرة لدى السوريين، وكانت نتائجها القتل المباشر. التركة الثانية هي الاحتجاجات ضد “هيئة تحرير الشام” قبل سقوط نظام الأسد بأشهر، والتي كانت تطالب بإسقاط الجولاني، والتي واجهتها السلطة الجديدة في دمشق، بالتقنيات ذاتها، شارع ضد شارع، حملات تخوين.

الخوف من هذه التركات لم يهدد المحتجّين، إذ لعبت السلطة دور الوسيط، “حامي حرية التعبير والاحتجاج”، لكن الشارع  كمكان جغرافي لم يخسر دوره “السوريّ” كمكان للعقاب والالتباس والإهانة، لا لإبراز الحقوق أو المطالبة بها، ولا لدفع السلطة إلى إفساح المجال للمشاركة في الحكم.

هل يتحمّل الشارع “اعتصاماً”؟

التهديد والوعيد تجاه المعتصمين لم يأتيا بوصفهما سجالاً سياسياً، إذ لم يكن هناك أي رد على المطالب المنتظر طرحها، ولا أي نقاش لها من منطلق معية سياسية تشاركية، بل أتيا بوصفهما وعيداً عنيفاً، أي خارج السياسي تماماً: أمنياً وشوارعياً، بلغة شارع منتفخة تظن نفسها سياسية فقط لأنها تظهر عبر السوشال ميديا. 

كان الحديث كله تهديداً بالرصاص، والسلاح، والتعبئة المباشرة، والرد بأخلاق الانتصار على سقوط النظام الأسدي. هذا إن لم نتحدث عن شيخ ظهر أمام السيف الدمشقي، متهماً المنظمين والمشاركين بتأييد المشروع الصهيو – أميركي، ذلك المصطلح الثمانيني الذي لم يؤدِّه شيء، الموروث من خطاب الإسلاميين، والذي لا يفسر شيئاً بقدر ما يبتلع الوقائع داخل صورة عدو مختار دوماً بوصفه عدواً للإسلاميين، على رغم جلوس رأس النظام السوري مع الأميركي، والمفاوضات مع الإسرائيلي. وظهر أيضاً مسلح سوري في حمص يعرّف عن نفسه عاملاً في وزارة الداخلية، ويتحدث بلغة تحريضية وهو يصوّر السلاح الذي يريد به قتل المعتصمين، مع تداول اتهامات له بأدوار تعبوية في مجازر الساحل.

لكن الخلل لم يكن في العنف الذي أحاط بالاعتصام فقط، بل أيضاً في بنية الدعوة نفسها. فالدعوة افترضت، على نحو إرادوي، أن مجرد وجود الرغبة في الاحتجاج وصحة المطالب يكفيان لوجود ساحة سياسية قابلة للاستجابة، ومجال عام قادر على تلقّي مطلب حقوقي بوصفه حقاً قابلاً للنقاش. بينما أظهر الواقع أن البنى الأهلية والوسائط الاجتماعية والسياسية التي تجعل من الاعتراض فعلاً متماسكاً، لا تزال ضعيفة أو مفككة أو مفقرة أو مهملة. 

وهذا الإفقار لا يصيب التنظيم فقط، بل يؤثر أيضاً في بنية الأمل والرغبة والقدرة على التكيف أمام سلطة غير مدركة أصلاً لضرورة الفعل السياسي وأهميته. كذلك، لا تزال قوالب لغوية جاهزة تزيح المعنى السياسي إلى معنى آخر. لذلك بدا الاعتصام، من هذه الزاوية، وكأنه فعل احتجاجي متقدم على شروطه الاجتماعية والسياسية أيضاً، لأن الدولة بحد ذاتها ترى في الاحتجاج والاعتصام ما هو دون السياسي، وما لا يرتقي أخلاقياً ليكون سياسياً، وهذا خطير. لا لأن المطالب خاطئة، بل لأن المجال الذي يُفترض أن يحملها لم يُبنَ بعد بما يكفي، ولأن السلطة تتحكم به لكي تزيحه وتعيد تعريفه. 

لكن هذا التقدم على الشروط لم يكن فقط تقدماً على ضعف البنى الأهلية عموماً، بل أيضاً على ساحة مشبعة بطريقة مُريبة وُمخيفة مسبقاً بقوالب أمنية وأخلاقية جاهزة، لا تستقبل المحتج من جهة مطلبه، بل من جهة الشبهة التي يمكن إلصاقها به.

وكأن “الأبد” لا يزال حاضراً!

 هناك مهمة باتت رمزياً وسياسياً في حالة توهّج دائم، وصارت قالباً لتفسير كل شيء داخل الحدث السوري. هناك إدامة لا تنتهي، ولا يعود ممكناً معها فهم الاتهام نفسه على نحو محدد،  والمقصود هنا تهمة “الفلول”، أي وجود امتداد لنظام الأسد في المجتمع السوري. ولا تزال الساحة السياسية عالقة في طبيعة المهمات الأمنية التي نفذتها السلطة، بحيث أُبقي”الفلول” لا كملف ينتهي أو يمكن إغلاقه، بل كقالب إدراكي ومعنوي دائم، يُعاد عبره تفسير كل اعتراض جديد ونزع شرعيته قبل أن يدخل حيز السياسة، كأن الفلول والانفصالين بخسارتهم المعركة انتقلوا إلى الشارع، ما لم نتحدث عن آفة حقيقية في عدم تصديق سقوط الأسد، أو اعتبار الأسد وسلطته وداعميه ذوي توجه سياسي. وهكذا لم يعد “الفلول” توصيفاً لحالة محددة، بل صار بنية اتهام جاهزة، يُردّ إليه كل رافض، ويُعاد عبره سحب الاعتراض من المجال السياسي إلى المجال الأمني والأخلاقي معاً.

السلطة تسيطر على المناخ العام عبر اللغة، وعبر التهديد بالفزعة، والتي تحولت مهماتها إلى مهمات رمزية وسياسية،أي إلى اللغة التي رافقتها. هناك عالم جاهز ووحيد لفهم معارضة النظام: الفلول، والانفصالي، والأقلوي. الشكل الذي دافع عنه السلاح واشتبك معه بوصفه حقيقة، بات مع الوقت فكرةً سياسية قائمة بذاتها. 

 صارت اللغة، التي يُفترض ألا تقتل، تنسخ ما فعلته البارودة، وتعيد توزيعه على المعتصم والمحتجّ، وحتى على المتحالف مع النظام نفسه. لم تعد اللغة مجالاً للفهم، بل أداة لتثبيت عالم مغلق، تُسحب فيه الوقائع من تعددها، ويُردّ كل اختلاف إلى اسم جاهز، وكل اعتراض إلى شبهة. وهنا لا تعود المشكلة في أن اللغة تهاجم المحتجّ فقط، بل إنه يسقط فيها، وتنتزع منه إمكان الظهور بوصفه فاعلاً سياسياً أو فاعلاً ممكناً لأن يقول. إذ يصبح مضطراً، قبل أن يتكلم، إلى نفي التهمة عن نفسه، لا إلى عرض مطلبه. وبذلك تنجح السلطة في نقل أي اعتراض من حيز السياسة إلى حيز الدفاع عن الذات، أي من النقاش إلى الشبهة، ومن الحق إلى البراءة.

وما زاد المشهد برمّته سوءاً أن بعض المقاطع صُوّرت كأنها دليل عافية وحوار. الأمن العام يقف بين متشابكين أو راغبين في الاشتباك، وسيارة ترغب في الدهس، وحوارات قيل فيها إن الديمقراطية شرك، وإن السلطة حررتنا، وإن من يريد البناء عليه أن ينتظر، فيما تم الالتفات إلى كل مشاكل السلطة بوصفها أسباباً كافية لتعليق النقد. لكن هذا كله لا يكشف قوة جمهور السلطة، بل هشاشته التي يمكن رؤيتها في كل شارع سوري. فالبعد الدفاعي الفوضوي لموالي السلطة الأشداء لا يصدر عن ثقة سياسية، بل عن حاجة متزايدة إلى التبرير. 

وكلما اهتزت الشرعية، ارتفعت الحاجة إلى الامتنان القسري، وإلى تخفيض الاعتراض من حق إلى سوء توقيت وسوء استخدام. هناك تصور مثالي أبرزته الكاميرات التي هبطت نحو ساحة الاعتصام، واستغلته السلطة جيداً، حتى صار الجميع وكيلاً لأيديولوجيا صناعة رأي عام، لا طرفاً في فعل سياسي، حرية لا تُنتج شيئاً. فالصحافة تترك الفظائع اليومية: الإفقار، الإفلاس، الاستبداد الناعم، والعزلة عن السياسة، وتتجه بدلاً من ذلك إلى تفتيت ساحة اعتصام تُحارب بالرصاص والوعيد، فيما تلتزم وزارتا الداخلية والإعلام الصمت. لم تكن كل كاميرا هناك سوى محاولة لتدوير المشهد وتأصيل فوضوي لأرشفة الحدث، لا لتكثيف السياسة. 

صنع الإعلام اشتغالاً جماعياً على الصورة، لا على معنى الظهور نفسه وخطورة مظاهره أمنياً، ولا على تأخره السياسي وقسوته. لذلك لا يمكن الحديث عن حرية إعلام في سوريا، بل عن حرية هزيلة للتصوير. كأن الحدث يغدو قوة لمجرد أنه صُوِّر وأُرشف. أما هذا الاستهلاك كله، فليس إعلاماً في مجتمع طبيعي، بل إدارة بصرية لفعل سياسي أُفرغ من معناه، والأهم رسم خطوطه بين متحاربين.