ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اعتقال أحمد صواب في تونس… قضية “التآمر على أمن الدولة” التي لا تنتهي !

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يتوقّع المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، أن يُعامَل كمتّهم خطير لمجرّد أنه تحدّث بصوت عالٍ عن أزمة القضاء التونسي، إذ داهمت فرقة أمنية منزله وفتّشته وحجزت هاتفه، ثم اقتادته من دون أن يتمكّن حتى من تغيير ملابسه المنزلية، ليُحال بعدها على قاضي التحقيق في قطب مكافحة الإرهاب، الذي أذن بالاحتفاظ به، ووُجهت إليه تهم ثقيلة، منها تكوين وتنظيم وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية،

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في تحرّك جديد، أقدمت السلطات التونسية في 21 نيسان/ أبريل الحالي، على توقيف القاضي الإداري السابق والمحامي الحالي أحمد صواب، ووجّهت له تهماً خطيرة، بعد انتقاده خضوع القضاء للسلطة السياسية على خلفية الأحكام القضائية المشدّدة وغير المسبوقة في تونس، التي صدرت بحقّ المتّهمين بما يُعرف بقضيّة “التآمر على أمن الدولة”. خطوة أظهرت أن السلطة في تونس ماضية قُدماً في إسكات الأصوات المعارضة كلّها، حتى وإن استخدمت تأويلات عقيمة ومكشوفة، لاستهداف صوت يعرفه عموم التونسيين باستقلاليته وجرأته في الدفاع عن الحقوق والحرّيات، وثباته على المبدأ، وعدم خضوعه لأي سلطة مهما كانت جائرة ومستبدّة. 

لم يتوقّع المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، أن يُعامَل كمتّهم خطير لمجرّد أنه تحدّث بصوت عالٍ عن أزمة القضاء التونسي، هو الذي أمضى سنوات طويلة ساعياً الى إرساء قضاء مستقلّ ومنصف.

ففي صباح 21 نيسان، داهمت فرقة أمنية مكوّنة من عشرة أشخاص منزله وفتّشته وحجزت هاتفه، ثم اقتادته من دون أن يتمكّن حتى من تغيير ملابسه المنزلية، ليُحال بعدها على قاضي التحقيق في قطب مكافحة الإرهاب، الذي أذن بالاحتفاظ به، ووُجهت إليه تهم ثقيلة، منها تكوين وتنظيم وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، وتعمّد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصال إنتاج وترويج شائعات، وتعريض حياة أشخاص معنيين بالحماية للخطر، ونسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير، وهي تهم على معنى قانون الإرهاب والمجلّة الجزائية ومجلّة الاتّصالات والمرسوم 54 سيّئ الذكر. 

وجاء هذا التوقيف رداً على تصريح أدلى به صواب للصحافيين أمام المحكمة الابتدائية وسط العاصمة تونس، في تجمّع لعدد من المحامين، عقب صدور الأحكام القاسية ضدّ المتّهمين في ما يُعرف بقضيّة “التآمر على أمن الدولة”. إذ انتقد خضوع القضاء للسلطة السياسية، وقال: “هذا رأيي وما يُلزِمني كان أنا السْكَاكِن مُوش على المعتقلين، السْكَاكِن على رئيس الدائرة اللّي باش يُحكُم تَوّة”، أي “هذا رأيِي يُلزِمني وحدي، السكاكين ليست على رقاب المعتقلين فقط، إنما أيضاً على رقبة رئيس الدائرة القضائية الذي سيحكم الآن”، ثم أشار بيده إلى حركة ذبح العنق، في إشارة منه إلى وقوع رئيس الدائرة القضائية تحت ضغط السلطة بسبب وجود ملفّات ضدّه.

استفزّ هذا التصريح في البداية المطبّلين والمناصرين للرئيس قيس سعيّد، الذين حوّلوا صواب إلى مادّة “دسمة” على مواقع التواصل الاجتماعي، منفّذين حملة شرسة ضدّه، معتبرين أن تصريحه يمثّل تهديداً بالذبح للقضاة، وطالبوا باعتقاله، ولم تتردّد السلطات القضائية في البلاد في الاستجابة لمطالب هؤلاء، الذين لا يفقه الكثير منهم في القانون ولا مقاصده شيئاً، وأذنت بفتح تحقيق في التصريح الذي صدر عن صواب، والقيام بتوقيفه بعد حملة تفتيش لبيته ومكتبه، وحجز هاتفه وحاسوبه.

أحدث توقيف صواب صدمة كبيرة لدى عموم التونسيين، لأن العبارات والإشارة التي استندت إليها النيابة العمومية لتوقيفه، لم تكن تحمل في طيّاتها أي تهديد لأي طرف، بقدر ما كانت مجرّد تعبير مجازي لوصف الخروقات الكبيرة، التي شهدتها جلسات محاكمة المتّهمين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”، لا سيّما وأنها تصدر عن رجل يُعرف على نطاق واسع في تونس بجرأة مواقفه وإصراره الدائم على تطبيق القانون، ولعلّ هذا ما أدّى إلى نزول عدد كبير من التونسيين إلى الشارع، والمطالبة بإطلاق سراحه، ودعوة السلطة إلى الكفّ عن خنق حرّية التعبير والزجّ بمعارضيها في السجون.

ولم يشأ المحامي أحمد صواب أن يحيد عن مبادئه، ورفض الصمت عن الظلم حتى من داخل سجنه، ليرسل مع أحد محاميه رسالة، قال فيها: “هذه كلمات لا أبغي من ورائها كسب تعاطف، ولا التنصّل من موقف، ولا تبرير قول، فما عهدت نفسي وما عهدني كلّ من عرفني إلا ثابتاً في مواقفي، صلباً في تمسّكي بقيم نذرت لها حياتي، وأدفع اليوم حرّيتي ثمناً لها، كنت أوصّف عن بيّنة واطّلاع حال العدالة وما أصابها واعتراها، ولكني ما ظننت يوماً أن أجهزة نظامية تتحرّك تحت وطأة حملة شيطنة وافتراء من عصابة بالكاد تفكّ الخط، ولا تميّز بين الأدوات البلاغية وأدوات الحراثة… ولا طاقة لها على التمييز بين الخطاب التقريري الوصفي المباشر، وبين خطاب يستعمل المجاز والاستعارة والتضادّ والإيحاء والتهكّم.

هل للسلطة التي احتكرت حرّية التصرّف في كلّ شيء أن تحتكر أيضاً اختيارنا قناعاتنا وتموقعنا حضارياً وفكرياً وسياسياً؟ هل لها أن تختار إرهابييها على مزاجها؟ من لا يريد الفهم فلن تُفحمه البداهة، ومن يريد الإقصاء فلن يُعدم التعلات، ومن يعجز عن مواجهة الحجّة فلا يبقى له غير استهداف صاحبها… كنت ولا أزال وسأبقى صاحب موقف ورأي أعبّر عنهما بشجاعة ومسؤولية، ولم يُعرَف عني دعوة إلى عنف ولا تحريض عليه ولا تبرير له”.

أحمد صواب المحامي اليوم، عمل لسنوات طويلة كقاضٍ في المحكمة الإدارية، وأنصف الكثير من التونسيين إبّان حكم زين العابدين بن علي، حين كانت للكلمة والموقف والقرار أثمان باهضة، ولم يهادن أحداً حتى بعد الثورة، كما انتقد قيس سعيّد مراراً منذ إقدامه على ما يُعرَف بالإجراءات الاستثنائية في تمّوز/ يوليو 2021.

ويبدو أن مواقف صواب الجريئة كانت تزعج السلطة كثيراً، ولكن استقامة الرجل أحرجتها، وجعلتها غير قادرة على تلفيق تهمة له تنتهي به في السجن، إلى أن جاء التصريح الأخير للرجل، فتمّ تطويعه وتوجيهه بما ينسجم مع التهم الجاهزة للأصوات المزعجة للسلطة، وتغليفه بتهم ثقيلة كالإرهاب وغيرها، ولتكون كفيلة بجعله يقبع مطولاً في السجن، وبالتالي ضمان إسكاته لأطول وقت ممكن، لكنّ الاحتجاجات الأخيرة بثقلها العددي، وبكلّ ما حملته من شعارات، لا بدّ من أن تجعل السلطة تُعيد النظر في مسلسل استهدافها لمعارضيها، لا سيّما أمثال أحمد صواب الذي سيكون من الصعب، بل من المستحيل إقناع التونسيين بأنه متّهم في قضايا إرهابية، وسيكون من العسير إقناعهم بالتفسير والقراءة الجوفاء والمثيرة للسخرية لتصريحه، اللذين يحاول مطبّلوها ترويجهما.  

أحكام قاسية

اعتُقل المحامي أحمد صواب لأنه استنكر صدور أحكام ثقيلة بحقّ المعتقلين السياسيين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”، تراوحت ما بين 4 سنوات و74 سنة، لمختلف المتّهمين من ناشطين وقيادات حزبية سياسية ورجال أعمال. كما انتقد ما شاب المحاكمات من خروقات كبيرة، حيث مُنع الصحافيون من الدخول إلى قاعة المحكمة، باستثناء ثلاثة منهم، اثنان يمثّلان صحيفتين يوميتين، وواحد تابع لوكالة الأنباء الرسمية بعدما مُنعت من التداول الإعلامي في هذه القضيّة سابقاً، وصولاً إلى المحاكمة عن بُعد، وحرمان المتُهمين من الحضور والدفاع عن أنفسهم بشكل مباشر على رغم مطالبتهم بذلك.

فضلاً عن الخروقات الإجرائية الكثيرة التي تحدّثت عنها هيئة الدفاع عن المتّهمين في هذه القضيّة، في أكثر من مناسبة، لتجري المحاكمات خلف أبواب مغلقة، ووسط أجواء من التعتيم، على رغم حجم القضيّة وخطورتها، وكأن السلطات لا ترغب في أن ينقل الإعلام ما يحصل داخل المحكمة، وعياً منها بعبثية ما يحدث، بخاصّة في ظلّ غياب الأدلة والقرائن الدامغة التي تُدين المتّهمين، وعدم كشف الحقائق المتعلّقة بالتآمر والأدلّة، التي تثبت ذلك بشكل حاسم وغير قابل للشكّ.

في خضمّ هذه الأجواء، بدت القضيّة برمّتها منسجمة مع السردية التي يروّجها الرئيس قيس سعيّد، الذي ظلّ يتحدّث دائماً عن وجود متآمرين وعملاء يهدّدون أمن الدولة، واعتبار من يبرّئهم شريكاً لهم، وهو ما عُدّ تهديداً مبطناً للقضاة في حال إقدامهم على تبرئتهم، وهو الذي عبّر عنه صواب في تصريحه الذي أودى به إلى السجن. 

ففي 14 شباط/ فبراير 2023، أي بعد يوم من بدء موجة اعتقال المتّهمين، قال الرئيس التونسي من مقرّ وزارة الداخلية وسط العاصمة، بعدما شكر القيادات الأمنية على جهودها الكبيرة في هذه القضيّة، إن “هؤلاء الذين تمّ اعتقالهم إرهابيون”، ليضيف بعدها “لقد أثبت التاريخ قبل أن تثبت المحاكم أنهم مجرمون”، وبعد أيام قليلة جدّد الرئيس قوله لدى اجتماعه بوزير الداخلية في قصر الرئاسة “من سيتولّى تبرئتهم فهو شريك لهم”، في إشارة إلى المتّهمين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”.

وهذا يعني أن الخطاب الذي كان يروّجه سعيّد لجذب اهتمام التونسيين، وإيهامهم بأنه يخوض حرباً ضدّ الفاسدين و”المتآمرين المجهولين”، تلقّفه القضاء وطوّعه لاستهداف الأصوات المعارضة، وجعل تهمة “التآمر والخيانة” جاهزة لكي تُرفَع ضدّ كلّ صوت يزعج السلطة وينتقدها، من دون خوف أو تردّد، وعن دراية ومعرفة، ولعلّ هذا ما يفسّر الأعداد الكبيرة للسجناء والموقوفين بسبب تعبيرهم عن مواقفهم لا غير.

وتجدر الإشارة إلى أن المدانين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة” المثيرة للجدل، يبلغ عددهم 40 شخصاً، بينهم شخصيات سياسية ومحامون وإعلاميون ورجال أعمال، تتّهمهم السلطات التونسية بارتكاب جرائم منها “التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وتكوين وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية والانضمام إليه، وارتكاب الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة، أو حمل السكّان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح، وإثارة الهرج والقتل والسلب على التراب التونسي”.

29.04.2025
زمن القراءة: 6 minutes

لم يتوقّع المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، أن يُعامَل كمتّهم خطير لمجرّد أنه تحدّث بصوت عالٍ عن أزمة القضاء التونسي، إذ داهمت فرقة أمنية منزله وفتّشته وحجزت هاتفه، ثم اقتادته من دون أن يتمكّن حتى من تغيير ملابسه المنزلية، ليُحال بعدها على قاضي التحقيق في قطب مكافحة الإرهاب، الذي أذن بالاحتفاظ به، ووُجهت إليه تهم ثقيلة، منها تكوين وتنظيم وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية،

في تحرّك جديد، أقدمت السلطات التونسية في 21 نيسان/ أبريل الحالي، على توقيف القاضي الإداري السابق والمحامي الحالي أحمد صواب، ووجّهت له تهماً خطيرة، بعد انتقاده خضوع القضاء للسلطة السياسية على خلفية الأحكام القضائية المشدّدة وغير المسبوقة في تونس، التي صدرت بحقّ المتّهمين بما يُعرف بقضيّة “التآمر على أمن الدولة”. خطوة أظهرت أن السلطة في تونس ماضية قُدماً في إسكات الأصوات المعارضة كلّها، حتى وإن استخدمت تأويلات عقيمة ومكشوفة، لاستهداف صوت يعرفه عموم التونسيين باستقلاليته وجرأته في الدفاع عن الحقوق والحرّيات، وثباته على المبدأ، وعدم خضوعه لأي سلطة مهما كانت جائرة ومستبدّة. 

لم يتوقّع المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، أن يُعامَل كمتّهم خطير لمجرّد أنه تحدّث بصوت عالٍ عن أزمة القضاء التونسي، هو الذي أمضى سنوات طويلة ساعياً الى إرساء قضاء مستقلّ ومنصف.

ففي صباح 21 نيسان، داهمت فرقة أمنية مكوّنة من عشرة أشخاص منزله وفتّشته وحجزت هاتفه، ثم اقتادته من دون أن يتمكّن حتى من تغيير ملابسه المنزلية، ليُحال بعدها على قاضي التحقيق في قطب مكافحة الإرهاب، الذي أذن بالاحتفاظ به، ووُجهت إليه تهم ثقيلة، منها تكوين وتنظيم وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، وتعمّد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصال إنتاج وترويج شائعات، وتعريض حياة أشخاص معنيين بالحماية للخطر، ونسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير، وهي تهم على معنى قانون الإرهاب والمجلّة الجزائية ومجلّة الاتّصالات والمرسوم 54 سيّئ الذكر. 

وجاء هذا التوقيف رداً على تصريح أدلى به صواب للصحافيين أمام المحكمة الابتدائية وسط العاصمة تونس، في تجمّع لعدد من المحامين، عقب صدور الأحكام القاسية ضدّ المتّهمين في ما يُعرف بقضيّة “التآمر على أمن الدولة”. إذ انتقد خضوع القضاء للسلطة السياسية، وقال: “هذا رأيي وما يُلزِمني كان أنا السْكَاكِن مُوش على المعتقلين، السْكَاكِن على رئيس الدائرة اللّي باش يُحكُم تَوّة”، أي “هذا رأيِي يُلزِمني وحدي، السكاكين ليست على رقاب المعتقلين فقط، إنما أيضاً على رقبة رئيس الدائرة القضائية الذي سيحكم الآن”، ثم أشار بيده إلى حركة ذبح العنق، في إشارة منه إلى وقوع رئيس الدائرة القضائية تحت ضغط السلطة بسبب وجود ملفّات ضدّه.

استفزّ هذا التصريح في البداية المطبّلين والمناصرين للرئيس قيس سعيّد، الذين حوّلوا صواب إلى مادّة “دسمة” على مواقع التواصل الاجتماعي، منفّذين حملة شرسة ضدّه، معتبرين أن تصريحه يمثّل تهديداً بالذبح للقضاة، وطالبوا باعتقاله، ولم تتردّد السلطات القضائية في البلاد في الاستجابة لمطالب هؤلاء، الذين لا يفقه الكثير منهم في القانون ولا مقاصده شيئاً، وأذنت بفتح تحقيق في التصريح الذي صدر عن صواب، والقيام بتوقيفه بعد حملة تفتيش لبيته ومكتبه، وحجز هاتفه وحاسوبه.

أحدث توقيف صواب صدمة كبيرة لدى عموم التونسيين، لأن العبارات والإشارة التي استندت إليها النيابة العمومية لتوقيفه، لم تكن تحمل في طيّاتها أي تهديد لأي طرف، بقدر ما كانت مجرّد تعبير مجازي لوصف الخروقات الكبيرة، التي شهدتها جلسات محاكمة المتّهمين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”، لا سيّما وأنها تصدر عن رجل يُعرف على نطاق واسع في تونس بجرأة مواقفه وإصراره الدائم على تطبيق القانون، ولعلّ هذا ما أدّى إلى نزول عدد كبير من التونسيين إلى الشارع، والمطالبة بإطلاق سراحه، ودعوة السلطة إلى الكفّ عن خنق حرّية التعبير والزجّ بمعارضيها في السجون.

ولم يشأ المحامي أحمد صواب أن يحيد عن مبادئه، ورفض الصمت عن الظلم حتى من داخل سجنه، ليرسل مع أحد محاميه رسالة، قال فيها: “هذه كلمات لا أبغي من ورائها كسب تعاطف، ولا التنصّل من موقف، ولا تبرير قول، فما عهدت نفسي وما عهدني كلّ من عرفني إلا ثابتاً في مواقفي، صلباً في تمسّكي بقيم نذرت لها حياتي، وأدفع اليوم حرّيتي ثمناً لها، كنت أوصّف عن بيّنة واطّلاع حال العدالة وما أصابها واعتراها، ولكني ما ظننت يوماً أن أجهزة نظامية تتحرّك تحت وطأة حملة شيطنة وافتراء من عصابة بالكاد تفكّ الخط، ولا تميّز بين الأدوات البلاغية وأدوات الحراثة… ولا طاقة لها على التمييز بين الخطاب التقريري الوصفي المباشر، وبين خطاب يستعمل المجاز والاستعارة والتضادّ والإيحاء والتهكّم.

هل للسلطة التي احتكرت حرّية التصرّف في كلّ شيء أن تحتكر أيضاً اختيارنا قناعاتنا وتموقعنا حضارياً وفكرياً وسياسياً؟ هل لها أن تختار إرهابييها على مزاجها؟ من لا يريد الفهم فلن تُفحمه البداهة، ومن يريد الإقصاء فلن يُعدم التعلات، ومن يعجز عن مواجهة الحجّة فلا يبقى له غير استهداف صاحبها… كنت ولا أزال وسأبقى صاحب موقف ورأي أعبّر عنهما بشجاعة ومسؤولية، ولم يُعرَف عني دعوة إلى عنف ولا تحريض عليه ولا تبرير له”.

أحمد صواب المحامي اليوم، عمل لسنوات طويلة كقاضٍ في المحكمة الإدارية، وأنصف الكثير من التونسيين إبّان حكم زين العابدين بن علي، حين كانت للكلمة والموقف والقرار أثمان باهضة، ولم يهادن أحداً حتى بعد الثورة، كما انتقد قيس سعيّد مراراً منذ إقدامه على ما يُعرَف بالإجراءات الاستثنائية في تمّوز/ يوليو 2021.

ويبدو أن مواقف صواب الجريئة كانت تزعج السلطة كثيراً، ولكن استقامة الرجل أحرجتها، وجعلتها غير قادرة على تلفيق تهمة له تنتهي به في السجن، إلى أن جاء التصريح الأخير للرجل، فتمّ تطويعه وتوجيهه بما ينسجم مع التهم الجاهزة للأصوات المزعجة للسلطة، وتغليفه بتهم ثقيلة كالإرهاب وغيرها، ولتكون كفيلة بجعله يقبع مطولاً في السجن، وبالتالي ضمان إسكاته لأطول وقت ممكن، لكنّ الاحتجاجات الأخيرة بثقلها العددي، وبكلّ ما حملته من شعارات، لا بدّ من أن تجعل السلطة تُعيد النظر في مسلسل استهدافها لمعارضيها، لا سيّما أمثال أحمد صواب الذي سيكون من الصعب، بل من المستحيل إقناع التونسيين بأنه متّهم في قضايا إرهابية، وسيكون من العسير إقناعهم بالتفسير والقراءة الجوفاء والمثيرة للسخرية لتصريحه، اللذين يحاول مطبّلوها ترويجهما.  

أحكام قاسية

اعتُقل المحامي أحمد صواب لأنه استنكر صدور أحكام ثقيلة بحقّ المعتقلين السياسيين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”، تراوحت ما بين 4 سنوات و74 سنة، لمختلف المتّهمين من ناشطين وقيادات حزبية سياسية ورجال أعمال. كما انتقد ما شاب المحاكمات من خروقات كبيرة، حيث مُنع الصحافيون من الدخول إلى قاعة المحكمة، باستثناء ثلاثة منهم، اثنان يمثّلان صحيفتين يوميتين، وواحد تابع لوكالة الأنباء الرسمية بعدما مُنعت من التداول الإعلامي في هذه القضيّة سابقاً، وصولاً إلى المحاكمة عن بُعد، وحرمان المتُهمين من الحضور والدفاع عن أنفسهم بشكل مباشر على رغم مطالبتهم بذلك.

فضلاً عن الخروقات الإجرائية الكثيرة التي تحدّثت عنها هيئة الدفاع عن المتّهمين في هذه القضيّة، في أكثر من مناسبة، لتجري المحاكمات خلف أبواب مغلقة، ووسط أجواء من التعتيم، على رغم حجم القضيّة وخطورتها، وكأن السلطات لا ترغب في أن ينقل الإعلام ما يحصل داخل المحكمة، وعياً منها بعبثية ما يحدث، بخاصّة في ظلّ غياب الأدلة والقرائن الدامغة التي تُدين المتّهمين، وعدم كشف الحقائق المتعلّقة بالتآمر والأدلّة، التي تثبت ذلك بشكل حاسم وغير قابل للشكّ.

في خضمّ هذه الأجواء، بدت القضيّة برمّتها منسجمة مع السردية التي يروّجها الرئيس قيس سعيّد، الذي ظلّ يتحدّث دائماً عن وجود متآمرين وعملاء يهدّدون أمن الدولة، واعتبار من يبرّئهم شريكاً لهم، وهو ما عُدّ تهديداً مبطناً للقضاة في حال إقدامهم على تبرئتهم، وهو الذي عبّر عنه صواب في تصريحه الذي أودى به إلى السجن. 

ففي 14 شباط/ فبراير 2023، أي بعد يوم من بدء موجة اعتقال المتّهمين، قال الرئيس التونسي من مقرّ وزارة الداخلية وسط العاصمة، بعدما شكر القيادات الأمنية على جهودها الكبيرة في هذه القضيّة، إن “هؤلاء الذين تمّ اعتقالهم إرهابيون”، ليضيف بعدها “لقد أثبت التاريخ قبل أن تثبت المحاكم أنهم مجرمون”، وبعد أيام قليلة جدّد الرئيس قوله لدى اجتماعه بوزير الداخلية في قصر الرئاسة “من سيتولّى تبرئتهم فهو شريك لهم”، في إشارة إلى المتّهمين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة”.

وهذا يعني أن الخطاب الذي كان يروّجه سعيّد لجذب اهتمام التونسيين، وإيهامهم بأنه يخوض حرباً ضدّ الفاسدين و”المتآمرين المجهولين”، تلقّفه القضاء وطوّعه لاستهداف الأصوات المعارضة، وجعل تهمة “التآمر والخيانة” جاهزة لكي تُرفَع ضدّ كلّ صوت يزعج السلطة وينتقدها، من دون خوف أو تردّد، وعن دراية ومعرفة، ولعلّ هذا ما يفسّر الأعداد الكبيرة للسجناء والموقوفين بسبب تعبيرهم عن مواقفهم لا غير.

وتجدر الإشارة إلى أن المدانين في قضيّة “التآمر على أمن الدولة” المثيرة للجدل، يبلغ عددهم 40 شخصاً، بينهم شخصيات سياسية ومحامون وإعلاميون ورجال أعمال، تتّهمهم السلطات التونسية بارتكاب جرائم منها “التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وتكوين وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية والانضمام إليه، وارتكاب الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة، أو حمل السكّان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح، وإثارة الهرج والقتل والسلب على التراب التونسي”.

29.04.2025
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية