بعد مرور أكثر من أسبوع على اعتقال مؤسس منصة المراسلة المشفرة “تلغرام” ورئيسها بافيل دوروف في فرنسا، حيث يواجه اتهامات بالتواطؤ في تيسير أعمال إجرامية، وتسهيل تداول محتوى غير قانوني كالتحرش الجنسي بالأطفال والإتجار بالمخدرات؛ وصف دوروف، يوم الخميس 5 سبتمبر/ أيلول التهم الفرنسية ب”المضللة”، ونفى على قناته على تطبيق “تلغرام” التهم الموجهة إلى منصته بوصفها “جنة أناركية – لا سلطوية”.
قال الملياردير الروسي المولد، الذي يحمل الجنسيتين الفرنسية والإماراتية، إنه “فوجىء بالتحقيق!”، وإن “السلطات الفرنسية لديها وصول إلى الخط الساخن مع ممثل تلغرام في الاتحاد الأوروبي في أي وقت”، إلا أن السلطات الفرنسية تتهمه بشكل أساسي بعدم التعاون أو اتخاذ أي إجراء ضد نشاطات ومنشورات غير قانونية على منصته.
يمثل اعتقال دوروف حدثاً غير مسبوق؛ فهذه المرة الأولى التي يتم فيها توقيف مدير منصة تواصل بسبب نشاطات مستخدميها، مما أرسل موجات من التوتر عبر صناعة التكنولوجيا، وأعاد فتح الجدل حول تقاطع قضايا الخصوصية الرقمية، سلطة الدولة والقانون، وحرية التعبير كمهفوم عابر للحدود الجيوسياسية؛ وحول إمكانية التنظيم والمساءلة القانونية من دون المساس بالحريات.
فهل تمثل قضية دوروف اليوم تمظهراً جديداً لتدخل قسري للسياسات الدولية في إدارة العالم الافتراضي وحكمه، أم مبادرة لإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها مجموعة من “أمراء العالم الافتراضي”، لطالما تذرعت بالدفاع عن حرية التعبير لغض النظر عن التحريض والتشدد، والجرائم والتجارة غير القانونية على منصاتها.
غواية التشفير
منذ تأسيسها عام 2013، نجح دوروف في نقل “تلغرام” إلى مصاف منصات التواصل الاجتماعي الرئيسية في العالم، لتقدم المنصة نفسها كأداة مشفرة آمنة تُيسر التواصل الجماعي لأكبر عدد ممكن من المشاركين، بغض النظر عن توجهاتهم أو أنشطتهم على المنصة. الحرية المطلقة التي رفعتها “تلغرام” جعلتها منصة تنسيق ونشر أساسية في آن واحد، لناشطي الحرية، وللجماعات المسلحة والمتطرفة الدينية منها والقومية، ولتجار السلاح والمخدرات وتبييض الأموال، والإتجار بالأطفال والبشر حول العالم.
تمتع مؤسسو ومديرو منصات مثل “إكس” (تويتر سابقاً)، “فيسبوك”، “واتساب”، و”تلغرام”، بدرجات عالية من الوصول والفعالية وغياب القانون، حتى اليوم! فوجود منصاتهم الفيزيائي المحدود يغطي سلطة عابرة للحدود والمجتمعات واللغات، فضاء افتراضي عالمي يغيب عنه الإطار والتنسيق القانوني لوضع نظام فعال عادل وشفاف، يحكم مسؤولية هذه المنصات تجاه مستخدميها. وتعيد اليوم قضية دوروف جهود المحاسبة إلى الأضواء، لتعود معها إلى الواجهة إمكانيات تدويل مبدأ الحقوق والواجبات، ومستقبل الحريات الرقمية.
الاعتقال قانوني “وليس سياسياً بأي حال من الأحوال”
يعود الدافع القانوني وراء اعتقال دوروف الشهر الماضي إلى مطلع هذا العام، حيث أدى تجاهل “تلغرام” طلب محققي مكتب مكافحة الجرائم ضد القاصرين في فرنسا، بتقديم المساعدة في كشف هوية أحد مرتكبي الانتهاكات، الذي اعترف على المنصة بارتكاب جرائم جنائية، لكن “تلغرام” رفضت هذه الطلبات. ووفقاً لصحيفة ليبيراسيون، أحصت قوات الشرطة الوطنية وحدها 2460 طلباً أرسلته إلى “تلغرام” ولم تتم الإجابة عنه.
وإلى جانب عدم التعاون، شملت لائحة التهم الموجهة إلى إدارة المنصة – التي يتعرض على خلفيتها دوروف للتحقيق؛ التواطؤ لتمكين المعاملات غير المشروعة وفي ترويج الدعارة واستغلال الأطفال المنظم وغسيل الأموال.
وبرغم تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التزام فرنسا بحرية التعبير، وأن قرار احتجاز السيد دوروف “ليس سياسياً بأي حال من الأحوال”؛ أثار الاعتقال موجة من الجدل القانوني الذي يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد الحادثة الفردية، ليثير نقاشاً أوسع حول حماية الحريات والخصوصية والمساحة الافتراضية، وحول مسؤولية منصات التواصل الاجتماعي في مواجهة محاولات التدخل والاستخدام السياسي الدولي والوطني، وفوضى تجارة بيانات المستخدمين، والبروباغاندا السياسية والتحريض والتضليل.
ووصف مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قضية اعتقال دوروف بأنها معقدة للغاية “وتثير الكثير من المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان”، وأكدت المتحدثة باسم المكتب حق الدول بتنظيم عمل المنصات، بشرط التزامها بالمبادئ القانونية والضرورة والتناسب، والتزامها بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
قوانين “ما قبل الهواتف الذكية”
في تعليقه الأخير، قال دوروف “إذا كانت دولة ما غير راضية عن خدمة إنترنت، فإن الممارسة المتبعة هي رفع دعوى قضائية ضد الخدمة نفسها”، وانتقد ما أسماه “استخدام قوانين من عصر ما قبل الهواتف الذكية، لاتهام الرئيس التنفيذي بجرائم ارتكبتها أطراف ثالثة على المنصة التي يديرها، هو نهج مضلل”.
وتتعاون معظم كبرى شبكات التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا مع السلطات حول العالم، لتخضع وتتجاوب مع شروط وآليات عمل وطنية في كثير من دول العالم؛ معظمها يتعاون مع الهيئات المختصة عندما يتعلق الأمر بالجرائم الجنائية الخطيرة، مثل مشاركة صور الاعتداء الجنسي على الأطفال، التي تواجه “تلغرام” تهم تجاهلها.
بين اختفاء مدير “علي بابا” على يد سلطات بكين عام ٢٠١٢، والتنافس الصيني- الأميركي المحموم على السيطرة على منصة “تيك توك”، وحظر موقع “إكس” في البرازيل مؤخراً؛ تتصاعد محاولات الدول لتثبيت سيطرتها على منصات التواصل، وتوظيفها في خدمة أجنداتها الداخلية والخارجية. بالمقابل، لم تتعد محاولات مساءلة عمالقة التكنولوجيا جلسات الاستماع، والاستجوابات وإجراءات قانونية مطولة تتمحور بشكل أساسي حول الجوانب المالية، وتقديم التعويضات؛ إلى جانب جهود الاتحاد الأوروبي في مجال تنظيم الوصول إلى البيانات وحماية الخصوصية.
نبي الانترنت: بين الافتراضي وقوانين الواقع
دوروف قديس المعارضة الروسية، ونصير معارضي سلطة بكين في هونغ كونغ، ومحتجي إيران وبيلاروسيا؛ يقدم نفسه بشكل مستمر كأحد حماة الحرية والخصوصية في العصر الرقمي؛ بطلاً للتواصل غير المقيد على رأس منصة “تلغرام” للمراسلة المشفرة، المفضلة بين الناشطين والحركات المؤيدة للديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
رفض دوروف التعاون مع السلطات الفرنسية اليوم، ليس سوى استمرار لسياسة عدم الامتثال لمطالب الدولة بالبيانات التي رحب العالم بها عندما خصت الأنظمة الاستبدادية، لترسخ صورته كمدافع عن الحقوق الفردية في الفضاء الإلكتروني.
ويتميز “تلغرام” عن غيره من منصات المراسلة المشفرة بإمكانية إنشاء “قنوات” كبيرة تسمح للأشخاص ببث الرسائل إلى ما يصل إلى 200 ألف شخص، مما يثير مخاوف من انتشار المعلومات المضللة والتحريض، وبشكل أوسع في الدردشات الجماعية بهذا الحجم. بالمقابل يؤكد خبراء أن عملية التشفير الشاملة على “تلغرام” تقتصر على المحادثات السرية فقط، القنوات ليست مشفرة، و”تلغرام” يمكنه الوصول إلى محتوياتها.
ودافع دوروف في رسالته الأخيرة، عن منصته وعن رؤيته للحرية محتجاً “إذا كان 99.999% من مستخدمي تلغرام لا علاقة لهم بالجريمة، فإن 0.001% المتورطين في أنشطة غير مشروعة يعطي صورة سيئةعن المنصة!”.
وقال: “إن بناء التكنولوجيا أمر صعب بما فيه الكفاية. لن يقوم أي مبتكر أبداً ببناء أدوات جديدة إذا كان يعلم أنه يمكن تحميله المسؤولية الشخصية عن إساءة استخدام هذه الأدوات”.
امتدت ردود الفعل المنددة باعتقال دوروف من شوارع روسيا إلى أوكرانيا وصولاً إلى باريس، من قبل مستخدمين على المنصة، وصولاً إلى تجار مخدرات و عمالقة التكنولوجيا، ليمثل “تلغرام” لهذه المجموعات على اختلافها، قيمة لا ينبغي المساس بها، ومساحة حرة آمنة للتواصل والنشر والتأثير، ليست على استعداد لخسارتها اليوم. وعلق إيلون ماسك مالك منصة “إكس”، منتقداً اعتقال دوروف بسخرية: “في أوروبا عام 2030، سيتم إعدامك بسبب إعجابات على إحدى الصور الساخرة”.
على الأرض، خارج السفارة الفرنسية في موسكو، حمل متظاهر وحيد لافتة كتب عليها: “الحرية لبافيل دوروف”.
الصراع الدولي على العالم الرقمي
رغم أن بافيل دوروف قد هرب من روسيا منذ سنوات بسبب ضغوط السلطات هناك، فإن أول الأصوات التي تعالت بعد اعتقاله في فرنسا صورت الحدث كمحاولة “غربية” للسيطرة على صوت روسي حر. هذه الأصوات لم تهدأ حتى مع توجيه لائحة طويلة من التهم ضد دوروف.
وعلق الكرملين على الاعتقال “نعلم أن رئيس فرنسا نفى أي صلة بالقضية بالسياسة، ولكن من ناحية أخرى، يتم توجيه تهم معينة بهذا الخصوص”، بينما قال النائب الروسي ليونيد سلوتسكي إن التهم الموجهة إلى السيد دوروف تبدو “مجنونة” وإن الرئيس التنفيذي لشركة “تلغرام” “رهينة” الديمقراطية في الغرب .
برغم تقديم دوروف نفسه كشخص غير مرغوب فيه – نفيه عملياً من روسيا، تؤكد تقارير صحافية أنه زار روسيا أكثر من 60 مرة منذ مغادرته البلاد، وتشير إلى تمتعه بعلاقات جيدة مع سلطات موسكو.
يحمل دوروف إلى جانب جنسيته الروسية، الجنسية الإماراتية حيث وطّن أعماله بعد ٢٠١٣، والجنسية الفرنسية التي اندفع الرئيس ماكرون نفسه لمنحها لرجل الأعمال الروسي عام ٢٠٢١ بعد لقاء شخصي مع الرئيس الفرنسي في الأليزيه. القرار الذي وصفه الرئيس ماكرون بأنه “استراتيجي” يتعلق بأولئك الذين “يبذلون الجهد لتعلم اللغة الفرنسية” والذين “يتألقون في العالم”.
وكانت أولى ردات فعل دوروف عند إلقاء القبض عليه في 24 آب/أغسطس، ادعائه بأنه مدعو إلى العشاء مع الرئيس الفرنسي بحسب صحيفة ليبيراسيون. وكشفت صحيفة وول ستريت جورنل، أن دوروف كان هدفاً لمحاولات متواصلة من كل من الرئيس الفرنسي والإدارة الإماراتية لإقناعه بنقل نشاطاته التجارية إلى بلادهما، بينما عملت مخابرات البلدين معاً لاختراق هاتفه تحت غطاء مخاوف من استخدام “داعش” لتطبيقه لتنظيم هجمات إرهابية.
هل الحرية تعني غياب المساءلة؟
في عالم تحكمه الشبكات الافتراضية وترسمه الخوارزميات، قد يمثل اعتقال بافيل دوروف صدمة وصلت آثارها إلى خنادق الحروب، وشبكات الناشطين، وتجار السوق السوداء على امتداد العالم؛ لكنه يمثل أيضاً علامة فارقة قد تشير إلى بداية مرحلة جديدة تُعيد تعريف مفهوم السيادة والحرية في الفضاء الرقمي، لتضع أمراء العالم الافتراضي أمام سؤال جوهري: إلى متى يمكنهم التذرع بالحرية المطلقة لتجنب المساءلة؟
الجدل المتواصل حول اعتقال دوروف ليس مجرد خلاف قانوني بين دولة ومنصة؛ بل هو جزء من جدل عالمي أوسع حول التوازن الدقيق بين حرية التعبير والمسؤولية عن إساءة الاستخدام، بين الحماية الفردية والمحاسبة الجماعية. وما نشهده اليوم ليس إلا اختباراً جديداً لقدرة الدول على فرض سيادة القانون في فضاءٍ لا يعترف بالحدود الجغرافية، وفي الوقت ذاته، حماية للحقوق الفردية التي لطالما مثلت أولوية ديمقراطية لا يجوز المساس بها.
من السهل اليوم أن نتجاهل حقيقة أن هذه الأدوات الرقمية قد قدمت إسهامات رائعة في حياة البشر: من جمع الأفراد إلى تمكين حركات الحرية والديمقراطية حول العالم. ولكن وسط هذا الزخم، تجاهلنا بسذاجة الجانب الآخر من العملة: الفوضى، والجريمة، والتطرف.
فهل نحن على أعتاب مرحلة جديدة من الحوكمة الرقمية؟ أم أن هذه التحركات ليست سوى محاولة أخرى لإخضاع العالم الافتراضي وقادته إلى قواعد واقع تحكمه المصالح والسياسات الدولية؟ الإجابة لم تعد بسيطة، لكنها بالتأكيد لن تأتي بدون تداعيات على مستقبل الحريات الرقمية وعلى دور “أمراء” هذا الفضاء الجديد.
إقرأوا أيضاً:









