ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اغتصاب موقوفة في مركز احتجاز عراقي… كيف يواجه القانون من ينفّذه؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بحسب المعلومات المعلنة، فإن الحادثة وقعت في 23 تمّوز/ يوليو 2026، داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية، حيث اتُّهم ضابط تحقيق وثلاثة من عناصر الشرطة بإخراج موقوفة من محلّ احتجازها في وقت متأخّر من الليل، ونقلها إلى غرفة داخل المركز والاعتداء عليها جنسياً، ثم إعادتها إلى التوقيف.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أثارت قضيّة اتّهام ضابط وثلاثة من عناصر الشرطة العراقية باغتصاب جماعي لموقوفة تبلغ من العمر (26 عاماً) داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية صدمة واسعة، لما تنطوي عليه من خطورة بالغة، ولما فتحته من نقاش قانوني وحقوقي بشأن توصيف الجريمة، وحدود المسؤولية الجنائية، وفاعلية الرقابة داخل مراكز الاحتجاز، والضمانات القانونية المنظّمة لعمل هذه المراكز وآليّات الإشراف عليها.

ومع استمرار التحقيقات القضائية، تتّجه الأنظار إلى ما ستخلص إليه من نتائج، وما ستحدّده من تكييف قانوني للواقعة، ونطاق المسؤولية الذي قد يمتدّ إلى كل من يثبت تورّطه بالفعل أو التستّر عليه، استناداً إلى الأدلّة المعروضة أمام القضاء.

وبحسب المعلومات المعلنة، فإن الحادثة وقعت في 23 تمّوز/ يوليو 2026، داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية، حيث اتُّهم ضابط تحقيق وثلاثة من عناصر الشرطة بإخراج موقوفة من محلّ احتجازها في وقت متأخّر من الليل، ونقلها إلى غرفة داخل المركز والاعتداء عليها جنسياً، ثم إعادتها إلى التوقيف. 

إلا أن تنظيم محضر الكشف والإجراءات الرسمية لم يتمّ إلا في 28 من الشهر نفسه، وهو ما أثار تساؤلات بشأن أسباب التأخير والإجراءات التي اتُّخذت عقب وقوع الحادثة.

وكشف رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة الديوانية خضير شريف المياحي، أن المتّهمين أودعوا في التوقيف، فيما باشرت قيادة الشرطة باتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكّداً أن الواقعة تخضع لتحقيق قضائي.

وفي السياق الرسمي، وجّه الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية حسين العوادي، باتّخاذ إجراءات قانونية عاجلة ورادعة بحقّ ضابط وثلاثة منتسبين على خلفية اتّهامهم بالاعتداء على إحدى الموقوفات داخل أحد مراكز الشرطة في محافظة الديوانية.

وأكّد العوادي، في بيان، أن وزارة الداخلية لن تتهاون مع أي انتهاك يمسّ كرامة الإنسان أو يخالف القانون، موجّهاً بإحالة المتّهمين إلى الجهات التحقيقية والقضائية المختصّة، واتّخاذ أقصى الإجراءات القانونية والإدارية بحقّ كل من يثبت تورّطه.

من جهتها، أعلنت المفوضية العليا لحقوق الإنسان تشكيل فريق ميداني متخصّص لمتابعة القضيّة، وأكّدت أن فريقها وثّق إفادة الموقوفة واطّلع على وضعها الصحّي والنفسي، مشدّدة على أن تنازل الضحيّة أو عدم رغبتها في تحريك الشكوى الشخصية لا يؤدّي إلى إسقاط الحقّ العامّ، لأن الجريمة، إذا ثبتت، تمثّل انتهاكاً خطيراً للقانون ولأخلاقيات الوظيفة الأمنية.

ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن السياق الأوسع لوضع النساء في العراق، حيث يتقاطع انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي مع ضعف الحماية القانونية وصعوبة الوصول الآمن إلى العدالة. ففي شباط/ فبراير 2026، وصفت خبيرات لجنة الأمم المتّحدة المعنيّة بالقضاء على التمييز ضد المرأة، العنف ضد النساء في العراق بأنه واسع الانتشار ولا يُبلَّغ عن جزء كبير منه، وسألن الحكومة مجدّداً عن موعد إقرار قانون اتّحادي شامل لمناهضة العنف الأسري، وعن استمرار موادّ قانونية تتيح أعذاراً مخفّفة في الجرائم المرتكبة بذريعة «الشرف»، إلى جانب عدم الاعتراف بالاغتصاب الزوجي كجريمة مستقلّة.

وتتجاوز الفجوة التشريعية المجال الأسري؛ إذ ما زال قانون العقوبات موضع انتقاد حقوقي بسبب معالجته العنف الجنسي من منظور الأخلاق والنظام العامّ، أكثر من منظور سلامة الضحيّة وحقّها في تقرير مصيرها، وبسبب المادّة 398 التي تتيح وقف الإجراءات بحقّ مرتكب الاغتصاب إذا تزوّج الضحيّة، فضلاً عن غياب قانون اتّحادي متكامل يوفّر أوامر حماية وملاجئ وآليّات إبلاغ تراعي احتياجات الناجيات.

أمّا داخل أماكن الاحتجاز، فتزداد هشاشة النساء بفعل انقطاعهن عن محيطهن واعتمادهن الكامل على موظّفي المؤسّسة الأمنية في الحماية والعلاج والاتّصال بالعالم الخارجي. وكانت بعثة الأمم المتّحدة في العراق ومفوضية حقوق الإنسان قد وثّقتا سابقاً نمطاً متكرّراً من ادّعاءات التعذيب وسوء المعاملة داخل مرافق الاحتجاز، محذّرتين من أن ضعف الضمانات والرقابة الفعلية يسمحان ببقاء ما يجري في غرف التحقيق والتوقيف بعيداً عن المساءلة. ومن هنا تكتسب قضيّة الديوانية دلالة تتجاوز مسؤولية المتّهمين المباشرين، لتطرح سؤالاً حول قدرة الدولة على حماية النساء عندما تصبح الجهة المفترض أن تتلقّى شكاواهن هي نفسها موضع الاتّهام.

المسؤولية لا تقتصر على الاعتداء

ترى الحقوقية ياسمين محمّد شاقول أن المسؤولية القانونية في قضيّة اغتصاب موقوفة إذا ثبتت قضائياً، لا تقتصر على جريمة الاعتداء الجنسي، إنما تمتدّ إلى جرائم متعدّدة بحسب دور كل متّهم.

وتوضح شاقول لـ”درج” أن جريمة الاغتصاب تخضع لأحكام المادّة (393) من قانون العقوبات العراقي، وفي حال عدم اكتمال أركانها يمكن النظر إلى المادّة (396) المتعلّقة بهتك العرض بالإكراه، فيما تجعل الموادّ (47 و48 و49) جميع من اشترك في الجريمة، سواء بالاتّفاق أو التحريض أو المساعدة، مسؤولين بحسب طبيعة مساهمتهم.

وتضيف أن المادّة (421) قد تنطبق إذا ثبت وجود حرمان غير مشروع من الحرّية أو تجاوز في إجراءات التوقيف، بينما تعالج الموادّ (331 و332 و333) حالات استغلال الوظيفة، وإساءة استعمال السلطة، والقسوة أو التعذيب بحقّ المحتجزين.

وتؤكّد شاقول أن أيّ تأخير متعمّد في تنظيم المحاضر أو التلاعب بالإجراءات أو إخفاء الأدلة أو الامتناع عن الإبلاغ عن الجريمة قد يشكّل جرائم مستقلّة وفق الموادّ (247 و248 و250 و330 و331) من قانون العقوبات، بما يجعل المسؤولية تمتدّ إلى كل من شارك في التستّر أو عرقلة العدالة.

كما تشير إلى أن جريمة الاغتصاب من جرائم الحقّ العام، ويواصل الادّعاء العامّ تحريك الدعوى متى توفّرت الأدلّة القانونية، وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.

“اغتصاب مع ظروف مشدّدة”

من جانبه، يؤكّد المحامي محمّد جمعة لـ”درج” أن التكييف القانوني الواضح للواقعة، إذا ثبتت أمام القضاء، هو جريمة اغتصاب مع ظروف مشدّدة، وليس مجرّد اعتداء جنسي.

ويبيّن أن الجريمة تتوفّر فيها ظروف تشديد متعدّدة، أوّلها أن المتّهمين موظّفون مكلّفون بخدمة عامّة، وكانوا مسؤولين قانوناً عن حماية المحتجزة، وثانيها أن الاعتداء، بحسب التهم، ارتكبه أكثر من شخص وتعاونوا في التغلّب على الضحيّة، الأمر الذي يجعلها من أشدّ صور جريمة الاغتصاب.

ويضيف أن العقوبة الأصلية في هذه الحالة هي السجن المؤبّد، مع إمكانية تشديدها إلى الإعدام إذا رأت المحكمة توفّر الظروف المشددة، موضحاً أن وجود جرائم أخرى مرتبطة بالفعل، مثل استغلال الوظيفة أو غيرها، لا يمنع تطبيق العقوبة الأشدّ.

ويشدّد جمعة على أن العدالة لا تقتصر على معاقبة مرتكبي الاعتداء فحسب، إنما ينبغي أن تشمل كل من ساهم في إخفاء الأدلّة أو تأخير الإجراءات أو التستّر على الجريمة أو الضغط على الضحيّة لمنعها من تقديم الشكوى أو الإبلاغ عن الواقعة، مؤكّداً أن كل من يعرقل سير العدالة يرتكب جريمة تستوجب المساءلة القانونية.

كما يؤكّد أن تنازل الضحيّة، إن حصل، لا يؤدّي إلى سقوط الحقّ العامّ ولا يعفي المتّهمين من العقوبة، لأن الدعوى تستمرّ متى كانت الأدلّة متوفّرة.

امتداد المسؤولية إلى القيادات الأمنية

ولا يتوقّف النقاش عند المتّهمين المباشرين، إذ ترى الحقوقية ياسمين محمّد شاقول أن المسؤولية قد تمتدّ إلى القيادات الأمنية ومدير المركز، إذا ثبت علمهم بالجريمة أو تستّرهم عليها أو تقصيرهم الجسيم في أداء واجباتهم، سواء من خلال المسؤولية الجزائية أو الانضباطية.

ويذهب المحامي محمّد جمعة إلى أن القضيّة لا تقف عند المسؤولية الفردية، إنما تستوجب مراجعة منظومة اختيار الضبّاط والمنتسبين المكلّفين بالعمل في مراكز احتجاز النساء، نظراً إلى حساسية المهام الموكلة إليهم.

ويقول إن القضيّة تفرض إعادة النظر في إجراءات التقييم والرقابة، وكيفية اختيار العناصر التي تتولّى مسؤولية حماية المحتجزات، مضيفاً أن مثل هذه الوقائع قد لا تكون الأولى إذا لم تكن هناك منظومة رقابية فعّالة تكشف التجاوزات في مراحلها المبكرة.

ويرى أن الجهات المسؤولة عن التعيين والإشراف، مطالبة بإعادة النظر في معايير اختيار العاملين في مراكز الاحتجاز، بما يشمل تقييم السلوك المهني والانضباطي ومدى ملاءمتهم لهذه المهام الحسّاسة.

الحاجة إلى إصلاحات وضمانات

وتؤكّد شاقول أن القضيّة تكشف الحاجة إلى تعزيز الضمانات القانونية داخل مراكز الاحتجاز، من خلال الالتزام بحقوق الموقوفين، وتمكينهم من الاتّصال بمحاميهم وذويهم، وإجراء الكشف الطبّي الفوري عند الادّعاء بوقوع أي اعتداء، فضلاً عن تعزيز الرقابة القضائية والادّعاء العامّ على أماكن الاحتجاز.

كما تدعو إلى تخصيص أماكن احتجاز النساء وإدارتها من قبل عناصر نسائية، ونصب منظومات مراقبة داخل المراكز مع حفظ التسجيلات، بما يضمن سلامة الإجراءات ومنع أي انتهاكات.

ويتّفق جمعة مع هذه المطالب، مؤكّداً أن الموقوف، حتى وإن كان متّهماً بارتكاب جريمة، يبقى متمتّعاً بجميع حقوقه القانونية والإنسانية، وأن توقيفه لا يسقط عنه الحماية التي يفرضها القانون على الدولة ومؤسّساتها.

قيمة أي تحقيق في مثل هذه القضايا تبقى مرهونة بقدرته على الوصول إلى الحقيقة كاملة، وتحديد جميع مستويات المسؤولية، ومحاسبة كل من يثبت تورّطه بالفعل أو التستّر عليه أو الإخلال بواجباته الوظيفية، لأن النتائج التي ستخلص إليها الجهات القضائية لن يقتصر أثرها على تحديد المسؤولية الجزائية للمتّهمين، إنما سيمتدّ إلى تقييم كفاءة منظومة الإشراف والإجراءات المعتمدة داخل مراكز الاحتجاز، ومدى قدرتها على منع الانتهاكات أو كشفها فور وقوعها.

ويظلّ ترسيخ الثقة بمؤسّسات العدالة مرتبطاً بقدرتها على تطبيق القانون داخل مؤسّساتها بالقدر نفسه الذي تطبّقه خارجه، لأن حماية المحتجزين ليست التزاماً أخلاقياً فحسب، إنما واجب قانوني يعكس احترام الدولة لسيادة القانون وحقوق الإنسان. 

فكلما اتّسمت إجراءات التحقيق بالاستقلالية والشفافية، وتعاملت مع جميع مستويات المسؤولية دون استثناء، تعزّزت الثقة بالمؤسّسات، وترسّخ مبدأ أن الكرامة الإنسانية لا تنتقص منها إجراءات التوقيف، وأن سلطة الدولة تكتمل بخضوعها للقانون الذي تتولّى إنفاذه.

03.08.2026
زمن القراءة: 6 minutes

بحسب المعلومات المعلنة، فإن الحادثة وقعت في 23 تمّوز/ يوليو 2026، داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية، حيث اتُّهم ضابط تحقيق وثلاثة من عناصر الشرطة بإخراج موقوفة من محلّ احتجازها في وقت متأخّر من الليل، ونقلها إلى غرفة داخل المركز والاعتداء عليها جنسياً، ثم إعادتها إلى التوقيف.

أثارت قضيّة اتّهام ضابط وثلاثة من عناصر الشرطة العراقية باغتصاب جماعي لموقوفة تبلغ من العمر (26 عاماً) داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية صدمة واسعة، لما تنطوي عليه من خطورة بالغة، ولما فتحته من نقاش قانوني وحقوقي بشأن توصيف الجريمة، وحدود المسؤولية الجنائية، وفاعلية الرقابة داخل مراكز الاحتجاز، والضمانات القانونية المنظّمة لعمل هذه المراكز وآليّات الإشراف عليها.

ومع استمرار التحقيقات القضائية، تتّجه الأنظار إلى ما ستخلص إليه من نتائج، وما ستحدّده من تكييف قانوني للواقعة، ونطاق المسؤولية الذي قد يمتدّ إلى كل من يثبت تورّطه بالفعل أو التستّر عليه، استناداً إلى الأدلّة المعروضة أمام القضاء.

وبحسب المعلومات المعلنة، فإن الحادثة وقعت في 23 تمّوز/ يوليو 2026، داخل مركز شرطة النهضة في محافظة الديوانية، حيث اتُّهم ضابط تحقيق وثلاثة من عناصر الشرطة بإخراج موقوفة من محلّ احتجازها في وقت متأخّر من الليل، ونقلها إلى غرفة داخل المركز والاعتداء عليها جنسياً، ثم إعادتها إلى التوقيف. 

إلا أن تنظيم محضر الكشف والإجراءات الرسمية لم يتمّ إلا في 28 من الشهر نفسه، وهو ما أثار تساؤلات بشأن أسباب التأخير والإجراءات التي اتُّخذت عقب وقوع الحادثة.

وكشف رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة الديوانية خضير شريف المياحي، أن المتّهمين أودعوا في التوقيف، فيما باشرت قيادة الشرطة باتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكّداً أن الواقعة تخضع لتحقيق قضائي.

وفي السياق الرسمي، وجّه الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية حسين العوادي، باتّخاذ إجراءات قانونية عاجلة ورادعة بحقّ ضابط وثلاثة منتسبين على خلفية اتّهامهم بالاعتداء على إحدى الموقوفات داخل أحد مراكز الشرطة في محافظة الديوانية.

وأكّد العوادي، في بيان، أن وزارة الداخلية لن تتهاون مع أي انتهاك يمسّ كرامة الإنسان أو يخالف القانون، موجّهاً بإحالة المتّهمين إلى الجهات التحقيقية والقضائية المختصّة، واتّخاذ أقصى الإجراءات القانونية والإدارية بحقّ كل من يثبت تورّطه.

من جهتها، أعلنت المفوضية العليا لحقوق الإنسان تشكيل فريق ميداني متخصّص لمتابعة القضيّة، وأكّدت أن فريقها وثّق إفادة الموقوفة واطّلع على وضعها الصحّي والنفسي، مشدّدة على أن تنازل الضحيّة أو عدم رغبتها في تحريك الشكوى الشخصية لا يؤدّي إلى إسقاط الحقّ العامّ، لأن الجريمة، إذا ثبتت، تمثّل انتهاكاً خطيراً للقانون ولأخلاقيات الوظيفة الأمنية.

ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن السياق الأوسع لوضع النساء في العراق، حيث يتقاطع انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي مع ضعف الحماية القانونية وصعوبة الوصول الآمن إلى العدالة. ففي شباط/ فبراير 2026، وصفت خبيرات لجنة الأمم المتّحدة المعنيّة بالقضاء على التمييز ضد المرأة، العنف ضد النساء في العراق بأنه واسع الانتشار ولا يُبلَّغ عن جزء كبير منه، وسألن الحكومة مجدّداً عن موعد إقرار قانون اتّحادي شامل لمناهضة العنف الأسري، وعن استمرار موادّ قانونية تتيح أعذاراً مخفّفة في الجرائم المرتكبة بذريعة «الشرف»، إلى جانب عدم الاعتراف بالاغتصاب الزوجي كجريمة مستقلّة.

وتتجاوز الفجوة التشريعية المجال الأسري؛ إذ ما زال قانون العقوبات موضع انتقاد حقوقي بسبب معالجته العنف الجنسي من منظور الأخلاق والنظام العامّ، أكثر من منظور سلامة الضحيّة وحقّها في تقرير مصيرها، وبسبب المادّة 398 التي تتيح وقف الإجراءات بحقّ مرتكب الاغتصاب إذا تزوّج الضحيّة، فضلاً عن غياب قانون اتّحادي متكامل يوفّر أوامر حماية وملاجئ وآليّات إبلاغ تراعي احتياجات الناجيات.

أمّا داخل أماكن الاحتجاز، فتزداد هشاشة النساء بفعل انقطاعهن عن محيطهن واعتمادهن الكامل على موظّفي المؤسّسة الأمنية في الحماية والعلاج والاتّصال بالعالم الخارجي. وكانت بعثة الأمم المتّحدة في العراق ومفوضية حقوق الإنسان قد وثّقتا سابقاً نمطاً متكرّراً من ادّعاءات التعذيب وسوء المعاملة داخل مرافق الاحتجاز، محذّرتين من أن ضعف الضمانات والرقابة الفعلية يسمحان ببقاء ما يجري في غرف التحقيق والتوقيف بعيداً عن المساءلة. ومن هنا تكتسب قضيّة الديوانية دلالة تتجاوز مسؤولية المتّهمين المباشرين، لتطرح سؤالاً حول قدرة الدولة على حماية النساء عندما تصبح الجهة المفترض أن تتلقّى شكاواهن هي نفسها موضع الاتّهام.

المسؤولية لا تقتصر على الاعتداء

ترى الحقوقية ياسمين محمّد شاقول أن المسؤولية القانونية في قضيّة اغتصاب موقوفة إذا ثبتت قضائياً، لا تقتصر على جريمة الاعتداء الجنسي، إنما تمتدّ إلى جرائم متعدّدة بحسب دور كل متّهم.

وتوضح شاقول لـ”درج” أن جريمة الاغتصاب تخضع لأحكام المادّة (393) من قانون العقوبات العراقي، وفي حال عدم اكتمال أركانها يمكن النظر إلى المادّة (396) المتعلّقة بهتك العرض بالإكراه، فيما تجعل الموادّ (47 و48 و49) جميع من اشترك في الجريمة، سواء بالاتّفاق أو التحريض أو المساعدة، مسؤولين بحسب طبيعة مساهمتهم.

وتضيف أن المادّة (421) قد تنطبق إذا ثبت وجود حرمان غير مشروع من الحرّية أو تجاوز في إجراءات التوقيف، بينما تعالج الموادّ (331 و332 و333) حالات استغلال الوظيفة، وإساءة استعمال السلطة، والقسوة أو التعذيب بحقّ المحتجزين.

وتؤكّد شاقول أن أيّ تأخير متعمّد في تنظيم المحاضر أو التلاعب بالإجراءات أو إخفاء الأدلة أو الامتناع عن الإبلاغ عن الجريمة قد يشكّل جرائم مستقلّة وفق الموادّ (247 و248 و250 و330 و331) من قانون العقوبات، بما يجعل المسؤولية تمتدّ إلى كل من شارك في التستّر أو عرقلة العدالة.

كما تشير إلى أن جريمة الاغتصاب من جرائم الحقّ العام، ويواصل الادّعاء العامّ تحريك الدعوى متى توفّرت الأدلّة القانونية، وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية.

“اغتصاب مع ظروف مشدّدة”

من جانبه، يؤكّد المحامي محمّد جمعة لـ”درج” أن التكييف القانوني الواضح للواقعة، إذا ثبتت أمام القضاء، هو جريمة اغتصاب مع ظروف مشدّدة، وليس مجرّد اعتداء جنسي.

ويبيّن أن الجريمة تتوفّر فيها ظروف تشديد متعدّدة، أوّلها أن المتّهمين موظّفون مكلّفون بخدمة عامّة، وكانوا مسؤولين قانوناً عن حماية المحتجزة، وثانيها أن الاعتداء، بحسب التهم، ارتكبه أكثر من شخص وتعاونوا في التغلّب على الضحيّة، الأمر الذي يجعلها من أشدّ صور جريمة الاغتصاب.

ويضيف أن العقوبة الأصلية في هذه الحالة هي السجن المؤبّد، مع إمكانية تشديدها إلى الإعدام إذا رأت المحكمة توفّر الظروف المشددة، موضحاً أن وجود جرائم أخرى مرتبطة بالفعل، مثل استغلال الوظيفة أو غيرها، لا يمنع تطبيق العقوبة الأشدّ.

ويشدّد جمعة على أن العدالة لا تقتصر على معاقبة مرتكبي الاعتداء فحسب، إنما ينبغي أن تشمل كل من ساهم في إخفاء الأدلّة أو تأخير الإجراءات أو التستّر على الجريمة أو الضغط على الضحيّة لمنعها من تقديم الشكوى أو الإبلاغ عن الواقعة، مؤكّداً أن كل من يعرقل سير العدالة يرتكب جريمة تستوجب المساءلة القانونية.

كما يؤكّد أن تنازل الضحيّة، إن حصل، لا يؤدّي إلى سقوط الحقّ العامّ ولا يعفي المتّهمين من العقوبة، لأن الدعوى تستمرّ متى كانت الأدلّة متوفّرة.

امتداد المسؤولية إلى القيادات الأمنية

ولا يتوقّف النقاش عند المتّهمين المباشرين، إذ ترى الحقوقية ياسمين محمّد شاقول أن المسؤولية قد تمتدّ إلى القيادات الأمنية ومدير المركز، إذا ثبت علمهم بالجريمة أو تستّرهم عليها أو تقصيرهم الجسيم في أداء واجباتهم، سواء من خلال المسؤولية الجزائية أو الانضباطية.

ويذهب المحامي محمّد جمعة إلى أن القضيّة لا تقف عند المسؤولية الفردية، إنما تستوجب مراجعة منظومة اختيار الضبّاط والمنتسبين المكلّفين بالعمل في مراكز احتجاز النساء، نظراً إلى حساسية المهام الموكلة إليهم.

ويقول إن القضيّة تفرض إعادة النظر في إجراءات التقييم والرقابة، وكيفية اختيار العناصر التي تتولّى مسؤولية حماية المحتجزات، مضيفاً أن مثل هذه الوقائع قد لا تكون الأولى إذا لم تكن هناك منظومة رقابية فعّالة تكشف التجاوزات في مراحلها المبكرة.

ويرى أن الجهات المسؤولة عن التعيين والإشراف، مطالبة بإعادة النظر في معايير اختيار العاملين في مراكز الاحتجاز، بما يشمل تقييم السلوك المهني والانضباطي ومدى ملاءمتهم لهذه المهام الحسّاسة.

الحاجة إلى إصلاحات وضمانات

وتؤكّد شاقول أن القضيّة تكشف الحاجة إلى تعزيز الضمانات القانونية داخل مراكز الاحتجاز، من خلال الالتزام بحقوق الموقوفين، وتمكينهم من الاتّصال بمحاميهم وذويهم، وإجراء الكشف الطبّي الفوري عند الادّعاء بوقوع أي اعتداء، فضلاً عن تعزيز الرقابة القضائية والادّعاء العامّ على أماكن الاحتجاز.

كما تدعو إلى تخصيص أماكن احتجاز النساء وإدارتها من قبل عناصر نسائية، ونصب منظومات مراقبة داخل المراكز مع حفظ التسجيلات، بما يضمن سلامة الإجراءات ومنع أي انتهاكات.

ويتّفق جمعة مع هذه المطالب، مؤكّداً أن الموقوف، حتى وإن كان متّهماً بارتكاب جريمة، يبقى متمتّعاً بجميع حقوقه القانونية والإنسانية، وأن توقيفه لا يسقط عنه الحماية التي يفرضها القانون على الدولة ومؤسّساتها.

قيمة أي تحقيق في مثل هذه القضايا تبقى مرهونة بقدرته على الوصول إلى الحقيقة كاملة، وتحديد جميع مستويات المسؤولية، ومحاسبة كل من يثبت تورّطه بالفعل أو التستّر عليه أو الإخلال بواجباته الوظيفية، لأن النتائج التي ستخلص إليها الجهات القضائية لن يقتصر أثرها على تحديد المسؤولية الجزائية للمتّهمين، إنما سيمتدّ إلى تقييم كفاءة منظومة الإشراف والإجراءات المعتمدة داخل مراكز الاحتجاز، ومدى قدرتها على منع الانتهاكات أو كشفها فور وقوعها.

ويظلّ ترسيخ الثقة بمؤسّسات العدالة مرتبطاً بقدرتها على تطبيق القانون داخل مؤسّساتها بالقدر نفسه الذي تطبّقه خارجه، لأن حماية المحتجزين ليست التزاماً أخلاقياً فحسب، إنما واجب قانوني يعكس احترام الدولة لسيادة القانون وحقوق الإنسان. 

فكلما اتّسمت إجراءات التحقيق بالاستقلالية والشفافية، وتعاملت مع جميع مستويات المسؤولية دون استثناء، تعزّزت الثقة بالمؤسّسات، وترسّخ مبدأ أن الكرامة الإنسانية لا تنتقص منها إجراءات التوقيف، وأن سلطة الدولة تكتمل بخضوعها للقانون الذي تتولّى إنفاذه.