ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اغتيال افتهان المشهري: سابقة خطيرة تستهدف أول امرأة في منصب قيادي رسمي باليمن

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

افتهان اليوم ليست مجرد مديرة قُتلت. إنها سؤال مفتوح في وجه مدينة وفي وجه اليمن بكامله: هل ستستمر تعز كغابة مسلحة، أم ستنهض لتطهر نفسها من القتلة الذين يسرقون أرواحها قبل أن يسرقوا مؤسساتها؟ الرصاص الذي اخترق رأس افتهان لم يُسكت صوتها، بل حوّله إلى صدى يتردد في جدران المدينة: «لن يكون الفساد قدراً، ولو كلفني حياتي».

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ظهيرة مشؤومة من أيلول/سبتمبر، وسط جولة سنان في قلب تعز، توقفت عقارب الزمن للحظة، ثم تسارعت لتسجّل أبشع جريمة في ذاكرة المدينة. نحو عشرين رصاصة اخترقت رأس امرأة.

لم تكن مجرد موظفة حكومية، بل رمزاً لمشروع نظافة، ولمقاومة فساد، ولمستقبل أرادت أن تراه أنظف من أزقة تعز الموحلة بالدماء.
اسمها افتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين في مدينة تعز. امرأة خمسينية تحمل في قلبها عناداً يكفي لتغيير مدينة، وفي حقيبتها أوراقاً تثبت أن الفساد ليس قدراً محتوماً، بل خصم يمكن مقارعته. لكن الرصاص كان أسرع من حلمها.

إعلان حرب على النساء في المجال العام

منذ تعيينها في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دخلت افتهان في مواجهة مفتوحة مع منظومة كاملة من السطوة العسكرية والابتزاز. رفضت أن تدفع 200 مليون ريال “إتاوة” لمسلح يتبع اللواء 170. رفضت أن تساوم على مبنى حكومي أعيد الى جهة مدنية. وحين داهمها المسلحون وحاصروا مكتبها، كتبت شكوى، ورفعت صوتها، وواجهت الشتم والتهديد. وقبل أسبوعين فقط من اغتيالها، أخبرت مقربين أن “الخنق يشتد”. كلماتها لم تكن نبوءة بقدر ما كانت كشفاً عارياً لحقيقة تعز: مدينة تحكمها بنادق الفصائل أكثر مما تحكمها قرارات المحافظ.

هذه لم تكن جريمة ضد شخص بعينه. إنها إعلان حرب على النساء اللواتي يحاولن اقتحام المجال العام. مدينة يحكمها رجال ببنادقهم، لم تحتمل امرأة ترفع رأسها وتقول “لا”. ليست مصادفة أن تُسبق جريمة اغتيال افتهان بحملات تحريض ديني ضد القيادات النسائية. شيوخ مثل عبد الله العديني، البرلماني في مجلس النواب، يلوّحون بخطبهم أن “المرأة مكانها البيت”. تلك الكلمات لم تكن مجرد وعظ، بل رصاصاً معنوياً ساهم في تمهيد الطريق لطلقات حقيقية ضد النساء في المجال العام.

جريمة منظومة كاملة

أصابع الاتهام تشير في غالبيتها إلى أن القاتل هو محمد صادق المخلافي. انتماؤه العسكري معروف. مكانه معروف. بل إن المحافظ نفسه أصدر مذكرة بالقبض عليه بعدما اقتحم الصندوق وهدّد رئيسته علناً بالقتل. ومع ذلك بقي طليقاً، يتجوّل محمياً بانتمائه إلى اللواء 170 وعلاقاته القبلية.

هذه ليست ثغرة أمنية، بل فضيحة سياسية. 

تعز، التي رفعت شعارات “الدولة المدنية” و”ثورة الشباب”، تحوّلت اليوم إلى مرتع لمسلحين يفرضون قوانينهم الخاصة. المحافظ، على رغم علاقته الجيدة بافتهان، لم يستطع تحريك ساكن أمام نفوذ المحور العسكري الموالي لحزب الإصلاح السياسي. هنا لا تكمن الجريمة فقط في إصبع ضغط على زناد، بل في منظومة كاملة سمحت له أن يضغط من دون خوف.

افتهان، امرأة خارجة عن القطيع

وُلدت افتهان في المعافر، في بيئة يسارية مدنية، بلا سطوة قبائل ولا جلبة مشايخ. درست، وعملت في جامعة تعز، ثم انتقلت إلى موقعها الإداري. لم تنتمِ الى حزب، ولم تستظل بقبيلة، ولم ترفع شعاراً أيديولوجياً. امرأة نظيفة، بالمعنى الحرفي والمجازي، لذلك ترأست صندوق النظافة. 

كانت تقول: «إذا نجحتُ في تنظيف الشوارع من الفساد، سيفتح الباب أمام نساء أخريات لقيادة مؤسسات عامة». هي مطلقة، وأم لابنة في الجامعة وابن يدرس في الصين. عائلتها تقف بجانبها، ووالدها قنصل اليمن في إسطنبول. كل شيء في سيرتها يقول إنها لم تكن تبحث عن مكاسب شخصية. استقلاليتها المالية، خبرتها الأكاديمية، شجاعتها المدنية — كلّها جعلتها هدفاً مثالياً.

حين اخترقت الطلقات العشرون رأس افتهان، لم يكن القاتل يقتل جسداً فحسب، بل كان يوجّه رسالة: هذه حدود النساء. هذه حدود كل من يتحدّى سلطة السلاح. إنها الجريمة التي تحوّلت إلى خطّ أحمر ملطّخ بالدم. لا يمكن النظر إلى اغتيالها كحادثة معزولة. 

قبله كانت هناك حملات تحريض ضدها وضد نساء أخريات، وسط صمت رهيب من السلطة. وبعده كانت هناك بيانات إدانة روتينية: القمة النسوية غاضبة، اللجنة الوطنية للمرأة مصدومة، أحزاب تصدر بيانات باهتة. الإصلاح نفسه أدان، لكن بصوت متردّد، كأن البيان مكتوب بحبر الخوف من أن تنعكس التهمة على جناحه العسكري.

صدى يتّسع

منذ جريمة الاغتيال ونساء تعز يخرجن في تظاهرات أمام مقر الأمن. بعد ساعات انضم إليهنّ رجال المدينة وعُمّال النظافة بالمئات. هناك غضب شعبي في تعز يطالب بالقصاص؛ يعكس ذلك أن القضية لم تعد شأنًا نسويًا فقط بل قضية مجتمع بأسره. من المهم أن يُترجم هذا التضامن إلى التزامات عملية من السلطات المحلية والدولية، لضمان أن دم افتهان يكون بداية لحماية ممنهَجة للنساء القياديات، وليس مجرد مأساة تُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات.

أصوات النساء المتظاهرات تقول إن افتهان ليست فرداً، بل رمز. إن قتلتموها، فكل امرأة تعمل في المجال العام قد تكون التالية. المدينة تعرف أن قاتلها ما زال حراً، تحت حماية لوائه وقبيلته. تعرف أن الأمن أضعف من أن يقتحم بيتاً محمياً بعلاقات سياسية ودينية. لكن أصوات النساء تصرّ وتقول: «لن نسكت».

اغتيال افتهان المشهري هو الجريمة الأولى من نوعها في اليمن ضد امرأة في منصب قيادي رسمي. لكنه ليس الأخير إن ظلّ الصمت سيد الموقف. إنه مؤشر إلى أن دائرة العنف تتسع لتشمل النساء بوضوح، وأن النساء القياديات أصبحن في مرمى الاستهداف السياسي.
هذا الأمر يشكّل سابقة بالغة الخطورة – ليس فقط على تعز، بل على مجمل حضور المرأة القيادية في اليمن. كل مشروع إصلاحي، كل يد تحاول تنظيف الشوارع من الفساد، ستُقابل برصاصة. لكنْ، ثمة شيء لا يستطيع الرصاص اغتياله: الذاكرة.

افتهان اليوم ليست مجرد مديرة قُتلت. إنها سؤال مفتوح في وجه مدينة وفي وجه اليمن بكامله: هل ستستمر تعز كغابة مسلحة، أم ستنهض لتطهر نفسها من القتلة الذين يسرقون أرواحها قبل أن يسرقوا مؤسساتها؟ الرصاص الذي اخترق رأس افتهان لم يُسكت صوتها، بل حوّله إلى صدى يتردد في جدران المدينة: «لن يكون الفساد قدراً، ولو كلفني حياتي».

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…

افتهان اليوم ليست مجرد مديرة قُتلت. إنها سؤال مفتوح في وجه مدينة وفي وجه اليمن بكامله: هل ستستمر تعز كغابة مسلحة، أم ستنهض لتطهر نفسها من القتلة الذين يسرقون أرواحها قبل أن يسرقوا مؤسساتها؟ الرصاص الذي اخترق رأس افتهان لم يُسكت صوتها، بل حوّله إلى صدى يتردد في جدران المدينة: «لن يكون الفساد قدراً، ولو كلفني حياتي».

في ظهيرة مشؤومة من أيلول/سبتمبر، وسط جولة سنان في قلب تعز، توقفت عقارب الزمن للحظة، ثم تسارعت لتسجّل أبشع جريمة في ذاكرة المدينة. نحو عشرين رصاصة اخترقت رأس امرأة.

لم تكن مجرد موظفة حكومية، بل رمزاً لمشروع نظافة، ولمقاومة فساد، ولمستقبل أرادت أن تراه أنظف من أزقة تعز الموحلة بالدماء.
اسمها افتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين في مدينة تعز. امرأة خمسينية تحمل في قلبها عناداً يكفي لتغيير مدينة، وفي حقيبتها أوراقاً تثبت أن الفساد ليس قدراً محتوماً، بل خصم يمكن مقارعته. لكن الرصاص كان أسرع من حلمها.

إعلان حرب على النساء في المجال العام

منذ تعيينها في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دخلت افتهان في مواجهة مفتوحة مع منظومة كاملة من السطوة العسكرية والابتزاز. رفضت أن تدفع 200 مليون ريال “إتاوة” لمسلح يتبع اللواء 170. رفضت أن تساوم على مبنى حكومي أعيد الى جهة مدنية. وحين داهمها المسلحون وحاصروا مكتبها، كتبت شكوى، ورفعت صوتها، وواجهت الشتم والتهديد. وقبل أسبوعين فقط من اغتيالها، أخبرت مقربين أن “الخنق يشتد”. كلماتها لم تكن نبوءة بقدر ما كانت كشفاً عارياً لحقيقة تعز: مدينة تحكمها بنادق الفصائل أكثر مما تحكمها قرارات المحافظ.

هذه لم تكن جريمة ضد شخص بعينه. إنها إعلان حرب على النساء اللواتي يحاولن اقتحام المجال العام. مدينة يحكمها رجال ببنادقهم، لم تحتمل امرأة ترفع رأسها وتقول “لا”. ليست مصادفة أن تُسبق جريمة اغتيال افتهان بحملات تحريض ديني ضد القيادات النسائية. شيوخ مثل عبد الله العديني، البرلماني في مجلس النواب، يلوّحون بخطبهم أن “المرأة مكانها البيت”. تلك الكلمات لم تكن مجرد وعظ، بل رصاصاً معنوياً ساهم في تمهيد الطريق لطلقات حقيقية ضد النساء في المجال العام.

جريمة منظومة كاملة

أصابع الاتهام تشير في غالبيتها إلى أن القاتل هو محمد صادق المخلافي. انتماؤه العسكري معروف. مكانه معروف. بل إن المحافظ نفسه أصدر مذكرة بالقبض عليه بعدما اقتحم الصندوق وهدّد رئيسته علناً بالقتل. ومع ذلك بقي طليقاً، يتجوّل محمياً بانتمائه إلى اللواء 170 وعلاقاته القبلية.

هذه ليست ثغرة أمنية، بل فضيحة سياسية. 

تعز، التي رفعت شعارات “الدولة المدنية” و”ثورة الشباب”، تحوّلت اليوم إلى مرتع لمسلحين يفرضون قوانينهم الخاصة. المحافظ، على رغم علاقته الجيدة بافتهان، لم يستطع تحريك ساكن أمام نفوذ المحور العسكري الموالي لحزب الإصلاح السياسي. هنا لا تكمن الجريمة فقط في إصبع ضغط على زناد، بل في منظومة كاملة سمحت له أن يضغط من دون خوف.

افتهان، امرأة خارجة عن القطيع

وُلدت افتهان في المعافر، في بيئة يسارية مدنية، بلا سطوة قبائل ولا جلبة مشايخ. درست، وعملت في جامعة تعز، ثم انتقلت إلى موقعها الإداري. لم تنتمِ الى حزب، ولم تستظل بقبيلة، ولم ترفع شعاراً أيديولوجياً. امرأة نظيفة، بالمعنى الحرفي والمجازي، لذلك ترأست صندوق النظافة. 

كانت تقول: «إذا نجحتُ في تنظيف الشوارع من الفساد، سيفتح الباب أمام نساء أخريات لقيادة مؤسسات عامة». هي مطلقة، وأم لابنة في الجامعة وابن يدرس في الصين. عائلتها تقف بجانبها، ووالدها قنصل اليمن في إسطنبول. كل شيء في سيرتها يقول إنها لم تكن تبحث عن مكاسب شخصية. استقلاليتها المالية، خبرتها الأكاديمية، شجاعتها المدنية — كلّها جعلتها هدفاً مثالياً.

حين اخترقت الطلقات العشرون رأس افتهان، لم يكن القاتل يقتل جسداً فحسب، بل كان يوجّه رسالة: هذه حدود النساء. هذه حدود كل من يتحدّى سلطة السلاح. إنها الجريمة التي تحوّلت إلى خطّ أحمر ملطّخ بالدم. لا يمكن النظر إلى اغتيالها كحادثة معزولة. 

قبله كانت هناك حملات تحريض ضدها وضد نساء أخريات، وسط صمت رهيب من السلطة. وبعده كانت هناك بيانات إدانة روتينية: القمة النسوية غاضبة، اللجنة الوطنية للمرأة مصدومة، أحزاب تصدر بيانات باهتة. الإصلاح نفسه أدان، لكن بصوت متردّد، كأن البيان مكتوب بحبر الخوف من أن تنعكس التهمة على جناحه العسكري.

صدى يتّسع

منذ جريمة الاغتيال ونساء تعز يخرجن في تظاهرات أمام مقر الأمن. بعد ساعات انضم إليهنّ رجال المدينة وعُمّال النظافة بالمئات. هناك غضب شعبي في تعز يطالب بالقصاص؛ يعكس ذلك أن القضية لم تعد شأنًا نسويًا فقط بل قضية مجتمع بأسره. من المهم أن يُترجم هذا التضامن إلى التزامات عملية من السلطات المحلية والدولية، لضمان أن دم افتهان يكون بداية لحماية ممنهَجة للنساء القياديات، وليس مجرد مأساة تُضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات.

أصوات النساء المتظاهرات تقول إن افتهان ليست فرداً، بل رمز. إن قتلتموها، فكل امرأة تعمل في المجال العام قد تكون التالية. المدينة تعرف أن قاتلها ما زال حراً، تحت حماية لوائه وقبيلته. تعرف أن الأمن أضعف من أن يقتحم بيتاً محمياً بعلاقات سياسية ودينية. لكن أصوات النساء تصرّ وتقول: «لن نسكت».

اغتيال افتهان المشهري هو الجريمة الأولى من نوعها في اليمن ضد امرأة في منصب قيادي رسمي. لكنه ليس الأخير إن ظلّ الصمت سيد الموقف. إنه مؤشر إلى أن دائرة العنف تتسع لتشمل النساء بوضوح، وأن النساء القياديات أصبحن في مرمى الاستهداف السياسي.
هذا الأمر يشكّل سابقة بالغة الخطورة – ليس فقط على تعز، بل على مجمل حضور المرأة القيادية في اليمن. كل مشروع إصلاحي، كل يد تحاول تنظيف الشوارع من الفساد، ستُقابل برصاصة. لكنْ، ثمة شيء لا يستطيع الرصاص اغتياله: الذاكرة.

افتهان اليوم ليست مجرد مديرة قُتلت. إنها سؤال مفتوح في وجه مدينة وفي وجه اليمن بكامله: هل ستستمر تعز كغابة مسلحة، أم ستنهض لتطهر نفسها من القتلة الذين يسرقون أرواحها قبل أن يسرقوا مؤسساتها؟ الرصاص الذي اخترق رأس افتهان لم يُسكت صوتها، بل حوّله إلى صدى يتردد في جدران المدينة: «لن يكون الفساد قدراً، ولو كلفني حياتي».