لا يزال مصير اقتراع اللبنانيين غير المقيمين في الانتخابات النيابية المقبلة محاطاً بالغموض، على رغم ما تكتسبه مشاركتهم في العملية الانتخابية من أهمية كبيرة، إذ أظهرت انتخابات عام 2022 أن أصواتهم ليست هامشية، بل قد تكون حاسمة في بعض الدوائر الانتخابية.
في انتخابات عام 2022، بلغ عدد المسجلين من المغتربين حوالي 244 ألفاً، شارك منهم نحو 60 في المئة. هذا الرقم يعكس تزايد رغبة المغتربين في التأثير في الحياة السياسية ومصير البلد، خصوصاً بعد انتفاضة 17 تشرين والأزمات المالية والاقتصادية.
النقاش الدائر حالياً يتمحور حول ما إذا كان المغتربون سيقترعون ضمن الدائرة الـ16 المخصصة لهم بستة مقاعد، كما تنص المادة 122 من قانون الانتخاب، أم سيعودون للتصويت في دوائر قيدهم الأصلية أسوة بالمقيمين، في حال تم تعديل القانون؟
هذا السؤال أثار انقسامًا حادًا داخل المجلس النيابي في الجلسة التشريعية التي انعقدت يوم الإثنين، وسط انسحاب النواب واتهامات لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بتعطيل المسار التشريعي.
حالياً، تبرز محاولات تقليص دور المغتربين من القوى التقليدية من خلال الحديث عن تغيير آلية اقتراعهم أو نقل مقاعدهم إلى “دائرة خاصة للمغتربين” في الخارج، ما قد يُفقدهم القدرة على التأثير في الدوائر المحلية.
بحسب تصريحات شخصيات سياسية ونيابية، تتخوف الأحزاب الكبرى وخصوصاً الثنائي الشيعي أمل وحزب الله من أن ينعكس تصويت المغتربين سلباً عليهم وهذا ما يدفعهم لتطيير نقاش اقتراح التعديل في البرلمان.
تؤكد النائبة بولا يعقوبيان في مقابلة مع “درج”، أن نتائج الانتخابات السابقة أظهرت بوضوح أن شريحة واسعة من المغتربين صوّتت لقوى التغيير في محاولة للتخلص من هيمنة بعض الأحزاب التقليدية، الأمر الذي يدفع هذه القوى إلى السعي لمنع المغتربين من الاقتراع لأن النتائج لن تكون لصالحها. وأضافت يعقوبيان: “معركة الصوت الاغترابي هي أم المعارك في الانتخابات المقبلة”، مشددة على أن هذا هو جوهر المعركة السياسية الدائرة اليوم.
النواب ينسحبون إحتجاجاً
خلا جدول الجلسة التشريعية التي انعقدت بداية الأسبوع، والمؤلف من 13 بنداً، من أي إشارة إلى اقتراح تعديل المادة 122 من قانون الإنتخاب، ما أثار اعتراضات واسعة داخل المجلس النيابي.
افتتح النائب ملحم خلف النقاش حول موضوع التعديل، وتوالى على الكلام كل من النواب جورج عدوان، بولا يعقوبيان، إلياس الجرادي، ميشال معوّض، وفراس حمدان. واتهم النواب رئيس المجلس نبيه بري بخرق العرف الذي أرساه بنفسه، والذي يقضي بإدراج القوانين المعجّلة المكرّرة على أول جلسة تشريعية بعد تقديمها.
وتوضح يعقوبيان لـ “درج”، أن “الرئيس بري هو المسؤول الأول عن عدم إدراج اقتراح القانون المعجل المكرر الذي يتيح للمغتربين التصويت لـ128 نائباً، متذرعاً بأنه ما زال قيد الدرس في اللجان”، مشيرةً الى أن هذا التبرير” يتعارض بوضوح مع المادة 109 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تنص صراحة على وجوب إدراج القوانين المعجلة المكررة في أول جلسة تشريعية تُعقد بعد تقديمها”.
وتؤكد يعقوبيان أن الرئيس بري يتعامل اليوم بشكل مغاير تماماً لما كان عليه في السابق في ما يتعلق بالقوانين المعجلة المكررة. وتضيف: “إذا عدنا إلى محاضر الجلسات في عامي 2004 و2008، نجد أن نبيه بري كان يحثّ النواب على التقدم باقتراحات قوانين معجلة مكررة، واعداً بإدراجها مباشرة على جدول أعمال الجلسة التشريعية المقبلة”. وفي السياق عينه، أشار عضو تكتل الجمهورية القوية النائب جورج عدوان إلى أن الرئيس نبيه بري برّر عدم إدراج القانون المعجل المكرر بوجود اقتراحات قوانين عادية. وأضاف: “هذه هي المرة الأولى منذ 30 عاماً التي لا يُدرج فيها قانون معجل مكرر على جدول أعمال جلسة تشريعية”.
لا يشكّل امتناع الرئيس نبيه بري عن إدراج اقتراح القانون على جدول أعمال الجلسة التشريعية مخالفة صريحة للنظام الداخلي لمجلس النواب فحسب، بل يكشف أيضاً عن موقف سياسي واضح من ملف اقتراع المغتربين، الذي بات يشكّل نقطة محورية في المعركة الانتخابية المقبلة.
في المقابل، أصر بري على أن القانون المطروح موجود حالياً في لجنة فرعية، وسيناقش خلال جلسة ستعقد هذا الأسبوع. إلا أن النقاش سرعان ما احتدم بينه وبين النائب جورج عقيص، الذي لوّح بانسحاب النواب من الجلسة في حال لم يُدرج اقتراح تعديل المادة 122 على جدول الأعمال، فرد بري قائلاً: “أنا ما بتهدد، والجلسة ماشية”. وانسحب نواب تكتل الجمهورية القوية والكتائب اللبنانية وبعض نواب التغيير ونواب آخرون احتجاجاً على تغييب الاقتراح عن جدول الأعمال، فيما استمرت الجلسة مع بقاء النصاب القانوني قائماً.
ينقسم المجلس النيابي في ما يتعلق بانتخاب المغتربين، إذ يقف التيار الوطني الحر إلى جانب الثنائي الشيعي في دعم انتخاب المقاعد الستة المخصصة لغير المقيمين، وفق ما تنص عليه المادة 122 من قانون الانتخاب. ويؤيد حزبا القوات اللبنانية والكتائب، وتكتل اللقاء الديمقراطي، والنواب التغييريون اقتراح التعديل.
وقبل بدء الجلسة يوم الإثنين، صرّح عضو تكتل الجمهورية القوية النائب جورج عقيص أن النواب سيرفعون الصوت إحقاقاً لحق المغتربين اللبنانيين بالمشاركة في الحياة السياسية والمساهمة في إعادة إنتاج السلطة. واعتبر أن انتخاب المغتربين “حق دستوري يُمنعون منه عبر الإصرار على تمرير الدائرة السادسة عشرة، ومنع عرض قانون معجل مكرر وقّعت عليه كتل نيابية تمثل النصف زائداً واحداً، في حين ترفض رئاسة المجلس السير بقرار الأكثرية”. وأضاف عقيص أن “الهدف ليس تطيير نصاب الجلسة، إنما الانسحاب منها يبقى مشروعاً مطروحاً احتجاجاً على عدم إدراج القانون”. وأكد أن “المعركة بدأت ولن تُغلق إلا بتحقيق حق المغتربين في التصويت”.
وأوضح عضو اللقاء الديمقراطي النائب بلال عبد الله، أن “التكتل كان ولا يزال ضد تعطيل المؤسسات الدستورية”، مؤكداً “حق كل الأطراف باتخاذ القرار الذي يرونه مناسباً”. وقال عبد الله إن اللقاء الديمقراطي كان ولا يزال يعارض الانسحاب من الجلسات، على رغم موقفه المؤيد لإقرار حق المغتربين في الاقتراع. وأشار عبد الله إلى أن “القانون الانتخابي بصيغته الحالية طائفي أعادنا 50 سنة إلى الوراء”.
بدورها، أكدت النائبة حليمة القعقور أن حملة اقتراح تعديل المادة 122 بدأت قبل دخول المجلس النيابي، مشددة على أن المقيم والمغترب يتمتعان بالحقوق نفسها. واعتبرت أن “تطييف القارات الست هو الأسوأ”، في إشارة إلى توزيع المقاعد على أساس طائفي في دول الاغتراب. كما انتقدت القعقور ما وصفته بـ”استنسابية الرئيس بري في تحديد القوانين المعجلة المكررة المعروضة على الهيئة العامة”.
وأكد النائب فراس حمدان حق المغتربين بالتصويت مكان قيدهم، قائلاً: “المغتربون ليسوا مجرد أدوات لتحويل الأموال وإنعاش الاقتصاد والدعوة إلى الاستثمار، أي ‘بالمعنى الواضح والصريح’، ليسوا مجرّد آلات صرَاف آلي (ATM)”. من جهتها، قالت النائبة بولا يعقوبيان لـ”درج”: “لا يمكننا أن نطلب من المغترب أن يرسل الأموال ويستثمر في البلد ثم نحرمه من حقه في المشاركة في الحياة السياسية”، معتبرة أن تمكينه من الاقتراع لـ 128 نائباً هو “تأكيد على كونه شريكاً فعلياً في القرار السياسي”.
وأشار عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم، إلى وجود لجنة فرعية تمثل مختلف القوى السياسية وتعمل على دراسة مجمل قضايا الانتخابات، معتبراً أنه في حال وجود إصرار على مثل هذا الاقتراح، فمن المنطقي إحالته إلى هذه اللجنة للوصول إلى خلاصة موحّدة. وأكد أن “المنطق يقول ذلك، لأنه لا عدالة في انتخاب ستة نواب من دون تكافؤ فرص، خصوصاً في ظل الواقع السياسي الراهن وحالة الحصار الإقليمي والدولي”، متسائلاً: “كيف يمكن تأمين علاقة فعلية بين المرشح وناخبيه في حال تعذّر عليه الدخول إلى بعض الدول والتواصل معهم؟”.
ووقع النواب على عريضة نيابية يطالبون بموجبها “بتطبيق المادتين 109 و 112 من النظام الداخلي لمجلس النواب اللتين تنصان على عرض اقتراحات ومشاريع القوانين المعجلة المكررة الواردة إلى المجلس على الهيئة العامة، للتصويت أولاً على صفة العجلة، ثم على مضمون القانون في حال لم تسقط عنه الهيئة صفة الاستعجال ولم تتم إحالته إلى اللجان المتخصصة”.
إقرأوا أيضاً:
خلفية التعديل
اختار اللبنانيون على مدى عقود، ممثليهم في المجلس النيابي وفقاً للنظام الأكثري. وفقاً للقانون الجديد، يقترع اللبنانيون في الانتخابات النيابية وفق النظام النسبي، الذي يقسّم البلاد إلى 15 دائرة انتخابية، ويمنح الناخب حق التصويت للائحة واحدة، مع الإدلاء بصوت تفضيلي لمرشح واحد ضمنها.
لم تتطرّق القوانين اللبنانية إلى تنظيم اقتراع المغتربين قبل إقرار القانون رقم 25/2008 ، غير أن هذا القانون لم يُطبّق في انتخابات عام 2009. وكرس القانون رقم 44/2017 حق اللبنانيين غير المقيمين في المشاركة في الاستحقاق الانتخابي من أماكن إقامتهم في الخارج. وخصّص لهم القانون الدائرة الـ16، ونصّ على إضافة 6 مقاعد للمغتربين، ليرتفع عدد أعضاء المجلس النيابي إلى 134 نائبًا، على أن يُعاد خفض عدد المقاعد إلى 128 في انتخابات عام 2026، عبر اقتطاع هذه المقاعد من الطوائف التي خُصّصت لها.
في أيار/مايو من عام 2025، تقدم 9 نواب باقتراح قانون معجل مكرر يهدف إلى تعديل قانون الانتخابات رقم 44/2017، تحديدًا في ما يتعلق بقواعد اقتراع اللبنانيين غير المقيمين. وطالب النواب أن تطبّق على عملية اقتراع غير المقيمين القواعد نفسها المعتمدة لاقتراع المقيمين، وذلك من خلال تعديل المادة 122 من القانون. ويعطي التعديل على منح المغتربين حق انتخاب كامل أعضاء المجلس وعدم حصرها في المقاعد الستة. وأعلن 68 من النواب والكتل النيابية دعمهم الاقتراح ووقعوا عريضة مؤيدة للتعديل.
وتنص المادة 122، محل الجدل، على تخصيص مقعد لكل قارة من القارات الست، وفقاً لمعيار طائفي. في هذا السياق يشرح المحلل السياسي طارق وهبة لـ “درج”، أن المادة 122 تشير إلى “خلل جوهري في مقاربة قانون الانتخاب المتعلق بالمغتربين”. وأضاف إن “المشرّع الذي ابتكر فكرة تخصيص 6 نواب للقارات الست افترض توزيعاً جغرافياً، لكن الواقع اللبناني يقوم على توازنات طائفية ما يعني عملياً تقسيم المقاعد مناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وأضاف “كيف يمكن لمرشح في أستراليا أن يخاطب ناخبين في أوروبا أو أفريقيا؟”.
عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي فياض، أشار إلى أن مطلب تصويت المغتربين وفقاً لمكان قيدهم لا يعبر عن رغبة الاغتراب. لكن وقّع أكثر من 13000 مغترب على عريضة للتصويت وفقاً لهذا الطرح، وفي بيان صادر عن 16 مجموعة اغترابية، جاء: “انطلاقاً من حقنا الدستوري بالاقتراع كمواطنين غير مقيمين من دون أي تمييز، ونظراً الى ما يشكله الاقتراع من ضمانة للاستمرار في ممارسة حقوقنا السياسية بشكل فعال، بادرنا إلى طرح تعديلات على القانون”. وأضاف البيان أن “خلق دائرة انتخابية هجينة تمتد على القارات الست، يصعّب من حملات المرشحين، ويحدّ من تأثير قوة الصوت الاغترابي”.
وأصدر رؤساء الأحزاب اللبنانية في أستراليا بياناً طالبوا فيه بتعديل المادة 122 من قانون الانتخابات لكي يقوم المغتربون بواجبهم الوطني وانتقاء من يمثلهم في منطقتهم أسوة بالمقيمين.
المغتربون والتغيير السياسي
بحسب مبادرة الإصلاح العربي، سجّلت نسب الاقتراع لدى المغتربين معدلات أعلى من تلك المسجّلة داخل لبنان في الانتخابات النيابية الأخيرة. وارتفعت نسبة المشاركة في الخارج من 59 في المئة عام 2018 إلى 63 في المئة عام 2022، في حين شهدت نسبة المشاركة المحلية تراجعاً طفيفاً من 49 في المئة إلى 48 في المئة.
وتهدد أصوات المغتربين توازنات بعض القوى السياسية في المجلس النيابي. إذ عكست الانتخابات الأخيرة تحولاً في التوجهات السياسية للمغتربين، ما دفع عجلة التغيير السياسي في لبنان. وبحسب مبادرة الإصلاح العربي، حافظت القوات اللبنانية على موقعها كالحزب المفضل لدى الناخبين في الاغتراب، إذ بقيت حصتها من الأصوات شبه ثابتة مقارنة بعام 2018. في المقابل، تراجع الدعم بشكل ملحوظ لكل من التيار الوطني الحر وحركة أمل. وحصد مرشحو القوى التغييرية 34 في المئة من أصوات المغتربين مقارنة بـ6 في المئة فقط في 2018.
يُعتبر المغترب اللبناني أكثر تحرراً من منطق الزبائنية، نظراً الى بعده عن شبكات التوظيف السياسي والانقسامات الطائفية والمذهبية، ما يمنحه هامشاً أوسع للاقتراع بحرية، وغالباً ما يقترع ضد المنظومة السياسية التي حكمت لبنان لعقود. وفي هذا السياق، أشارت النائبة بولا يعقوبيان إلى “وجود تواطؤ واضح لدى الكثير من الأحزاب في قضية تعطيل تصويت الاغتراب”، لافتة إلى أن كتلة “التغيير” التي دخلت المجلس النيابي في عام 2022، وصل 9 من نوابها بأصوات المغتربين، مقابل 4 فقط بأصوات المقيمين.
ينص الدستور اللبناني على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ما يجعل عدم إقرار التعديلات المطروحة بمثابة إجحاف بحق شريحة واسعة من اللبنانيين. وفي هذا السياق، يقول طارق وهبة لـ”درج”، إن “عدد اللبنانيين المقيمين خارج البلاد يتجاوز المليونين، وهم ليسوا مجرد مغتربين بالمعنى التقليدي، بل يحملون الهوية اللبنانية، يزورون البلاد بانتظام، ويتمتعون بحق التصويت من دون أي عوائق قانونية”. وأضاف: “من غير المنطقي أن يُخصّص لهؤلاء المواطنين ستة مقاعد فقط، مقابل 128 مقعداً مخصصة لأربعة ملايين في الداخل”.
واعتبر وهبة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يُشكّل العقبة الأساسية أمام المضي في إقرار تعديل المادة 122، خصوصاً بعد رفضه الشامل للقانون بصيغته المطروحة. ولفت إلى أن عدم إقرار القانون خلال هذا الشهر سيُحدث أزمة فعلية لناحية المهل الدستورية. وأضاف “من دون هذه المهل، نكون وكأننا نعمل بلا وجهة واضحة، ونعطّل أي إمكانية لإحداث تغيير حقيقي في بنية المجلس النيابي أو في أسلوب التعاطي السياسي، سواء مع الاغتراب أو مع الداخل اللبناني”.
في ظل تزايد ضغوط الاغتراب على القوى السياسية، لا يزال المجلس النيابي يعرقل حق المغتربين الدستوري في المشاركة الفعلية بالعملية الديمقراطية. فهل سينتصر منطق الدستور والمساواة بين المواطنين، أم تستمر الاعتبارات الطائفية والحسابات السياسية في رسم حدود المشاركة بالعمل السياسي؟
إقرأوا أيضاً:











