في مشهد سياسي متسارع، ومنذ اندلاع حرب إسرائيل على غزة، ازدادت التوترات وأدى عدم الاستقرار الجيوسياسي على طرق التجارة العالمية، بخاصة في البحر الأحمر، الى تعطيل الممرات الملاحية الحيوية. ومما زاد الوضع سوءاً، حدوث الاغتيالات الأخيرة في إيران ولبنان، ما أدى إلى تصعيد الصراع مع إسرائيل وتفاقم التوترات الإقليمية. فهل سيُعيد هذا الصراع تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي؟
ما زال العالم يترقّب تبعات التوترات السياسية في المنطقة العربية وما ستُحدثه من أزمات، أهمها الأزمات الاقتصادية، خصوصاً في البلدان العربية التي ما زالت تعاني من أزمات متعددة. وجاءت الاغتيالات خلال حرب غزة كجزء من التأثير الذي يضغط على الاقتصادات ويُعيق النمو والتقدم ويُعرقل التجارة العالمية.
ما لا شكّ فيه أن التوقعات الاقتصادية باتت غير مبشّرة، وذلك بسبب حساسية الاقتصادات لأي تغيير سياسي يطرأ على المنطقة، ويأتي لبنان وإيران في مقدّمة البلدان المتأثرة بشكل كبير في هذا الصراع.
تهديدات لاقتصاد هشّ
يعيش الاقتصاد اللبناني أزمة منذ تخلّفه عن سداد سندات دولية بقيمة 30 مليار دولار في عام 2020. وقد أدى الانهيار المالي إلى القضاء على مدخرات الناس مدى الحياة وانهيار الليرة. وتضاعفت مشكلة لبنان الاقتصادية ثلاث مرات على مدى العقد الماضي، وارتفعت معدلات الفقر، إذ يعيش 44 في المئة من إجمالي السكان في فقر شديد.
مع بداية عام 2024، انخفض معدل التضخم في لبنان بنسبة كبيرة، ويُعزى هذا الانخفاض الى الاستخدام المكثّف للدولار الأميركي في المعاملات، وهي الظاهرة المعروفة باسم الدولرة.
وبحلول حزيران/ يونيو 2024، انخفض معدل التضخم إلى 41.80 في المئة، مقارنة بـ 51.60 في المئة في أيار/ مايو، ما يشير إلى استقرار محتمل للأسعار بسبب الاستخدام الواسع النطاق للدولار الأميركي.
ولو نظرنا الى فوائد “الدولرة” في استقرار اقتصاد دولة ما، فبإمكانها أن تحدّ من التضخم وتوفر بيئة نقدية أكثر استقراراً. كما يمكنها جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عن طريق تقليل القلق بشأن تقلبات أسعار الصرف. بالإضافة إلى ذلك، تزيل الدولرة مخاطر انخفاض قيمة العملة المحلية، ما يعزز بيئة استثمارية أكثر أماناً.
أما عن سلبياتها، فهي تُفقد الدول السيطرة على سياستها النقدية، ما يحدّ من قدرتها على التعامل مع الأزمات الاقتصادية وتعديل أسعار الفائدة. كما تصبح اقتصاداتها مرتبطة بشكل وثيق بالسياسة الاقتصادية الأميركية، ما قد لا يتوافق مع احتياجاتها المحلية. بالإضافة إلى ذلك، تخسر الدول الإيرادات التي كانت تحققها من إصدار عملتها الخاصة، ما يؤثر على المالية العامة.
ولعل الخاسر الأكبر في كل هذه التحديات هو المواطن، إذ نزح أكثر من 96 ألف شخص في لبنان نتيجة للحرب بين حزب الله وإسرائيل، ويوجد 60 ألف شخص في مناطق يصعب الوصول إليها، ما يزيد من الضغوط على المؤسسات والبنية الأساسية في لبنان. وكل هذه العواقب المترتّبة على عدم الاستقرار السياسي تمتد إلى ما هو أبعد من الانكماش الاقتصادي المباشر، فهي تضع الأساس لفترات طويلة من الركود والمصاعب.
وفي ظلّ هذه التحديات، لا بدّ أن تتأثر المؤشرات الاقتصادية، إذ بلغت نسبة الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان (-31.50) في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأسعار البنزين 0.91 دولار/ لتر، أما في ما يخصّ النمو الاقتصادي بنهاية عام 2024 فالسيناريو المتفائل يتوقع نمواً يتجاوز الـ7 في المئة في حال تحقّق الاستقرار السياسي والإصلاحات، بينما السيناريو السلبي يتوقع انكماشاً بنحو -20 في المئة مع تدهور الأوضاع السياسية والأمنية للبلاد.
رسم بياني يُظهر معدل النمو في كل من لبنان وإيران:
تضييق وتحدّيات محتملة
أدى اغتيال اسماعيل هنية إلى تفاقم وضع إيران الاقتصادي غير المستقر أصلاً، والذي يتّسم بالعزلة والعقوبات المستمرة. إذ تُفرض على الاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط (طهران ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة البلدان المصدّرة للبترول “أوبك”… بحجم إنتاج يُقدّر بنحو ثلاثة ملايين برميل يومياً) عقوبات مشدّدة من الدول الغربية، والتي تفاقمت بسبب الاضطرابات الإقليمية التي ساهم فيها الاغتيال. وكانت استجابة المجتمع الدولي سريعة، مع دعوات لتشديد العقوبات بهدف كبح نفوذ إيران في المنطقة. ونتيجة لذلك، تضاءلت قدرة إيران على الوصول إلى الأسواق الدولية، ما أدى إلى تحديات كبيرة في العلاقات التجارية.
وبالنظر الى المؤشرات الاقتصادية المتداولة، تواجه إيران تحديات كبيرة في أسعار السلع الغذائية بسبب الاضطرابات والتضخم وانخفاض قيمة الريال (العملة المحلية في ايران)، إذ يصل الدولار الأميركي الى ما يقارب الـ700 ألف ريال إيراني، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الواردات وتآكل القوة الشرائية.
أما في ما يخص بيانات البطالة، فتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى بلوغها نسبة 8.9 بالمئة خلال العام الحالي، بانخفاض طفيف جداً عن نسبة الـ9 بالمئة المسجّلة في العامين الماضيين.
إذاً، تأثير الصراعات السياسية في الشرق الأوسط هو استنزاف للموارد الوطنية وزيادة الدين العام. ففي إيران، تضطر الحكومة إلى توجيه الموارد بعيداً عن البرامج التنموية نحو الإنفاق العسكري، ما يعيق النمو الاقتصادي ويؤثر سلباً على الاستثمارات الضرورية في البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية. وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الدين العام وتفاقم الضعف الاقتصادي على المدى الطويل.
ممرات بحريّة في مأزق
أدت الاضطرابات التي تلت الاغتيالات الأخيرة وتِبعات حرب إسرائيل على غزة إلى تقلبات في أسواق الطاقة، وبخاصة أسعار النفط، التي تعتبر حساسة لأي علامات صراع في المنطقة، إذ تجاوزت العقود الآجلة لخام برنت مستوى 80 دولاراً للبرميل عقب اغتيال اسماعيل هنية مباشرة، ولكنه عاد ليهبط الى سعر 77.07 دولار للبرميل بتاريخ 21/08/2024. وفي كل الأحوال، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعطيل التجارة العالمية من خلال زيادة تكاليف الشحن. وهذا أمر مثير للقلق نظراً الى أن الشرق الأوسط منطقة بالغة الأهمية لإمدادات النفط. وقد تهدد التوترات الجيوسياسية المتزايدة طرق التجارة الرئيسية، ما يؤدي إلى تأخير وزيادة التكاليف لدى الشركات التي تعتمد على النفط في النقل.
وهذا ما حصل لحركة السفن التجارية عبر قناة السويس، حيث بقيت حركتها منخفضة حتى آب/ أغسطس 2024، وواصلت الانخفاض الذي بدأ في أواخر عام 2023، بعدما وصلت إيراداتها في سنة 2022 الى 8 مليارات دولار. ويُعزى انخفاض حركة المرور في المقام الأول إلى الاضطرابات المستمرة في البحر الأحمر، الشريان الحيوي للتجارة العالمية، والذي يغرق حالياً في أزمة شحن تهدّد بإعادة تشكيل مشهد التجارة الدولية.
أقرب مثال على الاستهدافات هو ما حصل يوم الأربعاء 21 آب/ أغسطس 2024، وبحسب مركز عمليات الملاحة البحرية في المملكة المتحدة، تعرضت ناقلة نفط تجارية يونانية (سونيون) لهجوم جديد أثناء عبورها في البحر الأحمر، إذ أصيبت بثلاث قذائف مجهولة الهوية، ويُقال الآن إنها “ليست تحت القيادة”.
دفعت هجمات الحوثيين على السفن الكثير من شركات الشحن إلى إعادة توجيه سفنها حول طريق رأس الرجاء الصالح الأطول. وقد أثّر هذا التحول بشكل كبير على حجم السفن التي تمرّ عبر القناة.
في هذا السياق، يتحدث الدكتور رشاد عبدو – أستاذ الاقتصاد والاستثمار والتمويل الدولي في جامعة القاهرة ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية- عن أهمية البحر الأحمر بالنسبة الى مصر، قائلاً إن مصر تعتمد على قناة السويس بشكل كبير، وقد خسرت الكثير من إيرادات القناة بسبب هجمات الحوثيين على السفن التجارية، والذين صرّحوا بأنهم سيضربون أي سفينة ستعبر الى إسرائيل.
يضيف عبدو أنه عندما تدخّلت أميركا والدول الموالية لها للحدّ من هذه المشكلة، أصبح الصراع بين هذه القوى والحوثيين، مشيراً الى أنه على الرغم من طول الطريق إلا أن السفن باتت تفضّل المرور عبر رأس الرجاء الصالح، وبالتالي تراجعت إيرادات قناة السويس، ما عمّق من أزمات مصر، التي تعد العملة الأجنبية أساس مشكلتها، والتي انخفضت بسبب هذه الهجمات.
يذكر عبدو أن هذا الوضع سيتحسّن فقط عندما تتوقف إسرائيل عن ضرب غزة، وهذا شرط الحوثيين ليتوقفوا عن استهداف السفن في البحر الأحمر، وإذا لم يتم ذلك ستبقى هذه المشكلة مستمرة. ويشير إلى أن مصر ليس باستطاعتها تقديم أي حلول في ما يخص هذه المشكلة، إذ حتى أميركا وغيرها من الدول التي عملت على حل هذه المشكلة لم تنجح، مضيفاً أنه طالما لا يوجد حل سلمي للمسألة وانسحاب للقوات الإسرائيلية من غزة ستبقى هذه المشكلة قائمة ومستمرة.
لو قرأنا الأرقام والنسب المتعلقة بحركة الملاحة في البحر الأحمر، نجد أن عدد السفن العابرة لقناة السويس انخفض في أيار/ مايو 2024 الى 1111 سفينة، وهو انخفاض حاد من 2396 سفينة في أيار 2023، ما يمثل انخفاضاً بنحو 54 في المئة على أساس سنوي.
كما أدى هذا الانخفاض إلى انخفاض كبير في إجمالي حمولة البضائع، والتي تراجعت بنسبة 68.5 في المئة خلال الفترة نفسها.
وأفاد صندوق النقد الدولي بأن حجم التجارة العابرة عبر قناة السويس تراجع بنسبة 50 في المئة في أول شهرين من عام 2024 مقارنة بالعام السابق.
وفي إطار الاستجابة لهذه التحديات، طبقت هيئة قناة السويس خصومات وحوافز لمختلف أنواع السفن، بهدف جذب حركة المرور إلى القناة. وتشمل هذه التدابير تخفيضات تتراوح بين 10 و75 في المئة، ومن المقرر أن تظل سارية حتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2024.
رسم بياني يوضح حركة التجارة البحرية:
توترات جيوسياسية تؤثر على اقتصادات الظل
فهم ديناميكيات الاقتصاد الموازي أمر بالغ الأهمية، وبخاصة خلال فترات الأزمة المالية، لأن بإمكانه أن يكشف عن مساهمة الأنشطة غير المنظمة في مخاطر التنمية الاقتصادية الأوسع نطاقاً.
ويُقصد باقتصاد الظل أو الموازي، جميع الأنشطة الاقتصادية التي تكون مخفيّة عن السلطات الرسمية لأسباب نقدية وتنظيمية ومؤسسية.
أفادت دراسة حديثة أجرتها مجلة دراسات التنمية الآسيوية (حزيران 2024) بأن الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة تساهم في دعم الإرهاب وانتشاره، وبخاصة في المناطق التي تكون فيها الهياكل الاقتصادية والسياسية الرسمية ضعيفة أو غائبة.
وتشير الدراسة إلى أن زيادة اقتصاد الظل في البلدان النامية تقلل من السيطرة على الإرهاب، وأن جميع الأعمال الإرهابية تتركز في المواقع التي تسود فيها الصراعات العرقية والدينية، وأن توسع الاقتصادات الموازية يسهل التدفقات النقدية الخفية، والتي تعمل كأرض خصبة لنمو الإرهاب.
في لبنان، ازداد الاعتماد على اقتصاد الظل بسبب الأوضاع الاقتصادية الهشة والتوترات السياسية، بينما توسع الاقتصاد الموازي في إيران على مدى السنوات الخمس الماضية، مدفوعاً بالعقوبات وعدم الاستقرار الاقتصادي وحاجة الكثير من الإيرانيين إلى إيجاد وسائل بديلة لكسب العيش.
وفي حين وفّر الاقتصاد الموازي بعض المرونة في مواجهة الضغوط الاقتصادية، فقد ساهم أيضاً في التفاوت الاجتماعي والاضطرابات. ومن شأن الأحداث الأخيرة أن تعزز الاعتماد على اقتصاد الظل أو الموازي في كلَي البلدين في الفترة المقبلة.
وبحسب دراسة بعنوان “مخاطر التنمية الاقتصادية في لبنان، العوامل العالمية والواقع المحلي للاقتصاد الموازي في ظل الأزمة المالية”، فقد قُدّر حجم الاقتصاد غير الرسمي في لبنان بنحو 31.6 في المئة لعام 2024، وهو ما يُعادل نحو 20 مليار دولار على مستوى الناتج المحلي الإجمالي حسب تعادل القوة الشرائية. بينما بلغ في إيران لعام 2020 ما يُقارب من 37.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
يمكن حساب اقتصاد الظل أو الموازي من خلال اعتماد نماذج إحصائية وتضمين بيانات الدخل والنفقات والامتثال الضريبي، والتضخم والبطالة والانفتاح التجاري وحجم قطاع البناء. ولا بدّ من التأكيد على أن اقتصاد الظل مرتبط بشكل إيجابي باستخدام النقد، وبشكل سلبي بمعدل مشاركة القوى العاملة والناتج المحلي الإجمالي.
أما بالنسبة الى النموذج الإحصائي المستخدم، فنجد أن نموذج MIMIC (مؤشرات متعددة وأسباب متعددة) مناسب، إذ يجمع بين مؤشرات مختلفة لتقدير حجم الاقتصاد الموازي أو الخفي من دون الاعتماد فقط على التقارير المباشرة.
وفي مثال عملي لقياس اقتصاد الظل لإيران، وبالاعتماد على ما ذُكر أعلاه، تعرض دراسة كيفية الحصول على بيانات تقريبية لاقتصاد الظل بين عامي 1978-2019.
وفيما يلي رسم بياني للسنوات العشر الأخيرة حتى عام 2019 لبيانات الظل:
وبعد كل هذا التوتر والصراعات في الشرق الأوسط والعالم، هل هناك احتمال لدخول الاقتصاد العالمي في ركود حاد؟
يرى خالد التركاوي، وهو باحث رئيسي متخصص في الشؤون الاقتصادية في مركز جسور للدراسات في اسطنبول، أن ما حصل من اغتيالات فهو أمر ليس بالجديد، فقد سبق أن اغتيل قادة مهمون في حركة حماس وحزب الله، وبالتالي لن يكون تأثير اغتيال اسماعيل هنية خطير جداً على الاقتصاد، ولن تؤدي الاغتيالات لوحدها إلى دخول العالم مرحلة الركود الاقتصادي، ولو أنها تسببت في تداعيات وتأثيرات حدثت بالفعل، مثل تغيرات في المؤشرات وأسعار النفط كما لاحظنا، ولكن الاقتصاد العالمي بالأساس يحتوي على مشاكل كثيرة منها حرب روسيا وأوكرانيا وتداعياتها، بالإضافة إلى أن دول الشرق الأوسط تعيش في توترات وتحديات سياسية واقتصادية كبيرة، بالتالي جاءت هذه الأحداث الأخيرة لتزيد من حدّة التأثيرات بشكل طبيعي.
يذكر التركاوي أن اقتصاد إيران والعراق يعتمد بشكل كبير على الاقتصاد الأسود (اقتصاد الظل أو الموازي) من خلال عمليات مختلفة، أبرزها تهريب النفط، ما يشير الى أن الوضع سيبقى على حاله.
إقرأوا أيضاً:










