ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اقتصاد التفاهة: “د. فود” نموذجاً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التفاهة، عندما تجمع ملايين المتابعين، وتحرك أموال الإعلانات، وتحدد ما يشاهده الناس وما يتحدثون عنه، وتقدم لهم كل يوم نماذج عن الحب والزواج والمال والجسد والنجاح والرجولة والأنوثة، لا تعود تفاهة فقط، تصبح سلطة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من فيديوهات الزواج والحمل إلى الخلافات والطلاق، وصولاً إلى مشاهد الاعتداء على شروق، تحوّلت حياة “دكتور فود” وزوجته السابقة إلى محتوى يتابعه الملايين. لكن قصتهما ليست سوى نموذج لمشهد أكبر، أصبحت فيه حياة المؤثرين الخاصة سلعة، والفضيحة مصدر تفاعل، وحتى العنف مادة “للفرجة”.

يكفي أن تفتح هاتفك لتدخل عالماً موازياً. مؤثر يتشاجر مع زوجته، وآخر يصوّر ولادتها، وثالث يبيعك منتجاً بين نصيحتين عن الزواج، ورابعة تحوّل طلاقها إلى حفلة. خلافات، خيانات، فضائح، سيارات، حقائب، أطفال، دموع واعتذارات. كل شيء قابل للتصوير، وكل شيء قابل للبيع. ثم يظهر فيديو لرجل يضرب زوجته الحامل.

يصبح الفيديو نفسه “محتوى”. يُعاد نشره وتقطيعه والتعليق عليه، ويبدأ البعض بمحاكمة المرأة: ماذا فعلت؟ لماذا بقيت؟ هل تستغل ما حدث؟ ماذا ستقول؟ وكيف سيرد هو؟

هكذا دخلت مشاهد الاعتداء على شروق إلى المسلسل الطويل الذي يتابعه الجمهور عن حياتها مع جورج ديب، المعروف بـ”دكتور فود”. لكن المشكلة هنا أكبر بكثير من شروق و”دكتور فود”، وأكبر من السؤال عن أيهما نحب وأيهما نصدق.

يمكن انتقاد شروق ومحتواها وكل الاستعراض الذي رافق زواجها وطلاقها. لا يحتاج أحد إلى الدفاع عنها أو تحويلها إلى بطلة. لكن الرجل الذي يضرب زوجته معنِّف. هذه ليست مسألة ذوق ولا موقفاً من شخصيتها.

أما السؤال الأكثر إزعاجاً فهو: كيف وصلنا إلى مكان يمكن فيه حتى للعنف أن يصبح جزءاً من العرض؟

لسنوات، كان من السهل السخرية من عالم المؤثرين في لبنان باعتباره مساحة للتفاهة والاستعراض. لكن ربما أخطأنا في اعتباره مجرد تفاهة.

لأن التفاهة، عندما تجمع ملايين المتابعين، وتحرك أموال الإعلانات، وتحدد ما يشاهده الناس وما يتحدثون عنه، وتقدم لهم كل يوم نماذج عن الحب والزواج والمال والجسد والنجاح والرجولة والأنوثة، لا تعود تفاهة فقط، تصبح سلطة.

والمشكلة في مشهد المؤثرين اللبنانيين اليوم ليست أنه أصبح سخيفاً إلى حد يصعب احتماله. المشكلة أننا لم ننتبه إلى مدى خطورته إلا بعدما أصبحنا جميعاً جزءاً من جمهوره.

صناعة لا تبيع المنتجات فقط

قوة المؤثر لا تأتي فقط من عدد متابعيه. هناك مفهوم معروف في دراسات الإعلام باسم “العلاقة شبه الاجتماعية (Parasocial Relationship)”، شعور المتابع بأنه يعرف شخصية إعلامية أو مؤثراً معرفة شخصية، على رغم أن العلاقة تسير عملياً في اتجاه واحد. وهذه ليست مجرد فرضية نظرية.

في دراسة نشرتها مجلة Frontiers in Psychology وشملت 500 مراهق تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عاماً، وجد الباحثون أن عناصر مثل شعور المتابع بالتشابه مع المؤثر، والثقة به، وجاذبيته وقيمة المحتوى الترفيهية، ترتبط بتكوين علاقة شبه اجتماعية أقوى معه. والأهم أن قوة هذه العلاقة ارتبطت بدورها بنزعات مادية أكبر وبنية أعلى لشراء المنتجات التي يروّج لها المؤثر.

وتوصلت دراسة أخرى منشورة عام 2024 إلى نتيجة مشابهة: الأصالة التي ينسبها الجمهور إلى المؤثر، وشعوره بالتشابه معه، وقيمة المعلومات التي يقدمها، يمكن أن تعزز العلاقة شبه الاجتماعية، التي تؤثر بدورها في تقييم صدقية العلامات التجارية وفي نيات الشراء. وهنا نفهم لماذا أصبحت الحياة الشخصية نفسها جزءاً أساسياً من اقتصاد المؤثرين.

المؤثر لا يريدك فقط أن تشاهد إعلاناً. يريدك أن تعرف ماذا يأكل، وأين ينام، ومن يحب، ومتى تزوج، وكيف أعلن حمل زوجته، وماذا اشترى لطفله، وأين سافر، ولماذا تشاجر مع شريكه.

فكلما شعر الجمهور بأنه “يعرفه”، ازدادت قيمة العلاقة التي يستطيع تحويلها لاحقاً إلى مشاهدة أو تأثير أو مال. بل إن دراسة شملت 433 مشاركاً وجدت أن الإفصاح الحميمي عن الحياة الشخصية لدى المؤثرين يمكن أن يعزز نية شراء المنتجات التي يروجون لها، وأن العلاقة شبه الاجتماعية كانت أكثر تأثيراً في نيات المستهلكين السلوكية من صدقية المصدر نفسها. أي أن كشف الخصوصية ليس دائماً أثراً جانبياً للشهرة، يمكن أن يكون جزءاً من نموذجها الاقتصادي.

عندما تصبح الحياة منتجاً

هنا نفهم شيئاً آخر عن مشهد المؤثرين في لبنان: 

الزواج ليس مجرد زواج، إنه محتوى.

 الحمل محتوى. 

حفلة كشف جنس المولود محتوى.

الولادة محتوى.

الخلاف محتوى.

المصالحة محتوى.

الخيانة محتوى.

والطلاق، بطبيعة الحال، محتوى أيضاً.

وكل مرحلة تفتح الباب أمام الإعلانات والمشاهدات والتفاعل والمقابلات وإعادة النشر. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على انتباه الجمهور وظيفة يومية، لأن اقتصاد المنصات لا يكافئ بالضرورة الأكثر معرفة أو الأكثر اتزاناً، بل ما يجعل المستخدم يتوقف ويشاهد ويتفاعل.

وهنا تبدأ المنافسة على التصعيد. ما كان صادماً بالأمس يصبح عادياً اليوم. وما كان خاصاً يصبح قابلاً للنشر. وما كان يحتاج إلى حدود أخلاقية يصبح فرصة لـ”الترند”.

السؤال لم يعد: ماذا لديك لتقوله؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل كي لا ينظر الجمهور إلى شخص آخر؟

الغضب نفسه مكافأة

هذا ليس مجرد انطباع عن مواقع التواصل. في دراسة واسعة نُشرت في مجلة Science Advances، حلّل باحثون 12.7 مليون تغريدة تعود إلى أكثر من سبعة آلاف مستخدم، إلى جانب إجراء تجارب سلوكية. ووجدوا أن حصول المستخدم على تفاعل اجتماعي إيجابي بعد التعبير عن الغضب الأخلاقي يزيد احتمال أن يكرر هذا النوع من التعبير مستقبلاً. بمعنى آخر، يتعلم المستخدم أي نوع من المحتوى يكافئه الجمهور، ثم يعيد إنتاجه.

الأكثر إثارة للاهتمام أن دراسة أخرى تناولت ظاهرة “الهلع الأخلاقي” على مواقع التواصل، واعتمدت على ثماني دراسات شملت بيانات لمئات آلاف المنشورات وتجارب على نحو 1500 شخص، خلصت إلى أن مجرد رؤية المحتوى بوصفه واسع الانتشار يمكن أن يزيد إدراك الناس خطورة ما يشاهدونه ويدفع إلى مزيد من التعبير عن الغضب.

وهكذا تنشأ دائرة شبه مثالية للمنصات: شخص يفعل شيئاً مستفزاً، فيغضب الجمهور، فيعلّق ويشارك، فيزداد انتشار المحتوى، فيصبح الشخص أكثر شهرة، فيتعلم أن الاستفزاز ناجح، ثم يحتاج إلى جرعة جديدة منه. حتى الكراهية تصبح رأس مال. ليس ضرورياً أن يحبك الجمهور كي تنجح. يكفي أن يعجز عن تجاهلك.

من بيع المنتج إلى بيع نموذج للحياة

لكن الخطر لا يتعلق بما نشتريه فقط. المؤثرون لا يبيعون مطعماً أو مستحضر تجميل أو هاتفاً وحسب. هم يعرضون باستمرار صوراً عن النجاح والجمال والزواج والأمومة والأبوة والرجولة والأنوثة والثراء. وتصبح المشكلة أكثر حساسية حين يكون جزء كبير من الجمهور من المراهقين والشباب.

الدراسة التي تناولت 500 مراهق لم تجد فقط ارتباطاً بين العلاقة مع المؤثر ونية شراء المنتجات، بل أيضاً بين هذه العلاقة وبين مستويات أعلى من المادية، أي إعطاء المال والممتلكات أهمية أكبر في تعريف النجاح والسعادة. وفي بلد مثل لبنان، يصبح هذا التناقض أكثر فجاجة.

بلد يعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية واجتماعية قاسية، فيما تعرض الشاشات الصغيرة باستمرار عالماً موازياً من السيارات والحقائب والسفر والمطاعم والهدايا وحفلات الزفاف والمنازل الفاخرة. المشكلة ليست أن شخصاً ثرياً يعرض ثراءه. بل إن هذا الاستعراض اليومي يصبح تدريجياً أحد المقاييس التي يتعلم عبرها الجمهور كيف يبدو “النجاح”.

حين يدخل العنف إلى الفرجة

ثم نصل إلى اللحظة الأخطر. إذا كانت العلاقة والحمل والزواج والطلاق كلها محتوى، ماذا يحدث عندما يظهر العنف؟ هذا ما يجعل قضية شروق و”دكتور فود” مهمة أبعد من الشخصين نفسيهما.

فالتسجيل الذي يظهر اعتداءً جسدياً لم يبقَ دليلاً على سلوك عنيف فقط، هو دخل فوراً في اقتصاد المشاهدة نفسه، أعيد نشره، قُطع، عُلّق عليه، استُخدم في فيديوهات، دخل في نقاشات حول الطرفين، وتحولت لحظة يفترض أن تثير نقاشاً عن العنف الأسري إلى مادة أخرى ضمن “قصة شروق ودكتور فود”. وهنا يحدث تحول خطير للغاية.

العنف يصبح  entertainment 

والضحية تصبح  character 

والمعنِّف يصبح  character 

والجمهور ينتظر الحلقة المقبلة.

المشكلة ليست في “تفاهة” المؤثرين

قد يكون من المريح أن ننهي النقاش بوصف هؤلاء الأشخاص بـ”التافهين”. لكن ذلك يعفينا من السؤال الأصعب. كيف أصبحوا بهذه القوة؟ من يتابعهم؟ من يعلن لديهم؟ من يستضيفهم؟ من يحول خلافاتهم إلى أخبار؟ ومن يمنحهم، كل يوم، العملة الأهم في الاقتصاد الرقمي: الانتباه؟

لا يحتاج لبنان إلى شرطة أخلاق تحدد للناس ما يجوز نشره وما لا يجوز. وليس المطلوب أن نقرر من “يستحق” الشهرة. للناس حق إنتاج محتوى سخيف، وللآخرين حق مشاهدته. لكن علينا التوقف عن التعامل مع هذه الصناعة باعتبارها بلا أثر فقط لأنها تبدو مضحكة.

فالأبحاث تقول شيئاً أكثر تعقيداً: المتابع يستطيع أن يبني علاقة نفسية حقيقية مع شخص لا يعرفه، وهذه العلاقة يمكن أن تؤثر في سلوكه الاستهلاكي ونظرته إلى المال، فيما تكافئ بنية المنصات المحتوى الذي يولد التفاعل والانفعال وتعلّم منتجيه أن يكرروا ما يجلب الانتباه.

عندها لا تعود المسألة مجرد مجموعة أشخاص يستعرضون حياتهم أمام الكاميرا.

نحن أمام صناعة تنتج قيماً ونماذج اجتماعية وسلوكاً، وتملك جمهوراً بالملايين، من دون أن تمتلك بالضرورة أي مسؤولية تتناسب مع هذه السلطة.

ولهذا ربما يكون السؤال الذي تطرحه قضية شروق و”دكتور فود” أقل إثارة من تفاصيل زواجهما وطلاقهما، لكنه أكثر أهمية:

ماذا يحدث لمجتمع عندما تصبح حياته العامة رهينة أشخاص لا يحتاجون إلى تقديم شيء سوى قدرتهم المستمرة على إبقائنا أمام الشاشة؟ وعندما يصبح فيديو رجل يضرب زوجته الحامل مجرد “ترند” آخر، فالمشكلة لم تعد في المؤثر وحده.

المشكلة في المنظومة التي تعلمت كيف تحوّل كل شيء، حتى العنف، إلى محتوى.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".

التفاهة، عندما تجمع ملايين المتابعين، وتحرك أموال الإعلانات، وتحدد ما يشاهده الناس وما يتحدثون عنه، وتقدم لهم كل يوم نماذج عن الحب والزواج والمال والجسد والنجاح والرجولة والأنوثة، لا تعود تفاهة فقط، تصبح سلطة.

من فيديوهات الزواج والحمل إلى الخلافات والطلاق، وصولاً إلى مشاهد الاعتداء على شروق، تحوّلت حياة “دكتور فود” وزوجته السابقة إلى محتوى يتابعه الملايين. لكن قصتهما ليست سوى نموذج لمشهد أكبر، أصبحت فيه حياة المؤثرين الخاصة سلعة، والفضيحة مصدر تفاعل، وحتى العنف مادة “للفرجة”.

يكفي أن تفتح هاتفك لتدخل عالماً موازياً. مؤثر يتشاجر مع زوجته، وآخر يصوّر ولادتها، وثالث يبيعك منتجاً بين نصيحتين عن الزواج، ورابعة تحوّل طلاقها إلى حفلة. خلافات، خيانات، فضائح، سيارات، حقائب، أطفال، دموع واعتذارات. كل شيء قابل للتصوير، وكل شيء قابل للبيع. ثم يظهر فيديو لرجل يضرب زوجته الحامل.

يصبح الفيديو نفسه “محتوى”. يُعاد نشره وتقطيعه والتعليق عليه، ويبدأ البعض بمحاكمة المرأة: ماذا فعلت؟ لماذا بقيت؟ هل تستغل ما حدث؟ ماذا ستقول؟ وكيف سيرد هو؟

هكذا دخلت مشاهد الاعتداء على شروق إلى المسلسل الطويل الذي يتابعه الجمهور عن حياتها مع جورج ديب، المعروف بـ”دكتور فود”. لكن المشكلة هنا أكبر بكثير من شروق و”دكتور فود”، وأكبر من السؤال عن أيهما نحب وأيهما نصدق.

يمكن انتقاد شروق ومحتواها وكل الاستعراض الذي رافق زواجها وطلاقها. لا يحتاج أحد إلى الدفاع عنها أو تحويلها إلى بطلة. لكن الرجل الذي يضرب زوجته معنِّف. هذه ليست مسألة ذوق ولا موقفاً من شخصيتها.

أما السؤال الأكثر إزعاجاً فهو: كيف وصلنا إلى مكان يمكن فيه حتى للعنف أن يصبح جزءاً من العرض؟

لسنوات، كان من السهل السخرية من عالم المؤثرين في لبنان باعتباره مساحة للتفاهة والاستعراض. لكن ربما أخطأنا في اعتباره مجرد تفاهة.

لأن التفاهة، عندما تجمع ملايين المتابعين، وتحرك أموال الإعلانات، وتحدد ما يشاهده الناس وما يتحدثون عنه، وتقدم لهم كل يوم نماذج عن الحب والزواج والمال والجسد والنجاح والرجولة والأنوثة، لا تعود تفاهة فقط، تصبح سلطة.

والمشكلة في مشهد المؤثرين اللبنانيين اليوم ليست أنه أصبح سخيفاً إلى حد يصعب احتماله. المشكلة أننا لم ننتبه إلى مدى خطورته إلا بعدما أصبحنا جميعاً جزءاً من جمهوره.

صناعة لا تبيع المنتجات فقط

قوة المؤثر لا تأتي فقط من عدد متابعيه. هناك مفهوم معروف في دراسات الإعلام باسم “العلاقة شبه الاجتماعية (Parasocial Relationship)”، شعور المتابع بأنه يعرف شخصية إعلامية أو مؤثراً معرفة شخصية، على رغم أن العلاقة تسير عملياً في اتجاه واحد. وهذه ليست مجرد فرضية نظرية.

في دراسة نشرتها مجلة Frontiers in Psychology وشملت 500 مراهق تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عاماً، وجد الباحثون أن عناصر مثل شعور المتابع بالتشابه مع المؤثر، والثقة به، وجاذبيته وقيمة المحتوى الترفيهية، ترتبط بتكوين علاقة شبه اجتماعية أقوى معه. والأهم أن قوة هذه العلاقة ارتبطت بدورها بنزعات مادية أكبر وبنية أعلى لشراء المنتجات التي يروّج لها المؤثر.

وتوصلت دراسة أخرى منشورة عام 2024 إلى نتيجة مشابهة: الأصالة التي ينسبها الجمهور إلى المؤثر، وشعوره بالتشابه معه، وقيمة المعلومات التي يقدمها، يمكن أن تعزز العلاقة شبه الاجتماعية، التي تؤثر بدورها في تقييم صدقية العلامات التجارية وفي نيات الشراء. وهنا نفهم لماذا أصبحت الحياة الشخصية نفسها جزءاً أساسياً من اقتصاد المؤثرين.

المؤثر لا يريدك فقط أن تشاهد إعلاناً. يريدك أن تعرف ماذا يأكل، وأين ينام، ومن يحب، ومتى تزوج، وكيف أعلن حمل زوجته، وماذا اشترى لطفله، وأين سافر، ولماذا تشاجر مع شريكه.

فكلما شعر الجمهور بأنه “يعرفه”، ازدادت قيمة العلاقة التي يستطيع تحويلها لاحقاً إلى مشاهدة أو تأثير أو مال. بل إن دراسة شملت 433 مشاركاً وجدت أن الإفصاح الحميمي عن الحياة الشخصية لدى المؤثرين يمكن أن يعزز نية شراء المنتجات التي يروجون لها، وأن العلاقة شبه الاجتماعية كانت أكثر تأثيراً في نيات المستهلكين السلوكية من صدقية المصدر نفسها. أي أن كشف الخصوصية ليس دائماً أثراً جانبياً للشهرة، يمكن أن يكون جزءاً من نموذجها الاقتصادي.

عندما تصبح الحياة منتجاً

هنا نفهم شيئاً آخر عن مشهد المؤثرين في لبنان: 

الزواج ليس مجرد زواج، إنه محتوى.

 الحمل محتوى. 

حفلة كشف جنس المولود محتوى.

الولادة محتوى.

الخلاف محتوى.

المصالحة محتوى.

الخيانة محتوى.

والطلاق، بطبيعة الحال، محتوى أيضاً.

وكل مرحلة تفتح الباب أمام الإعلانات والمشاهدات والتفاعل والمقابلات وإعادة النشر. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحفاظ على انتباه الجمهور وظيفة يومية، لأن اقتصاد المنصات لا يكافئ بالضرورة الأكثر معرفة أو الأكثر اتزاناً، بل ما يجعل المستخدم يتوقف ويشاهد ويتفاعل.

وهنا تبدأ المنافسة على التصعيد. ما كان صادماً بالأمس يصبح عادياً اليوم. وما كان خاصاً يصبح قابلاً للنشر. وما كان يحتاج إلى حدود أخلاقية يصبح فرصة لـ”الترند”.

السؤال لم يعد: ماذا لديك لتقوله؟ بل: ماذا تستطيع أن تفعل كي لا ينظر الجمهور إلى شخص آخر؟

الغضب نفسه مكافأة

هذا ليس مجرد انطباع عن مواقع التواصل. في دراسة واسعة نُشرت في مجلة Science Advances، حلّل باحثون 12.7 مليون تغريدة تعود إلى أكثر من سبعة آلاف مستخدم، إلى جانب إجراء تجارب سلوكية. ووجدوا أن حصول المستخدم على تفاعل اجتماعي إيجابي بعد التعبير عن الغضب الأخلاقي يزيد احتمال أن يكرر هذا النوع من التعبير مستقبلاً. بمعنى آخر، يتعلم المستخدم أي نوع من المحتوى يكافئه الجمهور، ثم يعيد إنتاجه.

الأكثر إثارة للاهتمام أن دراسة أخرى تناولت ظاهرة “الهلع الأخلاقي” على مواقع التواصل، واعتمدت على ثماني دراسات شملت بيانات لمئات آلاف المنشورات وتجارب على نحو 1500 شخص، خلصت إلى أن مجرد رؤية المحتوى بوصفه واسع الانتشار يمكن أن يزيد إدراك الناس خطورة ما يشاهدونه ويدفع إلى مزيد من التعبير عن الغضب.

وهكذا تنشأ دائرة شبه مثالية للمنصات: شخص يفعل شيئاً مستفزاً، فيغضب الجمهور، فيعلّق ويشارك، فيزداد انتشار المحتوى، فيصبح الشخص أكثر شهرة، فيتعلم أن الاستفزاز ناجح، ثم يحتاج إلى جرعة جديدة منه. حتى الكراهية تصبح رأس مال. ليس ضرورياً أن يحبك الجمهور كي تنجح. يكفي أن يعجز عن تجاهلك.

من بيع المنتج إلى بيع نموذج للحياة

لكن الخطر لا يتعلق بما نشتريه فقط. المؤثرون لا يبيعون مطعماً أو مستحضر تجميل أو هاتفاً وحسب. هم يعرضون باستمرار صوراً عن النجاح والجمال والزواج والأمومة والأبوة والرجولة والأنوثة والثراء. وتصبح المشكلة أكثر حساسية حين يكون جزء كبير من الجمهور من المراهقين والشباب.

الدراسة التي تناولت 500 مراهق لم تجد فقط ارتباطاً بين العلاقة مع المؤثر ونية شراء المنتجات، بل أيضاً بين هذه العلاقة وبين مستويات أعلى من المادية، أي إعطاء المال والممتلكات أهمية أكبر في تعريف النجاح والسعادة. وفي بلد مثل لبنان، يصبح هذا التناقض أكثر فجاجة.

بلد يعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية واجتماعية قاسية، فيما تعرض الشاشات الصغيرة باستمرار عالماً موازياً من السيارات والحقائب والسفر والمطاعم والهدايا وحفلات الزفاف والمنازل الفاخرة. المشكلة ليست أن شخصاً ثرياً يعرض ثراءه. بل إن هذا الاستعراض اليومي يصبح تدريجياً أحد المقاييس التي يتعلم عبرها الجمهور كيف يبدو “النجاح”.

حين يدخل العنف إلى الفرجة

ثم نصل إلى اللحظة الأخطر. إذا كانت العلاقة والحمل والزواج والطلاق كلها محتوى، ماذا يحدث عندما يظهر العنف؟ هذا ما يجعل قضية شروق و”دكتور فود” مهمة أبعد من الشخصين نفسيهما.

فالتسجيل الذي يظهر اعتداءً جسدياً لم يبقَ دليلاً على سلوك عنيف فقط، هو دخل فوراً في اقتصاد المشاهدة نفسه، أعيد نشره، قُطع، عُلّق عليه، استُخدم في فيديوهات، دخل في نقاشات حول الطرفين، وتحولت لحظة يفترض أن تثير نقاشاً عن العنف الأسري إلى مادة أخرى ضمن “قصة شروق ودكتور فود”. وهنا يحدث تحول خطير للغاية.

العنف يصبح  entertainment 

والضحية تصبح  character 

والمعنِّف يصبح  character 

والجمهور ينتظر الحلقة المقبلة.

المشكلة ليست في “تفاهة” المؤثرين

قد يكون من المريح أن ننهي النقاش بوصف هؤلاء الأشخاص بـ”التافهين”. لكن ذلك يعفينا من السؤال الأصعب. كيف أصبحوا بهذه القوة؟ من يتابعهم؟ من يعلن لديهم؟ من يستضيفهم؟ من يحول خلافاتهم إلى أخبار؟ ومن يمنحهم، كل يوم، العملة الأهم في الاقتصاد الرقمي: الانتباه؟

لا يحتاج لبنان إلى شرطة أخلاق تحدد للناس ما يجوز نشره وما لا يجوز. وليس المطلوب أن نقرر من “يستحق” الشهرة. للناس حق إنتاج محتوى سخيف، وللآخرين حق مشاهدته. لكن علينا التوقف عن التعامل مع هذه الصناعة باعتبارها بلا أثر فقط لأنها تبدو مضحكة.

فالأبحاث تقول شيئاً أكثر تعقيداً: المتابع يستطيع أن يبني علاقة نفسية حقيقية مع شخص لا يعرفه، وهذه العلاقة يمكن أن تؤثر في سلوكه الاستهلاكي ونظرته إلى المال، فيما تكافئ بنية المنصات المحتوى الذي يولد التفاعل والانفعال وتعلّم منتجيه أن يكرروا ما يجلب الانتباه.

عندها لا تعود المسألة مجرد مجموعة أشخاص يستعرضون حياتهم أمام الكاميرا.

نحن أمام صناعة تنتج قيماً ونماذج اجتماعية وسلوكاً، وتملك جمهوراً بالملايين، من دون أن تمتلك بالضرورة أي مسؤولية تتناسب مع هذه السلطة.

ولهذا ربما يكون السؤال الذي تطرحه قضية شروق و”دكتور فود” أقل إثارة من تفاصيل زواجهما وطلاقهما، لكنه أكثر أهمية:

ماذا يحدث لمجتمع عندما تصبح حياته العامة رهينة أشخاص لا يحتاجون إلى تقديم شيء سوى قدرتهم المستمرة على إبقائنا أمام الشاشة؟ وعندما يصبح فيديو رجل يضرب زوجته الحامل مجرد “ترند” آخر، فالمشكلة لم تعد في المؤثر وحده.

المشكلة في المنظومة التي تعلمت كيف تحوّل كل شيء، حتى العنف، إلى محتوى.