ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

اكتشاف الغاز الطبيعي في الأردن… “زلّة اللسان” التي أشعلت الجدل حول سطوة إسرائيل!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
عدي مجيد

الحديث عن وجود نفط وغاز بكميات تجارية في الأردن قائم منذ سنوات، وهناك دوماً أحاديث عن “دراسات” تُثبت وجود كميات كبيرة من الثروات الطبيعية، مما يشعل  الجدل والتساؤل عن سبب عدم استخراج هذه الثروات، وأحياناً حقيقة وجودها!.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عاد مدير المصادر الطبيعية في وزارة الطاقة الأردنية بهجت العدوان، إلى ساحة الجدل في الأردن، بعد أن أعلن اكتشاف كميات تجارية من الغاز في حقل الريشة في شمال شرق الأردن، مشيراً إلى أن “الدراسات” كشفت عن كمية “تقدّر بـ9.4 تريليون قدم مكعب”.

سبق وأن أثار العدوان  موجة من  الجدل عام 2021 وصلت حدّ السخرية، كونه صاحب فكرة “زجاجة النفط” التي أهدتها وزيرة الطاقة حينها هالة زواتي إلى رئيس الوزراء بشر الخصاونة، إثر رفع القدرة الإنتاجية لحقل حمزة النفطي إلى ألفي برميل يومياً، وتقدّم على إثرها باستقالته، التي رفضتها الوزيرة.

أضاف العدوان في تصريحاته الحالية أن  هذا الحجم من الاكتشاف يعني “نحو 70 مليار دولار من المبيعات”، إذ تشير “الدراسات” التي استند إليها العدوان إلى أن الكمية المكتشفة “تغطي احتياجات السوق المحلي وتكفي للتصدير”.

لكن، لم تُنشَر بعد نتائج هذه “الدراسات”، وتحوّلت تصريحات العدوان إلى “تريند” على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت التقديرات حول إمكانية الاستهلاك المحلي والتصدير،  الشأن الذي أشار إليه المختص بالشؤون الاقتصادية عوني الداوود، الذي أشار إلى إن “الكميات المعلنة تعني دعم احتياجات الأردن من الغاز الطبيعي لنحو 60 عاماً، مع الأخد في الحسبان اعتماد النظام الكهربائي ومعظم المصانع على ما نسبته 66% من الغاز”.

تصريحات العدوان وآمال المختصين والمحللين أحبطتها على الفور الناطقة باسم وزارة الطاقة ليندا النعيمات، التي لم تنفِ ما جاء في تصريحات العدوان ولم تؤكدها، بل اكتفت بالقول إنه “لا يمكن الحديث حالياً عن قدرات تصديرية، وإن كميات الغاز التي تنتَج ربما تكون لسد جزء فقط من احتياجات الطاقة المحلية”.

لا نعلم إن كان تصريح العدوان متسرعاً أو “زلّة لسان” أو محاولة للضغط على الحكومة، خصوصاً أن نتائج الدراسة لم تُنشَر بعد، ناهيك بموقف العدوان المنتقد بشدة لاعتماد الأردن على الغاز الإسرائيلي، القضية التي تحرّك الشارع الأردني إلى حد رفع شعار “غاز العدو احتلال”.

الثروات الطبيعية: الحكومة تنفي والدراسات تُثبت وإسرائيل تهدد!

الحديث عن وجود نفط وغاز بكميات تجارية في الأردن قائم منذ سنوات، وهناك دوماً أحاديث عن “دراسات” تُثبت وجود كميات كبيرة من الثروات الطبيعية، مما يشعل  الجدل والتساؤل عن سبب عدم استخراج هذه الثروات، وأحياناً حقيقة وجودها!.

تنفي الحكومة وجود هكذا  “دراسات” وتقول إنها مجرد “مراسلات داخلية”. في حين العام الفائت مثلاً، وخلال حوار على “قناة رؤيا” الأردنية، نشر الدكتور زهير الصادق الخبير في مجال التنقيب عن النفط والنائب السابق لرئيس مجلس إدارة سلطة المصادر الطبيعية، على الهواء مباشرة ما قال إنه وثائق حكومية، تشير إلى وجود “2 مليار برميل نفط ثقيل” في منطقة الأزرق.

المختلف حالياً في تصريحات العدوان والرد الرسمي عليها هو سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ قامت إسرائيل بإيقاف العمل في حقل غاز تمار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بعد يومين من “طوفان الأقصى”، الحقل الذي يغذّي الأردن، والذي عاد إلى العمل بعد أقل من شهر على إغلاقه. ومطلع هذا العام تم الاتفاق مع شركة “شيفرون” المشغّلة للحقل، بزيادة كمية الإنتاج بنسبة 60% ستستفيد منها الأردن أيضاً.

اعتماد الأردن على الغاز الإسرائيلي يُعتبَر ورقة ضغط على المملكة، ليس على المستوى السياسي فقط، بل الاقتصادي أيضاً، عبر اتفاقيتين ملزمتين لاستيراد الغاز من إسرائيل، الأولى تشمل حقل تمار وتستمر لـ 15 عاماً، والثانية حقل ليفياثان، وهي محصورة بتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية مدة 15 عاماً أيضاً، حيث يعتمد قطاع الكهرباء في الأردن بنسبة 73 في المئة على الغاز المستورد من إسرائيل.

هذه الاتفاقيات عارضها الشارع الأردني لسنوات، وطالب بإلغائها وعدم رهن الأردن للقرار السياسي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل وجود إئتلاف يميني حاكم يقف بعيداً تماماً عن الجانب الأردني، ويهدّد صراحةً بقطع الماء والغاز عن الأردن بعد كل خلاف في المواقف من القضية الفلسطينية والتوطين والانتهاكات الإسرائيلية للأقصى؛ ويبدو أن مخاوف الأردن من وقف إمدادات الغاز الإسرائيلي تصاعدت منذ بدء الحرب في غزة، خصوصاً أن التهديدات الخاصة بالأردن جاءت على لسان  روني مزراحي رجل الأعمال المقرّب من نتانياهو، الذي قال بوضوح” الأردن هي الدولة الثانية (بعد لبنان) حيث سيصبح للإيرانيين مصالح هناك”.

يضاف إلى ذلك الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، نهاية العام الماضي، الذي قال في مقابلة مع الجزيرة: “إن الأردن لن توقّع اتفاقية لتبادل الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل”، وأضاف: “لأنه لا يمكن لوزير أردني أن يجلس إلى جانب وزير إسرائيلي لتوقيع اتفاق، بينما هم يقتلون إخواننا في غزة”، في حين أعلن رئيس الوزراء بشر الخصاونة أن اتفاقية الغاز مع إسرائيل “ليست على طاولة الإلغاء”، و”أن الأردن يحترم التزاماته التعاقدية”.

الحكومة الأردنية في صلب اتفاقيات الغاز مع إسرائيل!

نفت الحكومات الأردنية المتعاقبة أن يكون للدولة الأردنية أي دور في اتفاقيات الغاز الإسرائيلية، وأكدت أنها اتفاقية تجارية معقودة بين شركتين، ولا يحق للحكومة عرضها على مجلس النواب بحسب المادة 33 من الدستور الأردني، لكن نصوص الاتفاقية بيّنت فيما بعد أن الحكومة الأردنية جزء لا يتجزأ من الاتفاقية.

إذ تمتلك الحكومة الأردنية شركة الكهرباء الوطنية بشكل كامل، وهناك شرط يقضي بإبرام الحكومة الأردنية ونظيرتها الإسرائيلية، اتفاقية ثنائية أخرى تتعلّق بتدفّق الغاز بين البلدين.

تُشير الاتفاقية أيضاً إلى  وجود دور خاص لوزارة الطاقة والثروة المعدنية تنصّ عليه في الفقرة 4.4، التي تتعلّق بتلقّي الوزارة  الإشعارات بالنيابة عن الحكومة الأردنية، والتصرّف والدفع ومتابعة ومعالجة أي تقصير قد ينشأ عن شركة الكهرباء الوطنية.

هذه التناقضات والتضاربات في التصريحات الرسمية في ملف الغاز الإسرائيلي، ومن قبله مشروع الصخر الزيتي، حفرت عميقاً في وعي الأردنيين، ولا يمكن للمبررات التي تقدّمها  الحكومة عن تبعات هذا الاكتشاف الكبير ألا يرتبط مع الشارع.

كما تشير إلى  وجود نوايا وراء هذا التردد في بث الأمل في نفوس المواطنين، تتعلّق بخسارة الحكومة للقضية المرفوعة من قبلها، بخصوص مشروع العطارات لاستخراج الصخر الزيتي، وتورّطها من ناحية أخرى باتفاقية الغاز الإسرائيلي التي حاربت الشارع لتوقيعها، ونفت مراراً أن تكون اتفاقية رسمية وأنها تجارية بحتة ومن خلال شركة “نوبل إنرجي” الأميركية.

تاريخ من التردد الأردني 

سابقاً، وفي عام 2006 استبشر الأردنيون بثروة من الاستثمار في الصخر الزيتي، وأطلقت الحكومة مشروع استغلال الصخر الزيتي، التي وقّعت وزارة الطاقة والثروة المعدنية إثره ثلاث مذكّرات تفاهم مع شركات متخصصة، لتظلّ بعدها هذه المقترحات والمشاريع حبيسة الدراسات والمشاورات بين 14 وزيراً للطاقة تعاقب عليها، حتى دخل الأردن أزمة طاقة عام 2011 من دون أن نفهم سبب ذلك.

وعام 2012 قدّر  مدير تطوير مشروع الأردن في شركة “إينيفت” الإستونية أندريس إنيجالج ، امتلاك الأردن  “مخزوناً ضخماً من خامات الصخر الزيتي يتراوح بين 40 و 80 مليار طن تتركز في وسط المملكة”، وأن هذه الكمية “تكفي المملكة مدة 900 عام وأكثر بحسب حجم الاستخدام الحالي من الطاقة” . 

مع استمرار  أزمة الطاقة، خرج مشروع العطارات لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي في العام 2017، بالاتفاق مع الشركة الوطنية الإستونية للطاقة “إينيفت” لكن مع اقتراب إتمام المشروع أعلنت وزيرة الطاقة حينها هالة زواتي، أن الحكومة ستلجأ إلى التحكيم الدولي ضدّ شركة “إينيفت” على أرضية “الغبن الفاحش” في تعرفة شراء الطاقة من المشروع، على إثر مطالبة البنك الدولي الحكومة الأردنية، بإعادة النظر في تكلفة تشغيل مشروع العطارات ومراجعة تشغيله، لعدم جدواه الاقتصادية وغياب إنتاجيته.

وبعد أربعة أعوام من التقاضي، ردّت هيئة التحكيم القضية بعدما قررت أنه لا يوجد غبن فاحش في التعرفة. وعليه، صار لزاماً على شركة الكهرباء الوطنية شراء الطاقة من المحطة التي تعمل الآن بكامل طاقتها ولمدّة 30 عاماً؛ ومع بدايات الحرب الإسرائيلة على غزة، ظهرت تخوّفات حكومية من وقف توريد الغاز الإسرائيلي، وبدأت البحث عن حلول لأزماتها المركّبة، خصوصاً في ظل ما أعلنته حملة “غاز العدو احتلال” من خلال تصريحات شركتي “نوبل إنرجي” الأميركية و”ديليك” الإسرائيلية، أن اتفاقيات الغاز الإسرائيلي تحوي ضمانات هائلة مُترتّبة على شركة الكهرباء الوطنية، تتمثّل بكفالات تقدمها الحكومة الأردنية، تتجاوز مليار و 600 مليون دولار، في حال أخلّ الطرف الأردني بالاتفاقية أو تراجع عنها.

ربما وجدت الحكومة الأردنية نفسها محاطة بضغوطات اتفاقية الغاز الإسرائيلية من جهة، وفشل مشروع الصخر الزيتي من جهة أخرى، فاضطرت أخيراً إلى الكشف عن ورقة الغاز الطبيعي، لكنها ربما لم تودّ أن تكشف كافة أوراقها أمام المواطنين، كي لا تجد نفسها محاطة بالضغط الشعبي، لكن عدم نشر الدراسة، والتعامل مع تصريح بهجت العدوان كنوع من أنواع التسريب أو زلّة اللسان أو حتى “كشف الحقيقة”، يُفقدها جدّيتها، خصوصاً بعد تعليق وزارة الطاقة.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
14.11.2024
زمن القراءة: 6 minutes

الحديث عن وجود نفط وغاز بكميات تجارية في الأردن قائم منذ سنوات، وهناك دوماً أحاديث عن “دراسات” تُثبت وجود كميات كبيرة من الثروات الطبيعية، مما يشعل  الجدل والتساؤل عن سبب عدم استخراج هذه الثروات، وأحياناً حقيقة وجودها!.

عاد مدير المصادر الطبيعية في وزارة الطاقة الأردنية بهجت العدوان، إلى ساحة الجدل في الأردن، بعد أن أعلن اكتشاف كميات تجارية من الغاز في حقل الريشة في شمال شرق الأردن، مشيراً إلى أن “الدراسات” كشفت عن كمية “تقدّر بـ9.4 تريليون قدم مكعب”.

سبق وأن أثار العدوان  موجة من  الجدل عام 2021 وصلت حدّ السخرية، كونه صاحب فكرة “زجاجة النفط” التي أهدتها وزيرة الطاقة حينها هالة زواتي إلى رئيس الوزراء بشر الخصاونة، إثر رفع القدرة الإنتاجية لحقل حمزة النفطي إلى ألفي برميل يومياً، وتقدّم على إثرها باستقالته، التي رفضتها الوزيرة.

أضاف العدوان في تصريحاته الحالية أن  هذا الحجم من الاكتشاف يعني “نحو 70 مليار دولار من المبيعات”، إذ تشير “الدراسات” التي استند إليها العدوان إلى أن الكمية المكتشفة “تغطي احتياجات السوق المحلي وتكفي للتصدير”.

لكن، لم تُنشَر بعد نتائج هذه “الدراسات”، وتحوّلت تصريحات العدوان إلى “تريند” على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت التقديرات حول إمكانية الاستهلاك المحلي والتصدير،  الشأن الذي أشار إليه المختص بالشؤون الاقتصادية عوني الداوود، الذي أشار إلى إن “الكميات المعلنة تعني دعم احتياجات الأردن من الغاز الطبيعي لنحو 60 عاماً، مع الأخد في الحسبان اعتماد النظام الكهربائي ومعظم المصانع على ما نسبته 66% من الغاز”.

تصريحات العدوان وآمال المختصين والمحللين أحبطتها على الفور الناطقة باسم وزارة الطاقة ليندا النعيمات، التي لم تنفِ ما جاء في تصريحات العدوان ولم تؤكدها، بل اكتفت بالقول إنه “لا يمكن الحديث حالياً عن قدرات تصديرية، وإن كميات الغاز التي تنتَج ربما تكون لسد جزء فقط من احتياجات الطاقة المحلية”.

لا نعلم إن كان تصريح العدوان متسرعاً أو “زلّة لسان” أو محاولة للضغط على الحكومة، خصوصاً أن نتائج الدراسة لم تُنشَر بعد، ناهيك بموقف العدوان المنتقد بشدة لاعتماد الأردن على الغاز الإسرائيلي، القضية التي تحرّك الشارع الأردني إلى حد رفع شعار “غاز العدو احتلال”.

الثروات الطبيعية: الحكومة تنفي والدراسات تُثبت وإسرائيل تهدد!

الحديث عن وجود نفط وغاز بكميات تجارية في الأردن قائم منذ سنوات، وهناك دوماً أحاديث عن “دراسات” تُثبت وجود كميات كبيرة من الثروات الطبيعية، مما يشعل  الجدل والتساؤل عن سبب عدم استخراج هذه الثروات، وأحياناً حقيقة وجودها!.

تنفي الحكومة وجود هكذا  “دراسات” وتقول إنها مجرد “مراسلات داخلية”. في حين العام الفائت مثلاً، وخلال حوار على “قناة رؤيا” الأردنية، نشر الدكتور زهير الصادق الخبير في مجال التنقيب عن النفط والنائب السابق لرئيس مجلس إدارة سلطة المصادر الطبيعية، على الهواء مباشرة ما قال إنه وثائق حكومية، تشير إلى وجود “2 مليار برميل نفط ثقيل” في منطقة الأزرق.

المختلف حالياً في تصريحات العدوان والرد الرسمي عليها هو سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ قامت إسرائيل بإيقاف العمل في حقل غاز تمار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بعد يومين من “طوفان الأقصى”، الحقل الذي يغذّي الأردن، والذي عاد إلى العمل بعد أقل من شهر على إغلاقه. ومطلع هذا العام تم الاتفاق مع شركة “شيفرون” المشغّلة للحقل، بزيادة كمية الإنتاج بنسبة 60% ستستفيد منها الأردن أيضاً.

اعتماد الأردن على الغاز الإسرائيلي يُعتبَر ورقة ضغط على المملكة، ليس على المستوى السياسي فقط، بل الاقتصادي أيضاً، عبر اتفاقيتين ملزمتين لاستيراد الغاز من إسرائيل، الأولى تشمل حقل تمار وتستمر لـ 15 عاماً، والثانية حقل ليفياثان، وهي محصورة بتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية مدة 15 عاماً أيضاً، حيث يعتمد قطاع الكهرباء في الأردن بنسبة 73 في المئة على الغاز المستورد من إسرائيل.

هذه الاتفاقيات عارضها الشارع الأردني لسنوات، وطالب بإلغائها وعدم رهن الأردن للقرار السياسي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل وجود إئتلاف يميني حاكم يقف بعيداً تماماً عن الجانب الأردني، ويهدّد صراحةً بقطع الماء والغاز عن الأردن بعد كل خلاف في المواقف من القضية الفلسطينية والتوطين والانتهاكات الإسرائيلية للأقصى؛ ويبدو أن مخاوف الأردن من وقف إمدادات الغاز الإسرائيلي تصاعدت منذ بدء الحرب في غزة، خصوصاً أن التهديدات الخاصة بالأردن جاءت على لسان  روني مزراحي رجل الأعمال المقرّب من نتانياهو، الذي قال بوضوح” الأردن هي الدولة الثانية (بعد لبنان) حيث سيصبح للإيرانيين مصالح هناك”.

يضاف إلى ذلك الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، نهاية العام الماضي، الذي قال في مقابلة مع الجزيرة: “إن الأردن لن توقّع اتفاقية لتبادل الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل”، وأضاف: “لأنه لا يمكن لوزير أردني أن يجلس إلى جانب وزير إسرائيلي لتوقيع اتفاق، بينما هم يقتلون إخواننا في غزة”، في حين أعلن رئيس الوزراء بشر الخصاونة أن اتفاقية الغاز مع إسرائيل “ليست على طاولة الإلغاء”، و”أن الأردن يحترم التزاماته التعاقدية”.

الحكومة الأردنية في صلب اتفاقيات الغاز مع إسرائيل!

نفت الحكومات الأردنية المتعاقبة أن يكون للدولة الأردنية أي دور في اتفاقيات الغاز الإسرائيلية، وأكدت أنها اتفاقية تجارية معقودة بين شركتين، ولا يحق للحكومة عرضها على مجلس النواب بحسب المادة 33 من الدستور الأردني، لكن نصوص الاتفاقية بيّنت فيما بعد أن الحكومة الأردنية جزء لا يتجزأ من الاتفاقية.

إذ تمتلك الحكومة الأردنية شركة الكهرباء الوطنية بشكل كامل، وهناك شرط يقضي بإبرام الحكومة الأردنية ونظيرتها الإسرائيلية، اتفاقية ثنائية أخرى تتعلّق بتدفّق الغاز بين البلدين.

تُشير الاتفاقية أيضاً إلى  وجود دور خاص لوزارة الطاقة والثروة المعدنية تنصّ عليه في الفقرة 4.4، التي تتعلّق بتلقّي الوزارة  الإشعارات بالنيابة عن الحكومة الأردنية، والتصرّف والدفع ومتابعة ومعالجة أي تقصير قد ينشأ عن شركة الكهرباء الوطنية.

هذه التناقضات والتضاربات في التصريحات الرسمية في ملف الغاز الإسرائيلي، ومن قبله مشروع الصخر الزيتي، حفرت عميقاً في وعي الأردنيين، ولا يمكن للمبررات التي تقدّمها  الحكومة عن تبعات هذا الاكتشاف الكبير ألا يرتبط مع الشارع.

كما تشير إلى  وجود نوايا وراء هذا التردد في بث الأمل في نفوس المواطنين، تتعلّق بخسارة الحكومة للقضية المرفوعة من قبلها، بخصوص مشروع العطارات لاستخراج الصخر الزيتي، وتورّطها من ناحية أخرى باتفاقية الغاز الإسرائيلي التي حاربت الشارع لتوقيعها، ونفت مراراً أن تكون اتفاقية رسمية وأنها تجارية بحتة ومن خلال شركة “نوبل إنرجي” الأميركية.

تاريخ من التردد الأردني 

سابقاً، وفي عام 2006 استبشر الأردنيون بثروة من الاستثمار في الصخر الزيتي، وأطلقت الحكومة مشروع استغلال الصخر الزيتي، التي وقّعت وزارة الطاقة والثروة المعدنية إثره ثلاث مذكّرات تفاهم مع شركات متخصصة، لتظلّ بعدها هذه المقترحات والمشاريع حبيسة الدراسات والمشاورات بين 14 وزيراً للطاقة تعاقب عليها، حتى دخل الأردن أزمة طاقة عام 2011 من دون أن نفهم سبب ذلك.

وعام 2012 قدّر  مدير تطوير مشروع الأردن في شركة “إينيفت” الإستونية أندريس إنيجالج ، امتلاك الأردن  “مخزوناً ضخماً من خامات الصخر الزيتي يتراوح بين 40 و 80 مليار طن تتركز في وسط المملكة”، وأن هذه الكمية “تكفي المملكة مدة 900 عام وأكثر بحسب حجم الاستخدام الحالي من الطاقة” . 

مع استمرار  أزمة الطاقة، خرج مشروع العطارات لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي في العام 2017، بالاتفاق مع الشركة الوطنية الإستونية للطاقة “إينيفت” لكن مع اقتراب إتمام المشروع أعلنت وزيرة الطاقة حينها هالة زواتي، أن الحكومة ستلجأ إلى التحكيم الدولي ضدّ شركة “إينيفت” على أرضية “الغبن الفاحش” في تعرفة شراء الطاقة من المشروع، على إثر مطالبة البنك الدولي الحكومة الأردنية، بإعادة النظر في تكلفة تشغيل مشروع العطارات ومراجعة تشغيله، لعدم جدواه الاقتصادية وغياب إنتاجيته.

وبعد أربعة أعوام من التقاضي، ردّت هيئة التحكيم القضية بعدما قررت أنه لا يوجد غبن فاحش في التعرفة. وعليه، صار لزاماً على شركة الكهرباء الوطنية شراء الطاقة من المحطة التي تعمل الآن بكامل طاقتها ولمدّة 30 عاماً؛ ومع بدايات الحرب الإسرائيلة على غزة، ظهرت تخوّفات حكومية من وقف توريد الغاز الإسرائيلي، وبدأت البحث عن حلول لأزماتها المركّبة، خصوصاً في ظل ما أعلنته حملة “غاز العدو احتلال” من خلال تصريحات شركتي “نوبل إنرجي” الأميركية و”ديليك” الإسرائيلية، أن اتفاقيات الغاز الإسرائيلي تحوي ضمانات هائلة مُترتّبة على شركة الكهرباء الوطنية، تتمثّل بكفالات تقدمها الحكومة الأردنية، تتجاوز مليار و 600 مليون دولار، في حال أخلّ الطرف الأردني بالاتفاقية أو تراجع عنها.

ربما وجدت الحكومة الأردنية نفسها محاطة بضغوطات اتفاقية الغاز الإسرائيلية من جهة، وفشل مشروع الصخر الزيتي من جهة أخرى، فاضطرت أخيراً إلى الكشف عن ورقة الغاز الطبيعي، لكنها ربما لم تودّ أن تكشف كافة أوراقها أمام المواطنين، كي لا تجد نفسها محاطة بالضغط الشعبي، لكن عدم نشر الدراسة، والتعامل مع تصريح بهجت العدوان كنوع من أنواع التسريب أو زلّة اللسان أو حتى “كشف الحقيقة”، يُفقدها جدّيتها، خصوصاً بعد تعليق وزارة الطاقة.