ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الآثار في السويداء: تهديد الصراع السياسي والتنقيب غير الشرعي 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم يكن أبو وضاح (اسم مستعار، 42 عاماً) يدرك أن عودته الخاطفة الى قريته رضيمة اللواء شمال السويداء، بعد مجازر تموز/ يوليو الدامية، ستضعه أمام مأساة ممتدة من مدخل القرية إلى نهايتها. هناك وعلى الرغم من الطوق الأمني المشدد الذي قيد تحركه وسحب منه هاتفه المحمول قبل الدخول، لاحظ وجود حفر عميقة في الأراضي الأثرية، التي يعرف أنها تحتوي على كنوز ودفائن قديمة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تنتشر في بلدات عدة بالسويداء اليوم، حُفر داخل وحول المواقع الأثرية التي تشكّل اللب العمراني لمعظم قرى المحافظة ومدنها، إذ تشهد المنطقة في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في عمليات التنقيب غير الشرعي بحثاً عن “الكنوز” إلى أن باتت الحُفر مشهداً مرئياً في معظم الأراضي.

يُعتبر الجنوب السوري من أغنى المواقع الأثرية في المنطقة، إذ تضم محافظة السويداء  عشرات المواقع الأثرية المسجلّة رسمياً، كآثار شهبا وقنوات وصلخد، إضافة الى بلدات متفرقة تحوي معالم لقصور ومعابد ومدرّجات لا تزال تحتفظ ببنيتها العمرانية.

تحوي هذه المواقع “لُقَى” مختلفة من كنوز ومنحوتات ومقتنيات تاريخية تظهر الحضارات التي تعاقبت في المنطقة، غالباً ما يسترشد النباشون إليها عبر قراءة وتفكيك الرموز المنحوتة على حجارة الأبنية الأثرية، والتي تعدّ دلالات تشير إلى أماكن اللقى وعمقها في التربة. وساهم انتشار أجهزة رصد الفراغات والمعادن الحديثة، التي صارت تباع علناً في بعض المحافظات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي بدون أي قوننة، في تسريع عمليات النبش بل وتسهيلها.

 هذه الأجهزة تحدّد خطوطاً أفقية أو شاقولية للحَفر بغض النظر عن الهيكل المعماري، ما يستدعي أحيانا الهدم من دون مراعاة للبنى الإنشائية،  ما حوّل بعض غرف التلغرام ومجموعات الفيسبوك إلى مزادات مفتوحة لبيع المقتنيات الأثرية وشرائها، بخاصة بعد سقوط نظام الأسد.

في السابق، كانت أعمال النبش تتم في الخفاء ليلًا أو في مناطق معزولة، إذ شكّل الخوف من الوشاية والتقارير الكيدية التي كرّسها النظام رادعًا أساسيًا أمام كشف التجاوزات والحدّ منها. ويأتي هذا التحوّل السريع، مع ظهور التنقيب علنًا، كعارض مباشر للفراغ الأمني الذي تشهده المحافظة منذ سنوات، إضافة إلى الانهيار المعيشي الذي دفع شرائح من السكان إلى امتهان النبش بحثًا عن خلاص مالي سريع. 

من يفكّك المباني الأثرية؟ 

حديثاً، تعرض دوار المشنقة، أحد أبرز المعالم الأثرية في مدينة السويداء، إلى التخريب، بعدما نُقلت أجزاء من أحجاره لاستخدامها في ترميم مبنى مجاور، قوبل هذا التعدي باستنكار مجتمعي واسع نتيجة المساس المتكرر بالمعالم الأثرية، مطالباً بإعادة بناء الدوار، إلا أن آليات الترميم العشوائية ونوعية المواد المستخدمة لا تبديان دوماً انسجاماً مع هوية المكان الأصلية.

تضاف هذه الحادثة الى سلسلة اعتداءات سابقة، من هدم مبنى أثري في شارع المحوري بالسويداء لصالح بناء جديد، وتشييد بناء إسمنتي داخل حرم آثار قنوات، وصولاً إلى خنق واجهة حمامات شهبا الأثرية بالمحلات التجارية.

في الجهة المقابلة، تواجه المواقع الأثرية في القرى والبلدات النائية تفكيكاً صامتاً في منأى عن النظر، إذ تكشف المشاهدات الميدانية اليوم عن انزياح التعدي من باطن الأرض إلى فوقها، كأسلوب جديد في تسييل الآثار. فأمام تقلّص كميات اللقى وندرة الحصول عليها، اتجه البعض الى تفكيك المباني الأثرية نفسها، عبر اقتلاع الأحجار البازلتية المصقولة والمنحوتة والتي قد تزن أطناناً، وبيعها بالتجزئة في السوق السوداء كمواد زينة للمنشآت الحديثة، ما يفقدها قيمتها الرمزية والتاريخية، ويحولها إلى سلع مأجورة.

شهد ريف السويداء حالات مماثلة، إذ استغل البعض تداخل المباني الأثرية مع ملكياتهم الخاصة واستولوا عليها. في هذا السياق يسرد طارق (اسم مستعار، 35 عاماً) مهندس معماري من شهبا متخصص بترميم الآثار، عن وضع الريف الشمالي الشرقي قائلاً: “في منطقتنا، تم تفكيك وبيع قطع أثرية من مبانٍ قيّمة لصالح منتجعات سياحية كالمسابح والقصور الخاصة، وقد تراوح السعر بين 50 ألفاً و100 ألف ليرة سورية للحجر المستطيل، أما الأعمدة المزخرفة فقد بيعت بقيمة تقارب الـ 7 ملايين ل.س”. 

في المنطقة نفسه، تعرّض قصر فيليب العربي في قرية الهيت، للتخريب بعدما بيعت أحجار عدة منه لصالح منشآت خاصة، وتكررت الحادثة في قريتي عمرة وشقا أيضاً التي تحوي قصراً مشابهاً ينتمي الى الطراز المعماري نفسه.

تقول متخصصة في علم الآثار (32 عاماً، فضلت عدم ذكر اسمها) لـ”درج”: “إن ظاهرة تفكيك الآثار أخذت انتشاراً أكبر في السنوات الأخيرة”، وفي سؤالها عن طرق حماية هذه الآثار توضح: “الأزمات التي مرت في المنطقة حيّدت ملف الآثار قليلاً، أما بخصوص حمايته وإنقاذه، فلا يمكن الاعتماد على الحسّ المجتمعي فقط أمام الغياب شبه التام لمديرية الآثار في المحافظة. هذه العملية تحتاج الى أُطر قانونية صارمة قادرة على تقنين هذه الأعمال والحد منها، إذ يصعب ضبط أو فضح هذه الممارسات أمام مظاهر الاستقواء وانتشار السلاح”، وقد حاول “درج” التواصل مع مديرية الآثار، لكنه لم يلقَ تجاوباً لاعتبارات خاصة بالمؤسسة.

تكرار هذه الحوادث أثار استياء كثير من سكان المنطقة، نظراً الى القيمة المعنوية والتاريخية التي تمثلها هذه الآثار، والتي كانت مقصداً لبعض السياح قبل بدء الأزمة السورية عام 2011 على الرغم من تدني نسب الاستثمار الحكومي وغياب التنظيم البنيوي المناسب لهذه المواقع. في حين أن أهمية هذه المعالم تكمن في قدرتها على تشكيل مورد اقتصادي مستدام للمحافظة، كونها لا تزال تحتفظ نسبياً بملامحها الخارجية وهيكلها المعماري، بخاصة أن الآثار مورد غير متجدّد، ما يجعل أي تخريب جزئي للمنطقة خسارة مضاعفة يصعب تعويضها أو استردادها.

الصراع السياسي على آثار السويداء  

لم يكن أبو وضاح (اسم مستعار، 42 عاماً) يدرك أن عودته الخاطفة الى قريته رضيمة اللواء شمال السويداء، بعد مجازر تموز/ يوليو الدامية، ستضعه أمام مأساة ممتدة من مدخل القرية إلى نهايتها. هناك وعلى الرغم من الطوق الأمني المشدد الذي قيد تحركه وسحب منه هاتفه المحمول قبل الدخول، لاحظ وجود حفر عميقة في الأراضي الأثرية، التي يعرف أنها تحتوي على كنوز ودفائن قديمة. 

يضيف أبو وضاح: “الحفر كانت بالجزء الغربي من قرية الرضيمة، الجزء الأثري منها، وأعمال الحفر كانت منتهية”. 

يتكرر هذا الوصف في شهادات متقاطعة لأهال زاروا قراهم الخاضعة لسيطرة وزارة الدفاع السورية، من تل الخالدية إلى قرية خلخلة وصولاً الى قرية ذكير. فقد رصد عائدون ظهور حفر جديدة في قراهم، وعلى الرغم من صعوبة تحديد هوية الفاعلين بدقة، إلا أن هذه التعديات تقع داخل جغرافيا مغلقة أمنياً، ما يحيل المسؤولية إليها، بخاصة بعدما نهبت المجموعات المسلحة المحسوبة على وزارة الدفاع منازل القرى ودمرت البنى التحتية أثناء دخولها المنطقة. 

يقول أحمد (49 عاماً، اسم مستعار) وهو مزارع استطاع الاقتراب من مناطق التماس في تل الخالدية بموافقات أمنية للعمل بمشاريع زراعية: “أثناء عملنا كانت هناك مجموعات من الأشخاص يجوبون الأراضي حاملين معهن آلة تشبه أداة كشف المعادن” وفقاً لما رواه.

وعلى الرغم من صعوبة التوثيق الميداني والتجول بشكل حر، إلا أن مشاهدات عدة ينقلها ممن يزورن قراهم أو يعبرون هذه المناطق في طريقهم نحو دمشق، تكشف عن خارطة قوى متعددة لقوات الأمن العام ومجموعات عشائرية أيضاً. ويذكر أنه خلال اجتياح مدينة السويداء لم تكن الآثار بمنأى عن الصراع، إذ سُرق متحف أثري شخصي يحوي مقتنيات تاريخية نادرة في منزل “شادي أسليم”، والذي استغرق جمعه قرابة الـ25 عاماً، ثم أُحرق المبنى بالكامل.

يعيد هذا الفعل إلى الأذهان النمط الذي اتبعته الجماعات المسلحة والأطراف المتحاربة في مناطق شمال سوريا خلال سنوات النزاع، إذ وثق تقرير لليونسكو اعتماد تنظيم داعش على نهب المقتنيات الأثرية كمورد أساسي في تمويل عملياته وتحويل بعضها الى ثكنات عسكرية، كما حدث في متحف معرة النعمان عام 2012 ومتاحف دير الزور والرقة عام 2013 وتدمر وإدلب عام 2015 وغيرها الكثير من المواقع. إذ تم تهريبها إلى خارج البلاد عبر حدود لبنان وتركيا بشكل أساسي، وصولاً الى فوضى السرقات التي طاولت أجزاء من محتويات المتحف الوطني بدمشق،  إذ تعرض لسرقتين عقب استلام هيئة تحرير الشام الحكم في سوريا بعدما ظل في منأى عن النهب طوال سنوات الحرب الماضية، كان من ضمنهما ست تماثيل أثرية، تلتها بعض الوثائق والتجهيزات الخاصة بمكتب التوثيق.

تاريخ ممتد من نهب الإرث الثقافي

لطالما كانت آثار السويداء تحت سطوة التنقيب غير الشرعي، وعلى رغم أن القانون السوري يصنّف نبش الآثار كجريمة تستدعي المحاسبة، إلا أن الأجهزة الأمنية نفسها كانت غطاءً استغله أصحاب النفوذ السياسي لإدارة شبكات نهب في عهد نظام الأسد. 

ارتبطت هذه العمليات بفرق أمنية تتبع لشخصيات نافذة، كان أبرزها “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد، والتي صادرت آثار السويداء لسنوات طويلة عبر عمليات التخييم والتدريب العسكري في مناطق أثرية معروفة.

وفي مطلع الألفينات، برز اسم ماهر الأسد في إدارة شبكات تنقيب وتهريب، ترافقت مع أعمال تخريب خلّفتها الوحدات العسكرية خلفها.

ومع انحسار القبضة الأمنية في المحافظة لاحقًا، بقيت هذه الأجهزة تدير عمليات النهب عبر وسطاء وفرق داخلية، وقد تولّت الفرقة الرابعة دورًا أساسيًا في التهريب.

تضيف المتخصصة الأثرية في هذا السياق: “حتى الأمن الروسي كان له دور مشابه، فبين عامي 2020 و2023 وخلال دخولهم لتوزيع المساعدات الغذائية في بعض قرى السويداء، كان يرافقهم جيش مدجج بالسلاح ومزوّد بأجهزة استطلاع ودرونات وكاميرات لقياس المساحة. هذا التحصين كان مبالغًا فيه بالنسبة الى قرى صغيرة، لكن الشكوك المحلية ازدادت حين كانت الأجهزة تحوم فوق المواقع الأثرية القديمة بشكل متكرر”.

خلال سنوات الحرب، تعرّضت الآثار السورية لهدر كبير بفعل السرقات والاعتداءات والمعارك المسلحة، بعدما تم تهريبها خارج البلاد. واستمرار هذا النهج سيؤدي إلى تجفيف جغرافيا تعاني أساسًا من نقص في الموارد والقوة الاقتصادية.

24.07.2026
زمن القراءة: 6 minutes

لم يكن أبو وضاح (اسم مستعار، 42 عاماً) يدرك أن عودته الخاطفة الى قريته رضيمة اللواء شمال السويداء، بعد مجازر تموز/ يوليو الدامية، ستضعه أمام مأساة ممتدة من مدخل القرية إلى نهايتها. هناك وعلى الرغم من الطوق الأمني المشدد الذي قيد تحركه وسحب منه هاتفه المحمول قبل الدخول، لاحظ وجود حفر عميقة في الأراضي الأثرية، التي يعرف أنها تحتوي على كنوز ودفائن قديمة. 

تنتشر في بلدات عدة بالسويداء اليوم، حُفر داخل وحول المواقع الأثرية التي تشكّل اللب العمراني لمعظم قرى المحافظة ومدنها، إذ تشهد المنطقة في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في عمليات التنقيب غير الشرعي بحثاً عن “الكنوز” إلى أن باتت الحُفر مشهداً مرئياً في معظم الأراضي.

يُعتبر الجنوب السوري من أغنى المواقع الأثرية في المنطقة، إذ تضم محافظة السويداء  عشرات المواقع الأثرية المسجلّة رسمياً، كآثار شهبا وقنوات وصلخد، إضافة الى بلدات متفرقة تحوي معالم لقصور ومعابد ومدرّجات لا تزال تحتفظ ببنيتها العمرانية.

تحوي هذه المواقع “لُقَى” مختلفة من كنوز ومنحوتات ومقتنيات تاريخية تظهر الحضارات التي تعاقبت في المنطقة، غالباً ما يسترشد النباشون إليها عبر قراءة وتفكيك الرموز المنحوتة على حجارة الأبنية الأثرية، والتي تعدّ دلالات تشير إلى أماكن اللقى وعمقها في التربة. وساهم انتشار أجهزة رصد الفراغات والمعادن الحديثة، التي صارت تباع علناً في بعض المحافظات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي بدون أي قوننة، في تسريع عمليات النبش بل وتسهيلها.

 هذه الأجهزة تحدّد خطوطاً أفقية أو شاقولية للحَفر بغض النظر عن الهيكل المعماري، ما يستدعي أحيانا الهدم من دون مراعاة للبنى الإنشائية،  ما حوّل بعض غرف التلغرام ومجموعات الفيسبوك إلى مزادات مفتوحة لبيع المقتنيات الأثرية وشرائها، بخاصة بعد سقوط نظام الأسد.

في السابق، كانت أعمال النبش تتم في الخفاء ليلًا أو في مناطق معزولة، إذ شكّل الخوف من الوشاية والتقارير الكيدية التي كرّسها النظام رادعًا أساسيًا أمام كشف التجاوزات والحدّ منها. ويأتي هذا التحوّل السريع، مع ظهور التنقيب علنًا، كعارض مباشر للفراغ الأمني الذي تشهده المحافظة منذ سنوات، إضافة إلى الانهيار المعيشي الذي دفع شرائح من السكان إلى امتهان النبش بحثًا عن خلاص مالي سريع. 

من يفكّك المباني الأثرية؟ 

حديثاً، تعرض دوار المشنقة، أحد أبرز المعالم الأثرية في مدينة السويداء، إلى التخريب، بعدما نُقلت أجزاء من أحجاره لاستخدامها في ترميم مبنى مجاور، قوبل هذا التعدي باستنكار مجتمعي واسع نتيجة المساس المتكرر بالمعالم الأثرية، مطالباً بإعادة بناء الدوار، إلا أن آليات الترميم العشوائية ونوعية المواد المستخدمة لا تبديان دوماً انسجاماً مع هوية المكان الأصلية.

تضاف هذه الحادثة الى سلسلة اعتداءات سابقة، من هدم مبنى أثري في شارع المحوري بالسويداء لصالح بناء جديد، وتشييد بناء إسمنتي داخل حرم آثار قنوات، وصولاً إلى خنق واجهة حمامات شهبا الأثرية بالمحلات التجارية.

في الجهة المقابلة، تواجه المواقع الأثرية في القرى والبلدات النائية تفكيكاً صامتاً في منأى عن النظر، إذ تكشف المشاهدات الميدانية اليوم عن انزياح التعدي من باطن الأرض إلى فوقها، كأسلوب جديد في تسييل الآثار. فأمام تقلّص كميات اللقى وندرة الحصول عليها، اتجه البعض الى تفكيك المباني الأثرية نفسها، عبر اقتلاع الأحجار البازلتية المصقولة والمنحوتة والتي قد تزن أطناناً، وبيعها بالتجزئة في السوق السوداء كمواد زينة للمنشآت الحديثة، ما يفقدها قيمتها الرمزية والتاريخية، ويحولها إلى سلع مأجورة.

شهد ريف السويداء حالات مماثلة، إذ استغل البعض تداخل المباني الأثرية مع ملكياتهم الخاصة واستولوا عليها. في هذا السياق يسرد طارق (اسم مستعار، 35 عاماً) مهندس معماري من شهبا متخصص بترميم الآثار، عن وضع الريف الشمالي الشرقي قائلاً: “في منطقتنا، تم تفكيك وبيع قطع أثرية من مبانٍ قيّمة لصالح منتجعات سياحية كالمسابح والقصور الخاصة، وقد تراوح السعر بين 50 ألفاً و100 ألف ليرة سورية للحجر المستطيل، أما الأعمدة المزخرفة فقد بيعت بقيمة تقارب الـ 7 ملايين ل.س”. 

في المنطقة نفسه، تعرّض قصر فيليب العربي في قرية الهيت، للتخريب بعدما بيعت أحجار عدة منه لصالح منشآت خاصة، وتكررت الحادثة في قريتي عمرة وشقا أيضاً التي تحوي قصراً مشابهاً ينتمي الى الطراز المعماري نفسه.

تقول متخصصة في علم الآثار (32 عاماً، فضلت عدم ذكر اسمها) لـ”درج”: “إن ظاهرة تفكيك الآثار أخذت انتشاراً أكبر في السنوات الأخيرة”، وفي سؤالها عن طرق حماية هذه الآثار توضح: “الأزمات التي مرت في المنطقة حيّدت ملف الآثار قليلاً، أما بخصوص حمايته وإنقاذه، فلا يمكن الاعتماد على الحسّ المجتمعي فقط أمام الغياب شبه التام لمديرية الآثار في المحافظة. هذه العملية تحتاج الى أُطر قانونية صارمة قادرة على تقنين هذه الأعمال والحد منها، إذ يصعب ضبط أو فضح هذه الممارسات أمام مظاهر الاستقواء وانتشار السلاح”، وقد حاول “درج” التواصل مع مديرية الآثار، لكنه لم يلقَ تجاوباً لاعتبارات خاصة بالمؤسسة.

تكرار هذه الحوادث أثار استياء كثير من سكان المنطقة، نظراً الى القيمة المعنوية والتاريخية التي تمثلها هذه الآثار، والتي كانت مقصداً لبعض السياح قبل بدء الأزمة السورية عام 2011 على الرغم من تدني نسب الاستثمار الحكومي وغياب التنظيم البنيوي المناسب لهذه المواقع. في حين أن أهمية هذه المعالم تكمن في قدرتها على تشكيل مورد اقتصادي مستدام للمحافظة، كونها لا تزال تحتفظ نسبياً بملامحها الخارجية وهيكلها المعماري، بخاصة أن الآثار مورد غير متجدّد، ما يجعل أي تخريب جزئي للمنطقة خسارة مضاعفة يصعب تعويضها أو استردادها.

الصراع السياسي على آثار السويداء  

لم يكن أبو وضاح (اسم مستعار، 42 عاماً) يدرك أن عودته الخاطفة الى قريته رضيمة اللواء شمال السويداء، بعد مجازر تموز/ يوليو الدامية، ستضعه أمام مأساة ممتدة من مدخل القرية إلى نهايتها. هناك وعلى الرغم من الطوق الأمني المشدد الذي قيد تحركه وسحب منه هاتفه المحمول قبل الدخول، لاحظ وجود حفر عميقة في الأراضي الأثرية، التي يعرف أنها تحتوي على كنوز ودفائن قديمة. 

يضيف أبو وضاح: “الحفر كانت بالجزء الغربي من قرية الرضيمة، الجزء الأثري منها، وأعمال الحفر كانت منتهية”. 

يتكرر هذا الوصف في شهادات متقاطعة لأهال زاروا قراهم الخاضعة لسيطرة وزارة الدفاع السورية، من تل الخالدية إلى قرية خلخلة وصولاً الى قرية ذكير. فقد رصد عائدون ظهور حفر جديدة في قراهم، وعلى الرغم من صعوبة تحديد هوية الفاعلين بدقة، إلا أن هذه التعديات تقع داخل جغرافيا مغلقة أمنياً، ما يحيل المسؤولية إليها، بخاصة بعدما نهبت المجموعات المسلحة المحسوبة على وزارة الدفاع منازل القرى ودمرت البنى التحتية أثناء دخولها المنطقة. 

يقول أحمد (49 عاماً، اسم مستعار) وهو مزارع استطاع الاقتراب من مناطق التماس في تل الخالدية بموافقات أمنية للعمل بمشاريع زراعية: “أثناء عملنا كانت هناك مجموعات من الأشخاص يجوبون الأراضي حاملين معهن آلة تشبه أداة كشف المعادن” وفقاً لما رواه.

وعلى الرغم من صعوبة التوثيق الميداني والتجول بشكل حر، إلا أن مشاهدات عدة ينقلها ممن يزورن قراهم أو يعبرون هذه المناطق في طريقهم نحو دمشق، تكشف عن خارطة قوى متعددة لقوات الأمن العام ومجموعات عشائرية أيضاً. ويذكر أنه خلال اجتياح مدينة السويداء لم تكن الآثار بمنأى عن الصراع، إذ سُرق متحف أثري شخصي يحوي مقتنيات تاريخية نادرة في منزل “شادي أسليم”، والذي استغرق جمعه قرابة الـ25 عاماً، ثم أُحرق المبنى بالكامل.

يعيد هذا الفعل إلى الأذهان النمط الذي اتبعته الجماعات المسلحة والأطراف المتحاربة في مناطق شمال سوريا خلال سنوات النزاع، إذ وثق تقرير لليونسكو اعتماد تنظيم داعش على نهب المقتنيات الأثرية كمورد أساسي في تمويل عملياته وتحويل بعضها الى ثكنات عسكرية، كما حدث في متحف معرة النعمان عام 2012 ومتاحف دير الزور والرقة عام 2013 وتدمر وإدلب عام 2015 وغيرها الكثير من المواقع. إذ تم تهريبها إلى خارج البلاد عبر حدود لبنان وتركيا بشكل أساسي، وصولاً الى فوضى السرقات التي طاولت أجزاء من محتويات المتحف الوطني بدمشق،  إذ تعرض لسرقتين عقب استلام هيئة تحرير الشام الحكم في سوريا بعدما ظل في منأى عن النهب طوال سنوات الحرب الماضية، كان من ضمنهما ست تماثيل أثرية، تلتها بعض الوثائق والتجهيزات الخاصة بمكتب التوثيق.

تاريخ ممتد من نهب الإرث الثقافي

لطالما كانت آثار السويداء تحت سطوة التنقيب غير الشرعي، وعلى رغم أن القانون السوري يصنّف نبش الآثار كجريمة تستدعي المحاسبة، إلا أن الأجهزة الأمنية نفسها كانت غطاءً استغله أصحاب النفوذ السياسي لإدارة شبكات نهب في عهد نظام الأسد. 

ارتبطت هذه العمليات بفرق أمنية تتبع لشخصيات نافذة، كان أبرزها “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد، والتي صادرت آثار السويداء لسنوات طويلة عبر عمليات التخييم والتدريب العسكري في مناطق أثرية معروفة.

وفي مطلع الألفينات، برز اسم ماهر الأسد في إدارة شبكات تنقيب وتهريب، ترافقت مع أعمال تخريب خلّفتها الوحدات العسكرية خلفها.

ومع انحسار القبضة الأمنية في المحافظة لاحقًا، بقيت هذه الأجهزة تدير عمليات النهب عبر وسطاء وفرق داخلية، وقد تولّت الفرقة الرابعة دورًا أساسيًا في التهريب.

تضيف المتخصصة الأثرية في هذا السياق: “حتى الأمن الروسي كان له دور مشابه، فبين عامي 2020 و2023 وخلال دخولهم لتوزيع المساعدات الغذائية في بعض قرى السويداء، كان يرافقهم جيش مدجج بالسلاح ومزوّد بأجهزة استطلاع ودرونات وكاميرات لقياس المساحة. هذا التحصين كان مبالغًا فيه بالنسبة الى قرى صغيرة، لكن الشكوك المحلية ازدادت حين كانت الأجهزة تحوم فوق المواقع الأثرية القديمة بشكل متكرر”.

خلال سنوات الحرب، تعرّضت الآثار السورية لهدر كبير بفعل السرقات والاعتداءات والمعارك المسلحة، بعدما تم تهريبها خارج البلاد. واستمرار هذا النهج سيؤدي إلى تجفيف جغرافيا تعاني أساسًا من نقص في الموارد والقوة الاقتصادية.