ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الأب يحتكر القرار… آلاف الأمّهات العراقيات خارج المعادلة في معركة الأوراق الرسمية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

القانون العراقي يعتبر الأب هو الوصيّ الشرعي، حتى لو أعلن أمام القاضي أنه لا يريد ابنته، المحكمة رفضت طلب حنين للحصول على الوصاية الكاملة، بالرغم من معرفة القاضي أن الطفلة لم تتلقّ أيّ دعم من والدها لا مادّي ولا أبوي، ليبقى مصير الأمّ والطفلة معلقاً بقرار أب غائب عن المسؤولية، وحاضر فقط في تفاصيل الانتقام.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بنين إلياس

بين دهاليز القوانين العراقية، تعيش آلاف الأمّهات معاناة صامتة تتحوّل إلى سجن مفتوح لهن ولأطفالهن، فالقانون يحرم المرأة من حقّها في استخراج جواز سفر لأطفالها داخل العراق وخارجه، ليبقى مستقبل الصغار مرهوناً بتوقيع الأب، حتى في حالات الطلاق أو غيابه أو رفضه، ومع إقرار التصويت على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، تزداد القيود شدّةً.

يكشف هذا التحقيق معاناة آلاف الأمّهات العراقيات، اللواتي يجدن أنفسهن محاصرات بقوانين تحرمهن من إصدار جوازات سفر لأطفالهن، ويعرض شهادات ووثائق تكشف كيف تحوّل القانون إلى أداة ابتزاز واستغلال، تمتدّ آثارها النفسية والاجتماعية إلى سنوات طويلة.

بين الحرمان والخذلان

“منذ خمس سنوات وأنا حبيسة المنزل، لا أدري متى سيُطلَق سراحي”، بهذه الكلمات بدأت مريم* (18 عاماً) حديثها، وهي تسترجع سنوات الحرمان والخذلان التي عاشتها في تركيا، بعد أن تركها والدها هي وشقيقتها لمصير مجهول.

مريم، التي حُرمت من أبسط حقوقها في التعليم والعلاج، تروي: “طيلة هذه السنوات أعالج انتكاساتي بالأعشاب والتعليم باليوتيوب”.

قصّة مريم بدأت حين طلّق والدها والدتها في العراق، ورغم أن والدتها رفعت دعوى حضانة، فإن قرار المحكمة جاء لصالح الأب، تقول مريم: “كانت والدتي تحاول أن تأخذني وشقيقتي للعيش معها، لكنّ والدي رفض، وهدّدها إن ظهرت في حياتنا مرّة أخرى سوف ينشر صوراً خاصّة لها، يحتفظ بها أيّام كانت زوجته، بل كان يجبرني على التلفّظ ضدّها بكلمات نابية ليزرع بيننا العداوة”.

ومع عودة الأمّ للمطالبة بالحضانة مرّة أخرى، اتّخذ الأب قراراً مفاجئاً بالهجرة، حمل طفلتيه إلى تركيا، وأوكل أمر رعايتهما إلى زميلة له بحجّة أنه مسافر إلى بريطانيا لتهيئة مسكن جديد، ومنذ ذلك الحين، تُركت مريم وشقيقتها في مواجهة الحياة وحدهما، لا أوراق رسمية ولا مستقبل، ورغم محاولاتها المتكرّرة مع السفارة العراقية في تركيا، فإنها لم تصل إلى حلّ.

أمّ بالمشاعر لا بالقانون

تابعت معدّة التحقيق مع شيرين* مربية مريم التي وجدت نفسها في رحلة تبنٍ غير شرعية في الغربة، لتكتشف حجم المعاناة التي عاشتها.

ما تصفه بـ”رحلة تبنٍ غير رسمي” مريرة، تشعر فيها أن “طوقاً من مسد يلتفّ حول رقبتها”، فالأب رفض تسليمها الأوراق الرسمية لطفلتيه، خشية إعادتهما إلى والدتهما الغائبة، مما جعل وجود الطفلتين معها “غير رسمي”، ومصدر قلق وخوف دائمين.

على مدار سنوات، باءت محاولاتها بالفشل، تقول شيرين: “قصدت السفارتين العراقية والبريطانية، كون الأب مزدوج جنسية للحصول على وكالة، لكنّ الأبواب كانت مغلقة”، حتى عائلة الأب تنصّلت بحجّة أن القانون لا يسمح لها بالتدخّل، وتضيف وهي تدمع، أن “هذا الوضع تسبّب في تدهور صحّة الطفلتين وحالتهما النفسية لعدم ذهابهما إلى المدرسة”، وتلخّص المأساة بأن أسئلة ابنتيها المؤلمة “لا جواب لها سوى أنهما عراقيتان، في ظلّ قانون ذكوري لا يعترف بحقوقنا كأمّهات”.

طفولة مسروقة وأمّهات

نور* أمّ عراقية، تعيش محاصرة مع طفلتها البالغة من العمر تسعة أعوام، بعد أن هجرها زوجها خارج تركيا، عقاباً لها لرفضها البقاء في العراق لخدمة والدته، وتفاقمت عزلتها برحيل عائلتها كلّها إلى مصر بعد فشل اللجوء.

لمدّة عامين، حاولت نور يائسة استخراج جواز سفر لطفلتها للالتحاق بأهلها، والأب الذي يرفض منحها الإذن، يستخدم سلطته كأداة للانتقام عن بعد.

تقول بلهجتها العراقية: “أنا وبنتي عايشين كأننا محبوسات… مالي حقّ استخرج وثيقة لبنتي؟”، سؤال تطرحه نور كيف تحوّلت الولاية الأبوية الغائبة إلى زنزانة قانونية، و”أب لا يعرف شيئاً عن ابنته له الحقّ الكامل بالتحكّم بحياتنا”.

الأب يملك القرار… والأمّ خارج المعادلة

نقل بيان لإعلام القضاء عن القاضي علي نوري أبو رغيف قاضي محكمة الأحوال الشخصية، أوضح أن القانون لم يمنح الأمّ حقّ استخراج الجواز؛ وذلك لأن الأب هو الوليّ الجبري على أبنائه القاصرين، استناداً إلى أحكام المادّة (27) من قانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980، التي تنصّ على أن “وليّ الصغير هو الأب ثم المحكمة”، وعليه، لا يحقّ للأمّ مراجعة دائرة الجوازات للإصدار، إلا إذا قام الأب بتنظيم “وكالة خاصّة” لها من خلال دائرة كاتب العدل، ليخوّلها بإجراءات استخراج جواز السفر.

وفي هذا السياق انتقد القاضي المتقاعد رحيم العكيلي “أداء الدولة ومؤسّساتها التشريعية لغياب الاهتمام بشؤون المجتمع”، مؤكّداً أن “البرلمان لا يُصدر قوانين تنظّم حقّ الأمّ في الوصاية والسفر بوضوح”، وأوضح أن “القوانين الحالية لا تنظّم القضايا الاجتماعية الحسّاسة، ما يسبّب معاناة لآلاف المواطنين، خاصّة الأمّهات العراقيات المقيمات في الخارج مع أطفالهن، حيث يواجهن صعوبات كبيرة في استخراج الوثائق”.

وأشار العكيلي إلى أن “تعليمات السفارات تمنع إصدار جوازات سفر للأطفال دون موافقة الأب، ما يضع القاصرين وأمّهاتهم في مأزق قانوني خطير في الدول المستضيفة، وقد يعرّضهم للسجن”، ولفت إلى أن هذا الوضع “يضطرّ الأمّهات، خصوصاً المقيمات خارج العراق، للجوء إلى طرق غير شرعية مثل التهريب، أو التعرّض للابتزاز المالي والجسدي من أجل استخراج وثائق عبور أو جوازات سفر لأطفالهن”.

وأكّد العكيلي أن هذا الإجراء “غير منطقي”، ويمثّل “انتهاكاً لحقوق الإنسان، حيث يجعل حقّ الطفل في وثيقة السفر مرهوناً بموافقة الأب الغائب أو الرافض، ما يفتح الباب أمام المآسي الإنسانية”، محمّلاً المسؤولية للسلطة التشريعية، مبيناً أن “الفراغ التشريعي جعل عمليّة حصول الأمّ على وكالة للسفر خاضعة لمزاجية القاضي، بدلاً من أساس قانوني ثابت”.

رحيم العكيلي

أفرز هذا الفراغ التشريعي بيئة تابعة للنفوذ والعلاقات، حيث تحصل الأمّ ذات السلطة على تأييد السفر بسهولة، بينما تُحرم منه أخرى مستحقّة في حالة مماثلة، مما يؤكّد أن العلاقات تتسيّد على النصوص القانونية.

القرارات القضائية المتضاربة

وجود تناقض في المنهج المتّبع، حيث صدرت قرارات قضائية تمنح الأمّ وثيقة سفر لأبنائها القاصرين، بناءً على قناعة المحكمة بتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، بينما في حالات أخرى لم تنجح أمّ لديها الظروف ذاتها، بل حتى بموافقة صريحة من الأب، في الحصول على هذا الحقّ، وقد ردّت المحكمة دعوتها.

قالسفارات بين النصّ القانوني والتطبيق المعقّد

بحسب شهادات عدد من الأمّهات العراقيات في الخارج، فهن يواجهن معاناة مضاعفة عند مراجعة السفارات لاستخراج جوازات سفر لأطفالهن، حتى مع امتلاكهن وكالات قانونية من كاتب عدل، ومصدّقة من الخارجية العراقية، فالسفارة العراقية تخاطب كاتب العدل للتأكّد من صحّة الوكالة وإصدارها، وقد يُطلب حضور الأب شخصياً أمام الجوازات العامّة، ويتمّ إرسال إشعار إلى سفارة. 

هذا الإجراء المعقّد يؤدّي إلى تأخيرات قد تمتدّ لأشهر وربما لعام كامل، بحسب شهادات أمّهات عالقات، مما يعرقل سفر أطفالهن، ودراستهم، أو حتى تجديد إقاماتهم في بلاد الغربة.

بعض الأمّهات أشرن إلى أن أيّ نقص في الوكالة أو خطأ في الصياغة، يؤدّي إلى رفض إصدار جواز السفر، وتعيش إحدى الأمّهات في تركيا منذ ثماني سنوات في صراع مشابه، تقول وهي منهكة: “بطلوع الروح وافق زوجي أن يرسل لي وكالة لإصدار جواز سفر لبنتي. سنة كاملة وأنا ألاحق هذا الموضوع. وأخيراً، أصدر لي وكالة، لكنّه كتب فيها فقط إصدار جواز السفر، وبعد أن صدر الجواز، اكتشفت أني لا أستطيع استلامه إلا بوكالة جديدة مكتوب فيها إصدار واستلام. ومنذ ثمانية أشهر وأنا عالقة، أراجع السفارة بلا نتيجة”… هذا ما ذكرته منى*.

ابتزاز مالي وجنسي

تعيش حنين* البالغة من العمر30 عاماً في تركيا، مع ابنتها البالغة تسع سنوات، لكنّها لم تتلقَ من والدها أيّ نفقة، بالإضافة إلى تملّصه من مسؤوليتها، والأسوأ، بحسب ما تروي حنين، أن طليقها يستغلّ كلّ مراجعة السفارة لابتزازها مادياً ونفسياً.

وتقول: “لكل معاملة أحتاج وكالة منه، ولو أن الوكالة لا تكلّف أكثر من 50 دولاراً، إلا أنني أُجبر على دفع ألف دولار أو أكثر. في كلّ مرّة يدخل وسطاء ويضع شروطاً تعجيزية، حتى أنني تنازلت عن ممتلكاتي الخاصّة — سيارتي مصوغاتي الذهبية — الحاضر والغائب، وحقّ نفقة الطفلة مقابل أن يمنحني وكالة إنجاز جواز السفر، لكنّه ما زال يستخدم القانون للضغط عليّ”.

القانون العراقي يعتبر الأب هو الوصيّ الشرعي، حتى لو أعلن أمام القاضي أنه لا يريد ابنته، المحكمة رفضت طلب حنين للحصول على الوصاية الكاملة، بالرغم من معرفة القاضي أن الطفلة لم تتلقّ أيّ دعم من والدها لا مادّي ولا أبوي، ليبقى مصير الأمّ والطفلة معلقاً بقرار أب غائب عن المسؤولية، وحاضر فقط في تفاصيل الانتقام.

تضيف حنين بأسى: “أنا أشعر أنني أسيرة لمدّة 18 سنة حتى تبلغ ابنتي سنّ الرشد. أعيش مقيّدة بالقانون وإجراءاته المعقّدة”، فرغم الطلاق، يواصل الأب التحكّم بحياتها وابتزازها. الابتزاز واضح وصريح، حيث يقول لها إذا تزوّجتِ أو حتى أحببتِ شخصاً لن أُصدر لك الوكالة”، ويتعدّى الأمر إلى التحكّم الشخصي؛ حيث يتدخّل في تفاصيلها (تغيير صورة الواتساب، ارتداء الحجاب).

تشترك ريما* (35 عاماً) في المعاناة نفسها، فهي تسكن في تركيا بسبب علاج والدها المصاب بالسرطان، حيث استولى طليقها على منزلها داخل العراق، وتقول: “في كلّ مرّة أحتاج وكالة سفر من أجل ابنتي أو تجديد جواز سفر، يذكّرني أن إقامته في منزلي بمساحة ومكان جيّد، مقابل أن أجدد له عقد إيجار سنوي، دون أي مبلغ الإيجار، ودون أن ينفق على الطفلة”.

وتضيف: “حين قدّمت كلّ هذه الأدلّة إلى القاضي، لم يعتبرها سبباً كافياً لنقل الوصاية أو منح حقّ السفر”.

وتكشف سيّدة أخرى عن شكل أبشع من الاستغلال، حيث يشترط طليقها عليها تلبية رغباته الجنسية مقابل إصدار جوازات سفر أطفالها. الابتزاز لا يقتصر على طلب “المشروب، الرقص، وقضاء ليلة كاملة”، بل وصل إلى محاولة إجبارها على إقناع صديقتها لتنام معه. تقول السيّدة إنها حتى بعد حصولها على الوكالة، تبقى “رهينة مزاجه”، خوفاً من المستقبل.

غياب الأمان النفسي

تؤكّد المستشارة النفسية الدكتورة إخلاص جبرين أن “الاستغلال المادّي والجنسي والنفسي، الذي تتعرّض له الأمّهات المطلّقات في قضايا جوازات السفر، يترك جروحاً عميقة في شخصيّاتهن وصحّتهن النفسية”.

المستشارة النفسية إخلاص جبرين

وعلى الصعيد الصحّي تؤكّد الطبيبة اختصاص نسائية وتوليد جوان ميرزا، أن “التوتّر النفسي… عدو خفيّ يهدّد انتظام الدورة الشهرية والصحّة الإنجابية”، وتشير إلى أن “الضغط النفسي والقلق يؤثّران مباشرة على عمل الغدة تحت المهاد، المسؤولة عن تنظيم هرمونات الدورة الشهرية، ممّا يسبّب اضطرابها أو توقّفها”، وتحذّر من أن هذا الخلل ينذر بـ”اختلال في التبويض”، والأخطر من ذلك هو “زيادة احتمالية ظهور الأورام وكبر حجمها”.

تحمل قصّة هدى* جانباً مأساوياً مؤلماً؛ فخلال أربع سنوات من معاناة التعامل مع طليقها ومماطلته وابتزازه الدائم، تدهورت حالتها الصحّية تدريجياً، وتقول بأسى: “الورم كان يكبر داخلي وأنا أؤجّل العلاج، مشغولة بإرسال وساطات لطليقي الذي كان يحظرني في أكثر أوقاتي حاجة إليه، حتى وصل حجم الورم إلى 15 سنتيمتراً، واضطرّ الأطبّاء لاستئصاله، ما أثّر على قدرتي الإنجابية”.

وتختم بلهجة عراقية موجعة: “انحرمت أكون أمّ مرّة ثانية… بس يمكن الشي الوحيد المفرح إن ماكو بعد أحد يقدر يبتزّني”.

انتقادات حقوقية واسعة

تؤكّد الناشطة البارزة هناء أدور، الخبيرة المعتمدة لدى المنظّمة العالمية لمراقبة حقوق الإنسان، أن قضيّة الوصاية على الأطفال في العراق، تكشف حجم الانتهاكات التي تتعرّض لها الأمّهات. 

وتشير أدور إلى أن “القانون الحالي يمنح حقّ الوصاية للآباء بشكل مطلق، حتى وإن كانوا غير مسؤولين، مما يُعدّ خرقاً واضحاً لمبادئ حقوق الإنسان، بالرغم من مصادقة العراق على اتّفاقية حقوق الطفل”، وتلفت إلى أن “هذا الوضع القانوني يشجّع الكثير من الآباء على التنصّل من مسؤولياتهم المالية، واستخدام الوصاية كوسيلة للانتقام من الأمّ، حيث يقف القانون بجانبهم مانحاً إيّاهم سلطة مطلقة، على حساب حقوق الأمّ والطفل معاً”.

وترى أن “التحدّيات قد تضاعفت بشكل كبير بعد إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفري، ما يجعل المرحلة المقبلة من أصعب المراحل على الأمّهات المطلّقات، خاصّة في ما يتعلّق باستخراج الوثائق الرسمية لأبنائهن، وتكشف متابعتها الميدانية أن الكثير من الآباء يمتنعون عمداً عن تسليم هذه الوثائق، الأمر الذي يضع الأمّ في مواجهة أزمة متواصلة مع المؤسّسات الحكومية”.

وتنتقد أدور أداء الدوائر الحكومية التي “تخضع للأمزجة”، مؤكّدة أن “الإجراءات تميّز بوضوح بين الأمّ والأب”، مستشهدة بموقف الأمّ في المطارات “فالأمّ، حتى لو امتلكت وكالة قانونية، تُوقَف ويحَقَّق معها مراراً، وكأنها متّهمة بمحاولة الهروب بالطفل، في حين يُسمح للأب بالسفر مباشرة دون أيّ قيد أو شرط”، معتبرة هذه الممارسات “نظرة دونية، وانتهاكاً لمبدأ المساواة أمام القانون”.

وتشير المدافعة عن حقوق الإنسان سارة جاسم، من جهتها، إلى مسألة الارتفاع المتزايد في نسب الطلاق، وتقول “إن غالبية المطلّقات بينهن آلاف الأمّهات، يواجهن معركة مرهقة لاستخراج الوثائق الرسمية لأطفالهن، وفي مقدّمتها جواز السفر، وبحسب رصد المدافعة، فإن أغلب الأمّهات يعانين من تعقيدات بيروقراطية تحوّل الوثائق من مجرّد أوراق رسمية، إلى عائق يحرم الطفل من هويّته وحقوقه في التعليم والسفر”.

هذه المعاناة لا تقتصر على العراقيل الإدارية فقط، بل تمتدّ إلى الأعباء المالية الثقيلة، التي تثقل كاهل الأمّهات، في ظلّ أوضاعهن الاقتصادية الهشّة بعد الطلاق.

سارة جاسم

إحصائيات الطلاق في العراق (2025)

كشف مجلس القضاء الأعلى العراقي عن تسجيل أرقام مرتفعة في حالات الطلاق خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2025، حيث بلغ المجموع الكلّي 41,432 حالة طلاق في عموم البلاد (باستثناء إقليم كردستان).

وبحسب الإحصاءات الرسمية، توزّعت الحالات على الأشهر كالتالي:

كانون الثاني/ يناير: 6,448 حالة
شباط/ فبراير: 6,392 حالة
آذار/ مارس: 4,974 حالة
نيسان/ أبريل: 5,665 حالة
أيّار/ مايو: 6,015 حالة
حزيران/ يونيو: 5,028 حالة
تمّوز/ يوليو: 6,910 حالة

المتاهة القانونية: صراع الصلاحيات

كشف مصدر في وزارة الداخلية العراقية، أن جوازات السفر الصادرة عن مديريات الجوازات “سليمة من حيث الإجراءات”، لكنّها تخضع للقانون النافذ الذي يُلزم الجميع. وفي السياق نفسه، أكّد مصدر في وزارة الخارجية أن “السفارات العراقية تلتزم بالدستور، الذي يحصر حقّ إصدار جوازات الأطفال بالأب”، لا سيّما بعد إقرار القانون الجعفري الذي شدّد القيود في هذا المجال. 

وأوضح المصدر أن أيّ سفارة تُصدر جوازاً لطفل بطلب من الأمّ من دون علم الأب، تُعرّض نفسها وموظّفيها للمساءلة القانونية، إذ يحقّ للأب رفع دعوى ضدّها، خصوصاً بعد اكتشاف حالات تزوير في وكالات الأمّهات خلال السنوات الماضية، ما زاد من تعقيد الإجراءات. 

وبينما تحاول بعض القنصليات التعامل بمرونة في الحالات الإنسانية عبر التواصل مع الأب، أو توجيه الأمّ إلى الطرق الرسمية، يؤكّد مسؤولون أن أيّ تجاوز للقانون يُعدّ “باطلاً”، ويعرّض المعنيين للملاحقة.

في نهاية كلّ حكاية تظلّ أسئلة الأمّهات صرخة جامعة ترفض الصمت: “هل من المنصف أن يُحرم الأضعف من حقّه في الحياة والسفر بسبب أب متخلٍ وقانون مُعطِّل؟”، سؤال يظلّ مُعلّقاً على جدران المحاكم والسفارات، ينتظر الإجابة على مدار أعوام من الأسر؛ ليتوقّف عقاب الطفولة البريئة التي وُلدت من أمّ بلا حقّ.

* اسم مستعار

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
21.02.2026
زمن القراءة: 10 minutes

القانون العراقي يعتبر الأب هو الوصيّ الشرعي، حتى لو أعلن أمام القاضي أنه لا يريد ابنته، المحكمة رفضت طلب حنين للحصول على الوصاية الكاملة، بالرغم من معرفة القاضي أن الطفلة لم تتلقّ أيّ دعم من والدها لا مادّي ولا أبوي، ليبقى مصير الأمّ والطفلة معلقاً بقرار أب غائب عن المسؤولية، وحاضر فقط في تفاصيل الانتقام.

بنين إلياس

بين دهاليز القوانين العراقية، تعيش آلاف الأمّهات معاناة صامتة تتحوّل إلى سجن مفتوح لهن ولأطفالهن، فالقانون يحرم المرأة من حقّها في استخراج جواز سفر لأطفالها داخل العراق وخارجه، ليبقى مستقبل الصغار مرهوناً بتوقيع الأب، حتى في حالات الطلاق أو غيابه أو رفضه، ومع إقرار التصويت على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، تزداد القيود شدّةً.

يكشف هذا التحقيق معاناة آلاف الأمّهات العراقيات، اللواتي يجدن أنفسهن محاصرات بقوانين تحرمهن من إصدار جوازات سفر لأطفالهن، ويعرض شهادات ووثائق تكشف كيف تحوّل القانون إلى أداة ابتزاز واستغلال، تمتدّ آثارها النفسية والاجتماعية إلى سنوات طويلة.

بين الحرمان والخذلان

“منذ خمس سنوات وأنا حبيسة المنزل، لا أدري متى سيُطلَق سراحي”، بهذه الكلمات بدأت مريم* (18 عاماً) حديثها، وهي تسترجع سنوات الحرمان والخذلان التي عاشتها في تركيا، بعد أن تركها والدها هي وشقيقتها لمصير مجهول.

مريم، التي حُرمت من أبسط حقوقها في التعليم والعلاج، تروي: “طيلة هذه السنوات أعالج انتكاساتي بالأعشاب والتعليم باليوتيوب”.

قصّة مريم بدأت حين طلّق والدها والدتها في العراق، ورغم أن والدتها رفعت دعوى حضانة، فإن قرار المحكمة جاء لصالح الأب، تقول مريم: “كانت والدتي تحاول أن تأخذني وشقيقتي للعيش معها، لكنّ والدي رفض، وهدّدها إن ظهرت في حياتنا مرّة أخرى سوف ينشر صوراً خاصّة لها، يحتفظ بها أيّام كانت زوجته، بل كان يجبرني على التلفّظ ضدّها بكلمات نابية ليزرع بيننا العداوة”.

ومع عودة الأمّ للمطالبة بالحضانة مرّة أخرى، اتّخذ الأب قراراً مفاجئاً بالهجرة، حمل طفلتيه إلى تركيا، وأوكل أمر رعايتهما إلى زميلة له بحجّة أنه مسافر إلى بريطانيا لتهيئة مسكن جديد، ومنذ ذلك الحين، تُركت مريم وشقيقتها في مواجهة الحياة وحدهما، لا أوراق رسمية ولا مستقبل، ورغم محاولاتها المتكرّرة مع السفارة العراقية في تركيا، فإنها لم تصل إلى حلّ.

أمّ بالمشاعر لا بالقانون

تابعت معدّة التحقيق مع شيرين* مربية مريم التي وجدت نفسها في رحلة تبنٍ غير شرعية في الغربة، لتكتشف حجم المعاناة التي عاشتها.

ما تصفه بـ”رحلة تبنٍ غير رسمي” مريرة، تشعر فيها أن “طوقاً من مسد يلتفّ حول رقبتها”، فالأب رفض تسليمها الأوراق الرسمية لطفلتيه، خشية إعادتهما إلى والدتهما الغائبة، مما جعل وجود الطفلتين معها “غير رسمي”، ومصدر قلق وخوف دائمين.

على مدار سنوات، باءت محاولاتها بالفشل، تقول شيرين: “قصدت السفارتين العراقية والبريطانية، كون الأب مزدوج جنسية للحصول على وكالة، لكنّ الأبواب كانت مغلقة”، حتى عائلة الأب تنصّلت بحجّة أن القانون لا يسمح لها بالتدخّل، وتضيف وهي تدمع، أن “هذا الوضع تسبّب في تدهور صحّة الطفلتين وحالتهما النفسية لعدم ذهابهما إلى المدرسة”، وتلخّص المأساة بأن أسئلة ابنتيها المؤلمة “لا جواب لها سوى أنهما عراقيتان، في ظلّ قانون ذكوري لا يعترف بحقوقنا كأمّهات”.

طفولة مسروقة وأمّهات

نور* أمّ عراقية، تعيش محاصرة مع طفلتها البالغة من العمر تسعة أعوام، بعد أن هجرها زوجها خارج تركيا، عقاباً لها لرفضها البقاء في العراق لخدمة والدته، وتفاقمت عزلتها برحيل عائلتها كلّها إلى مصر بعد فشل اللجوء.

لمدّة عامين، حاولت نور يائسة استخراج جواز سفر لطفلتها للالتحاق بأهلها، والأب الذي يرفض منحها الإذن، يستخدم سلطته كأداة للانتقام عن بعد.

تقول بلهجتها العراقية: “أنا وبنتي عايشين كأننا محبوسات… مالي حقّ استخرج وثيقة لبنتي؟”، سؤال تطرحه نور كيف تحوّلت الولاية الأبوية الغائبة إلى زنزانة قانونية، و”أب لا يعرف شيئاً عن ابنته له الحقّ الكامل بالتحكّم بحياتنا”.

الأب يملك القرار… والأمّ خارج المعادلة

نقل بيان لإعلام القضاء عن القاضي علي نوري أبو رغيف قاضي محكمة الأحوال الشخصية، أوضح أن القانون لم يمنح الأمّ حقّ استخراج الجواز؛ وذلك لأن الأب هو الوليّ الجبري على أبنائه القاصرين، استناداً إلى أحكام المادّة (27) من قانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980، التي تنصّ على أن “وليّ الصغير هو الأب ثم المحكمة”، وعليه، لا يحقّ للأمّ مراجعة دائرة الجوازات للإصدار، إلا إذا قام الأب بتنظيم “وكالة خاصّة” لها من خلال دائرة كاتب العدل، ليخوّلها بإجراءات استخراج جواز السفر.

وفي هذا السياق انتقد القاضي المتقاعد رحيم العكيلي “أداء الدولة ومؤسّساتها التشريعية لغياب الاهتمام بشؤون المجتمع”، مؤكّداً أن “البرلمان لا يُصدر قوانين تنظّم حقّ الأمّ في الوصاية والسفر بوضوح”، وأوضح أن “القوانين الحالية لا تنظّم القضايا الاجتماعية الحسّاسة، ما يسبّب معاناة لآلاف المواطنين، خاصّة الأمّهات العراقيات المقيمات في الخارج مع أطفالهن، حيث يواجهن صعوبات كبيرة في استخراج الوثائق”.

وأشار العكيلي إلى أن “تعليمات السفارات تمنع إصدار جوازات سفر للأطفال دون موافقة الأب، ما يضع القاصرين وأمّهاتهم في مأزق قانوني خطير في الدول المستضيفة، وقد يعرّضهم للسجن”، ولفت إلى أن هذا الوضع “يضطرّ الأمّهات، خصوصاً المقيمات خارج العراق، للجوء إلى طرق غير شرعية مثل التهريب، أو التعرّض للابتزاز المالي والجسدي من أجل استخراج وثائق عبور أو جوازات سفر لأطفالهن”.

وأكّد العكيلي أن هذا الإجراء “غير منطقي”، ويمثّل “انتهاكاً لحقوق الإنسان، حيث يجعل حقّ الطفل في وثيقة السفر مرهوناً بموافقة الأب الغائب أو الرافض، ما يفتح الباب أمام المآسي الإنسانية”، محمّلاً المسؤولية للسلطة التشريعية، مبيناً أن “الفراغ التشريعي جعل عمليّة حصول الأمّ على وكالة للسفر خاضعة لمزاجية القاضي، بدلاً من أساس قانوني ثابت”.

رحيم العكيلي

أفرز هذا الفراغ التشريعي بيئة تابعة للنفوذ والعلاقات، حيث تحصل الأمّ ذات السلطة على تأييد السفر بسهولة، بينما تُحرم منه أخرى مستحقّة في حالة مماثلة، مما يؤكّد أن العلاقات تتسيّد على النصوص القانونية.

القرارات القضائية المتضاربة

وجود تناقض في المنهج المتّبع، حيث صدرت قرارات قضائية تمنح الأمّ وثيقة سفر لأبنائها القاصرين، بناءً على قناعة المحكمة بتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، بينما في حالات أخرى لم تنجح أمّ لديها الظروف ذاتها، بل حتى بموافقة صريحة من الأب، في الحصول على هذا الحقّ، وقد ردّت المحكمة دعوتها.

قالسفارات بين النصّ القانوني والتطبيق المعقّد

بحسب شهادات عدد من الأمّهات العراقيات في الخارج، فهن يواجهن معاناة مضاعفة عند مراجعة السفارات لاستخراج جوازات سفر لأطفالهن، حتى مع امتلاكهن وكالات قانونية من كاتب عدل، ومصدّقة من الخارجية العراقية، فالسفارة العراقية تخاطب كاتب العدل للتأكّد من صحّة الوكالة وإصدارها، وقد يُطلب حضور الأب شخصياً أمام الجوازات العامّة، ويتمّ إرسال إشعار إلى سفارة. 

هذا الإجراء المعقّد يؤدّي إلى تأخيرات قد تمتدّ لأشهر وربما لعام كامل، بحسب شهادات أمّهات عالقات، مما يعرقل سفر أطفالهن، ودراستهم، أو حتى تجديد إقاماتهم في بلاد الغربة.

بعض الأمّهات أشرن إلى أن أيّ نقص في الوكالة أو خطأ في الصياغة، يؤدّي إلى رفض إصدار جواز السفر، وتعيش إحدى الأمّهات في تركيا منذ ثماني سنوات في صراع مشابه، تقول وهي منهكة: “بطلوع الروح وافق زوجي أن يرسل لي وكالة لإصدار جواز سفر لبنتي. سنة كاملة وأنا ألاحق هذا الموضوع. وأخيراً، أصدر لي وكالة، لكنّه كتب فيها فقط إصدار جواز السفر، وبعد أن صدر الجواز، اكتشفت أني لا أستطيع استلامه إلا بوكالة جديدة مكتوب فيها إصدار واستلام. ومنذ ثمانية أشهر وأنا عالقة، أراجع السفارة بلا نتيجة”… هذا ما ذكرته منى*.

ابتزاز مالي وجنسي

تعيش حنين* البالغة من العمر30 عاماً في تركيا، مع ابنتها البالغة تسع سنوات، لكنّها لم تتلقَ من والدها أيّ نفقة، بالإضافة إلى تملّصه من مسؤوليتها، والأسوأ، بحسب ما تروي حنين، أن طليقها يستغلّ كلّ مراجعة السفارة لابتزازها مادياً ونفسياً.

وتقول: “لكل معاملة أحتاج وكالة منه، ولو أن الوكالة لا تكلّف أكثر من 50 دولاراً، إلا أنني أُجبر على دفع ألف دولار أو أكثر. في كلّ مرّة يدخل وسطاء ويضع شروطاً تعجيزية، حتى أنني تنازلت عن ممتلكاتي الخاصّة — سيارتي مصوغاتي الذهبية — الحاضر والغائب، وحقّ نفقة الطفلة مقابل أن يمنحني وكالة إنجاز جواز السفر، لكنّه ما زال يستخدم القانون للضغط عليّ”.

القانون العراقي يعتبر الأب هو الوصيّ الشرعي، حتى لو أعلن أمام القاضي أنه لا يريد ابنته، المحكمة رفضت طلب حنين للحصول على الوصاية الكاملة، بالرغم من معرفة القاضي أن الطفلة لم تتلقّ أيّ دعم من والدها لا مادّي ولا أبوي، ليبقى مصير الأمّ والطفلة معلقاً بقرار أب غائب عن المسؤولية، وحاضر فقط في تفاصيل الانتقام.

تضيف حنين بأسى: “أنا أشعر أنني أسيرة لمدّة 18 سنة حتى تبلغ ابنتي سنّ الرشد. أعيش مقيّدة بالقانون وإجراءاته المعقّدة”، فرغم الطلاق، يواصل الأب التحكّم بحياتها وابتزازها. الابتزاز واضح وصريح، حيث يقول لها إذا تزوّجتِ أو حتى أحببتِ شخصاً لن أُصدر لك الوكالة”، ويتعدّى الأمر إلى التحكّم الشخصي؛ حيث يتدخّل في تفاصيلها (تغيير صورة الواتساب، ارتداء الحجاب).

تشترك ريما* (35 عاماً) في المعاناة نفسها، فهي تسكن في تركيا بسبب علاج والدها المصاب بالسرطان، حيث استولى طليقها على منزلها داخل العراق، وتقول: “في كلّ مرّة أحتاج وكالة سفر من أجل ابنتي أو تجديد جواز سفر، يذكّرني أن إقامته في منزلي بمساحة ومكان جيّد، مقابل أن أجدد له عقد إيجار سنوي، دون أي مبلغ الإيجار، ودون أن ينفق على الطفلة”.

وتضيف: “حين قدّمت كلّ هذه الأدلّة إلى القاضي، لم يعتبرها سبباً كافياً لنقل الوصاية أو منح حقّ السفر”.

وتكشف سيّدة أخرى عن شكل أبشع من الاستغلال، حيث يشترط طليقها عليها تلبية رغباته الجنسية مقابل إصدار جوازات سفر أطفالها. الابتزاز لا يقتصر على طلب “المشروب، الرقص، وقضاء ليلة كاملة”، بل وصل إلى محاولة إجبارها على إقناع صديقتها لتنام معه. تقول السيّدة إنها حتى بعد حصولها على الوكالة، تبقى “رهينة مزاجه”، خوفاً من المستقبل.

غياب الأمان النفسي

تؤكّد المستشارة النفسية الدكتورة إخلاص جبرين أن “الاستغلال المادّي والجنسي والنفسي، الذي تتعرّض له الأمّهات المطلّقات في قضايا جوازات السفر، يترك جروحاً عميقة في شخصيّاتهن وصحّتهن النفسية”.

المستشارة النفسية إخلاص جبرين

وعلى الصعيد الصحّي تؤكّد الطبيبة اختصاص نسائية وتوليد جوان ميرزا، أن “التوتّر النفسي… عدو خفيّ يهدّد انتظام الدورة الشهرية والصحّة الإنجابية”، وتشير إلى أن “الضغط النفسي والقلق يؤثّران مباشرة على عمل الغدة تحت المهاد، المسؤولة عن تنظيم هرمونات الدورة الشهرية، ممّا يسبّب اضطرابها أو توقّفها”، وتحذّر من أن هذا الخلل ينذر بـ”اختلال في التبويض”، والأخطر من ذلك هو “زيادة احتمالية ظهور الأورام وكبر حجمها”.

تحمل قصّة هدى* جانباً مأساوياً مؤلماً؛ فخلال أربع سنوات من معاناة التعامل مع طليقها ومماطلته وابتزازه الدائم، تدهورت حالتها الصحّية تدريجياً، وتقول بأسى: “الورم كان يكبر داخلي وأنا أؤجّل العلاج، مشغولة بإرسال وساطات لطليقي الذي كان يحظرني في أكثر أوقاتي حاجة إليه، حتى وصل حجم الورم إلى 15 سنتيمتراً، واضطرّ الأطبّاء لاستئصاله، ما أثّر على قدرتي الإنجابية”.

وتختم بلهجة عراقية موجعة: “انحرمت أكون أمّ مرّة ثانية… بس يمكن الشي الوحيد المفرح إن ماكو بعد أحد يقدر يبتزّني”.

انتقادات حقوقية واسعة

تؤكّد الناشطة البارزة هناء أدور، الخبيرة المعتمدة لدى المنظّمة العالمية لمراقبة حقوق الإنسان، أن قضيّة الوصاية على الأطفال في العراق، تكشف حجم الانتهاكات التي تتعرّض لها الأمّهات. 

وتشير أدور إلى أن “القانون الحالي يمنح حقّ الوصاية للآباء بشكل مطلق، حتى وإن كانوا غير مسؤولين، مما يُعدّ خرقاً واضحاً لمبادئ حقوق الإنسان، بالرغم من مصادقة العراق على اتّفاقية حقوق الطفل”، وتلفت إلى أن “هذا الوضع القانوني يشجّع الكثير من الآباء على التنصّل من مسؤولياتهم المالية، واستخدام الوصاية كوسيلة للانتقام من الأمّ، حيث يقف القانون بجانبهم مانحاً إيّاهم سلطة مطلقة، على حساب حقوق الأمّ والطفل معاً”.

وترى أن “التحدّيات قد تضاعفت بشكل كبير بعد إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفري، ما يجعل المرحلة المقبلة من أصعب المراحل على الأمّهات المطلّقات، خاصّة في ما يتعلّق باستخراج الوثائق الرسمية لأبنائهن، وتكشف متابعتها الميدانية أن الكثير من الآباء يمتنعون عمداً عن تسليم هذه الوثائق، الأمر الذي يضع الأمّ في مواجهة أزمة متواصلة مع المؤسّسات الحكومية”.

وتنتقد أدور أداء الدوائر الحكومية التي “تخضع للأمزجة”، مؤكّدة أن “الإجراءات تميّز بوضوح بين الأمّ والأب”، مستشهدة بموقف الأمّ في المطارات “فالأمّ، حتى لو امتلكت وكالة قانونية، تُوقَف ويحَقَّق معها مراراً، وكأنها متّهمة بمحاولة الهروب بالطفل، في حين يُسمح للأب بالسفر مباشرة دون أيّ قيد أو شرط”، معتبرة هذه الممارسات “نظرة دونية، وانتهاكاً لمبدأ المساواة أمام القانون”.

وتشير المدافعة عن حقوق الإنسان سارة جاسم، من جهتها، إلى مسألة الارتفاع المتزايد في نسب الطلاق، وتقول “إن غالبية المطلّقات بينهن آلاف الأمّهات، يواجهن معركة مرهقة لاستخراج الوثائق الرسمية لأطفالهن، وفي مقدّمتها جواز السفر، وبحسب رصد المدافعة، فإن أغلب الأمّهات يعانين من تعقيدات بيروقراطية تحوّل الوثائق من مجرّد أوراق رسمية، إلى عائق يحرم الطفل من هويّته وحقوقه في التعليم والسفر”.

هذه المعاناة لا تقتصر على العراقيل الإدارية فقط، بل تمتدّ إلى الأعباء المالية الثقيلة، التي تثقل كاهل الأمّهات، في ظلّ أوضاعهن الاقتصادية الهشّة بعد الطلاق.

سارة جاسم

إحصائيات الطلاق في العراق (2025)

كشف مجلس القضاء الأعلى العراقي عن تسجيل أرقام مرتفعة في حالات الطلاق خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2025، حيث بلغ المجموع الكلّي 41,432 حالة طلاق في عموم البلاد (باستثناء إقليم كردستان).

وبحسب الإحصاءات الرسمية، توزّعت الحالات على الأشهر كالتالي:

كانون الثاني/ يناير: 6,448 حالة
شباط/ فبراير: 6,392 حالة
آذار/ مارس: 4,974 حالة
نيسان/ أبريل: 5,665 حالة
أيّار/ مايو: 6,015 حالة
حزيران/ يونيو: 5,028 حالة
تمّوز/ يوليو: 6,910 حالة

المتاهة القانونية: صراع الصلاحيات

كشف مصدر في وزارة الداخلية العراقية، أن جوازات السفر الصادرة عن مديريات الجوازات “سليمة من حيث الإجراءات”، لكنّها تخضع للقانون النافذ الذي يُلزم الجميع. وفي السياق نفسه، أكّد مصدر في وزارة الخارجية أن “السفارات العراقية تلتزم بالدستور، الذي يحصر حقّ إصدار جوازات الأطفال بالأب”، لا سيّما بعد إقرار القانون الجعفري الذي شدّد القيود في هذا المجال. 

وأوضح المصدر أن أيّ سفارة تُصدر جوازاً لطفل بطلب من الأمّ من دون علم الأب، تُعرّض نفسها وموظّفيها للمساءلة القانونية، إذ يحقّ للأب رفع دعوى ضدّها، خصوصاً بعد اكتشاف حالات تزوير في وكالات الأمّهات خلال السنوات الماضية، ما زاد من تعقيد الإجراءات. 

وبينما تحاول بعض القنصليات التعامل بمرونة في الحالات الإنسانية عبر التواصل مع الأب، أو توجيه الأمّ إلى الطرق الرسمية، يؤكّد مسؤولون أن أيّ تجاوز للقانون يُعدّ “باطلاً”، ويعرّض المعنيين للملاحقة.

في نهاية كلّ حكاية تظلّ أسئلة الأمّهات صرخة جامعة ترفض الصمت: “هل من المنصف أن يُحرم الأضعف من حقّه في الحياة والسفر بسبب أب متخلٍ وقانون مُعطِّل؟”، سؤال يظلّ مُعلّقاً على جدران المحاكم والسفارات، ينتظر الإجابة على مدار أعوام من الأسر؛ ليتوقّف عقاب الطفولة البريئة التي وُلدت من أمّ بلا حقّ.

* اسم مستعار