ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“الأخضر بيد الأسد”… كيف جنّد النظام السوري المخلوع جواسيس للإيقاع بـالمتعاملين بالدولار

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كان الإتجار بالعملات الأجنبية زمن نظام الأسد أشبه بالانتحار بسبب تشديد قبضة المخابرات على المتداولين، وسن قوانين تجرّم امتلاك هذه العملات وتداولها. مع ذلك، لجأ كثيرون إلى السوق السوداء لإخفاء حقيقة امتلاكهم عملات أجنبية، وانخفاض سعر الصرف الرسمي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في أواخر عام 2013 وفي حي المالكي في العاصمة دمشق، صعدَ رجلٌ داخل سيارة من نوع شيفروليه خمرية اللون ليجتمع مع سائقها بهدف تبديل العملة السورية مقابل الدولار الأميركي. سائق السيارة كان نشطاً كمندوب حوالات مالية في تلك المنطقة، ويعمل بحذر مع زبائن يريدون تصريف عملات أجنبية إلى الليرة السورية ولا سيما الدولار.

كان عمله “الأشبه بالانتحار” يلقى رواجًا، لأن تصريف العملة الأجنبية عن طريق القنوات الرسمية لا يتوازى مع سعرها الحقيقي في السوق السوداء، وكذلك الحال فإن غالبية من لديهم عملة أجنبية (ولا سيما الدولار واليورو) ويريدون بيعها، أو حتّى يريدون شراءها، يلجأون إلى السوق السوداء، لإبعاد الشبهات عنهم، ولا سيما مع وجود قوانين عدة جرّمت تداول الدولار أولًا ثم جرّمت امتلاكه.

على  رغم التضييق الأمني ومحاولات النظام لتجريم التعامل بالدولار وغيره من العملات، لم يكن سائق السيارة يعلم أن الزبون الذي استقل سيارته هو عنصر تابع لفرع المخابرات العسكرية 251.

خلال عملية تبادل العملات، التقط “المخبر” صورة للمندوب وأرسلها للمسؤول عنه في الفرع عبر تطبيق “واتسآب” للرسائل الفورية، لتنتهي صورة عن هذه الرسالة في وثيقة موقّعة من رئيس الفرع 251 وموجّهة إلى القسم 40، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، تأمر بتوقيف مندوب الحوالات وتقديمه “بشكل فوري” إلى أحد أقسام الشرطة ومصادرة الهواتف التي في حوزته، وذلك “بالسرعة القصوى لضرورة التحقيق”. 

هذا المندوب لتصريف العملات، لم يكن الوحيد الذي اعتُقل، إذ جنّدت مخابرات النظام السابق الوسائل المتاحة لديها لاعتقال كل من يتداول العملات الأجنبية، سواء بغرض التصريف أو حتّى في مرحلةٍ لاحقة اقتناء هذه العملات، وذلك بعد إصدار قوانين عدة لحصر العملات الصعبة بيد الأسد.

يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية، خالد تركاوي، أن كل الإجراءات التي قام بها الأسد، كانت تهدف الى ابتزاز كل من يملك الدولار أو غيره من العملات الأجنبية، عبر وضعهم أمام خيارين، إمّا صرف الأموال عن طريق النظام بالسعر الذي يقرّره أو الملاحقة القانونية، لافتاً إلى أن هذه القوانين لم يكن غرضها أي معادلات اقتصادية بل تحصيل أموال لاستمرار العمل العسكري وتحقيق النصر.

اطلع فريق الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج”، على نسخ رقمية لوثائق كثيرة توضح كيف وظف نظام الأسد أجهزة مخابراته لتعقب واعتقال كل من يتعامل بالدولار الأميركي أو غيره من العملات الأجنبية عقب المرسوم 3 للعام 2020، والذي أصدره رئيس النظام المخلوع  بشار الأسد وجرم فيه التعامل بأي عملة غير الليرة السورية.

و”ملفات دمشق”، هو مشروع تحقيقات استقصائي تشاركي يديره “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ” بالتعاون مع هيئة الإذاعة العامة الألمانية NDR، ويضم  صحافيين من مختلف أنحاء العالم لكشف تفاصيل جديدة مروّعة حول أحد أكثر أنظمة القتل التي تديرها دولة وحشيةً في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

أمضى الـ ICIJ وNDR و126 صحافياً من 26 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا تحت حكم الأسد.

يكشف مشروع تحقيقات “ملفات دمشق” عن البنية الداخلية لجهاز أمن الأسد وصلاته بحكومات أجنبية ومنظمات دولية. ويتكوّن التسريب من أكثر من 134 ألف ملف مكتوبة في الغالب باللغة العربية — ما يعادل نحو 243 غيغابايت من البيانات. 

تغطي هذه الوثائق أكثر من ثلاثة عقود، أي منذ عام 1994 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024. وتعود أصولها إلى المخابرات الجوية وإدارة المخابرات العامة في سوريا.

فُرضت على هاتين الجهتين الاستخباراتيتين عقوبات واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

وتشمل الوثائق مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف آليات العمل اليومية لشبكة الأسد في المراقبة والاعتقال، إضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل داخل سوريا.

كما تتضمّن قاعدة البيانات شديدة الحساسية أسماء عدد من عناصر المخابرات السورية السابقين.

تجنيد عملاء للاستيلاء على “الدولار”

في وثيقة أُخرى، بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر 2023، يصدر رئيس فرع المخابرات العسكرية 251 أمراً للقسم 40 (فرع الخطيب) بتوقيف ثلاثة مندوبي حوالات في مناطق متفرقة من العاصمة دمشق بتهمة التعامل بالعملات الأجنبية. وتضم الوثيقة تفاصيل حول مكان عملهم الأساسي والذي يستخدمونه كغطاء لتقديم الحوالات، وصوراً التقطها عناصر المخابرات خلسة للمندوبين خلال عمليات تبادل الأموال وتفاصيل شخصية أخرى كأرقام الهواتف وغيرها. وكما هو الحال في الوثيقة الأولى، يضمن رئيس الفرع صور شاشة “سكرين شوت” يعتقد أنها أرسلت مباشرة من العناصر المخوّلين بعملية التعقب والإخبار.

هذه العمليات لم تكن فقط بهدف تنفيذ المراسيم والقوانين الصادرة عن السلطات في النظام فقط، بل كان لها هدف اقتصادي أوسع بكثير ويهدف الى احتكار القطع الأجنبي في البلاد وتوجيهه إلى مصادر مقربة من النظام ولصالح شخصيات مقربة منه على ما يشير الباحث المتخصص بالشؤون الاقتصادية خالد تركاوي.

بعد حظر تداوله من الأسد، أصبح السوريون يستخدمون رموزًا مشفّرة للحديث عن الدولار الأميركي، سواء في أحاديثهم الشخصية أو عبر الهاتف، فكانوا يُطلقون عليه أسماء مثل (المغضوب، بقدونس، الأخضر والأول، وغيرها). ولكنَّ هذه الاستراتيجية لا يبدو أنّها قد فاتت أجهزة المخابرات السورية في عهد الأسد، إذ يشير أحد المستندات التي تشمل خلاصة التجسس على أرقام هواتف معيّنة، إلى أن المخابرات السورية حدّدت اسم أحد الأشخاص في محافظة السويداء على أنّه يتداول الدولار الأميركي، واستنتجت ذلك عند سؤاله عن سعر “الأول” في إشارة إلى الدولار الأميركي، وذلك خلال التنصت على هاتفه كما يبدو.

تجريم التداول ثم تجريم امتلاك العملة الصعبة

كانت حيازة العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، من المحرّمات في سوريا، حتّى أن وجود مبلغ 100  دولار في جيب أحد السوريين ربما يجعله عرضةً للمساءلة، لأن حمله يُعتبر غير قانوني. 

لذلك كان العمل في تحويل العملات أو تصريفها خارج سلطة النظام السوري، يُعتبر من أنواع المهن (الانتحارية) لشدّة خطورتها، ولا سيما في السنوات الأخيرة عندما اشتدَّ جوع النظام السوري لكسب المزيد من الأموال.

تم منع تداول الدولار (والعملات الأجنبية عموماً) في الأسواق السورية للمرة الأولى بشكل رسمي عام 1986، وذلك من خلال القانون رقم 24 لعام 1986 الذي صدر في عهد حافظ الأسد، وكان يجرّم بيع العملات الأجنبية وشراءها خارج المصارف وشركات الصرافة المرخصة، وحيازة مبالغ كبيرة من الدولار بدون تصريح، كما يعاقب المخالفين بالسجن والغرامات. وكان هذا القانون هو الأساس الذي بُني عليه تجريم تداول العملات الأجنبية في السوق المحلّية.

استمرَّ العمل بالقانون رقم 24 حتّى عام 2013 عندما أصدر بشار الأسد، بعد اندلاع الثورة بعامين القانون رقم 29 لعام 2013، الذي حمل عنوان “مكافحة التعامل غير الشرعي بالعملات الأجنبية”، وأهم ما جاء في هذا القانون، كان تجريم تداول العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية بما في ذلك المصارف المرخصة وشركات الصرافة.

وجرّم هذا القانون أيضًا بيع أو شراء الدولار أو أي عملة أجنبية في السوق السوداء، إضافةً إلى تحويل الأموال أو المضاربة على سعر الصرف. اللافت في هذا القانون أنّه شدّد العقوبات لتصل إلى السجن بين 3 و10 سنوات حسب درجة الجرم، إلى جانب مخالفات مالية كبيرة.

وفي عام 2020، شهدت الليرة السورية انهيارًا حادًّا، إذ وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 1000 ليرة سورية للمرّة الأولى بتاريخ الليرة، وذلك في كانون الثاني/ يناير 2020، ولكن في نهاية العام، بلغ سعر صرف الدولار الواحد نحو 3000 ليرة سورية.

هذا الانهيار دفع الأسد، في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، إلى اعتبار أن السبب الجوهري لانهيار الليرة يعود إلى حجز ودائع بمليارات الدولارات تعود الى سوريين في البنوك اللبنانية، وذلك بعد “أزمة المصارف” في لبنان عام 2019.

وقال الأسد حينها، خلال زيارته معرض “منتجين 2020” إن “ما بين 20 و42 مليار دولار من هذه الودائع ربما فُقدت في القطاع المصرفي اللبناني، وأن هذا الرقم بالنسبة الى اقتصاد سوريا رقم مخيف”، لافتًا إلى أن “الأموال أخدوها وحطوها بلبنان ونحن دفعنا الثمن”.

ولكن هذا التصريح لم يكن رد فعل الأسد الوحيد حينها، بل كان الأسد قد شدّد في مطلع العام ذاته الخناق على السوريين الذين يملكون العملات الأجنبية، عبر المرسوم 3 للعام 2020، واستخدم للمرّة الأولى وبشكلٍ صريح عبارة “حظر حيازة العملات الأجنبية”، إذ جاء في المادة الأولى منه، أنّه “يُحظر التعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري”. وتم في هذا المرسوم تشديد العقوبات على نحوٍ واسع وإضافة مواد قانونية تنص على مصادرة العملات الأجنبية التي يتم تداولها.

الهيمنة على العملة الصعبة

يبدو أن النظام السوري لم يهدف من هذه القوانين إلى تنظيم تدفّق العملة في السوق، أو حتّى حماية الليرة السورية، بل لحفظ حصّة الأسد في كل دولار يدخل إلى سوريا، على ما يوضح الباحث المتخصص بالشؤون الاقتصادية خالد تركاوي. 

وقال تركاوي: “كل هذه القوانين كان هدفها حصر بيع الدولار بالمصرف المركزي، وكان النظام يريد أن تحدث عمليات البيع عن طريق المصرف المركزي لثلاثة أهداف”.

الهدف الأول بحسب تركاوي، هو انخفاض قيمة الليرة السورية التي لم تعد مقبولة بالاستيراد وأصبحت الدول الأخرى تطالب حصرًا بالدولار، لافتًا إلى أنّه كان من الصعب تمويل الجيش أو دفع المستحقات للروس أو الإيرانيين إلّا بالدولار، وكذلك الحال بالنسبة الى المواد الغذائية مثل مناقصات الإطعام للجيش وغيرها، التي كانت تُستورد، لأن مؤسسات الدولة لم تعد منتجة.

أما السبب الثاني، فهو معرفة مصادر التمويل وحجمها، وهي معلومة استخباراتية مهمة للنظام السوري، إذ إن الدولار الذي يأتي من الخارج على شكل دعم، كان يصب عند نظام الأسد. ويوضح تركاوي أن إحدى سيارات المصرف المركزي كانت تقف عند مدخل مدينة دوما لتصريف الدولار على الليرة السورية، وبذلك كان النظام يحصل على الدولار وعلى معلومة استخباراتية.

أمّا السبب الثالث، فيكمن في أن النظام كان يعتبر الدولار نفسه تجارة رابحة يجب ألا تخرج من يده، ويشير تركاوي إلى أنّه رصد في عام 2023 عملية تسليم 300 ألف دولار في دمشق قرب فندق الشام، على رغم حظر ذلك قانونيًا، ولكنَّ القانون لم يكن مطبّقًا على المقرّبين من النظام الذين يدفعون له الأموال.

وقال أيضًا: “الخلاصة ممّا كان يفعله النظام السوري، هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال، وعدم السماح بدخول أو خروج أموال إلى سوريا أو من سوريا بدون أن تكون له حصّة فيها، لذلك طوّع قوانين وتهماً عدة لتحقيق هدفه بمشاركة السوريين في أموالهم، مثل قوانين لمنع تداول العملات الأجنبية أو مكافحة وتمويل الإرهاب أو حماية الوطن، وهي كلها قوانين مطوّعة لهدف الأسد”.

مخالفة للدستور السوري

تمثّل القوانين التي سنّها نظام الأسد، وتحديدًا القانون الأخير الذي يمنع امتلاك العملات الأجنبية، تعارضًا مع الدستور السوري الذي سنّه النظام نفسه في عام 2012، وكذلك الأمر تتعارض مع ما قبله من الدساتير. 

تقول آلاء يونس، وهي باحثة قانونية مع البرنامج السوري للتطوير القانوني: “من الناحية الشكلية تستطيع أي دولة سنّ قانون وجعله نافذًا، لكن مشروعيته شيء آخر تمامًا”.

وتشرح يونس: “في الحالة السورية، تخالف هذه القوانين الدستور نفسه، ولا سيما ما يتعلق بحرية التصرّف بالأموال وحرية التعاقد، كما أنها لم تصدر عن سلطة تشريعية مستقلة أو ضمن إطار يضمن الضرورة والتناسب”،كما لفتت إلى أن ما حدث هو استخدام “تشريعات استثنائية” للتضييق على الناس ومعاقبتهم اقتصاديًا.

وتنص المادة 15 من الدستور السوري لعام 2012، على أن “الملكية الخاصة جماعية أو فردية مصانة”، كما تنص المادة على أنه “لا يجوز المصادرة العامة للأموال»، و«لا تُنزع الملكية الخاصة إلا لمنفعة عامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون”.

وترى يونس، أنه إلى جانب إشكاليتها الدستورية، فإن القوانين التي سنّها النظام في ما يخص تداول العملات الأجنبية، تصطدم أيضًا بالتزامات سوريا الدولية، إذ يتيح القانون الدولي تنظيم السوق المالية، لكنه لا يجيز تجريم مجرد حيازة العملة الأجنبية ولا استخدام أجهزة المخابرات للتجسّس على المواطنين.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
11.12.2025
زمن القراءة: 8 minutes

كان الإتجار بالعملات الأجنبية زمن نظام الأسد أشبه بالانتحار بسبب تشديد قبضة المخابرات على المتداولين، وسن قوانين تجرّم امتلاك هذه العملات وتداولها. مع ذلك، لجأ كثيرون إلى السوق السوداء لإخفاء حقيقة امتلاكهم عملات أجنبية، وانخفاض سعر الصرف الرسمي.

في أواخر عام 2013 وفي حي المالكي في العاصمة دمشق، صعدَ رجلٌ داخل سيارة من نوع شيفروليه خمرية اللون ليجتمع مع سائقها بهدف تبديل العملة السورية مقابل الدولار الأميركي. سائق السيارة كان نشطاً كمندوب حوالات مالية في تلك المنطقة، ويعمل بحذر مع زبائن يريدون تصريف عملات أجنبية إلى الليرة السورية ولا سيما الدولار.

كان عمله “الأشبه بالانتحار” يلقى رواجًا، لأن تصريف العملة الأجنبية عن طريق القنوات الرسمية لا يتوازى مع سعرها الحقيقي في السوق السوداء، وكذلك الحال فإن غالبية من لديهم عملة أجنبية (ولا سيما الدولار واليورو) ويريدون بيعها، أو حتّى يريدون شراءها، يلجأون إلى السوق السوداء، لإبعاد الشبهات عنهم، ولا سيما مع وجود قوانين عدة جرّمت تداول الدولار أولًا ثم جرّمت امتلاكه.

على  رغم التضييق الأمني ومحاولات النظام لتجريم التعامل بالدولار وغيره من العملات، لم يكن سائق السيارة يعلم أن الزبون الذي استقل سيارته هو عنصر تابع لفرع المخابرات العسكرية 251.

خلال عملية تبادل العملات، التقط “المخبر” صورة للمندوب وأرسلها للمسؤول عنه في الفرع عبر تطبيق “واتسآب” للرسائل الفورية، لتنتهي صورة عن هذه الرسالة في وثيقة موقّعة من رئيس الفرع 251 وموجّهة إلى القسم 40، في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، تأمر بتوقيف مندوب الحوالات وتقديمه “بشكل فوري” إلى أحد أقسام الشرطة ومصادرة الهواتف التي في حوزته، وذلك “بالسرعة القصوى لضرورة التحقيق”. 

هذا المندوب لتصريف العملات، لم يكن الوحيد الذي اعتُقل، إذ جنّدت مخابرات النظام السابق الوسائل المتاحة لديها لاعتقال كل من يتداول العملات الأجنبية، سواء بغرض التصريف أو حتّى في مرحلةٍ لاحقة اقتناء هذه العملات، وذلك بعد إصدار قوانين عدة لحصر العملات الصعبة بيد الأسد.

يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية، خالد تركاوي، أن كل الإجراءات التي قام بها الأسد، كانت تهدف الى ابتزاز كل من يملك الدولار أو غيره من العملات الأجنبية، عبر وضعهم أمام خيارين، إمّا صرف الأموال عن طريق النظام بالسعر الذي يقرّره أو الملاحقة القانونية، لافتاً إلى أن هذه القوانين لم يكن غرضها أي معادلات اقتصادية بل تحصيل أموال لاستمرار العمل العسكري وتحقيق النصر.

اطلع فريق الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج”، على نسخ رقمية لوثائق كثيرة توضح كيف وظف نظام الأسد أجهزة مخابراته لتعقب واعتقال كل من يتعامل بالدولار الأميركي أو غيره من العملات الأجنبية عقب المرسوم 3 للعام 2020، والذي أصدره رئيس النظام المخلوع  بشار الأسد وجرم فيه التعامل بأي عملة غير الليرة السورية.

و”ملفات دمشق”، هو مشروع تحقيقات استقصائي تشاركي يديره “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ” بالتعاون مع هيئة الإذاعة العامة الألمانية NDR، ويضم  صحافيين من مختلف أنحاء العالم لكشف تفاصيل جديدة مروّعة حول أحد أكثر أنظمة القتل التي تديرها دولة وحشيةً في القرن الحادي والعشرين: نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

أمضى الـ ICIJ وNDR و126 صحافياً من 26 منصّة إعلامية شريكة في 20 دولة، أكثر من ثمانية أشهر في تنظيم هذه الوثائق وتحليلها، واستشارة الخبراء، وإجراء مقابلات مع عائلات سورية ما زالت تبحث عن أحبائها الذين اختفوا تحت حكم الأسد.

يكشف مشروع تحقيقات “ملفات دمشق” عن البنية الداخلية لجهاز أمن الأسد وصلاته بحكومات أجنبية ومنظمات دولية. ويتكوّن التسريب من أكثر من 134 ألف ملف مكتوبة في الغالب باللغة العربية — ما يعادل نحو 243 غيغابايت من البيانات. 

تغطي هذه الوثائق أكثر من ثلاثة عقود، أي منذ عام 1994 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2024. وتعود أصولها إلى المخابرات الجوية وإدارة المخابرات العامة في سوريا.

فُرضت على هاتين الجهتين الاستخباراتيتين عقوبات واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا بسبب ممارساتهما الوحشية، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.

وتشمل الوثائق مذكرات داخلية وتقارير ومراسلات تكشف آليات العمل اليومية لشبكة الأسد في المراقبة والاعتقال، إضافة إلى تنسيقها مع حلفاء أجانب مثل روسيا وإيران، واتصالاتها مع وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل داخل سوريا.

كما تتضمّن قاعدة البيانات شديدة الحساسية أسماء عدد من عناصر المخابرات السورية السابقين.

تجنيد عملاء للاستيلاء على “الدولار”

في وثيقة أُخرى، بتاريخ 16 كانون الأول/ ديسمبر 2023، يصدر رئيس فرع المخابرات العسكرية 251 أمراً للقسم 40 (فرع الخطيب) بتوقيف ثلاثة مندوبي حوالات في مناطق متفرقة من العاصمة دمشق بتهمة التعامل بالعملات الأجنبية. وتضم الوثيقة تفاصيل حول مكان عملهم الأساسي والذي يستخدمونه كغطاء لتقديم الحوالات، وصوراً التقطها عناصر المخابرات خلسة للمندوبين خلال عمليات تبادل الأموال وتفاصيل شخصية أخرى كأرقام الهواتف وغيرها. وكما هو الحال في الوثيقة الأولى، يضمن رئيس الفرع صور شاشة “سكرين شوت” يعتقد أنها أرسلت مباشرة من العناصر المخوّلين بعملية التعقب والإخبار.

هذه العمليات لم تكن فقط بهدف تنفيذ المراسيم والقوانين الصادرة عن السلطات في النظام فقط، بل كان لها هدف اقتصادي أوسع بكثير ويهدف الى احتكار القطع الأجنبي في البلاد وتوجيهه إلى مصادر مقربة من النظام ولصالح شخصيات مقربة منه على ما يشير الباحث المتخصص بالشؤون الاقتصادية خالد تركاوي.

بعد حظر تداوله من الأسد، أصبح السوريون يستخدمون رموزًا مشفّرة للحديث عن الدولار الأميركي، سواء في أحاديثهم الشخصية أو عبر الهاتف، فكانوا يُطلقون عليه أسماء مثل (المغضوب، بقدونس، الأخضر والأول، وغيرها). ولكنَّ هذه الاستراتيجية لا يبدو أنّها قد فاتت أجهزة المخابرات السورية في عهد الأسد، إذ يشير أحد المستندات التي تشمل خلاصة التجسس على أرقام هواتف معيّنة، إلى أن المخابرات السورية حدّدت اسم أحد الأشخاص في محافظة السويداء على أنّه يتداول الدولار الأميركي، واستنتجت ذلك عند سؤاله عن سعر “الأول” في إشارة إلى الدولار الأميركي، وذلك خلال التنصت على هاتفه كما يبدو.

تجريم التداول ثم تجريم امتلاك العملة الصعبة

كانت حيازة العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، من المحرّمات في سوريا، حتّى أن وجود مبلغ 100  دولار في جيب أحد السوريين ربما يجعله عرضةً للمساءلة، لأن حمله يُعتبر غير قانوني. 

لذلك كان العمل في تحويل العملات أو تصريفها خارج سلطة النظام السوري، يُعتبر من أنواع المهن (الانتحارية) لشدّة خطورتها، ولا سيما في السنوات الأخيرة عندما اشتدَّ جوع النظام السوري لكسب المزيد من الأموال.

تم منع تداول الدولار (والعملات الأجنبية عموماً) في الأسواق السورية للمرة الأولى بشكل رسمي عام 1986، وذلك من خلال القانون رقم 24 لعام 1986 الذي صدر في عهد حافظ الأسد، وكان يجرّم بيع العملات الأجنبية وشراءها خارج المصارف وشركات الصرافة المرخصة، وحيازة مبالغ كبيرة من الدولار بدون تصريح، كما يعاقب المخالفين بالسجن والغرامات. وكان هذا القانون هو الأساس الذي بُني عليه تجريم تداول العملات الأجنبية في السوق المحلّية.

استمرَّ العمل بالقانون رقم 24 حتّى عام 2013 عندما أصدر بشار الأسد، بعد اندلاع الثورة بعامين القانون رقم 29 لعام 2013، الذي حمل عنوان “مكافحة التعامل غير الشرعي بالعملات الأجنبية”، وأهم ما جاء في هذا القانون، كان تجريم تداول العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية بما في ذلك المصارف المرخصة وشركات الصرافة.

وجرّم هذا القانون أيضًا بيع أو شراء الدولار أو أي عملة أجنبية في السوق السوداء، إضافةً إلى تحويل الأموال أو المضاربة على سعر الصرف. اللافت في هذا القانون أنّه شدّد العقوبات لتصل إلى السجن بين 3 و10 سنوات حسب درجة الجرم، إلى جانب مخالفات مالية كبيرة.

وفي عام 2020، شهدت الليرة السورية انهيارًا حادًّا، إذ وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 1000 ليرة سورية للمرّة الأولى بتاريخ الليرة، وذلك في كانون الثاني/ يناير 2020، ولكن في نهاية العام، بلغ سعر صرف الدولار الواحد نحو 3000 ليرة سورية.

هذا الانهيار دفع الأسد، في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، إلى اعتبار أن السبب الجوهري لانهيار الليرة يعود إلى حجز ودائع بمليارات الدولارات تعود الى سوريين في البنوك اللبنانية، وذلك بعد “أزمة المصارف” في لبنان عام 2019.

وقال الأسد حينها، خلال زيارته معرض “منتجين 2020” إن “ما بين 20 و42 مليار دولار من هذه الودائع ربما فُقدت في القطاع المصرفي اللبناني، وأن هذا الرقم بالنسبة الى اقتصاد سوريا رقم مخيف”، لافتًا إلى أن “الأموال أخدوها وحطوها بلبنان ونحن دفعنا الثمن”.

ولكن هذا التصريح لم يكن رد فعل الأسد الوحيد حينها، بل كان الأسد قد شدّد في مطلع العام ذاته الخناق على السوريين الذين يملكون العملات الأجنبية، عبر المرسوم 3 للعام 2020، واستخدم للمرّة الأولى وبشكلٍ صريح عبارة “حظر حيازة العملات الأجنبية”، إذ جاء في المادة الأولى منه، أنّه “يُحظر التعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري”. وتم في هذا المرسوم تشديد العقوبات على نحوٍ واسع وإضافة مواد قانونية تنص على مصادرة العملات الأجنبية التي يتم تداولها.

الهيمنة على العملة الصعبة

يبدو أن النظام السوري لم يهدف من هذه القوانين إلى تنظيم تدفّق العملة في السوق، أو حتّى حماية الليرة السورية، بل لحفظ حصّة الأسد في كل دولار يدخل إلى سوريا، على ما يوضح الباحث المتخصص بالشؤون الاقتصادية خالد تركاوي. 

وقال تركاوي: “كل هذه القوانين كان هدفها حصر بيع الدولار بالمصرف المركزي، وكان النظام يريد أن تحدث عمليات البيع عن طريق المصرف المركزي لثلاثة أهداف”.

الهدف الأول بحسب تركاوي، هو انخفاض قيمة الليرة السورية التي لم تعد مقبولة بالاستيراد وأصبحت الدول الأخرى تطالب حصرًا بالدولار، لافتًا إلى أنّه كان من الصعب تمويل الجيش أو دفع المستحقات للروس أو الإيرانيين إلّا بالدولار، وكذلك الحال بالنسبة الى المواد الغذائية مثل مناقصات الإطعام للجيش وغيرها، التي كانت تُستورد، لأن مؤسسات الدولة لم تعد منتجة.

أما السبب الثاني، فهو معرفة مصادر التمويل وحجمها، وهي معلومة استخباراتية مهمة للنظام السوري، إذ إن الدولار الذي يأتي من الخارج على شكل دعم، كان يصب عند نظام الأسد. ويوضح تركاوي أن إحدى سيارات المصرف المركزي كانت تقف عند مدخل مدينة دوما لتصريف الدولار على الليرة السورية، وبذلك كان النظام يحصل على الدولار وعلى معلومة استخباراتية.

أمّا السبب الثالث، فيكمن في أن النظام كان يعتبر الدولار نفسه تجارة رابحة يجب ألا تخرج من يده، ويشير تركاوي إلى أنّه رصد في عام 2023 عملية تسليم 300 ألف دولار في دمشق قرب فندق الشام، على رغم حظر ذلك قانونيًا، ولكنَّ القانون لم يكن مطبّقًا على المقرّبين من النظام الذين يدفعون له الأموال.

وقال أيضًا: “الخلاصة ممّا كان يفعله النظام السوري، هو تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال، وعدم السماح بدخول أو خروج أموال إلى سوريا أو من سوريا بدون أن تكون له حصّة فيها، لذلك طوّع قوانين وتهماً عدة لتحقيق هدفه بمشاركة السوريين في أموالهم، مثل قوانين لمنع تداول العملات الأجنبية أو مكافحة وتمويل الإرهاب أو حماية الوطن، وهي كلها قوانين مطوّعة لهدف الأسد”.

مخالفة للدستور السوري

تمثّل القوانين التي سنّها نظام الأسد، وتحديدًا القانون الأخير الذي يمنع امتلاك العملات الأجنبية، تعارضًا مع الدستور السوري الذي سنّه النظام نفسه في عام 2012، وكذلك الأمر تتعارض مع ما قبله من الدساتير. 

تقول آلاء يونس، وهي باحثة قانونية مع البرنامج السوري للتطوير القانوني: “من الناحية الشكلية تستطيع أي دولة سنّ قانون وجعله نافذًا، لكن مشروعيته شيء آخر تمامًا”.

وتشرح يونس: “في الحالة السورية، تخالف هذه القوانين الدستور نفسه، ولا سيما ما يتعلق بحرية التصرّف بالأموال وحرية التعاقد، كما أنها لم تصدر عن سلطة تشريعية مستقلة أو ضمن إطار يضمن الضرورة والتناسب”،كما لفتت إلى أن ما حدث هو استخدام “تشريعات استثنائية” للتضييق على الناس ومعاقبتهم اقتصاديًا.

وتنص المادة 15 من الدستور السوري لعام 2012، على أن “الملكية الخاصة جماعية أو فردية مصانة”، كما تنص المادة على أنه “لا يجوز المصادرة العامة للأموال»، و«لا تُنزع الملكية الخاصة إلا لمنفعة عامة بمرسوم ومقابل تعويض عادل وفقاً للقانون”.

وترى يونس، أنه إلى جانب إشكاليتها الدستورية، فإن القوانين التي سنّها النظام في ما يخص تداول العملات الأجنبية، تصطدم أيضًا بالتزامات سوريا الدولية، إذ يتيح القانون الدولي تنظيم السوق المالية، لكنه لا يجيز تجريم مجرد حيازة العملة الأجنبية ولا استخدام أجهزة المخابرات للتجسّس على المواطنين.