يعيش الأردن، شعباً ومسؤولين، على أعصابهم مع قرب دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، ليبدأ وفريقه بتنفيذ الوعد الرئاسي بـ”حل حروب العالم كافة”، بما فيها الصراع العربي – الإسرائيلي.
باستثناء حلقة ضيقة من أعوانه، لا يعرف أحد نوايا ترامب السياسية تجاه الشرق الأوسط في عهده الثاني والأخير، أو شكل “الصفقة” التي قد يفرضها لحل القضية الفلسطينية، وإذا ما كان سيفاضل مصلحة أميركا وحلفائها العرب لكسب رضا إسرائيل وتأييد سياساتها الصهيونية التوسعية؟!
يتساءل البعض أيضاً إن كان سيُعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لضم الضفة الغربية العام المقبل، كما صرح وزراء إسرائيليون متشددون، فرضية إن تحققت ستُدخل المنطقة في دوامة عنف جديد وتهدد أمن واستقرار الأردن، حليف واشنطن الاستراتيجي والأمني.
لكن من الواضح لعدد لا بأس من المسؤولين الذين تحدثوا إليّ بشرط عدم ذكر أسمائهم لحساسية الظرف، أن ترامب يريد حل القضية الفلسطينية ، لكن “كيف ولماذا ليس بشأن واضح بعد”!
المرحلة المقبلة التي سيشهدها الأردن مقلقة، وربما مؤلمة، وبخاصة أن التيار الصهيوني يراهن على المتشددين في حكومة ترامب لتنفيذ أجندتهم.
مستقبل حلّ الدولتين
الواضح أيضاً أن حلّ الدولتين الذي راهن عليه الأردن كخيار استراتيجي لحماية أمنه واستقراره لم يعد واقعياً، وفي حال طبّق، فإنه لن يكون أبداً كما توقعته المملكة سابقاً.
في أحسن الحالات، يمكن أن تقام دولة فلسطينية على بقعة صغيرة محاطة بإسرائيل، دولةٌ مضطرة للاعتماد على الجوار للبقاء على قيد الحياة، ما يعيد طروحات إشكالية مثل فدرالية أو كونفدرالية رفضها الأردن مراراً.
أو قد لا يكون هناك أي دولة فلسطينية، ما يعيد إحياء طرح خيار حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن، بسبب التركيبة الديمغرافية.
التعامل مع القادم المجهول يتطلب تحقيق موازنة بين عدم المغامرة بمستقبل البلاد وعدم التفريط بالمبادئ الرئيسية. من الضروري أيضاً أن يتغير الخطاب الرسمي لحشد دعم مجتمع مُحبط يميل صوب خيار المقاومة ويطالب بمراجعة أو إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، التي باتت برأي الغالبية أكبر مصدر تهديد للمملكة.
وبحسب أحد المسؤولين: “ستحتاج المرحلة إلى الكثير من الحكمة والشجاعة والنضج الشعبي والسياسي والأمني”، وذلك للتكيف السريع مع سياسات غير شعبية قد تكون مطلوبة لمساعدة الأردن في الانحناء أمام العاصفة “الترامبية” المقبلة، وذلك للخروج بأقل الأضرار.
على الأردن الآن أن يركز على مصالحه الذاتية واحتياجاته الأمنية والاقتصادية وحل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المملكة بدلاً من تكريس جل جهده الدبلوماسي على مستقبل فلسطين كما كان الحال عليه خلال السنوات الماضية، بحسب المسؤولين.
السيناريو الأسوأ؟
يخشى أيضاً كبار المسؤولين، في جلسات عصف فكري داخل الغرف المغلقة، بأن تستغل تل أبيب الشلل السياسي في المرحلة الانتقالية بين الإدارتين في أميركا لتقوم بإجراءات لبدء بسط سيادتها على الضفة الغربية. ثم فرض ذلك كأمر واقع يشجع ترامب على الاعتراف به كما اعترف بالقدس عاصمة غير مجزّأة لدولة إسرائيل في بداية عهده الأول، وضم هضبة الجولان السورية المحتلة قبل رحيله.
أكد الوزير السابق وأستاذ العلوم السياسية والمستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع محمد أبو رمان، في مقابلة مع موقع “درج”، أن “هناك مؤشرات كثيرة سلبية إلى خيار بلع أراضٍ في الضفة وإرغام ترامب على قبول ذلك”.
وتابع قائلا: “لكن باختصار شديد، لا أعتقد أن لدى الأردن خيارات أو قدرات على وقف هذا الشيء”.
يتفق الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية د. عامر السبايلة، مع طرح أبو رمان، الذي تنامى الحديث عنه بعد بدء الحرب على غزة ومصادرة إسرائيل أراضي الضفة المحتلة مرات عدة في العام الحالي لتوسيع المستوطنات.
وقال السبايلة: “أعتقد حالياً أن مساحة المناورة بالنسبة الى الأردن قليلة جداً والخيارات قد تكون معدومة… لأن التوقيت الذي قد تختاره إسرائيل هو توقيت يحد من قدرة أي طرف على الضغط عليها”.
يفاقم التحدي تغير الأولويات بالنسبة الى الجميع “مع فتح ملف سوريا وخطر السقوط في الفوضى القابلة للتصدير عبر الحدود”، يضيف السبايلة: “يبقى أمام الأردن ورقة التنسيق الأمني مع إسرائيل وكيفية استثمارها والضغط على الولايات المتحدة من باب ضرورة عدم القيام بخطوات قد تمس الداخل الأردني”.
تحدي ضم كل الضفة العام المقبل!
في بداية الشهر، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموترتش عن عزمه مصادرة 24 ألف دونم في الضفة لتعزيز الاستيطان، والشهر الماضي وعد بأن عام 2025 سيكون عام ضم الضفة الغربية الى الدولة العبرية التي تضم 22 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية!
وأعطيت تعليمات لإدارة الاستيطان والإدارة المدنية للبدء في إعداد البنية التحتية اللازمة لتطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة التي يعيش فيها ثلاثة ملايين فلسطيني، ومن المتوقع أن تضمّ إسرائيل المنطقة ج كخطوة أولى ثم تنتقل على مراحل الى مناطق ب وبعدها أ.
وقد تطلب إسرائيل من حوالى ربع مليون مواطن فلسطيني يحملون الجنسية الأردنية، أن يعودوا إلى بلدهم الأم والإقامة في بيوتهم أو بيوت أقاربهم. مضافاً إلى ذلك حالات عدة لفلسطينيين رحلوا الى الأردن أو دول أخرى خلال العامين الماضيين هرباً من التضييق الإسرائيلي على حياتهم الشخصية والمعيشية وقدرتهم على التنقل المضمون داخل الضفة الغربية التي تقطعت أوصالها برعاية أكثر من 800 ألف مستوطن عديدهم مسلح، والمفارقة، أن الأردن لن يستطيع منع مواطنيه من دخول الأردن.
لمّح بعض المسؤولين الى أخذ خيارات غير شعبية مثل إغلاق الحدود بوجه حوالى نصف مليون شخص آخر يحمل جواز سفر أردنياً لتسهيل السفر، لا يمنح حامله الجنسية، وآخرين بدلوا جوازاتهم الأردنية بجوازات سفر صادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية عقب بدء مرحلة أوسلو. وسيترك أمر التعامل معهم قانونياً لإسرائيل.
تحرك كهذا يؤجج مشاعر غالبية الأردنيين ويدخلهم في دوامة جدل الجغرافيا والديمغرافيا الأزلي، ما يشكل خطراً حقيقياً على الجبهة الداخلية المحتقنة أصلاً في بلد نسبة كبيرة من مواطنيه من أصول فلسطينية يحملون الجنسية الأردنية، وفي الوقت ذاته هم مسجلون كلاجئين فلسطينيين لدى منظمة الأونروا ولم يحسموا بعد أمر هويتهم السياسية الى حين قيام دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود الأراضي التي احتلت في حرب 1967 وحصولهم على حق العودة والتعويض.
وقد يعيد الأردن الرسمي أيضاً النظر في بنود معاهدة السلام التي منعت التهجير القسري مثلاً ورسمت الحدود وتقديم شكاوى أمام المحاكم الدولية وحشد مؤازرة الأوروبيين ودول كبرى أخرى ذات اقتصاد قوي. وقد يفكر بتعليق تطبيق المعاهدة أو الالتزام بالحد الأدنى بالاتفاق الأمني مع إسرائيل.
عملت إسرائيل على تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى ثلاثة أوضاع قانونية بموجب معاهدة أوسلو حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي التي وقعت في واشنطن العام 1993 مع منظمة التحرير الفلسطينية. الاتفاقيات كانت مجدولة نظرياً لبضع سنوات قبل أن تتوج التفاهمات النهائية اللاحقة بدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة الى جانب “إسرائيل” كحل نهائي. ذلك لم يتحقق وانتهى الى فشل ذريع. منطقة أ تشكل 18 في المائة من مساحة الضفة وتخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية مدنياً وأمنياً. منطقة ب تشكل 21 في المئة من الأراضي وتخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية – فلسطينية مشتركة. ومنطقة ج وتشكل 61 في المئة من مساحة الضفة وتخضع لسيطرة إسرائيل مدنياً وعسكرياً.
خيارات أخرى؟
في المقابل، يعول ساسة ودبلوماسيون على خلفية ترامب كرجل أعمال يفكر بطريقة تعاقدية تخدم مصلحته أولاً وما يأخذه من الطرف الآخر بمقابل كمّ محدد.
وقد يكون هناك فرق بين حماسة الصهاينة الإسرائيليين على انتخاب ترامب وبين حماسته الشخصية في حال شعر أن نتانياهو يحاول استغلاله وأركان إدارته المتصهينين الذين اختارهم للإشراف على الشرق الأوسط لجر واشنطن صوب صراع جديد في المنطقة قد يهدد مصالح أميركا وحلفائها، بمن فيهم إسرائيل.
يخشى ترامب أيضاً أن دعمه قرارات نتانياهو بضم الضفة الغربية قد يعرقل خطته لإقناع السعودية بالتطبيع مع إسرائيل ويضر بعلاقات بلاده الاقتصادية والمالية مع الرياض.
وقال د. مروان المعشر، نائب رئيس وزراء ووزير الخارجية الأسبق، وسفير الأردن السابق لدى الولايات المتحدة وأول سفير للأردن في إسرائيل، في مقابلة مع “درج”، إن ضم الضفة الغربية سيأتي بنتائج كارثية على الجانب الفلسطيني والأردني”، وتابع: “لكنه أيضاً سيقف عائقاً أمام قدرة السعودية على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل”.
وخلص د. المعشر الى أن المطلوب هو “التنسيق مع السعودية لمحاولة منع ذلك، بخاصة وأن صوت السعودية سيكون مسموعاً في واشنطن أكثر من أي صوت آخر في مرحلة ترامب”.
طبعاً، بإمكان الملك عبدالله الثاني استخدام علاقاته القوية لكسب تأييد رجال الكونغرس الديمقراطيين والجمهوريين ممن يدعمون إسرائيل، لكنهم يدركون الأهمية الجيوسياسية للأردن ولن يسمحوا بمس أمن الأردن واستقراره وحقه في العيش بأمان وسلام لحماية محيطه ومصالح أميركا وإسرائيل، خصوصاً أن علاقات عمان مع المؤسسة العسكرية والاستخباراتية لمواجهة الإرهاب أصبحت أكثر قوة خلال عهد الملك عبدالله الثاني.
قضم إسرائيل للأراضي الفلسطينيّة مستمر
في الأثناء، ترتفع مناسيب توجس الأردن الرسمي والشعبي مع كل قضمة إسرائيلية لمساحة جديدة في الضفة وقطاع غزة المنكوب أو اجتياحها المنطقة العازلة مع سوريا بعد رحيل الأسد وسيطرتها على جبل الشيخ وتوغلها في محافظة القنيطرة باتجاه مشارف دمشق، وأخيراً إعلان قرار توسيع مستعمرات في هضبة الجولان المحتلة. كما يتساءل الكثيرون حول قدرة الأردن على مواجهة أي خطوة إسرائيلية توسعية.
أيدي المملكة مربوطة إلى حد كبير، ورئيس السلطة الفلسطينية شبه المنهارة محمود عباس فقد ثقله إلى درجة كبيرة كشريك الأردن في عملية السلام، وعمان تحصل على منح أميركية سنوية تناهز الـ 1.6 مليار دولار لدعم الاقتصاد والخزينة وتمويل برامج لتطوير القوات المسلحة.
كما وقع الأردن على اتفاقية دفاع مشتركة مع أميركا وقواعد أميركية على أراضيه. كما تعتمد عمان على وارداتها من الغاز الإسرائيلي لتلبية معظم احتياجات الطاقة وأيضاً في الحصول على مياه بحسب ترتيبات تضمنتها معاهدة السلام مع الدولة العبرية.
أمام الرياح المقبلة، سيكون الملك عبدالله مسؤولاً عن حماية مصالح شعبه وبلاده.
الرئيس عباس يتحدث بإسم الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لحماية حقوقهم.
وستكون رسائل عمان الجديدة الى الداخل والخارج على نسق: كما يحق للفلسطينيين دولة مستقلة، يحق للأردن أن يتمتع بالأمن والاستقرار. بغير ذلك سيكون أي تهديد للأردن مصدر تهديد لإسرائيل، وأميركا، ودول الجوار. الأردن الآمن والمستقر حلقة وصل لأمن الجميع واستقرارهم.
إقرأوا أيضاً:









