يعيد الأردن بهدوء صياغة قواعد سياسته الخارجية، فعلى مدى عقود اعتمدت دبلوماسية المملكة بشكل كبير على واشنطن، وتعمّق هذا الاعتماد بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994.
لكن اليوم، ومع قيام إسرائيل بدفن “حل الدولتين” بلا اعتذار من خلال ضم المزيد من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية، بدأ الأردن يتجه نحو اعتماد أكبر على أوروبا.
من المتوقع أن تُعقد أول قمة أردنية–أوروبية في مطلع عام 2026، إما في عمّان أو بروكسل، بحضور الملك عبد الله الثاني ووزراء وقادة أعمال، بحسب ما أكّد دبلوماسيون أوروبيون، وستشارك فيها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
وعلى الطاولة تنفيذ حزمة دعم بقيمة 3 ملايين يورو خُصصت للصرف بين عامي 2005 و2027، ترتقي بالعلاقة إلى “شراكة استراتيجية وشاملة”، بحسب الدبلوماسيين.
لكن المسألة تتجاوز التمويل؛ إنها رسالة من الأردن الى عالم والى واشنطن، بأنه يمتلك شركاء وخيارات أخرى وسبلاً جديدة لمواجهة التحديات المصيرية القادمة، إذ قال عضو مجلس أعيان طلب عدم ذكر اسمه: “الاقتراب من أوروبا بطريقة أكبر هو ضرورة حتمية… لا بد من توسيع الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية للتعامل مع الصعوبات المقبلة”.
رهان الأردن على حلّ الدولتين
راهَن الأردن على حل الدولتين كخيار استراتيجي لأكثر من عقدين، ليس فقط دعماً للدولة الفلسطينية، بل لتفادي فكرة إقامة “الوطن البديل” على حساب دول الجوار.
واليوم، ترفض إسرائيل هذا الحل صراحة، وتمضي واشنطن، وبخاصة في ولاية ترامب الثانية، برؤيتها الواضحة لغزة والمنطقة: إزالة حماس، تقليص عدد السكان الفلسطينيين، توفير فرص اقتصادية للأثرياء، ووعود غامضة وغير ملزمة تتعلق بحق تقرير المصير للفلسطينيين وقيام دولة غير واضحة المعالم أو الحدود.
لا تزال القارة العجوز تتحدث بلغة مشتركة مع الأردن، فالطرفان يعارضان ضمّ الضفة الغربية، ويدعمان حلّ الدولتين، ويطالبان بضمان دخول مساعدات إنسانية ووقف دائم لإطلاق النار في غزة.
وترى أوروبا أن استقرار الأردن ضروري لأمن المنطقة، والأهم أن القيادة الأردنية تعتقد أن أوروبا وقفت إلى جانبها عندما انحازت واشنطن علناً إلى إسرائيل.
أما مبعوثو ترامب للمنطقة فهم أقرب إلى سماسرة عقارات منهم إلى دبلوماسيين، لذا أعلنوا مراراً عن التوصل إلى “صفقة سلام” قبل أن تكون موجودة أصلاً.
يحاول الأردن توحيد موقف أوروبا حول القضية الفلسطينية فيما تركز واشنطن على تحالفات أمنية وصفقات اقتصادية بدل حقوق الفلسطينيين.
مثال على ذلك، المبادرة التي قامت بها فرنسا والسعودية للاعتراف بدولة فلسطينية، والتي حققت نجاحاً وإن كان دبلوماسياً ورمزياً ضمن إعلان مبادئ أوسع لحل القضية، كما ارتفع عدد الدول التي تعترف بها إلى 157 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة مع نهاية أيلول/ سبتمبر.
وبات الأردن يرغب في أن يقف القادة الأوروبيون: المفوضية والبرلمان ومؤسسات الشؤون الخارجية، علناً مع عمّان، تماماً كما فعلوا في القمة الأولى مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في بروكسل قبل شهرين. ويريد حضور أوروبا في أي “مجلس سلام” مستقبلي لإعادة إعمار غزة لضمان عملية متوازنة تشمل جميع الأطراف. فالعلاقة مع أميركا تبقى أولوية استراتيجية، بحسب مسؤول أردني رفيع.
ليست قطيعة… بل تنويع للمخاطر
لكن ذلك لا يعني استدارة كاملة بعيداً عن أميركا، بل تنويعاً للخيارات وبوليصة تأمين سياسي واقتصادي لمواجهة تداعيات انسداد الأفق السياسي لتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
أوروبا لا تستطيع أن تحل محل المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية أو التعاون الاستخباراتي أو النفوذ السياسي على إسرائيل. وقبل أيام، وافقت الحكومة الأردنية على منحة أميركية بقيمة 845 مليون دولار لدعم الخزينة بشكل مباشر لعام 2025.
إقرأوا أيضاً:
تُعد هذه الأموال جزءاً من مذكرة تفاهم تغطي الأعوام 2023–2029 بقيمة 10 مليارات دولار، وهي الأطول والأكبر في تاريخ العلاقات الثنائية القائمة منذ 76 عاماً.
تساهم هذه الأموال في تعزيز الفرص التعليمية للشباب، وتوفير الوصول لرعاية صحية أفضل، وزيادة توافر الموارد المائية، إضافة إلى الطاقة والأشغال العامة والتنمية المحلية والسياحة والشباب. ويُستثنى من ذلك برنامج الدعم العسكري السنوي.
ويؤكد المسؤولون الأردنيون أن أوروبا حليف سياسي وإنساني، لكنها لا تستطيع ليّ ذراع واشنطن لحلحلة موقفها من حل الدولتين، وإذا كان هناك طرف قادر على ذلك فهو الخليج: السعودية والإمارات وقطر.
وقال مسؤول أردني رفض التصريح عن اسمه، إن العلاقة مع أوروبا مهمة “لأنها تشكل تحالفاً سياسياً وتوفر لنا باباً خلفياً للضغط على واشنطن، لكنها لا تأخذ مكان أميركا”.
التعامل مع أوروبا المنقسمة
أوروبا ليست كتلة واحدة، فالقارة منقسمة بشأن فلسطين وغزة؛ بعض الدول يدفع نحو تجميد اتفاقية التجارة مع إسرائيل بهدف الضغط عليها لضمان دخول كميات أكبر من المساعدات الإنسانية، وأخرى ترفض ذلك.
بعضها الآخر يعترف بالدولة الفلسطينية، وأخرى لا، وألمانيا تعارض فرض عقوبات على إسرائيل على رغم أنها حدّت أخيراً من بعض صادرات السلاح.
يدعم البعض في الأردن خيار تقوية العلاقات مع أوروبا، بعكس أميركا التي باتت، برأيهم، تهدد مصالح الأردن وتوفر غطاءً لبنيامين نتانياهو لتنفيذ وعده بتغيير وجه الشرق الأوسط والسيطرة عليه، بعدما تقلص دور المحور الإيراني.
وبحسب استطلاع موّلته المفوضية الأوروبية صيف 2025، وشمل عشر دول عربية من ضمنها مصر وتونس، فإن 80 في المئة من الأردنيين ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي بإيجابية، وبذلك تحصد المملكة الأردنية النسبة الأعلى بين عشر دول في المنطقة.
ويعكس هذا التقدير للمساعدات التنموية الأوروبية ودعمها الإنساني وصورتها كطرف مستقر ومبدئي. وتبقى ثقة الأردنيين بالاتحاد مرتفعة عند 59 في المئة، وهي نسبة أعلى من الثقة بالأمم المتحدة (38 في المئة) أو الجامعة العربية (13 في المئة). وقد ارتفعت الثقة بالاتحاد بنسبة 32 في المئة منذ عام 2024.
لكن الانتقادات قائمة، فبعض الأردنيين يشعرون بالإحباط من البيروقراطية الأوروبية وبطء اتخاذ القرار بسبب البنية السياسية والقانونية المعقدة للدول الأعضاء.
ويرى كثيرون أن أوروبا ليست حازمة بما يكفي تجاه ما يحدث في غزة؛ إذ يقول 64 في المئة إنها منحازة الى إسرائيل، فيما يرى 74 في المئة أنها تبدي اهتماماً غير كافٍ بمعاناة الفلسطينيين.
مع ذلك، ينظر الأردنيون إلى أوروبا كقوة استقرار عملية تجمع بين الدبلوماسية الرمزية والدعم الاقتصادي التنموي الملموس.
تبادل مصالح
تركّز الشراكة الأوروبية–الأردنية على التحديث الاقتصادي والابتكار، والتحول الرقمي، والطاقة الخضراء والمتجددة، وتشمل التعاون في معالجة أزمة المياه والمرونة المناخية وخفض الكربون، وهي قضايا وجودية لأحد أكثر بلدان العالم فقراً بالمياه.
في المقابل، تحصل أوروبا على استقرار إقليمي، وليس بالضرورة إصلاحاً سياسياً.
الأولوية في بروكسل لم تعد دعم “الانفتاح السياسي” أو “حرية التعبير” في الأردن ومصر وتونس، بل منع حروب جديدة، ومنع موجات لجوء جديدة، ومنع عودة التطرف، في حين هُمِّشت قضايا حقوق الإنسان.
يستغل الأردن هذه اللحظة محاولاً توحيد أوروبا حول القضية الفلسطينية، فيما تركز واشنطن على تحالفات أمنية وصفقات اقتصادية بدل حقوق الفلسطينيين.
المخاطر المقبلة
أوروبا حليف مهم للأردن، لكن إذا انهارت القضية الفلسطينية بالكامل، فلن تحمي أي قمة في بروكسل أو عمّان الأردن المثقل بالديون من العواقب. فالغضب الشعبي، والضغوط الديموغرافية، والاضطرابات الإقليمية ستعود بقوة.
الأردن لا يهجر الولايات المتحدة، لكنه يذكّر واشنطن بأن الولاء يجب أن يكون متبادلاً.












