حين انتشرت أغنية “Here Gulê” على منصّات التواصل الاجتماعي، بدا للكثيرين أن الأغنية الكردية تعيش لحظة استثنائية، ففي غضون أسابيع قليلة تجاوزت الأغنية جمهورها التقليدي، ووصلت إلى مستخدمين لا يتحدّث كثير منهم الكردية، وأصبحت مقاطع منها تتكرّر في آلاف الفيديوهات القصيرة، غير أن اختزال هذه الظاهرة في نجاح أغنية واحدة يقود إلى استنتاجات متسرّعة، فما حدث لا يبرهن على أن الأغنية الكردية تغيّرت بين ليلة وضحاها، ولا يكشف وحده عن تحوّل في ذائقة جمهورها، بقدر ما يكشف عن تحوّل أعمق في البيئة التي تُنتج فيها الموسيقى وتُوزّع وتُستهلك.
فالمنتج الثقافي لا يعيش مستقلاً عن شروط إنتاجه، والأغنية ليست كلمات ولحناً وصوتاً فحسب، بل هي أيضاً الوسيط الذي يحملها، والسوق التي تتداولها، والسياسات التي تسمح بانتشارها أو تحدّ منها، والتقنيات التي تحدّد الطريقة التي يلتقي بها الفنّان بجمهوره، ولهذا فإن الانتقال من شريط الكاسيت إلى المنصّات الرقمية لا يمكن اختزاله في قصّة تطوّر تقني، لأن ما تبدّل في الحقيقة هو البنية الثقافية التي تتحرّك داخلها الأغنية نفسها.
لقد تناول عدد من الباحثين هذه الفكرة منذ عقود، ففي كتابه Cassette Culture يرى الباحث بيتر مانويل أن شريط الكاسيت لم يكن مجرّد اختراع تقني، بل وسيط غيّر موازين إنتاج الموسيقى، لأنه أتاح التسجيل والتوزيع بكلفة منخفضة، وفتح المجال أمام موسيقيين لم يكن لهم حضور في الإذاعات الرسمية أو شركات الإنتاج الكبرى.
أما المؤرّخ أندرو سايمون، في كتابه عن ثقافة الكاسيت في الشرق الأوسط، فيذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن الكاسيت خلق فضاءً ثقافياً موازياً، استطاعت من خلاله أصوات محلّية ومهمّشة أن تصل إلى جمهور واسع خارج القنوات التي كانت تهيمن عليها الدولة أو رأس المال.
وتبدو هذه القراءة ذات أهمّية خاصّة عند النظر إلى التجربة الكردية في سوريا، فالأغنية الكردية لم تتطوّر داخل فضاء ثقافي مفتوح، بل في ظلّ سياسات طويلة من التهميش والرقابة، لم يكن حضورها في الإعلام الرسمي طبيعياً، كما واجهت الحفلات والأعراس والأنشطة الفنّية الكردية، في مراحل مختلفة، قيوداً جعلت تداول الأغنية يتجاوز معناه الفنّي ليصبح جزءاً من الحفاظ على اللغة والهويّة والذاكرة، وفي مثل هذا السياق، لم يعد الكاسيت مجرّد وسيلة لتشغيل الموسيقى، بل تحوّل إلى قناة ثقافية بديلة، تنقل الأغنية بين المدن والقرى، وتعبر بها الحدود إلى بلدان اللجوء والشتات، بعيداً عن المؤسّسات الرسمية.
وتشير الموادّ التي يعمل على حفظها مشروع Syrian Cassette Archives إلى أن أشرطة الكاسيت كانت تحمل أكثر من الأغاني، فقد وثّقت لهجات محلّية، وأنماطاً موسيقية، وأصوات فنّانين لم تفسح لهم الإذاعات والتلفزيونات الرسمية مجالاً للحضور، وبذلك أصبحت الأشرطة جزءاً من أرشيف اجتماعي وثقافي، يحفظ ما لم تحفظه المؤسّسات، ويكشف أن تاريخ الموسيقى في سوريا لم يُكتب داخل الإستوديوهات الرسمية وحدها، بل كُتب أيضاً في المحال الصغيرة، وحقائب المسافرين، وبيوت الناس.
الموسيقا والتحول التكنولوجي
يصعب الحديث عن الكاسيت بوصفه زمناً جميلاً مضى، أو بوصفه مجرّد تقنية تجاوزها الزمن، فقد كان ابن شروط سياسية واقتصادية محدّدة، تماماً كما أن المنصّات الرقمية هي ابنة شروط عصرها، ولذلك فإن السؤال الذي يستحقّ الطرح ليس: هل كان الكاسيت أفضل من المنصّات الرقمية؟ بل: كيف غيّر كل منهما الطريقة التي تُنتج بها الأغنية، والطريقة التي تُتداول بها، والطريقة التي تدخل بها إلى الذاكرة؟
هذا السؤال يصبح أكثر أهمّية إذا أدركنا أن التحوّل الذي تعيشه الموسيقى اليوم لا يتعلّق بالأغنية الكردية وحدها، بل يشمل صناعة الموسيقى العالمية بأكملها، فمنذ صعود خدمات البثّ الرقمي، لم تتغيّر وسائل الاستماع فقط، بل تغيّرت أيضاً قواعد المنافسة، وآليّات الإنتاج، ومعايير النجاح، وحتى شكل الأغنية نفسها، ولم يعد الفنّان يواجه جمهوراً ينتظر صدور ألبوم جديد كما كان الحال في زمن الكاسيت، بل يواجه تدفّقاً يومياً هائلاً من المحتوى، تتنافس فيه ملايين الأعمال على انتباه مستمع واحد، تحدّده شبكات اجتماعية محلّية، وأشرطة تنتقل بين الأصدقاء والأقارب، إلى فضاء عالمي تُحدّد فيه الخوارزميات إلى حدّ بعيد من يرى العمل الفنّي، ومتى يراه، وكيف يراه، وبين النظامين لا تتغيّر وسيلة التوزيع فقط، بل يتغيّر أيضاً معنى النجاح، وطبيعة العلاقة بين الفنّان والجمهور، والزمن الذي تحتاجه الأغنية كي تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية
بهذا المعنى، لا تبدو قصّة الأغنية الكردية قصّة انتقال من وسيط إلى آخر بقدر ما تبدو قصّة انتقال بين نظامين ثقافيين مختلفين. ففي زمن الكاسيت كانت ندرة وسائل النشر تمنح الأغنية عمراً أطول، وكان انتشارها يعتمد على شبكات اجتماعية محلّية، وعلى علاقات القرابة والسفر والتهريب والنسخ اليدوي، أما اليوم، فقد أصبحت الأغنية تتحرّك داخل فضاء رقمي عالمي، تصل فيه إلى ملايين المستخدمين خلال ساعات، لكنّها تدخل في الوقت نفسه منافسة لا تنتهي مع ملايين الأعمال الأخرى.
ولذلك فإن السؤال الذي يواجه الأغنية الكردية اليوم ليس السؤال نفسه الذي واجهته قبل ثلاثة أو أربعة عقود. في الماضي، كان التحدّي يكمن في الوصول إلى الجمهور، وفي تجاوز الرقابة والحدود السياسية وضعف مؤسّسات الإنتاج. أما اليوم، فقد أصبح الوصول أسهل بكثير، بينما بات التحدّي الحقيقي هو الاستمرار، وبناء جمهور لا يكتفي بالاستماع العابر، بل يحافظ على علاقة طويلة مع العمل الفنّي.
عن “الذائقة الكردية”
ولا يقتصر هذا التحوّل على الأغنية الكردية، فالموسيقى العربية والتركية والفارسية، كما معظم موسيقى العالم، تعيش التحوّلات نفسها. اختفى الكاسيت، ثم تراجع القرص المدمّج، وأصبح البثّ الرقمي الشكل الغالب لاستهلاك الموسيقى، لذلك فإن خسارة الكاسيت ليست خسارة ثقافة بعينها، بل نتيجة لتحوّل تقني واقتصادي عالمي غيّر شكل الصناعات الثقافية كلها، غير أن التجربة الكردية تحتفظ بخصوصيتها لأن الوسيط لم يكن مجرّد أداة تقنية، بل كان في كثير من الأحيان، وسيلة لحماية لغة وثقافة لم تحظيا بالاعتراف والمؤسّسات التي تمتّعت بها ثقافات أخرى.
من هنا أيضاً يصبح من الضروري التعامل بحذر مع مفهوم “الذائقة الكردية”، فليس هناك جمهور كردي واحد يتذوّق الموسيقى بالطريقة نفسها، فالكرد في سوريا والعراق وتركيا وإيران وأوروبا يعيشون ظروفاً سياسية واجتماعية وإعلامية مختلفة، ويتفاعلون مع أسواق موسيقية متعدّدة، وتؤثّر في اختياراتهم خوارزميات المنصّات بقدر ما تؤثّر فيها البيئة المحلّية، ولذلك فإن الحديث عن تغيّر الذائقة يحتاج إلى دراسات ميدانية وبيانات، لا إلى الاستناد إلى نجاح أغنية واحدة، مهما كان حجم انتشارها.
وربما تكمن أهمّية تجربة “Here Gulê” في أنها تكشف هذا التحوّل أكثر ممّا تفسّره، فهي ليست دليلاً على أن الأغنية الكردية أصبحت مختلفة، بل مثال على أن البيئة التي تتحرّك فيها الأغنية تبدّلت جذرياً. فاليوم قد تنتشر أغنية بسبب تداولها في مقاطع الفيديو القصيرة، أو بسبب إدراجها في قوائم التشغيل، أو لأن الخوارزميات دفعتها إلى جمهور جديد، وهي آليّات لم تكن موجودة في زمن الكاسيت، وهذا لا ينتقص من قيمة العمل الفنّي، لكنّه يفرض قراءة مختلفة لمعنى النجاح، ولمسار انتقال الأغنية من الفنّان إلى المستمع.
شروط جديدة!
لهذا، فإن النقاش حول الأغنية الكردية لا ينبغي أن ينطلق من المفاضلة بين الماضي والحاضر، ولا من الحنين إلى وسيط تقني اختفى، بل من محاولة فهم الشروط الجديدة التي تُنتج الثقافة اليوم. فالمنصات الرقمية لم تغيّر طريقة توزيع الموسيقى فقط، بل غيّرت أيضاً علاقتنا بالاستماع، والزمن، والذاكرة، وحتى بفكرة العمل الفنّي نفسه. لقد أصبح الفنّان يعمل داخل فضاء تحدّده البيانات والخوارزميات، كما تحدّده الموهبة والخيال، وأصبح الجمهور يكتشف الموسيقى بطرائق لم تكن ممكنة قبل عقدين فقط.
ولعلّ هذا هو الدرس الأهمّ الذي تكشفه رحلة الأغنية الكردية من الكاسيت إلى المنصّات الرقمية، فما تغيّر ليس الوسيط وحده، بل البنية الثقافية التي تمنح الأغنية معناها الاجتماعي. فبين شريط كان ينتقل من يد إلى أخرى، حاملاً لغةً وهويةً وذاكرةً جماعية، وخوارزمية تقترح الأغنية لملايين المستخدمين في لحظة واحدة، تتجسّد مسافة تتجاوز التطوّر التقني، إنها مسافة تفصل بين زمن كانت فيه الثقافة تُبنى ببطء عبر التراكم والتجربة المشتركة، وزمن تُنتج فيه الثقافة داخل فضاء رقمي سريع، تتداخل فيه التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة على نحو لم يعد يسمح بفهم الأغنية بوصفها لحناً وكلمات فقط، بل بوصفها أيضاً نتاجاً لشروط إنتاج جديدة، ما تزال تتغيّر باستمرار.









