ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الأمهات لا يحتجن إلى “أجنحة”… بل إلى استراحة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في مجتمعنا، يُحتفى بالأم التي تفني نفسها لأجل أولادها، لكن نادراً ما يُطرح السؤال: من يعتني بالأم؟ من يسمع صوتها عندما تتعب أو تنهار أو تصرخ أو تفقد قدرتها على ضبط نفسها في زحمة المسؤوليات؟ كأنه يمنحها لقب “القديسة”، لكنه لا يعترف بإنسانيتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ اللحظة التي احتضنت فيها طفلي الأول، تغير كل شيء. لم يعد الوقت وقتي، ولا الجسد جسدي، ولا الأولويات أولوياتي. أصبحت التفاصيل الصغيرة لطفلي أهم من أحلامي، ومشاعره أهم من مشاعري.

فمنذ اللحظة التي تصبح فيها المرأة أماً، تتغير حياتها كلياً. يصبح كل جزء من حياتها مرتبطاً بحياة أطفالها، وفي كثير من الأحيان، تصبح التضحية جزءاً أساسياً من يومها. ولكن، وسط كل هذا الحب والتضحية، تكمن تساؤلات قد لا تجد لها إجابة مباشرة. لماذا تُنسى الأمهات في زحمة العناية بأطفالهن؟ لماذا تصبح الأمومة مرادفاً للواجب، بينما نادراً ما نحتفل بالأمهات أنفسهن؟

تجربتي في الأمومة قد تشبه إلى حد كبير تجارب أمهات كثيرات. ففي البداية، شعرتُ بأن كل شيء يجب أن يكون حول أولادي: أوقاتهم، صحتهم، دراستهم، حتى لحظاتهم الصغيرة كانت أهم من لحظاتي الخاصة. كانت الساعات تمضي وأنا أتفانى في العناية بهم، وأحياناً أجد نفسي قد ضيعت ساعات من يومي في البحث عن طريقة مثالية لتحقيق توازن بين حب أولادي وواجباتي تجاههم وحياتي المهنية.

لكن مع مرور الوقت، بدأت أشعر بفراغ داخلي. كنتُ قد أهملتُ نفسي بكل ما للكلمة من معنى. حتى الأشياء الصغيرة التي كانت تسعدني في الماضي، مثل القراءة أو تمضية وقت مع الأصدقاء، تقليم أظافري، تصفيف شعري، ووضع أحمر الشفاه المفضل لدي… أصبحت كلها مجرد ذكريات. في زحمة الأيام، كنتُ أنسى احتياجاتي وأفقد متعتي الشخصية في سبيل واجب الأمومة الذي لم أعد أشعر فيه بأي توازن.

ثم جاء اليوم الذي أدركت فيه أنني لا أستطيع الاستمرار بهذا الشكل. ففيما أضحّي بكل شيء من أجل أولادي، أضعت نفسي في المقابل. هل كان هذا هو المعنى الحقيقي للأمومة؟ أن أنسى نفسي من أجل الآخرين؟ هل كان حبي لأولادي يعني أنني يجب أن أضيع جزءاً من كياني؟

بدأتُ أسأل نفسي: هل من الممكن أن أكون أماً صالحة وأن أعيش حياتي من دون أن أنسى نفسي؟ كيف يمكنني أن أوازن بين حب أولادي واحتياجاتي الخاصة؟ وماذا لو أدركتُ أن الأمومة لا تعني التضحية الكاملة بكل شيء، بل يجب أن تكون مزيجاً من الحب والعناية بالنفس، لا سيما أن الراحة النفسية تنعكس هدوءاً وسعادة على العائلة بالدرجة الأولى وعلى المحيطين وزملاء المهنة.

الحقيقة التي أدركتها مع الخبرة ومرور الأيام، هي أن الأمهات يجب أن يعترفن بحقوقهن في أن يكنّ سعيدات، لأنهن هنّ من يصنعن الأجواء السعيدة لأسرهن. فنحن لا نستطيع أن نكون أمهات رائعات إذا لم نكن نعتني بأنفسنا. حب الأم لأطفالها هو حب غير مشروط، لكن يجب ألا ننسى أن الحب يبدأ من الذات، ويكبر من ثم تجاه كل من حولنا.

الأمومة ليست مجرد واجب، بل هي رحلة ممتلئة بالعطاء، ولكنها في الوقت نفسه تقتضي أن نكون موجودين لأنفسنا، أن نجد مساحات صغيرة من الراحة والسعادة التي تجعلنا نعود لأطفالنا ونحن أقوى وأكثر قدرة على العطاء.

تجربتي جعلتني أدرك أن الأمومة لا تتطلب دائماً التضحية بالذات، لا أن أكون أماً مثالية تفني نفسها وتنساها في زحمة المسؤوليات ومتطلبات العائلة، بل أن أستطيع أن أحقق توازني الداخلي، وأن أوازن بين الاهتمام بالمحيطين وبين العناية بصحتي النفسية والجسدية، فلا أجد نفسي بعد حين قد فقدت كل طاقاتي، ولم يعد لدي القدرة على فعل أبسط الأشياء. فمن قال أن الأمومة هي فقط مصدر للعطاء والتفاني؟! بل هي أيضاً اكتشاف للذات ولتجارب فريدة نستطيع خوضها بسعادة داخلية واتزان عاطفي وتدفق في المشاعر، ذلك كله بشرط أن نترك فسحة نعود فيها إلى ممارسة ما كنا نفعله في حياتنا اليومية، كالنشاطات الرياضية، قراءة الكتب، وتمضية أوقات سعيدة مع الاصدقاء، وتحقيق الطموحات في الحياة العملية. فحين نحب أنفسنا ونقدرها وندللها من وقت إلى آخر، فنحن الأمهات نستطيع بذلك أن نقدم أفضل ما يمكننا تقديمه لأطفالنا، من دون أن نفقد أنفسنا في زحمة الواجبات.

في مجتمعنا، يُحتفى بالأم التي تفني نفسها لأجل أولادها، لكن نادراً ما يُطرح السؤال: من يعتني بالأم؟ من يسمع صوتها عندما تتعب أو تنهار أو تصرخ أو تفقد قدرتها على ضبط نفسها في زحمة المسؤوليات؟ كأنه يمنحها لقب “القديسة”، لكنه لا يعترف بإنسانيتها.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
11.06.2025
زمن القراءة: 3 minutes

في مجتمعنا، يُحتفى بالأم التي تفني نفسها لأجل أولادها، لكن نادراً ما يُطرح السؤال: من يعتني بالأم؟ من يسمع صوتها عندما تتعب أو تنهار أو تصرخ أو تفقد قدرتها على ضبط نفسها في زحمة المسؤوليات؟ كأنه يمنحها لقب “القديسة”، لكنه لا يعترف بإنسانيتها.

منذ اللحظة التي احتضنت فيها طفلي الأول، تغير كل شيء. لم يعد الوقت وقتي، ولا الجسد جسدي، ولا الأولويات أولوياتي. أصبحت التفاصيل الصغيرة لطفلي أهم من أحلامي، ومشاعره أهم من مشاعري.

فمنذ اللحظة التي تصبح فيها المرأة أماً، تتغير حياتها كلياً. يصبح كل جزء من حياتها مرتبطاً بحياة أطفالها، وفي كثير من الأحيان، تصبح التضحية جزءاً أساسياً من يومها. ولكن، وسط كل هذا الحب والتضحية، تكمن تساؤلات قد لا تجد لها إجابة مباشرة. لماذا تُنسى الأمهات في زحمة العناية بأطفالهن؟ لماذا تصبح الأمومة مرادفاً للواجب، بينما نادراً ما نحتفل بالأمهات أنفسهن؟

تجربتي في الأمومة قد تشبه إلى حد كبير تجارب أمهات كثيرات. ففي البداية، شعرتُ بأن كل شيء يجب أن يكون حول أولادي: أوقاتهم، صحتهم، دراستهم، حتى لحظاتهم الصغيرة كانت أهم من لحظاتي الخاصة. كانت الساعات تمضي وأنا أتفانى في العناية بهم، وأحياناً أجد نفسي قد ضيعت ساعات من يومي في البحث عن طريقة مثالية لتحقيق توازن بين حب أولادي وواجباتي تجاههم وحياتي المهنية.

لكن مع مرور الوقت، بدأت أشعر بفراغ داخلي. كنتُ قد أهملتُ نفسي بكل ما للكلمة من معنى. حتى الأشياء الصغيرة التي كانت تسعدني في الماضي، مثل القراءة أو تمضية وقت مع الأصدقاء، تقليم أظافري، تصفيف شعري، ووضع أحمر الشفاه المفضل لدي… أصبحت كلها مجرد ذكريات. في زحمة الأيام، كنتُ أنسى احتياجاتي وأفقد متعتي الشخصية في سبيل واجب الأمومة الذي لم أعد أشعر فيه بأي توازن.

ثم جاء اليوم الذي أدركت فيه أنني لا أستطيع الاستمرار بهذا الشكل. ففيما أضحّي بكل شيء من أجل أولادي، أضعت نفسي في المقابل. هل كان هذا هو المعنى الحقيقي للأمومة؟ أن أنسى نفسي من أجل الآخرين؟ هل كان حبي لأولادي يعني أنني يجب أن أضيع جزءاً من كياني؟

بدأتُ أسأل نفسي: هل من الممكن أن أكون أماً صالحة وأن أعيش حياتي من دون أن أنسى نفسي؟ كيف يمكنني أن أوازن بين حب أولادي واحتياجاتي الخاصة؟ وماذا لو أدركتُ أن الأمومة لا تعني التضحية الكاملة بكل شيء، بل يجب أن تكون مزيجاً من الحب والعناية بالنفس، لا سيما أن الراحة النفسية تنعكس هدوءاً وسعادة على العائلة بالدرجة الأولى وعلى المحيطين وزملاء المهنة.

الحقيقة التي أدركتها مع الخبرة ومرور الأيام، هي أن الأمهات يجب أن يعترفن بحقوقهن في أن يكنّ سعيدات، لأنهن هنّ من يصنعن الأجواء السعيدة لأسرهن. فنحن لا نستطيع أن نكون أمهات رائعات إذا لم نكن نعتني بأنفسنا. حب الأم لأطفالها هو حب غير مشروط، لكن يجب ألا ننسى أن الحب يبدأ من الذات، ويكبر من ثم تجاه كل من حولنا.

الأمومة ليست مجرد واجب، بل هي رحلة ممتلئة بالعطاء، ولكنها في الوقت نفسه تقتضي أن نكون موجودين لأنفسنا، أن نجد مساحات صغيرة من الراحة والسعادة التي تجعلنا نعود لأطفالنا ونحن أقوى وأكثر قدرة على العطاء.

تجربتي جعلتني أدرك أن الأمومة لا تتطلب دائماً التضحية بالذات، لا أن أكون أماً مثالية تفني نفسها وتنساها في زحمة المسؤوليات ومتطلبات العائلة، بل أن أستطيع أن أحقق توازني الداخلي، وأن أوازن بين الاهتمام بالمحيطين وبين العناية بصحتي النفسية والجسدية، فلا أجد نفسي بعد حين قد فقدت كل طاقاتي، ولم يعد لدي القدرة على فعل أبسط الأشياء. فمن قال أن الأمومة هي فقط مصدر للعطاء والتفاني؟! بل هي أيضاً اكتشاف للذات ولتجارب فريدة نستطيع خوضها بسعادة داخلية واتزان عاطفي وتدفق في المشاعر، ذلك كله بشرط أن نترك فسحة نعود فيها إلى ممارسة ما كنا نفعله في حياتنا اليومية، كالنشاطات الرياضية، قراءة الكتب، وتمضية أوقات سعيدة مع الاصدقاء، وتحقيق الطموحات في الحياة العملية. فحين نحب أنفسنا ونقدرها وندللها من وقت إلى آخر، فنحن الأمهات نستطيع بذلك أن نقدم أفضل ما يمكننا تقديمه لأطفالنا، من دون أن نفقد أنفسنا في زحمة الواجبات.

في مجتمعنا، يُحتفى بالأم التي تفني نفسها لأجل أولادها، لكن نادراً ما يُطرح السؤال: من يعتني بالأم؟ من يسمع صوتها عندما تتعب أو تنهار أو تصرخ أو تفقد قدرتها على ضبط نفسها في زحمة المسؤوليات؟ كأنه يمنحها لقب “القديسة”، لكنه لا يعترف بإنسانيتها.

11.06.2025
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية