ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“الإبادة البيئيّة” في العراق: التوسّع النفطي يهدّد بشطب هور الحويزة عن قائمة اليونسكو

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يكشف هذا التحقيق أنّ أربعة تراخيص نفط وغاز في العراق تتداخل مع نحو 400 كم² من أراضي نحو سبع مناطق محمية، أبرزها مناطق الأهوار في جنوب العراق، على رأسها أهوار الحويزة، المصنفة كمنطقة محمية من جهات دولية ووطنية لما لها من أهمية بيئية عالية وتنوع بيولوجي فريد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أُنجز هذا التحقيق بدعم Journalismfund Europe و”الصحافة الاستقصائية من أجل أوروبا” (IJ4EU)

أصبح الاستيقاظ الساعة الرابعة فجر كل يوم، روتيناً يومياً لـ”أبو جاسم”، الرجل السبعيني الذي ولد وترعرع في قرية أبو خصاف بهور الحويزة جنوب ميسان، يحمل مجرفته اليدوية ذات القبضة الخشبية، ويشق بها مجرى النهر، وهدفه الوحيد من هذا الروتين الصعب، فتح الطريق لما تبقى من المياه الراكدة، كي تصل إلى منزله فتسقي قطعان ماشيته التي تتناقص يوماً بعد آخر بسبب الجفاف القاسي.

ويواجه جنوب العراق أزمة جفاف شديدة أثرت على الثروة الحيوانية والأمن المائي، وتسببت في نزوح جماعي من المناطق الريفية، وذلك بسبب انخفاض مناسيب الأنهار بفعل قلة الأمطار وتغير المناخ، فضلًا عن سياسات دول المنبع (تركيا وإيران) في بناء السدود.

تبدو الحسرة واضحة على “أبو جاسم” عندما يتحدث عن الماضي: “كانت حياتنا في هور الحويزة مختلفة تماماً، فالمياه وفيرة، والهور يضج بالقصب والأسماك والطيور المهاجرة. منذ طفولتي كنا نعتمد على صيد السمك، وجدتُ جدي وأبي يمارسان هذه المهنة، يعملان بجد ومحبة، ويمضيان يومهما في العمل بها، وأخذنا عنهما المهنة ذاتها”.

ويضيف: “أما والدتي فكانت تهتم بالماشية وتربية الجاموس وتجهيز الحليب ومنتجاته، كنا نعيش بكرامة ولم نشعر أننا بحاجة الى أي شيء، حتى بدأت مشكلة الجفاف تتفاقم ووصلنا إلى هذا الحال المأساوي والمرير”.

يكشف مشروع “الإبادة البيئية” الصحافي، بقيادة “درج”، Mediapart، و11 منصة صحافية، وبتنسيق من منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية (EIF) وشبكة التعاون الاستقصائي الأوروبي (EIC)، أنّ تراخيص النفط والغاز تتداخل مع أكثر من 7000 منطقة محمية حول العالم، بمساحة تَداخل إجمالية تبلغ 690 ألف كم²، أي ما يفوق مساحة فرنسا، وذلك على الرغم من القوانين السارية والجهود المستمرة لحماية مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية.

كما يكشف هذا التحقيق أنّ أربعة تراخيص نفط وغاز في العراق تتداخل مع نحو 400 كم² من أراضي نحو سبع مناطق محمية، أبرزها مناطق الأهوار في جنوب العراق، على رأسها أهوار الحويزة، المصنفة كمنطقة محمية من جهات دولية ووطنية لما لها من أهمية بيئية عالية وتنوع بيولوجي فريد. كما يتداخل ترخيص شمال الرميلة وجنوبها المشترك بين العراق والكويت مع نحو 300 كم² من مناطق محمية عابرة للحدود.

من أبرز الشركات التي تمتلك أسهماً في تراخيص أو تشغل تراخيص نفط وغاز تتقاطع مع مناطق محمية في العراق، هي:

شركة Petrochina الصينية التابعة لـ China National Petroleum Corporation (CNPC) التي تملك حصة 45% من امتياز حقل حلفاية مع كلّ من شركة توتال الفرنسية (22.5%) وشركة Petronas “بتروناس” (22.5%) و10% للشريك الحكومي العراقي، شركة نفط ميسان (MOC). يتقاطع حقل حلفاية مع الأهوار في جنوب العراق ومع هور الحويزة.

إيني الإيطالية تشغّل وتملك أكثر من 40% من حقل الزبير الذي يتقاطع مع هور الحمّار المحمي باتفاقية رامسار الدولية.

شركة BP البريطانية تملك أكثر من 40% وتشغّل حقل الرميلة الذي يتقاطع مع نحو 4 مناطق محمية مشتركة بين العراق والكويت بمساحة نحو 300 كم².

شركة “جيو-جايد” Geo-Jade الصينية، المالكة لعقد تطوير وإنتاج حقل الحويزة الحدودي (الحويزة 1)، الذي يتداخل مع المنطقتين المحميتين وفق اتفاقية رامسار واليونسكو في هور الحويزة، على مساحة تتراوح بين 85 و390 كيلومتراً مربعاً. وأثار هذا التداخل اعتراضات واسعة من الناشطين البيئيين ومخاوف بشأن التأثيرات البيئية على أهوار الحويزة والمناطق الرطبة المحيطة بها.

الحقلان اللذان يهدّدان بشكل مباشر وبأكبر قدر هور الحويزة هما حقل حلفايا الذي يملكه تحالف/ كونسورتيوم مؤلف من شركة Petrochina الصينية (الشركة المشغّلة)، شركة توتال الفرنسية وشركة Petronas الماليزية، بالإضافة إلى شركة نفط ميسان (MOC) المملوكة للحكومة العراقية، وهو أحد أكبر الحقول في العراق، وحقل الحويزة 1 (HWZ‑1) الذي تديره «جيو‑جايد» داخل حدود الموقع المحمي.

الأضرار التي لحقت بهور الحويزة بفعل هذين المشروعين موثَّقة أيضًا في دراسة بعنوان «النفط يمحو هور الحويزة في جنوب العراق: حين تدمر الشركات موقعاً مُدرَجاً على قائمة التراث العالمي» للباحث والصحافي العراقي صفاء خلف، بالتعاون مع منظمة CCFD‑Terre Solidaire، والمنشورة بالتزامن مع هذا التحقيق. يستند التقرير إلى وثائق سرية، من بينها عقد حلفاية، شاركها خلف وCCFD مع موقعَي “درج” وميديا بارت.

إعداد الخريطة: دفني كارافولا (Reporters United/ Mediapart)

حقل الحويزة 1: الامتياز داخل الهور

يقع حقل الحويزة 1 HWZ‑1 ين الجزأين الجنوبي والشمالي لهور الحويزة، داخل المنطقة المحمية المدرجة على قائمتي التراث العالمي لليونسكو واتفاقية رامسار للمناطق الرطبة. 

في هذا السياق، يقول الباحث العراقي في شؤون شركات النفط والمناطق المحمية، صفاء خلف، في مقابلة لموقع “درج”، إنّ “عقد «جيو-جايد» أُحيل في عام 2018، وليس في عام 2023 كما يُشاع، إذ إن عمليات التجفيف والمسح للمنطقة وتهيئة الأرض لاستخدام المعدات الثقيلة بدأت منذ 2018.​ 

وبحسب تحليل أجراه فريق مشروع “الإبادة البيئية” استنادًا إلى الخرائط الرسمية ومراسلات مديرية بيئة ميسان ومخاطبات برلمانية، فإن الحدود الأولى لامتياز حقل حويزة 1 التي حُدِّدت عام 2018، تتداخل مع المنطقة المحمية المدرجة على قائمة اليونسكو في أهوار الحويزة على مساحة تبلغ 290 كيلومترًا مربعًا.

تُؤكَّد أرقامنا رسالة وجّهها النائب عن ميسان جاسم عطوان الموسوي إلى مكتب المحافظ بتاريخ 16 نيسان/ أبريل 2025. واستنادًا إلى تقرير رسمي، كتب أن امتياز شركة «جيو‑جايد» يتداخل مع المنطقة الأساسية المحمية من موقع التراث العالمي على مساحة «تقارب الـ 300 كيلومتر مربع». وتقرّ وزارة البيئة بذلك، في تناقض مباشر مع التزامات العراق الدولية بحماية هذا الموقع.

وبحسب مزوّد بيانات «Mapstand»، تقلّص حجم الرخصة أخيراً، بحيث أصبح التداخل مع المنطقة المحمية يقتصر الآن على 80 كيلومترًا مربعًا، ولكن لم يسعنا التأكد من هذه المعلومة.

بركة أمّ النعاج في أهوار الحويزة، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو في العراق، حيث جفّ القصب تقريباً وتلاشى معظم الماء، لتحلّ تشقّقات الطين اليابس محلّ المسطّحات المائية التي كانت تغمر المكان. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد). التصميم الغرافيكي: سيمون توبيه (Mediapart).

حقل حلفايا: استنزاف المياه وتجفيف الهور

تقع منشآت حقل حلفايا على أطراف المنطقة المصنَّفة ضمن قائمة التراث العالمي مباشرة، إذ لا تبعد سوى نحو 300 متر عن القرى المأهولة في الهور، وما يقارب الـ2.5 كيلومتر عن آخر المسطحات المائية الضحلة المتبقية في الحويزة، المعروفة ببحيرة أمّ النعاج، التي كانت موطناً لثلاثة عشر من أهم أنواع الأسماك العذبة في العراق.

تفيد دراسة صفاء خلف ومنظمة CCFD-Terre Solidaire بأن أعمال توسعة حقل حلفايا المنفَّذة خلال خمسة عشر عاماً أدّت إلى تجفيف هور الحويزة عبر استنزاف المياه السطحية والجوفية، وأن أنشطة ضخ الغاز وحقنه وحرقه ساهمت في تدهور النظام البيئي وتدمير الغطاء النباتي.

وبحسب الدراسة، أنشأ كونسورتيوم حلفايا محطّتَي ضخ للمياه العذبة يومياً لتشغيل المنشآت الصناعية: المحطة الأولى بسعة 3,000 متر مكعب يومياً، يُرجَّح أنها دخلت الخدمة بين 2011 و2016، والثانية بسعة 23,000 متر مكعب يومياً في الخدمة منذ آذار/ مارس 2018، ليصل مجموع إنتاجهما إلى 26,000 متر مكعب يومياً. تقدّر الدراسة الاستهلاك التراكمي للمياه بين 2018 وتشرين الأول/ أكتوبر 2025 بأكثر من 73 مليون متر مكعب، وتفيد تقديرات أخرى بأن إجمالي استهلاك حقل حلفايا قد يتراوح بين 97,500 و127,200 متر مكعب يومياً، من المياه الجوفية والسطحية التي كان يُفترض أن تغذّي الأهوار.

مسؤوليّة الشركات والدولة: من العقد إلى الواقع

وُقِّع عقد الخدمة لحقل الحلفاية بين شركة نفط ميسان (MOC)، المملوكة لدولة العراق والممثِّلة لمصالح الحكومة، وبين ائتلاف من ثلاث شركات نفط أجنبية تمتلك مجتمعة، إلى جانب نفط ميسان، 90 في المئة من الامتياز (بتروتشاينا، توتال إنرجيز، وبتروناس).

تنصّ بنود العقد (بما في ذلك المواد 10 و12 و41) على أن لشركة نفط ميسان صلاحية مطالبة المشغّل الأجنبي بوقف أو خفض الإنتاج لأسباب تتعلّق بالصحة والسلامة العامّة وحماية البيئة والمياه والتنوّع البيولوجي، كما تُلزِمه بتقديم دراسات لتقييم الأثر البيئي.

مع ذلك، تشير دراسة صفاء خلف إلى أن “نفط ميسان” لم تستخدم هذه الصلاحيات لوقف الأنشطة المضرّة، وأن بعض الدراسات البيئية كانت سطحية ومتأخّرة. وهكذا تجاهلت السلطات العراقية ونفط ميسان الأضرار الاجتماعية والبيئية المرتبطة بأنشطة الائتلاف، على رغم امتلاكهما السلطة القانونية للتدخّل.

عيّن الائتلاف شركة بتروتشاينا بوصفها «المشغّل» للحقل. وقد استخدمت توتال إنرجيز، التي تمتلك 22.5 في المئة من حقل الحلفاية، هذا الأمر سابقًا للتنصّل من المسؤولية، قائلة إن أي أسئلة تتعلّق بالعمليات الميدانية يجب توجيهها إلى بتروتشاينا.

غير أنّ العقد ينصّ على أنّ بتروتشاينا تعمل تحت سلطة «لجنة الإدارة المشتركة» (JMC)، التي تتمثّل فيها “نفط ميسان” وشركاؤها الأجانب بالتساوي، والتي «تُتَّخذ قراراتها بالإجماع من خلال تصويت أعضائها».

وينصّ العقد على أن لجنة الإدارة المشتركة تملك صلاحية «الإشراف والسيطرة على العمليات البترولية»، بما في ذلك «مراجعة واعتماد إجراءات التشغيل»، ما يمنح الشركات الأجنبية تأثيرًا مباشرًا ومسؤولية واضحة عن الخيارات التي أدّت إلى تدهور الأهوار.

ينصّ العقد على وجوب إنشاء شركة تتولّى مهام لجنة الإدارة المشتركة بدلًا منها. لكن «حتى هذه اللحظة، وبعد خمسة عشر عامًا على بدء الإنتاج في الحقل، لم تُنشأ هذه الشركة، وبقيت الأنشطة التشغيلية والتنفيذية تُديرها لجنة الإدارة المشتركة»، بحسب ما قاله صفاء خلف لموقع “درج”. وبالتالي، «تتحمّل توتال إنرجيز المسؤولية في هذا الشأن»، يضيف خلف.

أما من حيث المسؤولية الدولية، فتذكّر الدراسة بأن شركة Total Energies، عبر شركتها التابعة TE E&P Iraq، خاضعة لقانون «واجب اليقظة» الفرنسي الذي يُلزمها برصد ومنع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والبيئة في أنشطة فروعها ومورديها. مع ذلك، لا يذكر ملخّص خطة اليقظة لعام 2025، المنشور في أحدث تقرير سنوي لتوتال إنرجيز، حقل الحلفاية أو مخاطره، الأمر الذي «يخلق فجوة بين الالتزامات القانونية والممارسة الفعلية»، بحسب ما تقول منظمة CCFD.

كما تنصّ مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، على أن الشركات التي تساهم في انتهاكات مطالَبة بمنع مساهمتها واستخدام نفوذها للتخفيف من الأضرار.

في هذا السياق، قال خلف لفريق التحقيق إنّ “المسؤولية الأولى التي تقع على عاتق شركات النفط المعنية هي استنزاف المياه السطحية والجوفية، من خلال سحب المياه لاستخدامها في عمليات الحفر.​ الكمية التي سُحبت تبلغ 100 مليون متر مكعب من المياه، وهي تعادل كمية المياه اللازمة لغمر الأهوار في المنطقة.​ محطة الكونسورتيوم لسحب المياه تستخرج 23 ألف متر مكعب في الثانية.​ وخلال 14–15 سنة، جفّف الكونسورتيوم النفطي المياه عبر سحب المياه السطحية وضخّها في الآبار.​ المسؤولية الثانية تتمثّل في أن الكونسورتيوم بدأ أيضًا بالاستعانة بالمياه الجوفية”.

على الرغم من هذا الإطار، تواصل Total Energies رفض تحمل أي مسؤولية عن الآثار البيئية لحقل حلفايا. “عدم وجود أي إشارة إلى الموقع يعني أن الشركة لا تقدم أي معلومات بشأن تحديد أو منع المخاطر المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو الصحة أو السلامة أو البيئة في إطار أنشطتها في العراق”، بحسب خلف.

تتهرّب شركة توتال، التي نسلّط الضوء عليها باعتبارها من أضخم شركات النفط العالمية التي من المفترض أنّها تتبع قواعد امتثال عالية، من هذه المسؤولية بسبب ثغرة قانونية في القانون العراقي بحيث “تم اعتماد عملية تحايل من جانب الحكومة ووزارة النفط وشركات النفط لإخلاء مسؤولية الشركات الكبرى، خصوصًا الأوروبية والأميركية التي تخضع لأنظمة حوكمة وامتثال صارمة؛ فكان الحل الإتيان بمُشغِّل واجهة يتحمّل المسؤولية عن جميع العمليات النفطية في العراق، على أن تكون ملكية المشروعات لشركات أوروبية أو أميركية، بينما يكون المشغّل صينيًا لا يمتلك سياسات حوكمة أو امتثال فعّالة”، بحسب خلف. ​

وفي السياق القانوني، أشار خلف أيضًا الى أنّ قانون النفط العراقي، وهو قانون حماية الثروة الهيدروكربونية، ينصّ على أن أي نشاط نفطي يجب أن يبتعد عن المناطق المأهولة مسافة لا تقل عن 10 كم.​..​ لكنْ، هناك ثلاث محطات معالجة مركزية في حلفايا لا تبعد عن المناطق المأهولة إلا نحو 400 متر، إضافة إلى الغاز المحترق (flared gas)، وهذا خرق أساسي للعقد.​ 

تقول توتال إنرجيز، في ردّها على شركاء “درج” وMediapart: “الأصول التي تمتلك إحدى الشركات التابعة لتوتال إنرجيز حصةً فيها، ويكون فيها شريك آخر هو المشغّل – كما هي حال بتروتشاينا في حقل الحلفاية – لا تخضع لخطة اليقظة الخاصة بشركة Total Energies SE. فمشغّل الأصل النفطي هو المسؤول حصريًا عن تنفيذ الأنشطة التشغيلية المرتبطة بتطوير الحقل، مستخدمًا كوادره الخاصة وملتزمًا بمعايير صناعة النفط، وبالتالي لا تمارس توتال إنرجيز «السيطرة» بالمعنى المقصود في قانون واجب اليقظة.

مع ذلك، تبقى شركة Total Energies EP Iraq متنبِّهةً للقضايا المرتبطة بحقل الحلفاية، إذ تنخرط وتستخدم نفوذها كشريك لدى السلطات والمشغّل وسائر الأطراف المعنية.

اليونسكو ورامسار: تهديد بالشطب

تؤكد وزارة البيئة ومديرية بيئة ميسان، في مراسلات رسمية، أن امتياز حقل الحويزة 1 يتداخل مع المنطقة المركزية المحمية من موقع التراث العالمي، في تعارض مع خطة حماية الموقع التي التزم بها العراق عند إدراج الأهوار على لائحة اليونسكو.​

في مراجعتها الدورية لعام 2025، شددت لجنة التراث العالمي في اليونسكو على أن المشاريع النفطية القائمة في منطقة الحويزة «غير متوافقة مع وضع التراث العالمي»، وأن «مكوّنات الأهوار وقيمها الطبيعية باتت متأثّرة بتطور مشاريع النفط والغاز»، معتبرة أن العراق انتهك خطة إدارة الموقع. كما دعت اللجنة إلى حظر دائم لجميع الصناعات الاستخراجية داخل الموقع، بما في ذلك حرق الغاز.​

لا يستبعد أن تقدم اليونسكو في مراجعتها المقبلة عام 2027، استناداً إلى توصيات بعثة رامسار الاستشارية ومركز إنعاش أهوار العراق والمناطق الرطبة (CRIMW)، على شطب الحويزة وغيرها من المواقع الرطبة العراقية من قائمة التراث العالمي إذا استمر هذا المسار، ما يعني خسارة حماية دولية رمزية ومادية في آن.

في العراق، تمتد مساحة واسعة من الطين المتشقق الجاف عبر هور الحويزة، في مكان كانت تغطيه الأراضي الرطبة سابقًا. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد). 

إحصاءات غائبة

بحسب دراسة صفاء خلف، تؤكد منظمة غير حكومية في المنطقة أن «حالات السرطان تزداد عاماً بعد عام، كما تُظهِر التقارير التي يقدّمها الأهالي». وترفض دائرة صحّة ميسان الكشف عن الإحصاءات وأماكن تمركز هذه الحالات.

بمساعدة أحد موظفي دائرة صحة ميسان، تم الحصول على سجلّ مُحدَّث لحالات السرطان حتى الأسبوع الأخير من أيلول/ سبتمبر 2025، وبلغ عدد الحالات المسجَّلة لعام 2025 نحو 7,735 حالة. للمقارنة، تشير إحصاءات المجلس العراقي للسرطان إلى أن عدد الحالات المسجَّلة في ميسان كان 988 حالة في عام 2022 و1,088 حالة في عام 2023.

في الأثناء، يربط حسين المرياني، عضو مجلس محافظة ميسان، بين هذا التدهور البيئي وتأثيره المباشر على سكان الأهوار الذين يواجهون فقدان مقومات الحياة، قائلًا إن “تناقص الثروة الحيوانية المتمثلة بالجاموس وهلاك الثروة السمكية بالكامل نتيجة الجفاف والتلوث النفطي، يدفع سكان الأهوار الى الهجرة القسرية إلى المدن بحثًا عن رزق لم يعد متوافرًا”.

وفي إطار المخاطر المباشرة على الأهالي، يرى حيدر عدنان، رئيس منظمة أبناء الأهوار الإنسانية في ناحية المشرّح، أن “أكثر المدن تضررًا من العمليات النفطية هي المشرّح، كونها تضم حقل الحلفاية النفطي.

ويشير عدنان، إلى أن “بعض مخلفات الشركات النفطية، مثل البراميل البلاستيكية المستخدمة لحفظ المواد الكيميائية، تتسرب أو تُباع من داخل الشركات، فيضطر المواطنون، في ظل النقص الحاد للمياه النظيفة، إلى استخدامها في الطبخ والاستحمام، ما يشكل خطرًا صحيًا مضاعفًا ويُدخل مواد كيميائية سامة بشكل مباشر إلى حياتهم اليومية”.

أرض متشققة وجافة مع شجيرات قصيرة متناثرة وحزام من القصب الميت في أهوار الحويزة.  تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد).

«أرض محروقة»: شهادات من قلب الهور

تتصاعد المخاوف البيئية في محافظة ميسان جنوب العراق (380 كم جنوب العاصمة بغداد)، وتحديداً في المناطق الحدودية المتاخمة لإيران، حيث يشكل التوسع المتزايد لعمليات الشركات النفطية الأجنبية خطرًا وشيكًا على الثروات الطبيعية والتنوع البيئي في المنطقة.

وتتركز هذه المخاوف بشكل خاص حول حوض هور الحويزة المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، بالإضافة إلى مناطق محيطة به مثل المشرح، الطيب والفكة.

صورة من بركة أمّ النعاج داخل هور الحويزة، تُظهر القصب اليابس بسبب الجفاف وبقايا برك من المياه الراكدة. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد). 

ويرى مهتمون وناشطون بيئيون أن هذا التوسع النفطي يتم على حساب النظام البيئي الفريد للمنطقة، وتُشير شهادات ناشطين محليين إلى وقوع تجاوزات بيئية جسيمة على الشريط الحدودي لميسان.

وفي هذا السياق، يصف الناشط البيئي مرتضى الجنوبي، التوسع النفطي بأنه “سياسة أرض محروقة”، تُنفذ من دون الالتزام الكافي بالمعايير البيئية المنصوص عليها في العقود، والتي تُلزم الشركات بعدم تلويث البيئة بالمخلفات والتسريبات النفطية والمواد الكيميائية”.

ويوضح الجنوبي، أن “مساحات واسعة من المناطق الطبيعية الجميلة قد تحولت إلى مكبات نفايات ومستنقعات نفطية نتيجة التسريبات المستمرة، ما يبرز غياب الالتزام من الشركات، بخاصة الشركات الصينية العاملة في المحافظة خلال السنوات الماضية”.

تهديد للبيئة والصحة والثروات

يقول عباس عودة (67 عاماً)، أحد مربي الجاموس ممن يُطلق عليهم “عرب الأهوار”: “أطفالنا هم الضحية الأكبر، فقد أصبحت زيارة المستشفيات بسبب أمراض الجهاز التنفسي أمراً مألوفاً، فكل يوم نسمع عن حالات اختناق وحساسية صدر، وحتى الكبار منا اعتادوا على صفاء هواء الأهوار، وباتوا يعانون من سعال مستمر لا يتوقف”.

ويتابع بحزن: “لم نعد نرى السماء الزرقاء الصافية، بل سحباً دخانية تخنق رئة الجنوب كلها. هذه الأهوار التي كانت فردوسنا تحولت إلى كابوس دخاني لا ينتهي”.

ويعدّ الجاموس مصدر رزق حيوياً لسكان الأهوار في جنوب العراق، فهو ليس مجرد حيوان أليف، بل هو ركن أساسي في حياتهم التقليدية التي عمرها آلاف السنين، إذ يوفر مصدر دخل رئيسياً لهم عبر إنتاج الحليب والألبان واللحوم.

من جانبه، يحذر المهتم بالشأن البيئي أحمد الساعدي، من أن “البحيرات والبرك النفطية الناتجة من هذه المخلفات، تشكل خطرًا على الحياة البرية، إذ تسببت في هلاك أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة والكائنات البرية”.

يجد الساعدي، أن “المشكلة لم تعد مقتصرة على الانبعاثات الغازية، بل تجاوزتها إلى التوسع المستمر في الحقول وعمليات التنقيب”.

نشر باحثون عراقيون في جامعة المستنصرية في بغداد دراستين في عام 2024، استندتا إلى تحليل عينات من «المياه المعالَجة» في حقل الحلفاية، وهي المياه التي تُحقَن في الطبقات الجوفية لتسهيل الاستخراج ثم تُفصَل عن النفط وتُطلَق في البيئة. ووفقًا لهذه الدراسات، تحتوي هذه المياه المعالَجة على عناصر سامة مثل النحاس والكادميوم.​

وفي كثير من الأحيان، تُضَخّ هذه المياه الملوّثة، مع مياه الصرف الصحي غير المعالَجة، إلى نهر الكحلاء، وهو ما يلوّث المصدر الوحيد لمياه الأهوار الجنوبية ويُلوّث مياه الشرب والري في جميع المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر، والذي يحتوي على مستويات عالية جداً من الملوِّثات.​

تقول توتال إنرجيز، في ردها على شركاء “درج” وMediapart، “استثمر الشركاء في حقل الحلفاية، الذين ما زالوا على تواصل مع الجهة الرقابية، في وحدة باتت الآن قيد التشغيل، تُعيد تدوير ومعالجة مياه الإنتاج، وتستخدم مياه مالحة تُضخّ من آبار عميقة لتقليص ضخّ المياه من النهر بشكل كبير”.

أعمال الاستكشافات النفطية 2025

أبرز ما كشفته دراسة خلف أنّ مدة عقد حلفايا هي عشرون سنة، لكن العقد مُدِّد عشر سنوات إضافية من دون أخذ موافقة مجلس النواب أو إطلاع الرأي العام العراقي.​ “حدث ذلك لأن العقد الأساسي، ينص على أنه بعد انتهاء عمليات الاستخراج النفطية، أي بعد عشرين سنة (عام 2030)، يفترض أن يعيد كونسورتيوم حلفايا تسليم الموقع كما كان قبل الاستخراج، وهو أمر غير ممكن عمليًا.​ هذا يُعدّ تلاعبًا قانونيًا، إذ ينص العقد على أن كونسورتيوم حلفايا لا يتحمّل مسؤولية أي ضرر بيئي يلحق بالموقع، وأن جميع الأضرار لا يتحمّلها لا المشغّل ولا الكونسورتيوم، بل الجانب العراقي؛ وبالتالي تصبح شركة نفط ميسان مسؤولة مباشرة عن إعادة الموقع إلى حالته قبل عمليات الاستخراج، وهو أمر مستحيل، ما يفسّر تمديد العقد عشر سنوات من دون علم أحد”. أمّا عن عدم توقيع عقد جديد، فيعتبر خلف أنّ الهدف الأساسي للإنتاج في العقد الأول كان 460 ألف برميل يوميًا، لكن بعد فترة تبيّن أنه لا يمكن الوصول إلى هذا الرقم بسبب الظروف البيئية لمنطقة الهور، وهي منطقة غير جافة؛ فعملية الاستخراج تتطلّب وقتًا طويلًا لتجفيف المنطقة بالكامل قبل بدء الإنتاج، ولذلك مُدِّد زمن العقد.​

“يجسّد حقل حلفايا النموذج الاستخراجي الافتراسي بأشدّ صوره وضوحاً؛ إذ لا تمارس الشركات الأجنبية دور المستثمر فحسب، بل تؤدّي أيضاً دور سلطة سيادية… 

وفي ردّها على تساؤلات رئاسة الوزراء، أشارت وزارة النفط، إلى أن عقد تطوير وإنتاج حقل الحويزة الحدودي المُحال إلى شركة “جيو-جايد” الصينية عام 2018 يتضمن “أفضل أنواع الممارسات الصناعية النفطية العالمية للحفاظ على البيئة”، مشيرة إلى تزويد وزارتي البيئة والموارد المائية بنسخ من تقرير “الأثر البيئي لحقل الحويزة النفطي للمرحلة الأساسية عام 2024” لغرض المصادقة عليه.

لم يرد كلّ من رئاسة الحكومة العراقية ووزارة النفط وشركة نفط ميسان، شركة جيو- جايد وشركة CNPC وشركة بتروتشاينا التابعة لها، على أسئلة فريق التحقيق.

في حين ردّت توتال إنرجيز على أسئلة فريق المشروع العامة وتلك المتعلقة بالعراق. بصورة عامة، اعتبرت توتال أنّ أرقام المشروع العالمية «لا تعكس الواقع على الأرض»، لأنها تمثل «تداخلًا نظريًا بين التراخيص والمناطق المحمية، على رغم أن جزءًا صغيرًا فقط من مساحة هذه التراخيص مغطى بالبنى التحتية». أمّا عن العراق، فأوردنا ردّها خلال هذا التحقيق، أهمّه أنّ شركة Tot alEnergies EP Iraq متنبِّهةً للقضايا المرتبطة بحقل الحلفاية، وتنخرط وتستخدم نفوذها كشريك لدى السلطات والمشغّل وسائر الأطراف المعنية.

واعتبرت شركة ENI، في رد لشركاء المشروع، أنّ الامتيازات المذكورة هي تراخيص استكشاف. وتشير الشركة إلى أنّه “في عام 2024، كانت هناك 32 امتيازاً للشركة في قطاع الاستكشاف والإنتاج تتقاطع مع 18 منطقة ذات أولوية للحفاظ على التنوع البيولوجي (بما في ذلك المناطق المحمية) حول العالم… إلّا أنّ الامتيازات التي لم تدخل بعد في مرحلة التطوير أو الإنتاج، أو غير المُدارة من إيني، أو التي لا توجد لها أصول تشغيلية فعّالة في منطقة التداخل – فلا تُدرَج ضمن الإفصاح الإجمالي في تقرير الاستدامة للشركة”.

ضعف الرقابة ونداء للأكاديميين

إلى ذلك، يرى أكاديميون ومتخصصون، أن الرقابة الفعلية على أداء الشركات النفطية لا تزال ضعيفة، مشيرين إلى أن هذه الشركات تُعتبر ذات أهمية اقتصادية قصوى، ما قد يعيق المساءلة والضغط للالتزام الكامل بالمعايير.

ودعا الدكتور محمد نعيم، الأكاديمي في جامعة ميسان، الناشطين إلى مجموعة من الإجراءات لمواجهة هذا التدهور البيئي، منها تعزيز الرقابة الحكومية، وتشكيل لجان تفتيش مستقلة ذات صلاحيات واسعة لضمان التزام الشركات.

من جهته، يصف الكيميائي منتظر السيد نور، حرائق هور الحويزة بأنها “كارثة بيئية وخطر صحي يهدد حياة المواطنين”، موضحًا أن الدخان المنبعث يسبب حُرقة في العيون، وأن هذا الأثر الكيميائي لا يمكن أن ينتج فقط من حرق القصب بفعل الحرارة، بل توجد أسباب أخرى”.

دور منظمات المجتمع المدني

إلى ذلك، يؤكد أسعد الكناني، عضو برنامج “حماة دجلة”، إحدى منظمات المجتمع المدني المهتمة بالمياه والتلوث، أن تمكين المنظمات البيئية من القيام بدورها الرقابي والتوعوي بات أمرًا “ملحًا” لمراقبة التحديات وتشخيصها، في ظل الانتهاكات البيئية الخطيرة وما يترتب عليها من تداعيات صحية وبيئية تهدد الوجود الطبيعي.

ويشير الكناني، إلى أن “فرض المعايير البيئية على أرض الواقع يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه السلطات والناشطين في ميسان للحفاظ على إرثها البيئي وطبيعتها الفريدة”.

صورة من قرية اميلحه هور السناف التابع لهور الحويزة كامتداد مائي يظهر شدة الجفاف. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد).

يشار إلى أن وكيل وزارة البيئة جاسم الفلاحي، لفت الأنظار بالكشف عن نزوح 68 ألف أسرة من مناطق الأهوار في صيف 2023 لـ”فقدانهم سبل العيش بعدما كانوا معتمدين على الزراعة وتربية الجاموس وصيد الأسماك والطيور”، لأسباب تعود إلى تراجع الرقع الزراعية وازدياد معدلات التصحر والعواصف الغبارية والرملية والجفاف.

وحذر الفلاحي من أن “النزوح الداخلي قد يكون مبررا للنزوح الخارجي، أو إنشاء عشوائيات على أعتاب مدن تعاني من نقص كبير بالخدمات، والتي ستكون مرتعًا للكثير من المشاكل الاجتماعية”.

يأتي هذا التحقيق ضمن سلسلة مشروع «الإبادة البيئية» (Fueling Ecocide)، الذي أُنجز بالتعاون بين 13 منصة صحافية دولية، تحت تنسيق «منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية» (Environmental Investigative Forum – EIF) وشبكة «التعاون الاستقصائي الأوروبي» (European Investigative Collaborations – EIC).
المنصّات الصحافية المشاركة:
Mediapart (فرنسا)، Reporters United (اليونان)، Domani (إيطاليا)، درج (لبنان)، InfoAmazonia (البرازيل)، InfoCongo (جمهورية الكونغو الديموقراطية)، Der Standard (النمسا)، The Bureau of Investigative Journalism/TBIJ (المملكة المتحدة)، El Espectador (كولومبيا)، 24.hu (هنغاريا)، Le Soir (بلجيكا)، Expresso (البرتغال)، و InfoLibre (إسبانيا).
حظي هذا التحقيق بدعم Journalismfund Europe و«الصحافة الاستقصائية من أجل أوروبا» (IJ4EU).
تحليل البيانات والبيانات الجغرافية: ليوبولد سالتزنستاين (EIF)، دفني كارافولا (Reporters United)، ألكسندر بروتيل (EIF)، ويان فيليبان (Mediapart).
التصميم الغرافيكي والرسوم التوضيحية: سيمون توبيه (Mediapart).

أيوب سعد - صحافي عراقي | 05.06.2026

عن النازع والمنزوع… فصائل تتّجه الى فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي!

أعلنت حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، عبر بيانين منفصلين، الشروع بإجراءات فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية، ليس فقط بسبب حجم الفصيلين وتأثيرهما، بل لأنها جاءت ضمن سياق أوسع يتحدث عن إعادة رسم خارطة القوة المسلّحة في العراق.

يكشف هذا التحقيق أنّ أربعة تراخيص نفط وغاز في العراق تتداخل مع نحو 400 كم² من أراضي نحو سبع مناطق محمية، أبرزها مناطق الأهوار في جنوب العراق، على رأسها أهوار الحويزة، المصنفة كمنطقة محمية من جهات دولية ووطنية لما لها من أهمية بيئية عالية وتنوع بيولوجي فريد.

أُنجز هذا التحقيق بدعم Journalismfund Europe و”الصحافة الاستقصائية من أجل أوروبا” (IJ4EU)

أصبح الاستيقاظ الساعة الرابعة فجر كل يوم، روتيناً يومياً لـ”أبو جاسم”، الرجل السبعيني الذي ولد وترعرع في قرية أبو خصاف بهور الحويزة جنوب ميسان، يحمل مجرفته اليدوية ذات القبضة الخشبية، ويشق بها مجرى النهر، وهدفه الوحيد من هذا الروتين الصعب، فتح الطريق لما تبقى من المياه الراكدة، كي تصل إلى منزله فتسقي قطعان ماشيته التي تتناقص يوماً بعد آخر بسبب الجفاف القاسي.

ويواجه جنوب العراق أزمة جفاف شديدة أثرت على الثروة الحيوانية والأمن المائي، وتسببت في نزوح جماعي من المناطق الريفية، وذلك بسبب انخفاض مناسيب الأنهار بفعل قلة الأمطار وتغير المناخ، فضلًا عن سياسات دول المنبع (تركيا وإيران) في بناء السدود.

تبدو الحسرة واضحة على “أبو جاسم” عندما يتحدث عن الماضي: “كانت حياتنا في هور الحويزة مختلفة تماماً، فالمياه وفيرة، والهور يضج بالقصب والأسماك والطيور المهاجرة. منذ طفولتي كنا نعتمد على صيد السمك، وجدتُ جدي وأبي يمارسان هذه المهنة، يعملان بجد ومحبة، ويمضيان يومهما في العمل بها، وأخذنا عنهما المهنة ذاتها”.

ويضيف: “أما والدتي فكانت تهتم بالماشية وتربية الجاموس وتجهيز الحليب ومنتجاته، كنا نعيش بكرامة ولم نشعر أننا بحاجة الى أي شيء، حتى بدأت مشكلة الجفاف تتفاقم ووصلنا إلى هذا الحال المأساوي والمرير”.

يكشف مشروع “الإبادة البيئية” الصحافي، بقيادة “درج”، Mediapart، و11 منصة صحافية، وبتنسيق من منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية (EIF) وشبكة التعاون الاستقصائي الأوروبي (EIC)، أنّ تراخيص النفط والغاز تتداخل مع أكثر من 7000 منطقة محمية حول العالم، بمساحة تَداخل إجمالية تبلغ 690 ألف كم²، أي ما يفوق مساحة فرنسا، وذلك على الرغم من القوانين السارية والجهود المستمرة لحماية مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية.

كما يكشف هذا التحقيق أنّ أربعة تراخيص نفط وغاز في العراق تتداخل مع نحو 400 كم² من أراضي نحو سبع مناطق محمية، أبرزها مناطق الأهوار في جنوب العراق، على رأسها أهوار الحويزة، المصنفة كمنطقة محمية من جهات دولية ووطنية لما لها من أهمية بيئية عالية وتنوع بيولوجي فريد. كما يتداخل ترخيص شمال الرميلة وجنوبها المشترك بين العراق والكويت مع نحو 300 كم² من مناطق محمية عابرة للحدود.

من أبرز الشركات التي تمتلك أسهماً في تراخيص أو تشغل تراخيص نفط وغاز تتقاطع مع مناطق محمية في العراق، هي:

شركة Petrochina الصينية التابعة لـ China National Petroleum Corporation (CNPC) التي تملك حصة 45% من امتياز حقل حلفاية مع كلّ من شركة توتال الفرنسية (22.5%) وشركة Petronas “بتروناس” (22.5%) و10% للشريك الحكومي العراقي، شركة نفط ميسان (MOC). يتقاطع حقل حلفاية مع الأهوار في جنوب العراق ومع هور الحويزة.

إيني الإيطالية تشغّل وتملك أكثر من 40% من حقل الزبير الذي يتقاطع مع هور الحمّار المحمي باتفاقية رامسار الدولية.

شركة BP البريطانية تملك أكثر من 40% وتشغّل حقل الرميلة الذي يتقاطع مع نحو 4 مناطق محمية مشتركة بين العراق والكويت بمساحة نحو 300 كم².

شركة “جيو-جايد” Geo-Jade الصينية، المالكة لعقد تطوير وإنتاج حقل الحويزة الحدودي (الحويزة 1)، الذي يتداخل مع المنطقتين المحميتين وفق اتفاقية رامسار واليونسكو في هور الحويزة، على مساحة تتراوح بين 85 و390 كيلومتراً مربعاً. وأثار هذا التداخل اعتراضات واسعة من الناشطين البيئيين ومخاوف بشأن التأثيرات البيئية على أهوار الحويزة والمناطق الرطبة المحيطة بها.

الحقلان اللذان يهدّدان بشكل مباشر وبأكبر قدر هور الحويزة هما حقل حلفايا الذي يملكه تحالف/ كونسورتيوم مؤلف من شركة Petrochina الصينية (الشركة المشغّلة)، شركة توتال الفرنسية وشركة Petronas الماليزية، بالإضافة إلى شركة نفط ميسان (MOC) المملوكة للحكومة العراقية، وهو أحد أكبر الحقول في العراق، وحقل الحويزة 1 (HWZ‑1) الذي تديره «جيو‑جايد» داخل حدود الموقع المحمي.

الأضرار التي لحقت بهور الحويزة بفعل هذين المشروعين موثَّقة أيضًا في دراسة بعنوان «النفط يمحو هور الحويزة في جنوب العراق: حين تدمر الشركات موقعاً مُدرَجاً على قائمة التراث العالمي» للباحث والصحافي العراقي صفاء خلف، بالتعاون مع منظمة CCFD‑Terre Solidaire، والمنشورة بالتزامن مع هذا التحقيق. يستند التقرير إلى وثائق سرية، من بينها عقد حلفاية، شاركها خلف وCCFD مع موقعَي “درج” وميديا بارت.

إعداد الخريطة: دفني كارافولا (Reporters United/ Mediapart)

حقل الحويزة 1: الامتياز داخل الهور

يقع حقل الحويزة 1 HWZ‑1 ين الجزأين الجنوبي والشمالي لهور الحويزة، داخل المنطقة المحمية المدرجة على قائمتي التراث العالمي لليونسكو واتفاقية رامسار للمناطق الرطبة. 

في هذا السياق، يقول الباحث العراقي في شؤون شركات النفط والمناطق المحمية، صفاء خلف، في مقابلة لموقع “درج”، إنّ “عقد «جيو-جايد» أُحيل في عام 2018، وليس في عام 2023 كما يُشاع، إذ إن عمليات التجفيف والمسح للمنطقة وتهيئة الأرض لاستخدام المعدات الثقيلة بدأت منذ 2018.​ 

وبحسب تحليل أجراه فريق مشروع “الإبادة البيئية” استنادًا إلى الخرائط الرسمية ومراسلات مديرية بيئة ميسان ومخاطبات برلمانية، فإن الحدود الأولى لامتياز حقل حويزة 1 التي حُدِّدت عام 2018، تتداخل مع المنطقة المحمية المدرجة على قائمة اليونسكو في أهوار الحويزة على مساحة تبلغ 290 كيلومترًا مربعًا.

تُؤكَّد أرقامنا رسالة وجّهها النائب عن ميسان جاسم عطوان الموسوي إلى مكتب المحافظ بتاريخ 16 نيسان/ أبريل 2025. واستنادًا إلى تقرير رسمي، كتب أن امتياز شركة «جيو‑جايد» يتداخل مع المنطقة الأساسية المحمية من موقع التراث العالمي على مساحة «تقارب الـ 300 كيلومتر مربع». وتقرّ وزارة البيئة بذلك، في تناقض مباشر مع التزامات العراق الدولية بحماية هذا الموقع.

وبحسب مزوّد بيانات «Mapstand»، تقلّص حجم الرخصة أخيراً، بحيث أصبح التداخل مع المنطقة المحمية يقتصر الآن على 80 كيلومترًا مربعًا، ولكن لم يسعنا التأكد من هذه المعلومة.

بركة أمّ النعاج في أهوار الحويزة، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو في العراق، حيث جفّ القصب تقريباً وتلاشى معظم الماء، لتحلّ تشقّقات الطين اليابس محلّ المسطّحات المائية التي كانت تغمر المكان. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد). التصميم الغرافيكي: سيمون توبيه (Mediapart).

حقل حلفايا: استنزاف المياه وتجفيف الهور

تقع منشآت حقل حلفايا على أطراف المنطقة المصنَّفة ضمن قائمة التراث العالمي مباشرة، إذ لا تبعد سوى نحو 300 متر عن القرى المأهولة في الهور، وما يقارب الـ2.5 كيلومتر عن آخر المسطحات المائية الضحلة المتبقية في الحويزة، المعروفة ببحيرة أمّ النعاج، التي كانت موطناً لثلاثة عشر من أهم أنواع الأسماك العذبة في العراق.

تفيد دراسة صفاء خلف ومنظمة CCFD-Terre Solidaire بأن أعمال توسعة حقل حلفايا المنفَّذة خلال خمسة عشر عاماً أدّت إلى تجفيف هور الحويزة عبر استنزاف المياه السطحية والجوفية، وأن أنشطة ضخ الغاز وحقنه وحرقه ساهمت في تدهور النظام البيئي وتدمير الغطاء النباتي.

وبحسب الدراسة، أنشأ كونسورتيوم حلفايا محطّتَي ضخ للمياه العذبة يومياً لتشغيل المنشآت الصناعية: المحطة الأولى بسعة 3,000 متر مكعب يومياً، يُرجَّح أنها دخلت الخدمة بين 2011 و2016، والثانية بسعة 23,000 متر مكعب يومياً في الخدمة منذ آذار/ مارس 2018، ليصل مجموع إنتاجهما إلى 26,000 متر مكعب يومياً. تقدّر الدراسة الاستهلاك التراكمي للمياه بين 2018 وتشرين الأول/ أكتوبر 2025 بأكثر من 73 مليون متر مكعب، وتفيد تقديرات أخرى بأن إجمالي استهلاك حقل حلفايا قد يتراوح بين 97,500 و127,200 متر مكعب يومياً، من المياه الجوفية والسطحية التي كان يُفترض أن تغذّي الأهوار.

مسؤوليّة الشركات والدولة: من العقد إلى الواقع

وُقِّع عقد الخدمة لحقل الحلفاية بين شركة نفط ميسان (MOC)، المملوكة لدولة العراق والممثِّلة لمصالح الحكومة، وبين ائتلاف من ثلاث شركات نفط أجنبية تمتلك مجتمعة، إلى جانب نفط ميسان، 90 في المئة من الامتياز (بتروتشاينا، توتال إنرجيز، وبتروناس).

تنصّ بنود العقد (بما في ذلك المواد 10 و12 و41) على أن لشركة نفط ميسان صلاحية مطالبة المشغّل الأجنبي بوقف أو خفض الإنتاج لأسباب تتعلّق بالصحة والسلامة العامّة وحماية البيئة والمياه والتنوّع البيولوجي، كما تُلزِمه بتقديم دراسات لتقييم الأثر البيئي.

مع ذلك، تشير دراسة صفاء خلف إلى أن “نفط ميسان” لم تستخدم هذه الصلاحيات لوقف الأنشطة المضرّة، وأن بعض الدراسات البيئية كانت سطحية ومتأخّرة. وهكذا تجاهلت السلطات العراقية ونفط ميسان الأضرار الاجتماعية والبيئية المرتبطة بأنشطة الائتلاف، على رغم امتلاكهما السلطة القانونية للتدخّل.

عيّن الائتلاف شركة بتروتشاينا بوصفها «المشغّل» للحقل. وقد استخدمت توتال إنرجيز، التي تمتلك 22.5 في المئة من حقل الحلفاية، هذا الأمر سابقًا للتنصّل من المسؤولية، قائلة إن أي أسئلة تتعلّق بالعمليات الميدانية يجب توجيهها إلى بتروتشاينا.

غير أنّ العقد ينصّ على أنّ بتروتشاينا تعمل تحت سلطة «لجنة الإدارة المشتركة» (JMC)، التي تتمثّل فيها “نفط ميسان” وشركاؤها الأجانب بالتساوي، والتي «تُتَّخذ قراراتها بالإجماع من خلال تصويت أعضائها».

وينصّ العقد على أن لجنة الإدارة المشتركة تملك صلاحية «الإشراف والسيطرة على العمليات البترولية»، بما في ذلك «مراجعة واعتماد إجراءات التشغيل»، ما يمنح الشركات الأجنبية تأثيرًا مباشرًا ومسؤولية واضحة عن الخيارات التي أدّت إلى تدهور الأهوار.

ينصّ العقد على وجوب إنشاء شركة تتولّى مهام لجنة الإدارة المشتركة بدلًا منها. لكن «حتى هذه اللحظة، وبعد خمسة عشر عامًا على بدء الإنتاج في الحقل، لم تُنشأ هذه الشركة، وبقيت الأنشطة التشغيلية والتنفيذية تُديرها لجنة الإدارة المشتركة»، بحسب ما قاله صفاء خلف لموقع “درج”. وبالتالي، «تتحمّل توتال إنرجيز المسؤولية في هذا الشأن»، يضيف خلف.

أما من حيث المسؤولية الدولية، فتذكّر الدراسة بأن شركة Total Energies، عبر شركتها التابعة TE E&P Iraq، خاضعة لقانون «واجب اليقظة» الفرنسي الذي يُلزمها برصد ومنع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والبيئة في أنشطة فروعها ومورديها. مع ذلك، لا يذكر ملخّص خطة اليقظة لعام 2025، المنشور في أحدث تقرير سنوي لتوتال إنرجيز، حقل الحلفاية أو مخاطره، الأمر الذي «يخلق فجوة بين الالتزامات القانونية والممارسة الفعلية»، بحسب ما تقول منظمة CCFD.

كما تنصّ مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، على أن الشركات التي تساهم في انتهاكات مطالَبة بمنع مساهمتها واستخدام نفوذها للتخفيف من الأضرار.

في هذا السياق، قال خلف لفريق التحقيق إنّ “المسؤولية الأولى التي تقع على عاتق شركات النفط المعنية هي استنزاف المياه السطحية والجوفية، من خلال سحب المياه لاستخدامها في عمليات الحفر.​ الكمية التي سُحبت تبلغ 100 مليون متر مكعب من المياه، وهي تعادل كمية المياه اللازمة لغمر الأهوار في المنطقة.​ محطة الكونسورتيوم لسحب المياه تستخرج 23 ألف متر مكعب في الثانية.​ وخلال 14–15 سنة، جفّف الكونسورتيوم النفطي المياه عبر سحب المياه السطحية وضخّها في الآبار.​ المسؤولية الثانية تتمثّل في أن الكونسورتيوم بدأ أيضًا بالاستعانة بالمياه الجوفية”.

على الرغم من هذا الإطار، تواصل Total Energies رفض تحمل أي مسؤولية عن الآثار البيئية لحقل حلفايا. “عدم وجود أي إشارة إلى الموقع يعني أن الشركة لا تقدم أي معلومات بشأن تحديد أو منع المخاطر المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو الصحة أو السلامة أو البيئة في إطار أنشطتها في العراق”، بحسب خلف.

تتهرّب شركة توتال، التي نسلّط الضوء عليها باعتبارها من أضخم شركات النفط العالمية التي من المفترض أنّها تتبع قواعد امتثال عالية، من هذه المسؤولية بسبب ثغرة قانونية في القانون العراقي بحيث “تم اعتماد عملية تحايل من جانب الحكومة ووزارة النفط وشركات النفط لإخلاء مسؤولية الشركات الكبرى، خصوصًا الأوروبية والأميركية التي تخضع لأنظمة حوكمة وامتثال صارمة؛ فكان الحل الإتيان بمُشغِّل واجهة يتحمّل المسؤولية عن جميع العمليات النفطية في العراق، على أن تكون ملكية المشروعات لشركات أوروبية أو أميركية، بينما يكون المشغّل صينيًا لا يمتلك سياسات حوكمة أو امتثال فعّالة”، بحسب خلف. ​

وفي السياق القانوني، أشار خلف أيضًا الى أنّ قانون النفط العراقي، وهو قانون حماية الثروة الهيدروكربونية، ينصّ على أن أي نشاط نفطي يجب أن يبتعد عن المناطق المأهولة مسافة لا تقل عن 10 كم.​..​ لكنْ، هناك ثلاث محطات معالجة مركزية في حلفايا لا تبعد عن المناطق المأهولة إلا نحو 400 متر، إضافة إلى الغاز المحترق (flared gas)، وهذا خرق أساسي للعقد.​ 

تقول توتال إنرجيز، في ردّها على شركاء “درج” وMediapart: “الأصول التي تمتلك إحدى الشركات التابعة لتوتال إنرجيز حصةً فيها، ويكون فيها شريك آخر هو المشغّل – كما هي حال بتروتشاينا في حقل الحلفاية – لا تخضع لخطة اليقظة الخاصة بشركة Total Energies SE. فمشغّل الأصل النفطي هو المسؤول حصريًا عن تنفيذ الأنشطة التشغيلية المرتبطة بتطوير الحقل، مستخدمًا كوادره الخاصة وملتزمًا بمعايير صناعة النفط، وبالتالي لا تمارس توتال إنرجيز «السيطرة» بالمعنى المقصود في قانون واجب اليقظة.

مع ذلك، تبقى شركة Total Energies EP Iraq متنبِّهةً للقضايا المرتبطة بحقل الحلفاية، إذ تنخرط وتستخدم نفوذها كشريك لدى السلطات والمشغّل وسائر الأطراف المعنية.

اليونسكو ورامسار: تهديد بالشطب

تؤكد وزارة البيئة ومديرية بيئة ميسان، في مراسلات رسمية، أن امتياز حقل الحويزة 1 يتداخل مع المنطقة المركزية المحمية من موقع التراث العالمي، في تعارض مع خطة حماية الموقع التي التزم بها العراق عند إدراج الأهوار على لائحة اليونسكو.​

في مراجعتها الدورية لعام 2025، شددت لجنة التراث العالمي في اليونسكو على أن المشاريع النفطية القائمة في منطقة الحويزة «غير متوافقة مع وضع التراث العالمي»، وأن «مكوّنات الأهوار وقيمها الطبيعية باتت متأثّرة بتطور مشاريع النفط والغاز»، معتبرة أن العراق انتهك خطة إدارة الموقع. كما دعت اللجنة إلى حظر دائم لجميع الصناعات الاستخراجية داخل الموقع، بما في ذلك حرق الغاز.​

لا يستبعد أن تقدم اليونسكو في مراجعتها المقبلة عام 2027، استناداً إلى توصيات بعثة رامسار الاستشارية ومركز إنعاش أهوار العراق والمناطق الرطبة (CRIMW)، على شطب الحويزة وغيرها من المواقع الرطبة العراقية من قائمة التراث العالمي إذا استمر هذا المسار، ما يعني خسارة حماية دولية رمزية ومادية في آن.

في العراق، تمتد مساحة واسعة من الطين المتشقق الجاف عبر هور الحويزة، في مكان كانت تغطيه الأراضي الرطبة سابقًا. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد). 

إحصاءات غائبة

بحسب دراسة صفاء خلف، تؤكد منظمة غير حكومية في المنطقة أن «حالات السرطان تزداد عاماً بعد عام، كما تُظهِر التقارير التي يقدّمها الأهالي». وترفض دائرة صحّة ميسان الكشف عن الإحصاءات وأماكن تمركز هذه الحالات.

بمساعدة أحد موظفي دائرة صحة ميسان، تم الحصول على سجلّ مُحدَّث لحالات السرطان حتى الأسبوع الأخير من أيلول/ سبتمبر 2025، وبلغ عدد الحالات المسجَّلة لعام 2025 نحو 7,735 حالة. للمقارنة، تشير إحصاءات المجلس العراقي للسرطان إلى أن عدد الحالات المسجَّلة في ميسان كان 988 حالة في عام 2022 و1,088 حالة في عام 2023.

في الأثناء، يربط حسين المرياني، عضو مجلس محافظة ميسان، بين هذا التدهور البيئي وتأثيره المباشر على سكان الأهوار الذين يواجهون فقدان مقومات الحياة، قائلًا إن “تناقص الثروة الحيوانية المتمثلة بالجاموس وهلاك الثروة السمكية بالكامل نتيجة الجفاف والتلوث النفطي، يدفع سكان الأهوار الى الهجرة القسرية إلى المدن بحثًا عن رزق لم يعد متوافرًا”.

وفي إطار المخاطر المباشرة على الأهالي، يرى حيدر عدنان، رئيس منظمة أبناء الأهوار الإنسانية في ناحية المشرّح، أن “أكثر المدن تضررًا من العمليات النفطية هي المشرّح، كونها تضم حقل الحلفاية النفطي.

ويشير عدنان، إلى أن “بعض مخلفات الشركات النفطية، مثل البراميل البلاستيكية المستخدمة لحفظ المواد الكيميائية، تتسرب أو تُباع من داخل الشركات، فيضطر المواطنون، في ظل النقص الحاد للمياه النظيفة، إلى استخدامها في الطبخ والاستحمام، ما يشكل خطرًا صحيًا مضاعفًا ويُدخل مواد كيميائية سامة بشكل مباشر إلى حياتهم اليومية”.

أرض متشققة وجافة مع شجيرات قصيرة متناثرة وحزام من القصب الميت في أهوار الحويزة.  تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد).

«أرض محروقة»: شهادات من قلب الهور

تتصاعد المخاوف البيئية في محافظة ميسان جنوب العراق (380 كم جنوب العاصمة بغداد)، وتحديداً في المناطق الحدودية المتاخمة لإيران، حيث يشكل التوسع المتزايد لعمليات الشركات النفطية الأجنبية خطرًا وشيكًا على الثروات الطبيعية والتنوع البيئي في المنطقة.

وتتركز هذه المخاوف بشكل خاص حول حوض هور الحويزة المدرج على لائحة التراث العالمي لليونسكو، بالإضافة إلى مناطق محيطة به مثل المشرح، الطيب والفكة.

صورة من بركة أمّ النعاج داخل هور الحويزة، تُظهر القصب اليابس بسبب الجفاف وبقايا برك من المياه الراكدة. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد). 

ويرى مهتمون وناشطون بيئيون أن هذا التوسع النفطي يتم على حساب النظام البيئي الفريد للمنطقة، وتُشير شهادات ناشطين محليين إلى وقوع تجاوزات بيئية جسيمة على الشريط الحدودي لميسان.

وفي هذا السياق، يصف الناشط البيئي مرتضى الجنوبي، التوسع النفطي بأنه “سياسة أرض محروقة”، تُنفذ من دون الالتزام الكافي بالمعايير البيئية المنصوص عليها في العقود، والتي تُلزم الشركات بعدم تلويث البيئة بالمخلفات والتسريبات النفطية والمواد الكيميائية”.

ويوضح الجنوبي، أن “مساحات واسعة من المناطق الطبيعية الجميلة قد تحولت إلى مكبات نفايات ومستنقعات نفطية نتيجة التسريبات المستمرة، ما يبرز غياب الالتزام من الشركات، بخاصة الشركات الصينية العاملة في المحافظة خلال السنوات الماضية”.

تهديد للبيئة والصحة والثروات

يقول عباس عودة (67 عاماً)، أحد مربي الجاموس ممن يُطلق عليهم “عرب الأهوار”: “أطفالنا هم الضحية الأكبر، فقد أصبحت زيارة المستشفيات بسبب أمراض الجهاز التنفسي أمراً مألوفاً، فكل يوم نسمع عن حالات اختناق وحساسية صدر، وحتى الكبار منا اعتادوا على صفاء هواء الأهوار، وباتوا يعانون من سعال مستمر لا يتوقف”.

ويتابع بحزن: “لم نعد نرى السماء الزرقاء الصافية، بل سحباً دخانية تخنق رئة الجنوب كلها. هذه الأهوار التي كانت فردوسنا تحولت إلى كابوس دخاني لا ينتهي”.

ويعدّ الجاموس مصدر رزق حيوياً لسكان الأهوار في جنوب العراق، فهو ليس مجرد حيوان أليف، بل هو ركن أساسي في حياتهم التقليدية التي عمرها آلاف السنين، إذ يوفر مصدر دخل رئيسياً لهم عبر إنتاج الحليب والألبان واللحوم.

من جانبه، يحذر المهتم بالشأن البيئي أحمد الساعدي، من أن “البحيرات والبرك النفطية الناتجة من هذه المخلفات، تشكل خطرًا على الحياة البرية، إذ تسببت في هلاك أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة والكائنات البرية”.

يجد الساعدي، أن “المشكلة لم تعد مقتصرة على الانبعاثات الغازية، بل تجاوزتها إلى التوسع المستمر في الحقول وعمليات التنقيب”.

نشر باحثون عراقيون في جامعة المستنصرية في بغداد دراستين في عام 2024، استندتا إلى تحليل عينات من «المياه المعالَجة» في حقل الحلفاية، وهي المياه التي تُحقَن في الطبقات الجوفية لتسهيل الاستخراج ثم تُفصَل عن النفط وتُطلَق في البيئة. ووفقًا لهذه الدراسات، تحتوي هذه المياه المعالَجة على عناصر سامة مثل النحاس والكادميوم.​

وفي كثير من الأحيان، تُضَخّ هذه المياه الملوّثة، مع مياه الصرف الصحي غير المعالَجة، إلى نهر الكحلاء، وهو ما يلوّث المصدر الوحيد لمياه الأهوار الجنوبية ويُلوّث مياه الشرب والري في جميع المناطق الواقعة أسفل مجرى النهر، والذي يحتوي على مستويات عالية جداً من الملوِّثات.​

تقول توتال إنرجيز، في ردها على شركاء “درج” وMediapart، “استثمر الشركاء في حقل الحلفاية، الذين ما زالوا على تواصل مع الجهة الرقابية، في وحدة باتت الآن قيد التشغيل، تُعيد تدوير ومعالجة مياه الإنتاج، وتستخدم مياه مالحة تُضخّ من آبار عميقة لتقليص ضخّ المياه من النهر بشكل كبير”.

أعمال الاستكشافات النفطية 2025

أبرز ما كشفته دراسة خلف أنّ مدة عقد حلفايا هي عشرون سنة، لكن العقد مُدِّد عشر سنوات إضافية من دون أخذ موافقة مجلس النواب أو إطلاع الرأي العام العراقي.​ “حدث ذلك لأن العقد الأساسي، ينص على أنه بعد انتهاء عمليات الاستخراج النفطية، أي بعد عشرين سنة (عام 2030)، يفترض أن يعيد كونسورتيوم حلفايا تسليم الموقع كما كان قبل الاستخراج، وهو أمر غير ممكن عمليًا.​ هذا يُعدّ تلاعبًا قانونيًا، إذ ينص العقد على أن كونسورتيوم حلفايا لا يتحمّل مسؤولية أي ضرر بيئي يلحق بالموقع، وأن جميع الأضرار لا يتحمّلها لا المشغّل ولا الكونسورتيوم، بل الجانب العراقي؛ وبالتالي تصبح شركة نفط ميسان مسؤولة مباشرة عن إعادة الموقع إلى حالته قبل عمليات الاستخراج، وهو أمر مستحيل، ما يفسّر تمديد العقد عشر سنوات من دون علم أحد”. أمّا عن عدم توقيع عقد جديد، فيعتبر خلف أنّ الهدف الأساسي للإنتاج في العقد الأول كان 460 ألف برميل يوميًا، لكن بعد فترة تبيّن أنه لا يمكن الوصول إلى هذا الرقم بسبب الظروف البيئية لمنطقة الهور، وهي منطقة غير جافة؛ فعملية الاستخراج تتطلّب وقتًا طويلًا لتجفيف المنطقة بالكامل قبل بدء الإنتاج، ولذلك مُدِّد زمن العقد.​

“يجسّد حقل حلفايا النموذج الاستخراجي الافتراسي بأشدّ صوره وضوحاً؛ إذ لا تمارس الشركات الأجنبية دور المستثمر فحسب، بل تؤدّي أيضاً دور سلطة سيادية… 

وفي ردّها على تساؤلات رئاسة الوزراء، أشارت وزارة النفط، إلى أن عقد تطوير وإنتاج حقل الحويزة الحدودي المُحال إلى شركة “جيو-جايد” الصينية عام 2018 يتضمن “أفضل أنواع الممارسات الصناعية النفطية العالمية للحفاظ على البيئة”، مشيرة إلى تزويد وزارتي البيئة والموارد المائية بنسخ من تقرير “الأثر البيئي لحقل الحويزة النفطي للمرحلة الأساسية عام 2024” لغرض المصادقة عليه.

لم يرد كلّ من رئاسة الحكومة العراقية ووزارة النفط وشركة نفط ميسان، شركة جيو- جايد وشركة CNPC وشركة بتروتشاينا التابعة لها، على أسئلة فريق التحقيق.

في حين ردّت توتال إنرجيز على أسئلة فريق المشروع العامة وتلك المتعلقة بالعراق. بصورة عامة، اعتبرت توتال أنّ أرقام المشروع العالمية «لا تعكس الواقع على الأرض»، لأنها تمثل «تداخلًا نظريًا بين التراخيص والمناطق المحمية، على رغم أن جزءًا صغيرًا فقط من مساحة هذه التراخيص مغطى بالبنى التحتية». أمّا عن العراق، فأوردنا ردّها خلال هذا التحقيق، أهمّه أنّ شركة Tot alEnergies EP Iraq متنبِّهةً للقضايا المرتبطة بحقل الحلفاية، وتنخرط وتستخدم نفوذها كشريك لدى السلطات والمشغّل وسائر الأطراف المعنية.

واعتبرت شركة ENI، في رد لشركاء المشروع، أنّ الامتيازات المذكورة هي تراخيص استكشاف. وتشير الشركة إلى أنّه “في عام 2024، كانت هناك 32 امتيازاً للشركة في قطاع الاستكشاف والإنتاج تتقاطع مع 18 منطقة ذات أولوية للحفاظ على التنوع البيولوجي (بما في ذلك المناطق المحمية) حول العالم… إلّا أنّ الامتيازات التي لم تدخل بعد في مرحلة التطوير أو الإنتاج، أو غير المُدارة من إيني، أو التي لا توجد لها أصول تشغيلية فعّالة في منطقة التداخل – فلا تُدرَج ضمن الإفصاح الإجمالي في تقرير الاستدامة للشركة”.

ضعف الرقابة ونداء للأكاديميين

إلى ذلك، يرى أكاديميون ومتخصصون، أن الرقابة الفعلية على أداء الشركات النفطية لا تزال ضعيفة، مشيرين إلى أن هذه الشركات تُعتبر ذات أهمية اقتصادية قصوى، ما قد يعيق المساءلة والضغط للالتزام الكامل بالمعايير.

ودعا الدكتور محمد نعيم، الأكاديمي في جامعة ميسان، الناشطين إلى مجموعة من الإجراءات لمواجهة هذا التدهور البيئي، منها تعزيز الرقابة الحكومية، وتشكيل لجان تفتيش مستقلة ذات صلاحيات واسعة لضمان التزام الشركات.

من جهته، يصف الكيميائي منتظر السيد نور، حرائق هور الحويزة بأنها “كارثة بيئية وخطر صحي يهدد حياة المواطنين”، موضحًا أن الدخان المنبعث يسبب حُرقة في العيون، وأن هذا الأثر الكيميائي لا يمكن أن ينتج فقط من حرق القصب بفعل الحرارة، بل توجد أسباب أخرى”.

دور منظمات المجتمع المدني

إلى ذلك، يؤكد أسعد الكناني، عضو برنامج “حماة دجلة”، إحدى منظمات المجتمع المدني المهتمة بالمياه والتلوث، أن تمكين المنظمات البيئية من القيام بدورها الرقابي والتوعوي بات أمرًا “ملحًا” لمراقبة التحديات وتشخيصها، في ظل الانتهاكات البيئية الخطيرة وما يترتب عليها من تداعيات صحية وبيئية تهدد الوجود الطبيعي.

ويشير الكناني، إلى أن “فرض المعايير البيئية على أرض الواقع يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه السلطات والناشطين في ميسان للحفاظ على إرثها البيئي وطبيعتها الفريدة”.

صورة من قرية اميلحه هور السناف التابع لهور الحويزة كامتداد مائي يظهر شدة الجفاف. تصوير: حيدر الساعدي (درج/ العالم الجديد).

يشار إلى أن وكيل وزارة البيئة جاسم الفلاحي، لفت الأنظار بالكشف عن نزوح 68 ألف أسرة من مناطق الأهوار في صيف 2023 لـ”فقدانهم سبل العيش بعدما كانوا معتمدين على الزراعة وتربية الجاموس وصيد الأسماك والطيور”، لأسباب تعود إلى تراجع الرقع الزراعية وازدياد معدلات التصحر والعواصف الغبارية والرملية والجفاف.

وحذر الفلاحي من أن “النزوح الداخلي قد يكون مبررا للنزوح الخارجي، أو إنشاء عشوائيات على أعتاب مدن تعاني من نقص كبير بالخدمات، والتي ستكون مرتعًا للكثير من المشاكل الاجتماعية”.

يأتي هذا التحقيق ضمن سلسلة مشروع «الإبادة البيئية» (Fueling Ecocide)، الذي أُنجز بالتعاون بين 13 منصة صحافية دولية، تحت تنسيق «منظمة التحقيقات الاستقصائية البيئية» (Environmental Investigative Forum – EIF) وشبكة «التعاون الاستقصائي الأوروبي» (European Investigative Collaborations – EIC).
المنصّات الصحافية المشاركة:
Mediapart (فرنسا)، Reporters United (اليونان)، Domani (إيطاليا)، درج (لبنان)، InfoAmazonia (البرازيل)، InfoCongo (جمهورية الكونغو الديموقراطية)، Der Standard (النمسا)، The Bureau of Investigative Journalism/TBIJ (المملكة المتحدة)، El Espectador (كولومبيا)، 24.hu (هنغاريا)، Le Soir (بلجيكا)، Expresso (البرتغال)، و InfoLibre (إسبانيا).
حظي هذا التحقيق بدعم Journalismfund Europe و«الصحافة الاستقصائية من أجل أوروبا» (IJ4EU).
تحليل البيانات والبيانات الجغرافية: ليوبولد سالتزنستاين (EIF)، دفني كارافولا (Reporters United)، ألكسندر بروتيل (EIF)، ويان فيليبان (Mediapart).
التصميم الغرافيكي والرسوم التوضيحية: سيمون توبيه (Mediapart).