ورثت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 بلداً ملكياً تابعاً وفاسداً، لكنها ورثت أيضاً مقومات اقتصادية وبشرية وتعليمية وصناعية مهمة، إضافة إلى نواة مشروع نووي سلمي. وكانت ثورة محمد مصدق البرجوازية عام 1951 قد فتحت الباب أمام تطور اقتصادي وسياسي واعد قبل أن يُسقط النظام الملكي حكومة مصدق بدعم أميركي – بريطاني. ومذاك شهدت إيران احتجاجات وانتفاضات شاركت فيها مختلف الطبقات والإثنيات إلى أن أُسقِطَ نظام الشاه الملكي عام 1979.
غير أن الثورة لم تُفضِ إلى نظام ديمقراطي تعددي، بل أسست جمهورية إسلامية بزعامة الخميني، بعد إزاحتها القوى التي شاركت في الثورة من يساريين وليبراليين وقوميين وإسلاميين متنورين ونخب ثقافية وأكاديمية. وجعلت البلد يُراوح في المكان بل ويتراجع الى الوراء. فإذا ما قورن مسار تطور إيران بمسار دول كانت متقاربة معها في المستوى الاقتصادي مثل كوريا الجنوبية وتركيا، سيظهر حجم التأخر الاقتصادي والتكنولوجي الإيراني. إذ يبلغ متوسط دخل الفرد في إيران 4 – 5 آلاف دولار وتبلغ الموازنة 40 – 50 ملياراً، وفي تركيا يبلغ متوسط دخل الفرد 10 – 13 ألف دولار والموازنة 250 – 300 مليار، وفي كوريا الجنوبية يبلغ متوسط دخل الفرد 30 ألف دولار والموازنة 600 – 700 مليار. وظل الاقتصاد الإيراني أضعف منهما في مجالات الصناعة والتصدير والتكنولوجيا واستيعاب العمالة. بفعل الحروب والعقوبات والحصار، والعمى الأيديولوجي وسياسات النظام الداخلية والخارجية التي أدت دوراً أساسياً في هذا التراجع.
ولاية الفقيه وبناء نظام ثيوقراطي
أقام الخميني نظام “ولاية الإمام الفقيه” مؤسساً لإسلام سياسي شيعي وجمهورية إسلامية، جامعاً السلطات الدينية والسياسية والعسكرية بيد “الولي الفقيه” الذي أصبح القائد الأعلى للجيش والحرس الثوري وصاحب القرار النهائي في الحرب والسلم والسياسات العامة، والمشرف على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وعلى رغم وجود مؤسسات منتخبة مثل البرلمان والرئاسة ومجلس خبراء القيادة، فإنها جميعها خاضعة لسلطة الولي الفقيه، بما في ذلك مؤسسات الرقابة ومجلس صيانة الدستور.
أصبح النظام قائماً على مركزية دينية سياسية تحتكر الشرعية والقرار من خلال دمج الدين بالدولة والسياسة والأمن والاقتصاد والتعليم في أيديولوجيا واحدة، واقتصر التعدد السياسي على محافظين وإصلاحيين ضمن إطار الإسلام الشيعي. اللافت أن الدستور الجديد شَرَّع تصدير الثورة الإسلامية الى العالمين العربي والإسلامي بدءاً من البلدان التي ينتمي جزء من مواطنيها الى المذهب الشيعي كالعراق ولبنان واليمن. تتقاطع فلسفة الولي الفقيه مع “حاكمية الاخوان المسلمين في مسألة التشريع المستمد من الشريعة الإسلامية، مع رفض القوانين الوضعية التي تخالفها، أي الالتقاء على إسلامية الحكم ورفض العلمانية.
كبح تطور المجتمع
فرضت الجمهورية الإسلامية قيوداً واسعة على الحريات العامة والخاصة في حقول السياسة والثقافة والأكاديميا والإعلام، فحُظر التعدد السياسي، واقتصر التنافس على تيارات تنتمي معظمها إلى عقيدة الولي الفقيه. وبناءً على ذلك، تعرضت قوى المعارضة للقمع والاعتقال والإعدام.
تُعَد إيران من أكثر الدول تنفيذاً لعقوبة الإعدام، ومن أكثر الدول قمعاً للاحتجاجات الشعبية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، حيث سقط آلاف الضحايا والمعتقلين. تقدر منظمات حقوقية أنه أُعدم 40 ألف شخص منذ عام 1979 وحتى الآن، وروايات أخرى تتحدث عن إعدام 100 ألف.
أما النساء، فقد خضعن لقيود قانونية واجتماعية واسعة، بدءاً من الحجاب الإجباري وصولاً إلى قوانين جائرة في مجال الأحوال الشخصية والميراث والسفر، أفضت إلى تكريس سلطة أبوية دينية تستخدم إخضاع النساء مدخلاً لإخضاع المجتمع كله. وشهدت إيران نزيفاً مستمراً لهجرة الكفاءات والعقول بسبب الأزمة الاقتصادية والقمع وغياب الحريات الأكاديمية وانسداد أفق التغيير الديمقراطي.
أغلق النظام الأبواب أمام التغيير الديمقراطي الداخلي وعطل أو قمع كل ما يتعارض مع سلطته المستبدة، محدثاً تحولاً رجعياً داخل المجتمع الإيراني. وبذل النظام وأذرعه جهوداً كبيرة، بما في ذلك ممارسة الاغتيال أحياناً والإرهاب دائماً، لفك ارتباط النخب والرموز الثقافية المتنورة الشيعية، ومعها الفئات الاجتماعية الشيعية الفقيرة، عن الأحزاب اليسارية والعلمانية التي حاولت دمج نضال الطبقات الشعبية في مواجهة الاضطهاد والفساد والاحتلال بمعزل عن الانتماء الديني والمذهبي. وبهذا يكون النظام الثيوقراطي وفروعه قد وضعا الحواجز والمعوقات امام اندماج مكونات المجتمعات في وحدة وطنية أساسها حقوق المواطنة والمصلحة الوطنية المشتركة والحريات العامة والخاصة.
تصدير الثورة وبناء النفوذ
تزامن احتكار الإسلام الشيعي الحكم مع سياسة “تصدير الثورة” بنص دستوري واضح، ليفضي الى إنشاء تنظيمات وميليشيات تدين بالولاء للولي الفقيه. وتمكنت إيران من بناء قواعد سيطرة وانطلاق لها في عدد من الدول العربية. اعتقد الخميني أنه يمكن توحيد الإيرانيين ضد أميركا وإسرائيل والظفر بدعم الشعوب العربية والإسلامية وتأييدها في سياق توجّهه الى بناء إمبراطورية إسلامية جديدة. فسارع إلى تقديم خطاب “ثوري” يناصب العداء لأميركا بوصفها “الشيطان الأكبر” ويعتبر إسرائيل كياناً غير شرعي يجب إزالته، وفي الوقت نفسه وضع القضية الفلسطينية في مركز الاستخدام. كان خطاب الجمهورية الإسلامية شعبوياً صاخباً في العداء لأميركا بدون تهديد جدي للمصالح الأميركية والغربية، معتبراً الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية والشيوعية خطراً أشد.
على رغم ذلك نجحت شعاراته الشعبوية في البداية في استقطاب دعم حركات سياسية يسارية وقومية عربية وإسلامية وفي تأييد شعبي واسع، متجاوزاً التنازع التاريخي السني – الشيعي، وبخاصة في لحظات تصادمه مع أميركا وتصادم أذرعه مع إسرائيل. بيد أن سياسة “تصدير الثورة” لم تكن مجرد شعار، بل مشروعاً سياسياً – أيديولوجياً أثّر بعمق على علاقات إيران مع جيرانها، وساهم في تشكيل حالة من عدم الثقة والتنافس المستمر مع دول المحيط.
إخفاقات الاستراتيجية الإيرانية
أولاً: الامتثال الفلسطيني للاستراتيجية الإيرانية جلب الكارثة
كان لخطاب العداء لأميركا وإسرائيل وظائف عدة، منها التغطية على الطابع الاستبدادي للنظام وتبرير قمعه الداخلي، وتوسيع نفوذه الإقليمي مستفيداً من انبهار القوى القومية واليسارية ونخب ثقافية عربية بشعارات الموت لأميركا ولإسرائيل. هذه القوى كررت تذيلها للنظام الإيراني بمثل ما تذيلت لأنظمة صدام والأسد والقذافي وغيرهم لمجرد تقديمها خطابات العداء لإسرائيل والإمبريالية الفارغة من أي مضمون، ولكن مع وجود فرق بين ديكتاتوريات قومية شبه علمانية، وديكتاتورية ثيوقراطية تحكم باسم السماء.
الموقف الإيراني الديماغوجي تمثل بشعار إزالة إسرائيل والإدعاء أنها “أوهى من بيت العنكبوت” وأن ايران قادرة على “تدميرها في 7 دقائق”، وأن حزب الله قادر على تدمير المناطق الحيوية الاقتصادية والعسكرية في قلب إسرائيل، وتحرير الجليل وصولاً الى مشارف حيفا. هذه التقديرات المبنية على خلفية أيديولوجيا خلاصية، أعادت إحياء ثقافة حسم الصراع من خلال إزالة إسرائيل وتحرير فلسطين بأيدي إيران ومحور المقاومة الإسلامية.
في هذا السياق نجح النظام في استخدام القضية الفلسطينية والمقاومة الإسلامية كورقة مركزية للاستقطاب والحشد وتعزيز النفوذ. المفارقة أن إسرائيل استخدمت خطاب إزالتها للتنصّل من الحل السياسي الدولي الذي يدعو الى إنهاء احتلال أراضي عام 67 المؤيد من أكثرية ساحقة من دول العالم، وشنت حرب إبادة وتطهير عرقي وتهجير بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر لفرض حل فاشي عدمي يتنكر للحقوق الفلسطينية المشروعة المعتمدة دولياً.
كانت نقطة اللقاء بين السياستين الإيرانية والإسرائيلية هي إفشال كل مسعى الى الحل السياسي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والتعامل معه كصراع مفتوح. ومن غرائب الأمور ومفارقاتها أن حكومة نتانياهو اتبعت سياسة تقوية حكم حركة المقاومة الإسلامية – حماس – في قطاع غزة بـ 30 مليون دولار تدفعها قطر وتصل بالحقائب من الدوحة الى مطار بن غوريون الى غزة، لفصل القطاع عن الضفة ومنع الحل السياسي وإقامة الدولة الفلسطينية.
أسس النظام الإيراني فيلق القدس لتحرير القدس وفلسطين، واحتفل سنوياً بيوم القدس على امتداد 47 عاماً، وكان الانتظار المفتوح للتحرير سيد الموقف، الانتظار المنسجم مع الصراع المفتوح واستخداماته، والمتناقض مع حاجة الشعب الفلسطيني الملحة الى الخلاص من الاحتلال في المدى المباشر.
لم يسجل النظام الإيراني سابقة واحدة في دعم صمود الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، من خلال دعم التعليم والصحة والإسكان والتنمية والثقافة والمقدسات في القدس وقطاع غزة والضفة الغربية، ومن خلال دعم نضاله اليومي الفعلي للخلاص من الاحتلال. واكتفى بدعم كتائب القسام والجهاد المسلحة. وتغاضى عن حرب نظام الأسد ووكلائه ضد مخيمات صبراً وشاتيلا عام 1984، وعن طرد اللاجئين الفلسطينيين من بغداد ومدن أخرى وتهجيرهم الى الصحراء على أيدي مجموعات موالية له في العام 2003. وشجع النظام الايراني الانقسام الفلسطيني لصالح حركتي حماس والجهاد الاسلامي. وحول النضال الفلسطيني الشعبي العريق الى حرب مواجهة عسكرية غير متكافئة مطلقاً وموسمية، كانت تنتهي في كل المرات لصالح المحتلين وبشروطهم. أما طوفان الاقصى الذي كان بمثابة استعجال تطبيق الاستراتيجية الإيرانية، فقد أدى الى كارثة حقيقية ما زال الشعب الفلسطيني يشهد فصولها.
في المحصلة يجوز القول إن الامتثال الفلسطيني “للاستراتيجية”الإيرانية قاد الى تعميق الاحتلال وفتح الأبواب أمام التهجير والضم وتصفية القضية الفلسطينية، وساهم في الوصول الى فرض وصاية على السلطة والمنظمة والمجتمع والمعارضة، وبعد كل هذا الجحيم لم يتوقف المفاوض الإيراني عند الوضع الكارثي في غزة والضفة، فاختفت القضية الفلسطينية من مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ومن خطاب المسؤولين الإيرانيين.
ثانياً: إخفاق عسكري استراتيجي
بلغة ميزان القوى لم يكن صعباً التنبؤ بعجز النظام الإيراني ومحور المقاومة والممانعة عن هزيمة إسرائيل المتحالفة استراتيجياً مع أميركا والغرب. فامتلاك النظام الإيراني منظومة المسيرات، والصواريخ الباليستية، والشوط الذي قطعه في تخصيب اليورانيوم، وشبكة الأنفاق الضخمة -12 ألف كم-، وشبكة الميليشيات والأذرع المسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا وقطاع غزة… هذا المستوى من القوة لا يتناسب إطلاقا مع أهداف إيرانية كبرى من نوع طرد أميركا من المنطقة، وإزالة إسرائيل والتربع على عرش الإقليم. لا تتناسب قوة إيران العسكرية مع ترسانات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية الأحدث عالمياً، إضافة الى منظومات التجسس والاختراق وصولاً الى السلاح النووي. ولا يتناسب الاقتصاد الإيراني الضعيف والمحاصر والمعاقب معظم الوقت مع اقتصادات أميركا وإسرائيل الضخمة. ما يؤكد ذلك الفرق الهائل في الخسائر التي لحقت بإيران مقابل خسائر بشرية واقتصادية أقل بكثير لحقت بأميركا وإسرائيل، وخسائر اقتصادية قد تكون أكبر لحقت بدول الخليج العربي.
يقول تقرير للبنتاغون إن القوات الأميركية دمرت وأصابت 13 ألف هدف في إيران، مقابل رصد تدمير أو إصابة 30- 40 هدفاً أميركياً موزعة على 8 دول، إضافة الى عشرات الأهداف الإسرائيلية، وإصابة منشآت الطاقة وبنية تحتية في دول الخليج. وفي حين تقدر الخسائر الأميركية والإسرائيلية المباشرة بعشرات مليارات الدولارات، تقدر الخسائر الإيرانية ومعسكر المقاومة بمئات المليارات من الدولارات، على سبيل المثال يحتاج قطاع غزة وحده الى 70 مليار دولار لإعادة الإعمار.
إقرأوا أيضاً:
دُمرت جبهة غزة وشمال الضفة وخرجت من المعركة تماماً، وخسرت إيران سياسياً وعسكرياً في أهم ساحاتها وأقواها ساحة لبنان بعد تدمير عشرات القرى الجنوبية وإقامة منطقة عازلة على أنقاضها، وتهجير أكثر من مليون شخص، وبعدما أصبح سلاح حزب الله غير شرعي لبنانياً وعربياً ودولياً. وخسرت إيران عمقها الاستراتيجي في سوريا بعد انهيار نظام الأسد وسقوطه. وأصبحت ميليشيات العراق المسلحة التابعة لإيران أمام مأزق تسليم السلاح للدولة العراقية. ولا يقل وضع الحوثيين سوءاً بعد تدمير البنية التحتية وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
جسدت الخسارة فشلاً نوعياً لاستراتيجية إيران في الصراع مع إسرائيل وأميركا. وكشفت قصوراً فادحاً في أهلية النظام الإيراني ووكلائه في خوض صراع نفوذ في منطقة نفوذ الضواري – أميركا وإسرائيل – . وذلك بعدما أخفق تكتيكه في ردع إسرائيل وأميركا عن شن هجوم على إيران باستخدام فصائل وميليشيات المقاومة بعيداً عن حدود إيران.
تحتاج إيران الى سنوات طويلة لإعادة بناء وترميم البنية التحتية ومراكز الطاقة والمصانع والمنشآت وشبكات الطرق التي دمرها القصف الأميركي – الإسرائيلي. وعلى رغم ذلك كله يتعامل النظام وحزب الله وحماس كمنتصرين في الحرب استناداً الى بقاء النظام وأذرعه من دون انهيار او استسلام، واستمرار امتلاكه القدرة على إيذاء خصومه كتهديد مراكز الطاقة في الخليج العربي، وإغلاقه مضيق هرمز، وامتلاكه بنية تحتية لتطوير مشروعه النووي لاحقاً. ينحصر تكتيك النظام الإيراني حالياً في إلحاق أضرار ورفع تكلفة الصراع، وخلق أزمة طاقة، وأزمة مضائق اعتقاداً منه أن الخسائر ستدفع إدارة ترامب الى التراجع، لكنه يتجاهل الخسائر الهائلة التي تلحق به ويمكن أن تعيده سنوات طويلة الى الوراء.
ثانياً: فشلت استراتيجية المقاومة والممانعة الإيرانية في حل المسألة الوطنية. فقد بقي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والجولان السوري للسنة 59 على التوالي، وأعادت إسرائيل احتلال 67 – 70 في المئة من قطاع غزة، وتدمير 80 في المئة من المرافق والمؤسسات والمنازل والبنية التحتية وأكثر من ربع مليون ضحية بين شهيد ومصاب ومفقود، وتدمير بنية وروابط المجتمع الفلسطيني، واستباحة الأرض بالاستيطان وممارسة تطهير عرقي وشطب الحقوق في الضفة الغربية. وجاءت خطة ترامب وخارطة الطريق المنبثقة منها كأخطر نتيجة لمخرجات الإستراتيجية الايرانية، التي تدعو الى نزع السلاح، وإقصاء حماس من الحكم، وفرض وصاية على الوضع الفلسطيني برمته، وعمليا وُضع الحل الفاشي العنصري الإسرائيلي قيد التنفيذ. فيما ينص قرار مجلس الأمن على وقف حرب الإسناد التي بدأها حزب الله بالاستناد الى القرار 1701، الذي ينص على سحب سلاح حزب الله من جنوب الليطاني وتطبيق قرارات سابقة تنص على تسليم سلاح حزب الله للدولة اللبنانية، حدث ذلك بعد تدمير كبير لبنية المقاومة العسكرية واللوجستية التي أشرفت إيران على بنائها، وفي المحصلة عاد الاحتلال الى قطاع غزة وجنوب لبنان.
وكانت الاستراتيجية الإيرانية فشلت أمام داعش والقاعدة التي سيطرت على أجزاء كبيرة من أراضي العراق وسوريا بسرعة كبيرة. كما فشلت الاستراتيجية الإيرانية في الحد من علاقات التبعية السياسية والاقتصادية لدول الخليج، بل ساهمت في دفعها الى التحالف مع إسرائيل. لإخفاق الاستراتيجية في حل المسألة الوطنية صلة بمفهوم الخميني الذي قدم الرابطة الدينية والمذهبية على الرابطة الوطنية. وكانت الترجمة الأولى هي تفكيك وقمع المقاومة الوطنية اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي لصالح المقاومة الإسلامية التي بدأها حزب الله، وفي الحرب الحالية أصبح دفاع حزب الله عن الجمهورية الإسلامية والولي الفقيه أهم بما لا يقاس من الدفاع عن لبنان الوطن والشعب.
ثالثاً: قدم النظام الإيراني نموذجا من التدخل السافر الذي يخفي أطماعه القومية الإمبراطورية، استناداً الى أيديولوجيا خلاصية تشرعن استباحة دول وتقرر الحرب والهدن ومصير ومستقبل شعوب من طرف واحد وبالضد من مصالحها. على سبيل المثال، سيطر النظام الإيراني على قرار الحرب وقرار وقفها في لبنان، وزج هذا البلد من خلال حزب الله في حرب إسناد غزة، ثم في حرب إسناد ايران بعد اغتيال الولي الفقيه، ولم يكترث بالخسائر البشرية والمادية والنكبة التي لحقت بالشعب اللبناني في الجنوب، فرفض النظام الإيراني اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه الحكومة اللبنانية مع إسرائيل، ورفض تفاوض الحكومة اللبنانية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لـ 10 في المئة من الأراضي اللبنانية غير آبه برغبة أكثرية الشعب اللبناني في وقف الحرب، مقدماً شكلاً من أشكال الوصاية المرفوضة من أكثرية اللبنانيين. ترك غزة تُباد، وترك إسرائيل تستفرد بحزب الله ولم يدخل المعركة إلا بعد تعرضه للهجوم. واستخدم النظام الإيراني ميليشياته في العراق لضرب مراكز الطاقة والمياه والبنية التحتية في دول الخليج العربي بدعوى ضرب القواعد الأميركية، وواصل النظام تهديده بضرب حقول النفط في تلك البلدان.
كانت أخطر ممارسة للنظام وأذرعه هي مقاومة وقمع التغيير الديمقراطي داخل تلك البلدان، ودفاعه عن الفساد والأنظمة المستبدة وقمع الانتفاضات الشعبية التي طالبت بالحرية والخبز والكرامة والديمقراطية، ولم تتورع أذرع النظام عن اغتيال المعارضين. وقد سهلت ميليشياته سرقة المال العام – نموذج العراق – والإتجار بالمخدرات ونشرها في الإقليم. السؤال الذي يطرح نفسه: كيف بوسع المواطن العادي في بلدان النفوذ الإيراني أن ينتمي أو يعول أو يدعم أو يتعايش مع نظام وميليشيات تمارس الاستبداد والقمع والإرهاب وترعى الفساد؟
رابعاً: نزع القيمة الإنسانية للبشر
لا يتورع أقطاب المحور الإيراني عن وجود خسائر بشرية ومادية واقتصادية مهما بلغت شدتها وأصبحت فوق طاقة البشر، لا يحترمون الحق في الحياة بمثل ما لا يحترمون الحق في التعبير والاختلاف والنقد، لا يتورعون إذا دخل الاقتصاد في أزمة حادة، ولا الدخول في حروب تكون نتيجتها تدمير الديناميات المادية والاجتماعية والصناعة لتطور المجتمع الإيراني وتطور المجتمعات التي تسيطر عليها الأذرع، ولا يقيمون وزناً للعزلة الدولية التي يعيشها المجتمع الإيراني طوال 47 عاما. ومن الأمثلة على ذلك خسائر الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة وخسائر الشعب اللبناني في الجنوب وضاحية بيروت لبنان، والخسائر الضخمة في إيران. إن افتقاد قيادات المحور أي حساسية تجاه عذابات شعوبهم، أدى الى عدم حرصهم على وقف الحرب وتفادي التدمير والتهجير والكلفة الضخمة التي أعادت إيران وفلسطين والجنوب اللبناني واليمن والعراق سنوات طويلة للوراء. يعود هذا الموقف غير المسؤول الى أيديولوجيا تمجيد الموت، وتبرير الخسائر والمحن بالابتلاء الإلهي ومكافأة الضحايا بالجنة، وتخوين الرأي الآخر والنقد والسؤال، وتكريس معادلة الحاكم والرعية على قاعدة السمع والطاعة والتبرير والتضليل. بهذا المعنى لا يوجد خيار ديمقراطي ولا تبادل سلمي للسلطة ولا تغيير أنظمة حكم فاسدة ومستبدة الى ما لا نهاية، والاستعاضة عن ذلك بتكريس الطائفية وحكم الولي وطاعته، ودونية النساء وسلطة ذكورية أبوية دينية.
خامساً: عزلة النظام الإيراني
هذه الحرب ليست كغيرها من الحروب، فقد خلا مسرح الحرب من اصطفاف دولي مباشر مع النظام الإيراني، وكان من اللافت أن هذا النظام لم يحظ بأي دعم وتضامن باستثناء دعم فصائل وميليشيات المحور الإيراني وبعض قوى اليسار الدائرة في فلكه. وبقي الاصطفاف غير المباشر غامضاً، لا سيما من حليفيه المفترضين روسيا والصين، بينما اقتصر موقف باكستان على الوساطة ولاذت الهند بالصمت ولم تدافع كل الفعاليات الدولية المناهضة للحرب عن النظام الإيراني، بل اقتصر دفاعها على حياة الإيرانيين وبنيتهم التحتية وحضارتهم. هذه الحرب تنتمي الى حروب الهيمنة والنهب الاستعماري الأميركي – الإسرائيلي من جهة وحرب توسيع النفوذ والسيطرة الإيرانية التي لا تخلو من أطماع ذات طبيعة استعمارية، ولا يوجد بين القطبين المتحاربين من ينتصر لحرية الشعوب ومنظومة قيم التحرر وتقرير المصير والتعايش بين الشعوب.
سادساً: رفض القانون الدولي كمرجعية
تتشارك إيران مع إدارة ترامب وحكومة نتانياهو وعدد من الدول الشمولية في انتهاك القانون الدولي، فالإدارات الأميركية تُخضع القانون الدولي لتعزيز الهيمنة والنهب وتضع إسرائيل فوق القانون حتى وهي ترتكب حرب الابادة. وإسرائيل تستبدل القانون الدولي بأيديولوجيا أرض إسرائيل والشعب المختار، أما الجمهورية الاسلامية وأذرعها فيتبنون أيضاً أيديولوجيا خلاصية لا تحترم القانون ومنظومة المواثيق والاتفاقات، وحق تقرير المصير فتستبيح سيادة الدول، ولا تكترث بقانون البحار الذي ينطبق على مضيق هرمز ويعتبره مضيقًا حراً للملاحة الدولية ويخضع لمبدأ حق السفن في المرور الآمن المستمر والسريع، ولا يجوز للدول المشاطئة تعطيله.
بعد تجربة طويلة ومريرة، هل تستطيع فلسطين اعتماد استراتيجية إيرانية تقود الى الانتحار وشطب قضيتها؟ وهل يقبل لبنان والعراق واليمن دخول حروب على مقاس الطموح الإقليمي الإيراني الإمبراطوري غير المشروع، وهل تقبل هذه الدول باستمرار سيطرة ميليشيات على الدولة وإعادة بلدانها الى ما قبل الدولة؟
الى متى يستمر حشر الشعوب بين ثنائية غطرسة العسكرية الاستعمارية الإسرائيلية – الأميركية، والعمى الأيديولوجي ممثلاً بالولي الفقيه الإيراني وحاكمية الإخوان المسلمين. ألا يوجد خيار تحرري بديل للثنائية التي تغذي بعضها البعض؟ وهذا التعنت هو اخفاق إيران السابع وربما الأكثر خطورة.











