هل يفتح قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ومصر ولبنان كجماعات إرهابية، الباب أمام مرحلة جديدة في علاقة عمّان بالإسلام السياسي؟ وهل بإمكان حزب “جبهة العمل الاسلامي”، الذراع السياسية للجماعة، أن يحتفظ بمساحته في المشهد البرلماني الأردني في ظل مناخ دولي ضاغط ومشهد داخلي حافل بالحساسيات؟
هذه الأسئلة تبرز وسط صمت إخواني ورفض حزب جبهة العمل الإسلامي التدخل الخارجي في الشأن الأردني، مقابل تصريحات حكومية تؤكد الالتزام بالدستور والقانون وسيادة الدولة. بذلك يجد الأردن نفسه في تقاطع حساس بين ضغوط دولية وتحولات إقليمية، وبين إرث تاريخي مع الحركة الإسلامية وجذورها الاجتماعية والسياسية.
خلفية القرار الأميركي
في قلب المشهد، يأتي التصنيف الأميركي الذي يعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مستقبل الإسلام السياسي في المملكة، وموقع جماعة الإخوان بعد حلّها قانونياً، وحدود الفصل بين الجماعة المحظورة والحزب الذي حقق عام 2024 أكبر كتلة نيابية معارضة في تاريخه بحصوله على 31 مقعداً.
هذا السياق لا يمكن فصله عن منظور الدولة التي تعيد التذكير بأن ملف الجماعة محسوم قانونياً منذ سنوات، وعن تحذيرات خبراء يرون أن التداعيات السياسية والمالية قد تتوسع لاحقاً إذا ما شمل التصنيف أفراداً أو كيانات تابعة للحزب أو قريبة منه.
الحكومة الأردنية أوضحت من خلال وزير الاتصال الحكومي محمد المومني، أن الأردن يدير الملفات وفق أحكام الدستور والقانون وبما يخدم المصلحة العليا للدولة، في إشارة إلى أن القرار الأميركي لن يفرض تلقائياً تغييراً في المسار القانوني المحلّي.
لكنّ سؤالاً آخر يفرض نفسه: هل يقود هذا المناخ إلى إعادة تعريف موقع الحزب في الحياة السياسية الأردنية، أم أنه مجرد ضغط خارجي يضاف إلى تعقيدات قائمة؟
التداعيات القانونية والسياسية: رؤية الخبراء
في قراءة أولية للتداعيات، يرى الخبير في الجيوسياسية والأمن الوطني عامر السبايلة، أن الحزب، باعتباره الجناح السياسي للجماعة، قد يواجه تبعات قانونية وسياسية إذا ما أدرجت الجماعة على قوائم الإرهاب الأميركية. بالنسبة إليه، يمكن أن يمتد التصنيف لتطاول آثاره فروع الحزب وأعضائه، حتى في حال تغيير الهوية أو الخطاب أو الأدبيات بهدف التحايل على القيود ومحاولة الفصل عن الجماعة الأم، لكن الإدارة الأميركية تدرك عمق الروابط الأيديولوجية والتنظيمية، ولا تعتبر التغييرات الشكلية كافية لتغيير الموقف.
من الناحية القانونية المحلية، تبدو المسألة أكثر تحديداً. المحامي الحقوقي أحمد السواعي يوضح أن المسؤولية الجنائية أو المدنية لا تقوم إلا إذا ثبت تعامل مالي أو دعم مباشر أو غير مباشر لجهة محظورة وفق القانون الأردني أو لقرارات دولية ملزمة، وأن مجرد صدور تصنيف أجنبي لا يبرر بذاته الملاحقة القضائية داخل الأردن ولا يصلح كدليل إدانة.
الحزب والإخوان: استقلال تنظيمي أم تداخل بنيوي؟
حزب جبهة العمل الإسلامي شدد في تصريحات أمينه العام وائل السقا على استقلاليته الكاملة بوصفه حزباً سياسياً أردنياً، مؤكداً استجابته لقرار المدعي العام والضابطة العدلية بتفتيش مقرات الحزب وفروعه وفتحها للتدقيق والتوقيع على المضبوطات القانونية. هذا الخطاب يتجه نحو تثبيت مسافة بين الحزب والجماعة.
لكن في المقابل، يرى المتخصص في الجماعات الإسلامية أحمد العكايلة أن الجميع يدرك وجود ترابط مباشر بين الحزب والجماعة، يتجلى في المقرات والأفراد والتمويل والخطاب السياسي والفكري، ما يجعل خطاب الفصل بين الجناحين أقرب إلى خيار سياسي منه إلى حقيقة تنظيمية كاملة.
في هذه الأثناء، تتباين الروايات بشأن مستقبل الحزب: هل تتجه الدولة إلى احتوائه والاستفادة منه في توازنات سياسية داخلية أم نحو تضييق متدرج؟ تصريحات قيادية وبرلمانية تشدد على الالتزام بالدستور والقانون وعلى استقلاليته، فيما يشير تاريخ العلاقة إلى مسار طويل من التعاون السلمي مع الدولة على رغم الحظر المفروض على الجماعة الأم.
من جهة أخرى، يرى خبراء أن مراكز القرار الأردنية ليست على موقف واحد: فريق يدعو إلى حل الحزب تجنباً لأي تهديد محتمل، وفريق آخر يعتبر استمراره ضرورياً لحماية التوازن الداخلي. يعود السؤال هنا إلى حدود تأثير الضغوط الخارجية في رسم هذا المسار.
إقرأوا أيضاً:
في هذا السياق، أشار النائب عن الحزب ينال فريحات خلال مقابلة تلفزيونية، إلى أن الحزب أردني مستقل وأن العلاقة بين الدولة والإخوان كانت نموذجية تاريخياً، مؤكداً عدم لجوء التنظيم الى العنف على مدى ثمانين عاماً، وتمسك الحزب بالدستور والقانون، والتعبير عن أسفه لقرار الحظر.
مروان شحادة، الخبير في الجماعات والحركات الإسلامية، يقدّم مقاربة أكثر استراتيجية: ثمة انقسام في مراكز صنع القرار حول مصير الحزب، إذ يرى فريق أن الحل ضروري حتى لو تعارض مع مشروع التحديث السياسي، بينما يرى آخرون أن ذلك قد يضر بالحياة السياسية ويحرم الساحة من القوة الوحيدة القادرة على مواجهة “مشروع الوطن البديل” الإسرائيلي، مستندين إلى قدرة الحزب على الحشد الشعبي وحضوره البرلماني. شحادة يستبعد تصنيف الحزب كجماعة إرهابية حالياً لكنه يرجح زيادة الضغوط وربما التفاوض لتغيير الاسم وإزالة الصبغة الإسلامية انسجاماً مع المناخ الدولي المناهض لمشاريع الإسلام السياسي.
قرار ليس وليد اللحظة
لم يصب القرار الأميركي فرع الأردن وحده، فوزارة الخارجية الأميركية صنّفت الفرع اللبناني للإخوان كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، وهو أعلى تصنيف، بينما حصل فرعا الأردن ومصر على تصنيفات من وزارة الخزانة بوصفهم “إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص” بسبب دعم حركة حماس.
المومني أعاد التذكير بأن جماعة الإخوان في الأردن محظورة منذ عام 2020 وأن جميع أنشطتها حُظرت في نيسان/ أبريل 2025. في المقابل، يشير السبايلة إلى أن القرار الأميركي جاء نتيجة متابعة دقيقة لسنوات على خلفية دعم حماس ودور الجماعة في تأجيج الرأي العام ونشر أفكار تصفها واشنطن بالمتطرفة.
في المقابل، أصرّ رئيس كتلة الحزب النائب صالح العرموطي خلال جلسة تشريعية، على أن الأردن دولة ذات سيادة لا تتأثر بقرارات خارجية، وأن الكتلة حريصة على وحدة الصف ورفض التدخل بالشأن الأردني.
أما شحادة فربط التصنيف بمحاولة أميركية لإعادة رسم الشرق الأوسط بما يخدم “المشروع الصهيوني”، مؤكداً أن القرار يضع صانع القرار الأردني أمام تحديات معقدة، ومعتبراً أن قرارات ترامب تتسم بالنزعة إلى فرض السيطرة بالقوة وبالبلطجة السياسية.
وعلى رغم أن الحزب لا يزال مرخصاً قانونياً في الأردن ويخضع لرقابة الهيئة المستقلة للانتخاب، إلا أن علاقته التاريخية بالجماعة المحظورة تضعه في دائرة الاستهداف، خصوصاً مع استمرار ارتباط كثير من أعضائه بالإخوان.
السواعي شدد على أن الحزب يتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة، وأن أي تصنيف صادر عن دولة أجنبية لا يترتب عليه أثر قانوني مباشر داخل الأردن، وأن العبرة بالالتزام بالقانون الوطني لا بالتصنيفات الخارجية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
في تقدير مراقبين، يتداخل الملف الأردني مع القضية الفلسطينية تاريخياً، وللإخوان ارتباط وثيق بحركة حماس التي تأسست انطلاقاً من “إخوان الأردن” في ثمانينات القرن الماضي، وهذا يجعل الحسابات أكثر تعقيداً. في التعاطي الرسمي، هناك فريق يرى الحزب جزءاً من التوازن السياسي ويميل الى استيعابه، بينما يرى آخر ضرورة إنهاء ملف الإخوان والحزب معاً استجابة لضغوط دولية وإقليمية واعتبارات داخلية.
العكايلة يطرح أسئلة مفتوحة: في حال استمرار الحزب فما هي صيغة هذا البقاء؟ هل يشمل تغييراً في الأنظمة الداخلية والأيديولوجيا والأفكار؟ وهل يؤدي ذلك إلى فك الارتباط بالتنظيم الدولي والفكر الإخواني؟ ويضيف أسئلة حول البرلمان إذا ما توسعت القرارات الأميركية لتشمل أسماء كيانات سياسية ومالية وأفراداً، قد يكون بعضهم نواباً، بما يضع الدولة في حرج.
الدولة من جانبها، استبقت جزءاً من هذا المشهد بحل الجماعة ومحاكمة شخصيات في قضايا تتعلق بغسيل الأموال وجمع التبرعات مثل المراقب العام السابق مراد العضايلة الذي يرتبط مباشرة بالحزب وشغل سابقاً منصب أمين عام له. كما أصدرت هيئة الإعلام تعميماً يحظر بث أو نشر تصريحات أو مقابلات أو بيانات للجماعة عبر وسائل الإعلام.
خاتمة مفتوحة
وسط هذه المعطيات، تقف عمّان أمام معادلة دقيقة تجمع بين السيادة الوطنية والقرار الأميركي وتعقيدات المشهد الداخلي وحضور الحزب في البرلمان. وبينما تصر الحكومة على أن ملف الجماعة حُسم قانونياً منذ سنوات، تشير قراءة الخبراء إلى أن التداعيات قد لا تقف عند هذا الحد إذا ما توسعت لتشمل الأفراد والكيانات المالية والسياسية.
في النهاية، يبقى مصير الحزب مرهوناً بثلاثة عوامل متشابكة: قدرته على إعادة تعريف نفسه سياسياً وتنظيمياً، وكيفية إدارة الدولة للملف من دون الإضرار بمسار التحديث السياسي أو زعزعة التوازن الداخلي، ومدى استمرار الضغوط الخارجية على الإسلام السياسي في المنطقة.
تم نشر هذا المقال ضمن تعاون مع “الأكاديمية البديلة للصحافة العربية”












