fbpx

الإنترنت وقد “لوّثه” الذكاء الاصطناعي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

معظم الأشخاص الذين ينشرون المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي اليوم، بحكم تعريفهم، لا يهتمون كثيراً بالنوايا أو الإبداع أو صقل المهارات أو إيصال الأفكار أو الجودة العالية بشكل عام، بل بإخراج أكبر قدرٍ من المواد والمحافظة على مؤشرات ارتفاع الأرقام الخضراء، والمشاركة في جوقة صخب المحتوى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ليس بإمكان مستخدم الإنترنت اليوم ألا يكون صادف واحداً من تلك الفيديوهات، التي دائماً ما تبدأ بصوت ناطق تيك توك الآلي (أو ناطقته)، وغالباً ما تحمل عنواناً من قبيل “5 حقائق ستنقذ حياتك يوماً ما”، وتتكون من مجموعة نصائح أو “معلومات” ركيكة، لا أساس لها من الصحة، يرويها الناطق الآلي وتظهر في الخلفية مجموعة من المقاطع القصيرة العشوائية التي لا معنى لها، أو الأسوأ منها، فيديوهات اختبار قدرات أنواع مختلفة من السيارات على القفز وتجاوز الحُفر وجدران الحاويات والمطارق العملاقة.

غالباً ما تكون الحسابات الناشرة لهذا النوع من المحتوى، المولّد كاملاً بالذكاء الاصطناعي، حديثة، لكنها تحظى بمتابعة وتفاعل بالغي الضخامة من “جيوش” من الروبوتات، تضاعف مؤشرات الإعجاب، تُغرق المحتوى بتعليقات غالباً ما تكون مجرد رموز تعبيرية، وتشارك المقاطع في ما بينها، فتضخّمها خوارزميات الاقتراح لتصل في نهاية المطاف إلى المستخدم، وكأنه الشاذ البشري الوحيد في دورة إنتاج روبوتية.

تشير التقديرات إلى أن نحو 10 بالمئة من المحتوى الموجود على الإنترنت اليوم مولّد بالذكاء الاصطناعي، تتوقع أخرى بأن تقفز تلك النسبة إلى 90 بالمئة بحلول عام 2026 ما لم يتم اتخاذ إجراءات صارمة تنطوي على تكاتف جهود المشرّعين والشركات المطورة والمستخدمين أنفسهم لمجابهة الظاهرة، وفيما ينشغل المشرّعون بقضايا قد تعتبر “أهم” لدى البعض، تعمل الشركات على تعميق المشكلة، ويحتفي أبرز “صنّاع المحتوى” بتوافر المزيد من الأدوات التي تسهّل عملية التلويث هذه.

 “منحدر” الذكاء الاصطناعي

صاغ خبراء التكنولوجيا مصطلحاً للمحتوى الذي أُنشئ باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل أساسي لتحقيق الدخل، “منحدر الذكاء الاصطناعي” (على افتراض أنها الترجمة الأسلم للمصطلح الأصل “AI Slop”، والذي من المرجح أن يشيع كباقي مصطلحات ثقافة الإنترنت كما هو “سلوب”، على غرار “سبام” و”ترول”)، والذي يصف تدفق المواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي ويتم تحميلها على الويب بشكل عشوائي للاستهلاك العام، كما الأمثلة الواردة في المطلع.

الـ “سلوب” هو محتوى أُنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي – نصوص وصور وفيديوهات على حد سواء – لإغراق الإنترنت بمواد غزيرة لكن منخفضة الجودة ولا تدّعي العكس. تهدف هذه المواد إلى جذب دخل من الإعلانات والتأثير على تصنيفات محركات البحث ونتائجها. ويكون نموذج العمل الأساسي لهذا الاتجاه كالتالي: عدد قليل من النقرات والمشاهدات على هذه المواد المصممة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تغطي الحد الأدنى من تكاليف الإنتاج، ولا يوجد سقف لكمّ المواد الممكن نشرها، ما يجعل النتيجة مربحة في النهاية.

تؤثر هذه الظاهرة في جانبين أساسيين، الأول هو تشويش نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي نفسها؛ التي تتغذى دورياً على ما يُنشر، وبالتالي ازدياد تدرّبها على مواد مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وبالتالي تدني النتائج مستقبلاً بشكلٍ تدريجي (وهذا ما حدث بالفعل مع تشات جي بي تي في المحتوى المكتوب).

الأثر الثاني هو تشويه المحتوى المرئي على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً فيسبوك، حيث غالباً ما تكتسب الصور المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي جذباً “فيروسياً”، ومن الأمثلة المتكررة على ذلك بروز حسابات، بوصول مليونيّ، تنشر صوراً غريبة ذات طابع ديني غالباً، مثل صورة طائرة حربية مقاتلة على شكل مصحف. وعلى الرغم من أن هذه الصور قد تثير التسلية والسخرية، إلا أنها تلعب دوراً في نشر المعلومات الخاطئة والتضليل (كما حصل مع صورة “كل العيون على رفح” الشهيرة) وتشويش المجال الرقمي.

قد يكون من الصعب جداً إعادة الإنترنت إلى سابق عهده، لكن ربما نكون على وشك خسارة أحد أهم كنوز العصر الرقمي إذا استمرّ في مساره الحالي.

 “الإنترنت الزومبي”

صاغ الصحافي التقني جيسون كوبلر من موقع 404 Media المتخصص مصطلح “الإنترنت الزومبي” لوصف هذه الظاهرة، إذ تختلط الروبوتات والحسابات المزيفة والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي والمستخدمين الحقيقيين، ما يخلق تجربة فوضوية وغير منطقية على الإنترنت في كثير من الأحيان. ويمثل هذا الوضع مشكلة للمستخدمين والمُعلنين، الذين يعتمد على أموالهم الكثير من منشئي المحتوى المجاني على الإنترنت؛ إذ يضيق يوماً بعد يوم هامش التمييز بين الإعلانات الحقيقية وتلك الناتجة من الذكاء الاصطناعي، ما يقوض ثقة الإعلانات الرقمية وفعاليتها.

ومع تزايد تدهور المحتوى، فإن الجهود المبذولة لوقف انتشاره ما زالت متأخرة وغير جادّة، وما إذا كان موضوع إطلاق التسميات، كـ “سلوب” و”الإنترنت الزومبي”، لوصف المشكلة وتحديدها سيحفز الحركة ضد المواد منخفضة الجودة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يبقى مسألة تخمين. لكن استمرار انتشاره يشير إلى الطبيعة الملحّة للمشكلة؛ وهي أننا ننتج المحتوى بشكل أسرع بكثير مما نستهلكه.

 ميلاد اقتصاد الانتباه

تعود جذور هذه المشكلة إلى بداية ظهور المطبعة. ولكن منذ ظهور “الويب 2.0” – الذي أتاح الفرصة لـ “إنشاء” المحتوى من المستخدم العادي وإن لم يكن مالكاً أو مشغّلاً لموقع إلكتروني – لم يعد الأمر مجرد مشكلة بل معضلة شبه مستحيلة الحل. كل عام، ينضم المزيد والمزيد من الناس إلى نادي “صنّاع المحتوى”، وتدعو “الكورسات” وشركات “التسويق الشخصي” إلى ذلك. 

إلا أن قدرتنا على استهلاك المحتوى تبقى ثابتة، وقائمة المقالات والمقاطع غير المنتهية المحفوظة للمطالعة لاحقاً لدينا جميعاً خير دليل. خلقت هذه الحقيقة التي لا مفر منها ديناميكية غير متوازنة: تنافس “المنشئون” لجذب الجمهور والاحتفاظ به، وولادة اقتصاد الانتباه سيئ السمعة.

خلال الأيام الأولى للويب 2.0، كان الحل واضحاً ومباشراً. تمت مشاركة المحتوى عالي الجودة بشكل أكبر، وبالتالي، مع مرور الوقت، تم استهلاكه بشكلٍ أكبر. إذ تصفح مستكشفو الإنترنت الأوائل المناطق المجهولة من الإنترنت وأعادوا نشر وتدوير ما رأوه مناسباً (كذلك الأمر بالنسبة الى المحتوى “السيئ”، لكنه بقي حبيس المواقع والمنتديات المخصصة لنشره). لكن ظهور محركات البحث القوية المعززة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة التوصية التي يسيطر عليها عدد قليل من اللاعبين الكبار أدى إلى انهيار اللعبة.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي أول المواقع التي استغلت هذه التكنولوجيا، فالصفحات الرئيسية القائمة على الخوارزمية هي من تولّت مهمة فرز المعلومات وتصنيفها وتقديمها “جاهزة”. وكان الهدف، في ما يبدو من تجربة نحو العقدين من الزمن لتلك الوسائل، هو تخصيص نوع المحتوى الذي نستهلكه، ففوّضنا عملية البحث عن القيمة على الإنترنت للخوارزمية، ودفعنا الثمن. إذ نجح الإنترنت، الذي كان ذات يوم أداة لإنشاء المعرفة والترفيه ومشاركتها واستهلاكها، في جعلنا مستهلكين سلبيين من خلال التمرير الذي لا ينتهي نحو الأسفل للحصول على جرعتنا اليومية من المحتوى.

ثم بدأ فيضان الذكاء الاصطناعي. في السنوات الأخيرة، أصبحت النماذج اللغوية القائمة على الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة وأدوات توليد النصوص والصور رخيصة الثمن وسريعة ويمكن الوصول إليها وقابلة للتطوير، لكنها في المقابل تضع العملية الإبداعية وجهاً لوجه أمام الكسل، وتسمح للأخير بالانتصار. فعمليات الكتابة أو التصوير أو المونتاج أو العزف، إن كان المرء يحبها، تكون مصدر متعة، أما إن لم يحبها، فتصبح شاقةً بطيئة ومتعبة. نماذج الذكاء الاصطناعي تحل ذلك.

 لعنة المحتوى

يجادل قائل بأن هناك بالفعل الكثير من المحتوى منخفض الجودة على الويب وأنها ليست ظاهرة جديدة، وهذا صحيح بالطبع، فمزارع المحتوى وفيديوهات “شاهد قبل الحذف” موجودة منذ بداية الإنترنت، ولكن ماذا سيحدث إذا ضاعف منشئو هذا المحتوى إنتاجهم بمقدار 100 ضعف، إذ لا تتعب الآلة من توليد المواد؟ توجد بالفعل محاولات لضبط ظاهرة نشر الكتب المولّدة بالذكاء الاصطناعي التي تُغرق أمازون باللغة الإنكليزية، وعلى رغم عدم وجود محاولة عربية لرصد تلك الظاهرة، تكفي الإشارة إلى أن إحدى أبرز نصائح “البزنس” التي انتشرت بين “رياديي الإنترنت” أخيراً هي تأليف الكتب عبر تشات جي بي تي ونشرها للبيع.

معظم الأشخاص الذين ينشرون المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي اليوم، بحكم تعريفهم، لا يهتمون كثيراً بالنوايا أو الإبداع أو صقل المهارات أو إيصال الأفكار أو الجودة العالية بشكل عام، بل بإخراج أكبر قدرٍ من المواد والمحافظة على مؤشرات ارتفاع الأرقام الخضراء، والمشاركة في جوقة صخب المحتوى. قد يكون من الصعب جداً إعادة الإنترنت إلى سابق عهده، لكن ربما نكون على وشك خسارة أحد أهم كنوز العصر الرقمي إذا استمرّ في مساره الحالي.

08.07.2024
زمن القراءة: 6 minutes

معظم الأشخاص الذين ينشرون المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي اليوم، بحكم تعريفهم، لا يهتمون كثيراً بالنوايا أو الإبداع أو صقل المهارات أو إيصال الأفكار أو الجودة العالية بشكل عام، بل بإخراج أكبر قدرٍ من المواد والمحافظة على مؤشرات ارتفاع الأرقام الخضراء، والمشاركة في جوقة صخب المحتوى.

ليس بإمكان مستخدم الإنترنت اليوم ألا يكون صادف واحداً من تلك الفيديوهات، التي دائماً ما تبدأ بصوت ناطق تيك توك الآلي (أو ناطقته)، وغالباً ما تحمل عنواناً من قبيل “5 حقائق ستنقذ حياتك يوماً ما”، وتتكون من مجموعة نصائح أو “معلومات” ركيكة، لا أساس لها من الصحة، يرويها الناطق الآلي وتظهر في الخلفية مجموعة من المقاطع القصيرة العشوائية التي لا معنى لها، أو الأسوأ منها، فيديوهات اختبار قدرات أنواع مختلفة من السيارات على القفز وتجاوز الحُفر وجدران الحاويات والمطارق العملاقة.

غالباً ما تكون الحسابات الناشرة لهذا النوع من المحتوى، المولّد كاملاً بالذكاء الاصطناعي، حديثة، لكنها تحظى بمتابعة وتفاعل بالغي الضخامة من “جيوش” من الروبوتات، تضاعف مؤشرات الإعجاب، تُغرق المحتوى بتعليقات غالباً ما تكون مجرد رموز تعبيرية، وتشارك المقاطع في ما بينها، فتضخّمها خوارزميات الاقتراح لتصل في نهاية المطاف إلى المستخدم، وكأنه الشاذ البشري الوحيد في دورة إنتاج روبوتية.

تشير التقديرات إلى أن نحو 10 بالمئة من المحتوى الموجود على الإنترنت اليوم مولّد بالذكاء الاصطناعي، تتوقع أخرى بأن تقفز تلك النسبة إلى 90 بالمئة بحلول عام 2026 ما لم يتم اتخاذ إجراءات صارمة تنطوي على تكاتف جهود المشرّعين والشركات المطورة والمستخدمين أنفسهم لمجابهة الظاهرة، وفيما ينشغل المشرّعون بقضايا قد تعتبر “أهم” لدى البعض، تعمل الشركات على تعميق المشكلة، ويحتفي أبرز “صنّاع المحتوى” بتوافر المزيد من الأدوات التي تسهّل عملية التلويث هذه.

 “منحدر” الذكاء الاصطناعي

صاغ خبراء التكنولوجيا مصطلحاً للمحتوى الذي أُنشئ باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل أساسي لتحقيق الدخل، “منحدر الذكاء الاصطناعي” (على افتراض أنها الترجمة الأسلم للمصطلح الأصل “AI Slop”، والذي من المرجح أن يشيع كباقي مصطلحات ثقافة الإنترنت كما هو “سلوب”، على غرار “سبام” و”ترول”)، والذي يصف تدفق المواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي ويتم تحميلها على الويب بشكل عشوائي للاستهلاك العام، كما الأمثلة الواردة في المطلع.

الـ “سلوب” هو محتوى أُنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي – نصوص وصور وفيديوهات على حد سواء – لإغراق الإنترنت بمواد غزيرة لكن منخفضة الجودة ولا تدّعي العكس. تهدف هذه المواد إلى جذب دخل من الإعلانات والتأثير على تصنيفات محركات البحث ونتائجها. ويكون نموذج العمل الأساسي لهذا الاتجاه كالتالي: عدد قليل من النقرات والمشاهدات على هذه المواد المصممة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تغطي الحد الأدنى من تكاليف الإنتاج، ولا يوجد سقف لكمّ المواد الممكن نشرها، ما يجعل النتيجة مربحة في النهاية.

تؤثر هذه الظاهرة في جانبين أساسيين، الأول هو تشويش نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي نفسها؛ التي تتغذى دورياً على ما يُنشر، وبالتالي ازدياد تدرّبها على مواد مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وبالتالي تدني النتائج مستقبلاً بشكلٍ تدريجي (وهذا ما حدث بالفعل مع تشات جي بي تي في المحتوى المكتوب).

الأثر الثاني هو تشويه المحتوى المرئي على منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً فيسبوك، حيث غالباً ما تكتسب الصور المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي جذباً “فيروسياً”، ومن الأمثلة المتكررة على ذلك بروز حسابات، بوصول مليونيّ، تنشر صوراً غريبة ذات طابع ديني غالباً، مثل صورة طائرة حربية مقاتلة على شكل مصحف. وعلى الرغم من أن هذه الصور قد تثير التسلية والسخرية، إلا أنها تلعب دوراً في نشر المعلومات الخاطئة والتضليل (كما حصل مع صورة “كل العيون على رفح” الشهيرة) وتشويش المجال الرقمي.

قد يكون من الصعب جداً إعادة الإنترنت إلى سابق عهده، لكن ربما نكون على وشك خسارة أحد أهم كنوز العصر الرقمي إذا استمرّ في مساره الحالي.

 “الإنترنت الزومبي”

صاغ الصحافي التقني جيسون كوبلر من موقع 404 Media المتخصص مصطلح “الإنترنت الزومبي” لوصف هذه الظاهرة، إذ تختلط الروبوتات والحسابات المزيفة والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي والمستخدمين الحقيقيين، ما يخلق تجربة فوضوية وغير منطقية على الإنترنت في كثير من الأحيان. ويمثل هذا الوضع مشكلة للمستخدمين والمُعلنين، الذين يعتمد على أموالهم الكثير من منشئي المحتوى المجاني على الإنترنت؛ إذ يضيق يوماً بعد يوم هامش التمييز بين الإعلانات الحقيقية وتلك الناتجة من الذكاء الاصطناعي، ما يقوض ثقة الإعلانات الرقمية وفعاليتها.

ومع تزايد تدهور المحتوى، فإن الجهود المبذولة لوقف انتشاره ما زالت متأخرة وغير جادّة، وما إذا كان موضوع إطلاق التسميات، كـ “سلوب” و”الإنترنت الزومبي”، لوصف المشكلة وتحديدها سيحفز الحركة ضد المواد منخفضة الجودة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي يبقى مسألة تخمين. لكن استمرار انتشاره يشير إلى الطبيعة الملحّة للمشكلة؛ وهي أننا ننتج المحتوى بشكل أسرع بكثير مما نستهلكه.

 ميلاد اقتصاد الانتباه

تعود جذور هذه المشكلة إلى بداية ظهور المطبعة. ولكن منذ ظهور “الويب 2.0” – الذي أتاح الفرصة لـ “إنشاء” المحتوى من المستخدم العادي وإن لم يكن مالكاً أو مشغّلاً لموقع إلكتروني – لم يعد الأمر مجرد مشكلة بل معضلة شبه مستحيلة الحل. كل عام، ينضم المزيد والمزيد من الناس إلى نادي “صنّاع المحتوى”، وتدعو “الكورسات” وشركات “التسويق الشخصي” إلى ذلك. 

إلا أن قدرتنا على استهلاك المحتوى تبقى ثابتة، وقائمة المقالات والمقاطع غير المنتهية المحفوظة للمطالعة لاحقاً لدينا جميعاً خير دليل. خلقت هذه الحقيقة التي لا مفر منها ديناميكية غير متوازنة: تنافس “المنشئون” لجذب الجمهور والاحتفاظ به، وولادة اقتصاد الانتباه سيئ السمعة.

خلال الأيام الأولى للويب 2.0، كان الحل واضحاً ومباشراً. تمت مشاركة المحتوى عالي الجودة بشكل أكبر، وبالتالي، مع مرور الوقت، تم استهلاكه بشكلٍ أكبر. إذ تصفح مستكشفو الإنترنت الأوائل المناطق المجهولة من الإنترنت وأعادوا نشر وتدوير ما رأوه مناسباً (كذلك الأمر بالنسبة الى المحتوى “السيئ”، لكنه بقي حبيس المواقع والمنتديات المخصصة لنشره). لكن ظهور محركات البحث القوية المعززة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة التوصية التي يسيطر عليها عدد قليل من اللاعبين الكبار أدى إلى انهيار اللعبة.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي أول المواقع التي استغلت هذه التكنولوجيا، فالصفحات الرئيسية القائمة على الخوارزمية هي من تولّت مهمة فرز المعلومات وتصنيفها وتقديمها “جاهزة”. وكان الهدف، في ما يبدو من تجربة نحو العقدين من الزمن لتلك الوسائل، هو تخصيص نوع المحتوى الذي نستهلكه، ففوّضنا عملية البحث عن القيمة على الإنترنت للخوارزمية، ودفعنا الثمن. إذ نجح الإنترنت، الذي كان ذات يوم أداة لإنشاء المعرفة والترفيه ومشاركتها واستهلاكها، في جعلنا مستهلكين سلبيين من خلال التمرير الذي لا ينتهي نحو الأسفل للحصول على جرعتنا اليومية من المحتوى.

ثم بدأ فيضان الذكاء الاصطناعي. في السنوات الأخيرة، أصبحت النماذج اللغوية القائمة على الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة وأدوات توليد النصوص والصور رخيصة الثمن وسريعة ويمكن الوصول إليها وقابلة للتطوير، لكنها في المقابل تضع العملية الإبداعية وجهاً لوجه أمام الكسل، وتسمح للأخير بالانتصار. فعمليات الكتابة أو التصوير أو المونتاج أو العزف، إن كان المرء يحبها، تكون مصدر متعة، أما إن لم يحبها، فتصبح شاقةً بطيئة ومتعبة. نماذج الذكاء الاصطناعي تحل ذلك.

 لعنة المحتوى

يجادل قائل بأن هناك بالفعل الكثير من المحتوى منخفض الجودة على الويب وأنها ليست ظاهرة جديدة، وهذا صحيح بالطبع، فمزارع المحتوى وفيديوهات “شاهد قبل الحذف” موجودة منذ بداية الإنترنت، ولكن ماذا سيحدث إذا ضاعف منشئو هذا المحتوى إنتاجهم بمقدار 100 ضعف، إذ لا تتعب الآلة من توليد المواد؟ توجد بالفعل محاولات لضبط ظاهرة نشر الكتب المولّدة بالذكاء الاصطناعي التي تُغرق أمازون باللغة الإنكليزية، وعلى رغم عدم وجود محاولة عربية لرصد تلك الظاهرة، تكفي الإشارة إلى أن إحدى أبرز نصائح “البزنس” التي انتشرت بين “رياديي الإنترنت” أخيراً هي تأليف الكتب عبر تشات جي بي تي ونشرها للبيع.

معظم الأشخاص الذين ينشرون المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي اليوم، بحكم تعريفهم، لا يهتمون كثيراً بالنوايا أو الإبداع أو صقل المهارات أو إيصال الأفكار أو الجودة العالية بشكل عام، بل بإخراج أكبر قدرٍ من المواد والمحافظة على مؤشرات ارتفاع الأرقام الخضراء، والمشاركة في جوقة صخب المحتوى. قد يكون من الصعب جداً إعادة الإنترنت إلى سابق عهده، لكن ربما نكون على وشك خسارة أحد أهم كنوز العصر الرقمي إذا استمرّ في مساره الحالي.

08.07.2024
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية