“كانت المحمية مكاناً جميلاً، تقصده العائلات نظراً الى الأشجار التي تحتويها، وقطعان الغزلان التي تمشي بينها، لكن كل شيء تغيّر الآن، فأعداد الغزلان أصبحت قليلة، فيما اختفت الأشجار”، هكذا يتحسّر محمد عبدالله (36 عاماً)، أحد سكان منطقة المملحة، وهي المنطقة السكنية الأقرب الى محمية ساوة.
ويضيف بأسف: “لطالما كنت أتمنى دعمها وتحويلها إلى وجهة سياحية في المحافظة لجذب الزائرين، ولكن الإهمال والعبث كانا أكبر من أحلامنا”.
وتعد محمية “ساوة” بمحافظة المثنى جنوب غربي العراق، والتي أُنشئت في عام 2007 على مساحة 500 دونم، أكبر محمية لـ”غزلان الريم”، المعروفة عالمياً باسم “الغزال الدرقي”، وهو أحد أنواع الحيوانات المهدّدة بالانقراض.
اتجهت هذه المحمية أخيراً لبيع ذكور الغزلان، على رغم توقيع العراق على اتفاقية دولية تمنع التجارة بالحيوانات المهدّدة بالانقراض، تحت ذريعة توفير العلف لما تبقى لها من الإناث، خوفاً من تكرار نفوق عشرات الغزلان جوعاً، كما حدث في السابق.
غزال الريم: حيوان مهدّد بالانقراض
في عام 2012، انضم العراق إلى اتفاقية التجارة الدولية للكائنات الحيوانية والنباتية المهددة بالانقراض، المعروفة اختصاراً بـ”سايتس CITES”، التي بدأ العمل بها عام 1975، وكان انضمام العراق بناء على مشروع قانون أقره مجلس النواب العراقي، وحمل الرقم 29، وصادق عليه رئيس الجمهورية ونشر في جريدة الوقائع العراقية بتاريخ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، ليدخل بعدها حيز التنفيذ.
وتضمنت الأسباب الموجبة لإقرار القانون، النص التالي: “لتنظيم التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض من مجموعات الحيوان والنبات البرية وحمايتها من الانقراض ومراقبة الاتجار بها، ولغرض انضمام جمهورية العراق إلى اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض من مجموعات الحيوان والنبات البرية شُرّع هـذا القانون.
هكذا انضم العراق إلى قائمة 180 بلداً المصادقة على اتفاقية “سايتس”، والتي تم فيها إدراج غزال الريم كحيوان مهدد بالانقراض، ضمن القائمة الحمراء الدولية للحيوانات المهددة بالانقراض، وهو ما يعني أنها تخضع لتنظيم صارم حتى لا يتعرض بقاؤها للخطر، كما تمنع المتاجرة فيها إلا في ظروف استثنائية.
غزال الريم، هو من الثديات، ويبلغ طوله ما بين 90- 115 سم، أما الوزن، فيتراوح ما بين 18- 33 كيلوغراماً، ويغلب على جسده اللون البني الفاتح ومنطقة البطن بيضاء، وكذلك القدمان، ومع تقدم عمر الغزال، يتحول لون الجبهة والأنف الى اللون الأبيض، أما القرون فإنها تُوجد فقط لدى ذكر الغزال.
يتكاثر هذا النوع من الغزال في فصل الشتاء، عبر تزاوج الذكر مع أكثر من أنثى خلال موسم التكاثر، وتستمر فترة الحمل لدى غزال الريم لِمدة تتراوح ما بين 5- 6 أشهر، وغالباً ما تلد الأنثى مواليد توائم.
ويرتبط غزال الريم تاريخياً بالريف والصحاري العراقية التي تعد موطنه الأصلي، فضلاً عن توزعه في مناطق أخرى حول العالم مثل ليبيا، ومصر، والجزائر، والسعودية، والإمارات، وعُمان، واليمن، وأجزاء من تركيا وإيران، قبل أن يتقلّص نطاق وجوده ليقتصر على المناطق المحمية، ويصنفه الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) كنوع من الأنواع “المهددة بالانقراض”.
ويعتبر من الحيوانات الرعوية، إذ إنها في الغالب تتغذى على النباتات ذات دورة الحياة القصيرة بعد هطول الأمطار، لكن بشكل عام تعتمد على الأعشاب الجافة والأعلاف، ويُلاحظ أنها تفضل أعشاب “الثمام”، أو ما يُعرف “بالأعشاب النجيلية” التي تُستخدم على نطاق واسع في المنطقة العربية، كما يفضل غزال الريم الأعلاف بأنواعها كافة.
ويبلغ عدد الغزلان في المحميات بالعراق 771 غزالاً، موزعة على ست محميات في ميسان، والنجف، والمثنى، وديالى، وكركوك، والمدائن (40 كيلومتراً جنوب بغداد)، بالإضافة إلى محمية الرطبة، التي نهبها ودمرها تنظيم داعش، والتي كانت تضم 3500 رأس.
وتقع “محمية ساوة” للغزلان في بادية المثنى، وتحديداً قرب منطقة المملحة في وادي خرز بالبادية. بدأت العمل فعلياً في عام 2016، إذ استقبلت ثمانية غزلان بواقع أربع إناث وأربعة ذكور كبداية، ثم ازدادت الأعداد لتصل إلى 148 رأساً، تشكل الذكور منها أكثر من النصف بقليل، حسب ما أفادنا به مدير المحمية، تركي محل.
وفي عام 2023، شهدت المحمية أقسى حالة تجويع تعرضت لها الغزلان، ما أدى الى نفوق العشرات منها، فضلاً عن مشاكل استحصال موافقات رسمية لبيع ذكور الغزلان فيها، بهدف توفير العلف.
بيع غير قانوني
يكشف كتاب رسمي صادر عن دائرة الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة بتاريخ 14 حزيران/ يونيو 2023، موجه إلى مديرية زراعة محافظة المثنى، عن الموافقة على بيع ذكور الغزلان الفائضة عن الحاجة، حسب قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم 21 لسنة 2013.
يفسّر مدير محمية ساوة، تركي محل، سبب البيع بأنه “معادلة بيولوجية، أي أن كل 20 أنثى من الغزلان، يكفيها ذكر واحد، وبما أنه لدينا 67 ذكراً و63 أنثى، فسنكون بحاجة إلى 5 ذكور فقط لضمان استمرار التكاثر”.
ويضيف في حديثه لـ”العالم الجديد”، أن “قرار بيع الذكور، اكتمل من ناحية الإجراءات القانونية، وسيتم عرضها بمزاد علني (من دون أن يُحدّد التاريخ)، يبدأ سعر الذكر فيه بمليون و100 ألف دينار عراقي (نحو 730 دولاراً)”، معللاً سبب ذلك بضرورة توفير الأعلاف لما يتبقى من الغزلان، إذ “لا توجد موازنة خاصة بالمحمية، ولم نستلم أموالاً منذ مدة طويلة، بالإضافة إلى غياب الرعاية الطبية للحيوانات”.
ويبيّن مدير المحمية أنه تم عرض 50 ذكراً للبيع، وأن ثمنها سيمكننا من “شراء الأعلاف للإناث المتبقية، فلو افترضنا أن لدينا طنّين من الأعلاف، فإن هذه الكمية ستأكلها 70 غزالة، بدلاً من 140”.
ويؤكد محل عدم وجود أي موازنة أو أموال مرصودة للمحمية، إذ يقول: “عادة ما أقدم طلباً لمديرية الزراعة بمبلغ معين لتوفير العلف، فإن الموافقة تكون مرتبطة بتوفر الأموال، وإلا فإنه يتم رفض الطلب”، لافتاً إلى أن “هناك العشرات من الطلبات التي رفضت لعدم وجود سيولة مادية”.
ويواجه مدير المحمية مشكلة أخرى وهي تنظيم المزاد في حد ذاته، والذي يتوقف على توفير المصائد والشباك بهدف الإمساك بذكور الغزلان في المحمية، ولكن في غياب سيولة مالية أو توفير هذه المستلزمات، فلا يمكن عقد المزاد.
يحصل ذلك في ظل اتفاقيات دولية وتشريعات محلية تمنع هذا النوع من الصفقات، ما يعد بيع الغزلان مخالفة صريحة للقوانين، إذ يوضح الأكاديمي والخبير القانوني، محمد السامرائي، تفاصيل وعقوبات قانون بيع وإيجار أموال الدولة، والذي على أساسه تمت الموافقة على بيع ذكور غزلان الريم، قائلاً إن “إعطاء الموافقة لبيع غزال الريم من وزارة الزراعة قرار غير مدروس وغير مناسب ومخالف للغاية من إنشاء المحمية”.
ويوضح السامرائي، “إذا كان هناك فائض في الذكور، فإنه يجب قياس نسبته مقارنة بحجم المحمية، وهذا ليس سبباً لبيع تلك الحيوانات، فالقرار الأصح هو توسعة المحمية من حيث المساحة والإمكانات، لأن القياس يجب أن يكون متناسباً مع حجم المناطق الزراعية والصحراوية وحجم مساحة البلد وندرة هذا النوع من الحيوانات وأهميته”.
من ناحية أخرى، يبيّن السامرائي أن “عملية بيع الغزال على أساس أنه من أملاك الدولة، تستلزم حسب ما جاء في المواد 6 و12 من قانون بيع وإيجار أموال الدولة، تشكيل لجان التقدير واتباع الإجراءات القانونية للبيع الذي يجب أن يتم بموافقة الجهات المتخصصة في وزارة البيئة باعتبارها الوزارة المسؤولة عن التوازن البيئي وأهمية الحفاظ على الثروات الطبيعية، وبالتالي، لا يجب أن تكون وزارة الزراعة وحدها صاحبة القرار في بيع تلك الحيوانات المهدّدة بالإنقراض”.
وتنص المادة 6 من قانون بيع وإيجار أموال الدولة رقم 21 لسنة 2013 على التالي: “يجري بيع وإيجار أموال الدولة غير المنقولة من قبل لجان تشكل بقرار من الوزير المختص أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة أو من يخوله أي منهما”، فيما تنص المادة 12 من القانون على أن: “تكون إجراءات بيع وإيجار الأموال غير المنقولة وفقا لما يأتي: أولاًـ تنظم لجنة بيع الأموال غير المنقولة وإيجارها قائمة مزايدة في ضوء أوصاف العقار المثبتة من لجنة التقدير، ثانياًـ إذا تعددت الأموال غير المنقولة المراد بيعها أو إيجارها فتنظم قائمة مزايدة لكل منها”.
ويوضح السامرائي أيضاً أن “أية مخالفة لأحكام قانون بيع وإيجار أموال الدولة، وخصوصاً المادتين أعلاه، يترتب عليها بطلان إجراءات البيع، بخاصة في حال تسببت تلك المخالفة بضرر في المال العام، بحيث تتخذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين وفقاً لأحكام المواد 331 و340 من قانون العقوبات العراقي، بعقوبات تتراوح بين 3 – 7 سنوات سجن”.
وتنص المادة 331 من قانون العقوبات العراقي على أن “يُعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل موظف أو مكلف بخدمة عامة ارتكب عمداً ما يخالف واجبات وظيفته او امتنع عن أداء عمل من أعمالها بقصد الإضرار بمصلحة أحد الأفراد أو بقصد منفعة شخص على حساب آخر أو على حساب الدولة”.
أما المادة 340 من قانون العقوبات فتنص على أن يعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن سبع سنوات أو بالحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة أحدث عمداً ضرراً بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل فيها أو يتصل بها بحكم وظيفته أو بأموال الأشخاص المعهود بها إليه”.
والجدير بالذكر، أن المحميات مرتبطة إدارياً بوزارة الزراعة، لكن وزارة البيئة هي المسؤولة عن التنوع البيولوجي وإطلاق الحيوانات في البرية.
وبالتوجه الى وزارة البيئة، التي توجد في تشكيلاتها دائرة الثروة الحيوانية المسؤولة عن الحيوانات في أنحاء البلاد كافة، فإن المديرة العامة للدائرة الفنية فيها، نجلة محسن الوائلي، أبدت استغرابها من قرار وزارة الزراعة بيع ذكور غزلان الريم في محمية ساوة، بل وانتقدت القرار.
وبحسب الوائلي، فإن “مهمة وزارة الزراعة التي تشرف إدارياً على المحميات، ومنها محمية غزال الريم، هي تكثير الحيوان، لأنه مهدد بالانقراض، “وليس بيعه، ومن ثم ذبحه”.
وتؤكد أن “الهدف من إنشاء المحميات هو الحفاظ على الحيوانات المهددة، وبخاصة النوع الأصيل، وغزال الريم هو واحد منها”.
وتوضح أن “وزارة البيئة دائماً ما تطلق الحيوانات في البرية، بهدف إعادة التوازن البيئي، أما بيع الحيوانات فهو مخالفة كبيرة وصعبة”، مضيفة “على سبيل المثال، لدينا في حديقة الحيوانات ببغداد (متنزه الزوراء)، ذكور غزلان فائضة، وأصدرنا قراراً بسحبها لغرض إطلاقها في مدينة الطيب قرب سلسلة جبال حمرين، شرق مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، وهذا القرار اتخذ لأنها حديقة حيوان ولا تمتلك مساحات مفتوحة كبيرة”.
وتشدّد الوائلي على أنه “كان بالإمكان التواصل معنا لغرض إطلاقها في البرية، فعملية البيع تخل بالتوازن البيئي والبيولوجي”، ووعدت بمخاطبة وزارة الزراعة لوقف عملية البيع ومحاولة أخذ الفائض لإطلاقه في البرية”، لكنها تعود وتؤكد أن “الأمر مرتبط بتوفير السيولة المالية لغرض شراء الأعلاف، وهذا أمر مرفوض، فعلف الحيوانات ثمنه بسيط جداً وبالإمكان توفيره”.
وفيما يخص أعلاف الغزال، فإن مسؤولاً في مديرية زراعة المثنى، شرح لكاتب التحقيق، أن “الأعلاف تتكون من الشعير ونخالة الحنطة، (وهي بقايا الحنطة بعد طحنها)”.
ويبين أن “الاستهلاك السنوي للغزالة الواحدة بحدود 30 طناً من الشعير و30 طناً من نخالة الحنطة، أي بواقع خمسة أطنان شهرياً”، مبيناً أن “سعر طن الشعير هو 650 ألف دينار (430 دولاراً) وسعر طن نخالة الحنطة هو 600 ألف دينار (400 دولار)”.
من جهته، يُبيّن الخبير البيئي، أحمد صالح نعمة، في حديث لـ”العالم الجديد”، أن “بيع ذكور الغزلان لا يعتبر الحل الصحيح للتخلص من زيادتها، لأن ذلك يعني أنها ستذهب للذبح والأكل، بل يمكن فتح مجاميع أو محميات جديدة لاحتضانها، وفي حالة الاضطرار حقاً للبيع، فعلى الأقل يجب فرض شروط على المشترين تتضمن الاحتفاظ بها في مزارع خاصة أو مراكز أبحاث، وتفادي قتلها”.
إقرأوا أيضاً:
أزمة التمويل
ولكن في حالة عدم بيع ذكور الغزلان، فكيف سيمكن حل مشكلة نقص الأعلاف داخل المحمية، بخاصة في غياب ميزانية مخصصة لها؟
يقول مدير زراعة المثنى، رائد رحيم عيسى، في حديث لـ”العالم الجديد”، إنه “لا توجد تخصيصات مالية في موازنة مديرية زراعة المثنى لمحمية ساوة لغزلان الريم، وإنما تُقدّم المديرية للمحمية دعماً فنياً فقط، بتوفير الكوادر المتخصصة ولجان استزراع مع مستلزمات الزراعة كافة، لتوفير الكميات الخاصة من الأعلاف الخضراء”.
ويتابع “حديثاً، وافق وزير الزراعة، عباس المالكي، على توفير مرشات محورية لمحمية ساوة لغرض استغلال أراضيها بالزراعة وتوفير بيئة خضراء لقطيع الغزلان، أما الحكومة المحلية في محافظة المثنى، فقد مدت خطوط الكهرباء الى المضخات المنصوبة على الآبار داخلها وتشغيلها”.
وتعليقاً على الأمر، يؤكد المتحدث باسم وزارة الزراعة، محمد الخزاعي، أن “مديريات الزراعة في المحافظات هي المعنية بتوفير التخصيصات المالية للمحميات ضمن موازنات المحافظات التي تديرها الحكومات المحلية، وهي ليست من مسؤولية الوزارة”.
في حين، يُبيّن مدير زراعة المثنى، رائد رحيم عيسى، أن “تعليمات وزارة المالية، تنص على أن موازنات المحافظات تكون على شكل مشاريع استثمارية، وليس أموالاً تُسلّم لها، وبالتالي ينعكس ذلك على غالبية مجالات تدخلها”.
فيما يلفت مدير المحمية، تركي محل، أن “الكادر العامل في المحمية يتكون من مديرها البيطري (وهو محل نفسه) وأربعة أطباء بيطريين آخرين، إضافة الى العمال والحراس”، معرباً عن أمله بأن “تحل أزمة التخصيصات المالية في عدم ربط المحمية بالموازنة التشغيلية لدائرة الزراعة في المحافظة، كي لا يتم تفضيل اهتمامات أخرى على حساب دعمها بالتمويل اللازم سنوياً”.
من جانبه، يؤكد مدير دائرة الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة، وليد محمد رزوقي، أن “الجفاف والتغيرات المناخية تمثل تحدياً في الحفاظ على الأنواع النادرة من الغزلان في العراق، ومنها غزال الريم، وهي موجودة بمحميات تابعة للوزارة بمحافظات الأنبار وميسان والنجف والمثنى وديالى والمدائن في بغداد وبأعداد متفاوتة”.
هلاك أعداد كبيرة من الغزلان
خلال عام 2022، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات المهتمين بالشأن البيئي والحيواني بالفيديوهات والتعليقات حول هلاك أعداد كبيرة من غزلان محمية ساوة، نتيجة التغيرات المناخية وضعف الدعم الحكومي لها.
في هذا الصدد، يوضح محل، أن “موسم الجفاف المائي والتغير المناخي في عام 2022، فضلاً عن غياب التخصيصات المالية ومشكلة ربط المحمية بالموازنة التشغيلية لدائرة زراعة المثنى، أدى إلى هلاك أكثر من 60 رأس غزال لينخفض العدد الى 87 رأساً فقط، ما استدعى من رئيس الجمهورية السابق، برهم صالح حينها، تقديم تبرع بلغ 100 مليون دينار عراقي”.
فُتح أيضاً باب التبرعات للحفاظ على المحمية في 2022، حسب محل، إذ زوّد رجل أعمال كويتي المحمية بـ20 طناً من الأعلاف، إضافة الى المنظمة الدولية لصحة الحيوان التي أرسلت 10 أطنان أو أكثر من الأعلاف أيضاً، كما ساهم تبرع رئيس الجمهورية السابق، برهم صالح حينها، في “تحسن وضع المحمية وإعادة الحياة إليها”.
كذلك، أُشرك سكان المنطقة في إدامة المحمية عبر طلب التبرع منهم، وقد تبرع الكثير من شيوخ العشائر ووجهاء المنطقة الذين يملكون أغناماً وأعلافاً، بجزء من العلف للغزلان، لكن هذا لم يستمر طويلاً، بل حصل مرتين على أكثر تقدير، وعلى مدى شهرين فقط.
هروب الحيوانات نتيجة الإهمال
لا تقتصر المشاكل التي تعاني منها المحمية على أزمة توفير الأعلاف ونفوق الغزلان، وإنما تجاوز ذلك إلى هروب أعداد منها عبر السياج، بسبب وجود فتحات فيه تسمح بذلك، فضلاً عن دخول الذئاب الى المحمية وقتلها.
يروي حسين علي (38 عاماً)، وهو أحد سكان منطقة المملحة (أقرب منطقة مأهولة بالسكان وتقع على مسافة ثلاثة كيلومترات فقط عنها)، الكثير من القصص حول واقع الغزلان فيها، مثل هروبها من السياج البالغ ارتفاعه نحو متر و70 سنتمتراً، وهو من مادة الـ”BRC” (أعمدة وشبكة)، وذلك نتيجة الإهمال، إإذ تجمعت أكوام التراب والنفايات قرب السياج من الجهة الداخلية، ما ساعد الغزلان على الصعود فوق الأكوام والقفز إلى خارج المحمية”.
وبعد هروب الغزلان، بحسب علي، فإن السكان الذين يعثرون عليها أو بعض الحراس أنفسهم، “يصطادونها ويبيعونها، ويتم تسجيلها على أنها فرّت من دون معرفة مصيرها”.
يتم أيضاً “بيع صغار الغزال (اليعفور) بعد ولادتها، وتسجيلها نافقة، إذ يتم الاستعانة بصور سابقة لتقديمها إلى الإدارة لتبرير اختفائها”، كما يؤكد حسين علي.
وعند مواجهته بهذه الإتهامات، ينفي مدير المحمية ذلك، جملة وتفصيلاً، قائلاً: “أنا المسؤول الأول والمباشر هنا، ولدي آلية معينة لن أفصح عنها لمتابعة القطيع، وأعرف كل حيوان فيه، وحتى لو تمت محاولات لإخفاء الحقيقة عني، فسأكتشفها”.
ويضيف محل، أن “بادية بالمثنى لا توجد فيها غزلان سائبة أو خارج المحمية، لكن هناك الكثير من الأهالي الذين يشترون الغزلان من محافظات أخرى ويتركونها في مزارعهم الخاصة، وكوني طبيباً بيطرياً، فأنا أشرف على علاجها، كما لدي عيادة بيطرية أعمل بها بعد الدوام الرسمي”.
ويشير إلى أن “بعض الأهالي اتجهوا لتهجين الغزلان بالماعز، لينتج من ذلك حيوان يشبه الغزال بنسبة 90 بالمئة، لكن أصوله هجينة”.
غزال مستورد في المطاعم
خلال الأعوام الأخيرة، انتشرت ظاهرة بيع لحوم الغزال في المطاعم، وباتت تُعتبر أشبه بلحوم الخراف والعجول، وصُنعت منه أكلات تقليدية كـ”المندي” و”القوزي”، إذ يتراوح سعر الكيلوغرام منها بين 25- 30 ألف دينار عراقي (نحو 17- 20 دولاراً).
فيديوهات كثيرة غزت مواقع التواصل الاجتماعي، حول انتشار لحوم الغزال، كما اتجه صناع المحتوى الى زيارة هذه المطاعم وتجربة لحم الغزال، لكن بعد التقصي، اتضح أن المطاعم تستخدم الغزلان المستوردة، والتي توضع في مزارع خاصة بأصحاب المطاعم بغرض تكثيرها وتربيتها.
وبينت المعلومات التي جمعناها أن غالبية محال القصابة أو الجزارة، تملك مزارع صغيرة لغرض تربية الغزال المستورد، بالتعاون مع أصحاب المطاعم، ويتراوح سعر الغزال فيها ما بين 650 و750 ألف دينار عراقي (400- 500 دولار).
تعلق المسؤولة في وزارة الزراعة نجلة الوائلي، على مسألة استيراد الغزال بالقول: “استعمال الغزال المستورد في المطاعم، ممنوع أيضاً، لأنه إذا دخلت الغزلان الأوروبية من دون سيطرة، فستضرب النوع الأصيل في العراق، ونحن في الوزارة نمنع دخول الحيوانات والنباتات الغريبة، كما أننا نعمل مع وزارة الداخلية على السيطرة على دخول هذه الأنواع، لكن مع الأسف لا أحد يحترم قوانين وزارة البيئة وهي لا تطبق”، مضيفة “هناك فوضى كبيرة في العراق، فلا يوجد وعي بالتنوع البيولوجي، والعواقب الوخيمة على استدامة الأنواع الحيوانية الأصيلة”.












