ليس مستغرباً في لبنان أن يكون الإهمال أحد أهم أسباب إدراج “فاتف” لبنان على القائمة الرماديَّة بحسب ما كشفت ورقة موقف صادرة عن مركز “سكاي للأبحاث والاستشارات” و”المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”. في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، أُدرج لبنان على القائمة الرمادية للدول الخاضعة لرقابة مجموعة العمل المالي (FATF)، بعد انتهاء مهلة سماح لم تُنفَّذ خلالها 46 إجراءً تصحيحياً كانت مطلوبة منه، ففيما لم يُنفّذ 21 إجراءً، نفّذ 25 منها بشكلٍ جزئي فقط.
الإهمال… السبب الأول؟
كشفت ورقة موقف صادرة عن مركز “سكاي للأبحاث والاستشارات” و”المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”، أن الإهمال الحكومي كان سبباً رئيسياً في هذا الإدراج. وتُشير الورقة إلى أربعة كتب رسمية مُرسلة من رئيس مجلس الوزراء، نجيب ميقاتي، عن طريق القاضي محمود مكية، الأمين العام لمجلس الوزراء، وُجهت إلى الوزارات والإدارات المعنية. اللافت أن ثلاثة من هذه الكتب أُرسلت قبل الإدراج على القائمة الرمادية، وواحد بعده (حتى تاريخ نشر ورقة الموقف في كانون الثاني/ يناير 2025).
يكشف ملحق ورقة الموقف عن كتب رسمية من القاضي محمود مكية إلى الوزارات والإدارات المعنية، وهي التالية:
وزارة المالية
وزارة الدفاع الوطني
وزارة العدل
وزارة الداخلية والبلديات
وزارة الاقتصاد والتجارة
وزارة الداخلية والبلديات – المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي
وزارة المالية – مديرية الجمارك العامة
وزارة العدل – النيابة العامة التمييزية
الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد
نقابة المحامين في بيروت
نقابة المحامين في طرابلس
نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان

مصدر الصورة: ورقة موقف صادرة عن مركز “سكاي للأبحاث والاستشارات” و”المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”
غياب الإرادة السياسية؟
يعتقد محمد المغبط، مدير المكتب الإقليمي للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في مقابلة لموقع “درج”، أن هناك “قصوراً في فهم الالتزامات الملقاة على عاتق كل طرف من الأطراف المعنية، وعدم إدراك لتداعيات عدم الامتثال، الأمر الذي أوصلنا إلى القائمة الرمادية، وقد يتجاوز الأمر ذلك. بل إننا قد نشهد تزايداً في القيود المفروضة على القطاع المصرفي، وتحديداً على التحويلات المالية في حال لم يتم الالتزام”.
يضيف أن الأسباب المباشرة للإخفاق تعود إلى النظام الإداري اللبناني وبيروقراطيته الورقية، ويشمل ذلك الاعتماد شبه الكامل على الإجراءات الورقية في كل شيء، بينما السبب غير المباشر، والأكثر تأثيراً، هو أن “معظم من يتحكمون في صنع القرار ليس من مصلحتهم تنفيذ هذه الالتزامات، لأنها تمثل جزءاً من منظومة متكاملة” مرتبطة بالفساد وتبييض الأموال والتهرب الجمركي، “وبالتالي ليست هناك إرادة سياسية”. ووصف المغبط هذا الملف بأنه “ملف انفجار مرفأ جديد لناحيته الإدارية”، إذ أرسل الجميع كتباً ولكن لم يتم فعل شيء على أرض الواقع لتجنب المشكلة فكانت كل المراسلات “بمثابة كتب رفع مسؤوليَّة”.
تواصلت معدّة التحقيق مع مجموعة العمل المالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولكن لم يصلنا أي ردّ حتى لحظة النشر.
السجل التجاري… نافذة مُغلقة؟
في بلد يحتل المرتبة 22 من أصل 100 على مؤشر مدركات الفساد Corruption Perceptions Index التابع لمنظّمة Transparency International – كلّما كان الرقم أقرب من الصفر كلّما ارتفع مؤشر الفساد – وتتجاوز نسبة التضخم فيه الـ 220 في المئة، بحسب موقع صندوق النقد الدولي، يُعد الوصول إلى السجل التجاري تحدياً أساسياً. فبدلًا من الوصول الإلكتروني السهل، يتعين على الصحافيين والباحثين تقديم طلبات رسمية للحصول على نسخ ورقية من سجلات الشركات، في أيام محددة، ما يعيق الشفافية والمساءلة.

مصدر الصورة: موقع منظّمة الشفافية الدولية
مصدر الصورة: موقع صندوق النقد الدولي
توقف موقع السجل التجاري اللبناني عن العمل إلكترونياً منذ أكثر من سنتين، وكان هناك موقع بديل ناتج من مبادرة خاصة يدعى “ش.م.ل.” يربط بين الشركات وأصحابها والمنتفعين منها ويقدّم أيضًا محتوى بصرياً، الّا أنّه توقف بدايةً بضغط من نقابة المحامين في بيروت وبات يعمل فقط باستخدام VPN، إلّا أنّه توقّف بشكلٍ كامل لاحقاً وحُرم الصحافيون من الوصول إلى المعلومات عن الشركات.
بالإضافة إلى عدم قدرة الوصول الى السجل التجاري إلكترونيّاً، تكمن المشكلة أيضاً في عدم التأكد من صحة المعلومات الواردة فيه ودقتها، بحسب ورقة الموقف. فأحياناً لا يظهر المالك الحقيقي للشركة أو المستفيد النهائي منها في الأوراق الرسمية… وتكون المعلومات المصرّح عنها في السجل التجاري أو لدى وزارة المالية غير دقيقة أو غير صحيحة أو حتى ناقصة دون أن يتم التدقيق بمدى صحتها من قبل هذه الجهات، وبالتالي لا يعلم أحد من هو المسيطر الفعلي على الشركة، وهو ما يصعّب مهمة مكافحة تبييض الأموال، بحسب المغبط.
ضعف الإبلاغ عن شبهات تبييض الأموال!
تُظهر المعلومات التي تم الحصول عليها بموجب قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، أن عدد تقارير الاشتباه في تبييض الأموال التي قُدِّمت إلى هيئة التحقيق الخاصة اللبنانية لم يتجاوز التقريرين أو الثلاثة في العام الواحد منذ إقرار القانون عام 2015. وفي عام 2021، أُصدر تقرير واحد من كاتب عدل، أما في عام 2022 فلم يُرفع أي تقرير من أي جهة معنية. أمّا عام 2023 فرُفع تقريرٌ واحد من كاتب عدل وتقرير واحد من خبير محاسبة، والغريب غياب التقارير من المحامين.
في هذا السياق، يقول المغبط أنّه “بموجب المادة الخامسة من قانون مكافحة تبييض الأموال، يقع على عاتق المحامين وكتاب العدل وخبراء المحاسبة واجب قانوني للتقرير عن أي شبهة تبييض أموال تقع أمامهم لدى هيئة التحقيق الخاصَّة. ولكن، إذا نظرنا إلى التقارير السنوية لهيئة التحقيق الخاصة منذ عام 2015، وهو تاريخ صدور قانون مكافحة تبييض الأموال حتى الآن، فربما لا يتجاوز إجمالي التقارير المقدمة على مدى السنوات التسع مجتمعة 15 تقريراً”.
بارقة أمل: صندوق النقد الدولي والعهد الجديد؟
على الرغم من الصورة القاتمة، تلوح في الأفق إشارات إيجابية، فصندوق النقد الدولي يبدي استعداده لمساعدة لبنان. إذ صرّحت جولي كوزاك، مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي، “نرحب بانتخاب العماد عون رئيساً للبنان، ونتطلع إلى العمل معه ومع حكومته الجديدة لمعالجة التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني. وتجدر الإشارة إلى أن لبنان لا يزال يواجه تحديات اقتصادية عميقة، وقد أدى الصراع إلى تفاقم الوضع الاجتماعي والاقتصادي الكلي الهش بالفعل. إن انتخاب الرئيس وتشكيل حكومة جديدة، بالإضافة إلى وقف إطلاق النار، أمور بالغة الأهمية لدعم الإجراءات والسياسات الإصلاحية التي من شأنها أن تسمح بالعودة التدريجية إلى تطبيع النشاط الاقتصادي في لبنان”.
كما أبلغت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، حاكم مصرف لبنان بالإنابة، وسيم منصوري، بأن الصندوق يدعم لبنان وحكومته، وهي راغبة في زيارة بيروت قريباً. وأعلنت إدارة الصندوق عن وجود “مشاورات مكثفة مع أصدقاء لبنان لتقديم المساعدة والاستعداد للتحرك بشكل سريع”.
تأثيرات القائمة الرمادية!
الإدراج على القائمة الرمادية يعني أن لبنان لا يلتزم بشكل كامل بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وعلى رغم أن هذا الإدراج يختلف عن القائمة السوداء، إلا أنه يحمل تداعيات سلبية كبيرة، منها:
تقليل الاستثمار الأجنبي المباشر: يؤثر سلباً على الاقتصاد بسبب الحد من المعاملات المالية عبر الحدود.
تضرر سمعة الدولة: تصبح الدولة أقل جاذبية للأعمال والتجارة الدولية، ما يردع الشركات العالمية عن الاستثمار فيها.
ارتفاع تكاليف الامتثال: تزيد الأعباء المالية على المؤسسات بسبب ارتفاع تكاليف الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال.
انخفاض المساعدات الدولية: يمثل مشكلة كبيرة في ظل الظروف الحالية، حيث يعتمد لبنان على المساعدات الدولية.
زيادة الرقابة المالية: تفرض الهيئات الدولية ضغوطاً إضافية على النظام المالي.
يؤكّد المغبط أنّ “هذا يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية لأي فرد… فكلما ازدادت القيود المفروضة علينا في موضوع التحويلات المالية، كلما كان التأثير أكبر…”، إذ تزيد تكاليف التحويلات المالية والتدقيق، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات.
هل يتمكن “العهد الجديد” في لبنان من استغلال هذه الفرصة، وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ورفع اسم لبنان من القائمة الرمادية، لإنقاذ الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن المواطنين؟
إقرأوا أيضاً:













