ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الابتزاز الإلكتروني في الأردن… بين العزلة والانتحار وعجز القانون في مواجهة التكنولوجيا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مع الانتشار المتزايد للتكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الشخصية، أصبحت قضايا الابتزاز الإلكتروني شائعة في المملكة، ورغم أن المشرّع الأردني لم يضع تعريفاً مباشراً لمفهوم الإبتزاز وأنواعه في قانون العقوبات، فقد أدرج قانون الجرائم الالكتروني رقم 17 لسنة 2023، جريمة الابتزاز بشكل واضح في المادتين 18 و20 ، بالإضافة إلى ذلك، يمكن الرجوع إلى قانون العقوبات لتطبيق أحكام هذه الجريمة، استناداً إلى نص المادة 26 من قانون الجرائم الإلكترونية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تتوقّع نور الشابة العشرينية التي تعيش في العاصمة عمّان، أن تتحوّل صورة بسيطة شاركتها مع شخص وثقت به، إلى كابوس يلاحقها في تفاصيل حياتها.

بدأت قصة نور (اسم مستعار) عندما تلقّت رسالة تهديد من المُبتز، تطالبها بدفع مبلغ مالي، مقابل عدم نشر صورها الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي إذا لم تستجب، حينها شعرت نور بالرعب، فما كان منها إلا أن لجأت إلى القضاء برفقة عائلتها، لتقديم شكوى بموجب قانون الجرائم الإلكترونية.

لكن معركة نور لم  تقتصر على أروقة المحاكم فحسب، حيث تعرّضت لضغوط اجتماعية ونفسية كبيرة من عائلتها، لم يكن الخوف من المُبتز وحده هو ما يؤرقها، بل الخوف من “الفضيحة” والنظرة النمطية التي قد تلاحقها في المجتمع. 

وفي محاولة لحمايتها، قرر والداها إغلاق الملف والتنازل عن الشكوى، كان الخروج من دائرة الضوء و”تجنّب المشاكل” هو الخيار الأفضل، على حد قولها.

أما علي، الشاب الثلاثيني من محافظة إربد، فقد تعرّض حسابه الشخصي على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي للاختراق، وسُرقت منه محادثات وصور خاصة، وبدأ المُبتز بمطالبته بمبلغ مالي كبير، مقابل عدم نشر هذه البيانات.

شعر علي الذي يعمل في شركة خاصة، بالخوف من تأثير القضية على حياته العملية والشخصية، لكنه قرر التوجّه إلى القضاء وتقديم شكوى رسمية.

ويقول إنه مع بداية الإجراءات القانونية، شعر بالأمل في استعادة حقوقه ومعاقبة الجاني، إلا أن طول فترة التقاضي وكثرة التفاصيل البيروقراطية جعلته يشعر بالإحباط، مضيفاً أن “كل جلسة كانت تتطلب وقتاً وجهداً، وكان عليّ أن أطلب إجازات من العمل وأواجه أسئلة زملائي، في النهاية شعرت أن الموضوع يستهلك حياتي، قررت  تجاهل القضية بعد شهور طويلة من الإجراءات من دون أية نتائج ملموسة، إلا أن آثار تلك الحادثة ما زالت تلاحقني حتى اليوم”.

هاتان الروايتان هما اثنتان من آلاف القضايا التي تتعامل معها الأجهزة الأمنية سنوياً، في ظل الانتشار المتزايد للتكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الشخصية.

كيف تساهم التكنولوجيا في تسهيل الابتزاز؟

مع الانتشار المتزايد للتكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الشخصية، أصبحت قضايا الابتزاز الإلكتروني شائعة في المملكة، ورغم أن المشرّع الأردني لم يضع تعريفاً مباشراً لمفهوم الإبتزاز وأنواعه في قانون العقوبات، فقد أدرج قانون الجرائم الالكتروني رقم 17 لسنة 2023، جريمة الابتزاز بشكل واضح في المادتين 18 و20 ، بالإضافة إلى ذلك، يمكن الرجوع إلى قانون العقوبات لتطبيق أحكام هذه الجريمة، استناداً إلى نص المادة 26 من قانون الجرائم الإلكترونية.

يصف أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، عملية الابتزاز الإلكتروني بأنها “عملية ثنائية تتطلّب وجود طرفين: المُبتز والضحية”، موضحاً أن “البداية  تكون غالباً برضا الضحية من خلال قبول الطرف المستهدف التواصل الإلكتروني، لكن مع مرور الوقت قد يتحوّل هذا التواصل إلى استغلال”.

ويشير محادين إلى أن “التكنولوجيا منحت الأفراد حرية غير مسبوقة في التفاعل، إلا أن هذه الحرية قد يُساء استخدامها، فعندما تتعارض مصالح الأطراف، قد ينشأ الخلاف ويتحوّل إلى ابتزاز، سواء كان ذلك لأسباب أخلاقية أو اقتصادية”.

و”يتمثّل البعد الأخلاقي مثل الصور أو التواصل الحميم، حيث يخشى الشخص المستهدف من الوصمة الاجتماعية، التي قد تؤثّر على سمعته ومكانته، مما يدفعه للامتثال لطلبات المُبتز، أما البعد الاقتصادي مثل استهداف شركات أو مؤسسات بهدف سرقة بياناتها أو تهديدها بمحو المعلومات للحصول على مبالغ مالية”، بحسب محادين.

قصص من الواقع 

يستعرض المختص في قضايا الجرائم الالكترونية المحامي محمد الأتاسي، بعض حالات الابتزاز الإلكتروني التي تعامل معها، مشيراً إلى أنه “من أكثر القضايا شيوعاً، تلك المرتبطة بصفحات الشعوذة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تدّعي قدرتها على استدعاء الحبيب، أو إفساد العلاقات بين المحبين، وغالباً ما تستهدف هذه الصفحات النساء، نظراً لفضولهن تجاه مثل هذه المواضيع، ويبدأ المحتالون باستدراج الضحايا عبر طلبات غريبة مثل الاستحمام بالماء والملح، أو كتابة اسم الزوج أو الحبيب بأحمر الشفاه على الجسد، ليتم بعدها التقاط صور لهن، ثم تبدأ عملية الابتزاز، حيث يهدد المحتالون بنشر هذه الصور، أو إرسالها إلى الأزواج أو الأقارب ما لم يتم دفع مبالغ مالية كبيرة”.

وبحسب الأتاسي “يلجأ العديد من الضحايا إلى إخفاء الأمر خوفاً من الفضيحة أو معرفة الزوج والعائلة، فيقوم بعض النساء ببيع ذهبهن، أو الاقتراض من البنوك، أو الاستدانة من الصديقات، مما يؤدّي إلى تراكم الديون عليهن”.  

ولا يقتصر الابتزاز الإلكتروني على النساء فقط، وإن كنّ أكثر عرضة له، إذ يؤكد الأتاسي أن “الشبان أيضاً يواجهون هذا النوع من الجرائم، بل قد يكونون أكثر خوفاً وقلقاً، حيث يتلقّى بعضهم روابط عبر تطبيقات مثل واتساب، تُستخدَم لاستدراجهم في مكالمات فيديو تُسجَّل من دون علمهم، بعدها يبدأ المُبتزون بتهديدهم بنشر هذه المقاطع أو إرسالها إلى عائلاتهم أو زملائهم في العمل، ما لم يتم دفع مبالغ مالية باهظة”.

من أصعب القضايا التي واجهها الأتاسي، قضية طفلة لم تتجاوز 12 عاماً، أرسلت مقطع فيديو وهي تستحم، لسبعة أشخاص، خمسة منهم زملاؤها في المدرسة واثنان من خارجها، وبدأوا بتهديدها بنشر الفيديو، مما أدخلها في حالة صدمة شديدة، وعندما اكتشفت أسرتها الأمر، أُصيبت بالذهول  واضطرت لإرسال الطفلة إلى طبيب نفسي للتعامل مع الأزمة.

الخوف يمنع الضحايا من الإبلاغ

أحد التحدّيات الكبرى في قضايا الابتزاز الإلكتروني بحسب الأتاسي “تكمن في صعوبة تعقّب الجناة، حيث يكون العديد منهم خارج الأردن، مما يعقّد إجراءات الملاحقة القانونية، أما داخل الأردن، فيميل المُبتزون إلى تهديد الضحايا باستهداف أسرهم، وغالباً ما تُحل هذه القضايا ودياً لتجنّب الفضيحة”.

ويشير إلى أن “جريمة الابتزاز الجنسي تأتي في صدارة الجرائم الإلكترونية،  نظراً للانتشار الواسع للتكنولوجيا وتطوّر وسائل الاتصال”، موضحاً أن “هذه الجرائم ترتبط بشكل وثيق بالعادات والقيم المجتمعية، حيث يخشى الضحايا من الوصمة الاجتماعية، في حال تسرّب الصور أو المحادثات الجنسية، مما يدفع البعض للصمت خوفاً من التبعات”. 

ويرى الأتاسي أن “عدد قضايا الابتزاز الفعلي يفوق بكثير ما يتم الإعلان عنه، حيث تقتصر الإحصاءات على القضايا التي تقدّم أصحابها بشكاوى رسمية فقط، وعلى الرغم من أن قانون الجرائم الإلكترونية والإجراءات القانونية المتّبعة تفرض عقوبات رادعة وصارمة، يزيد الانتشار السريع للتكنولوجيا وسهولة استخدامها من تعقيد المسألة”، مؤكداً أن “الضحايا يواجهون تحدّيات كبيرة، تتعلّق بالخوف من العار الاجتماعي، مما يُبقي معدّلات الإبلاغ عن هذه الجرائم منخفضة حتى الآن”.

تزايد مستمر في قضايا الابتزاز 

وفقاً لإحصاءات وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام، فقد سجّلت الوحدة في عام 2022 زيادة كبيرة في عدد القضايا مقارنة بالسنوات السابقة، حيث ارتفعت من 2305 قضايا في 2015 إلى 16027 قضية في 2022،  كما تزايدت أساليب الابتزاز الإلكتروني، حيث بلغت القضايا المسجلة 1285 قضية. 

المعلومات المتاحة حتى الآن، لم يتم نشر إحصاءات رسمية حول عدد قضايا الجرائم الإلكترونية في الأردن لعام 2023، ولكن خلال أشهر قليلة من العام 2023، لجأ 6 آلاف و131 شخصاً إلى القانون لحمايتهم من أشخاص ارتكبوا بحقهم جرائم ابتزاز.

على الرغم من ذلك، لا توجد بيانات مفصّلة في الصحف الرسمية أو المواقع الإلكترونية حول الفئات المستهدفة من هذه الجرائم، مثل الفئة العمرية والجنس، أو التوزيع الجغرافي لحالات الابتزاز الإلكتروني داخل الأردن، ولا معلومات محددة حول نسبة نجاح القبض على مرتكبي هذه الجرائم وإحالتهم إلى القضاء.

وتعزو الوحدة ارتفاع نسب القضايا إلى الانتشار الواسع للتكنولوجيا وحلول الرقمية، واستخدام تطبيقات الهواتف الذكية، بالإضافة إلى زيادة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

 كما أن توعية المواطنين بحقوقهم وقدرتهم على اللجوء إلى القضاء، أسهم في زيادة نسبة تسجيل الجرائم لدى الوحدة، وشجّع ضحايا هذا النوع من الجرائم على تقديم شكاوى قانونية. 

 المتخصص في مجال الجرائم الإلكترونية الدكتور أشرف الراعي يقول إن “عدد الجرائم الإلكترونية شهد تضاعفاً خلال السنوات العشرة الماضية”، مرجعاً هذا التزايد إلى “التطوّر التقني السريع، حيث يؤدّي كل تقدّم تكنولوجي إلى خلق فرص جديدة لارتكاب هذه الجرائم، مما يُسهم في زيادة أعدادها بشكل ملحوظ”.

هل تكفي القوانين لمكافحة الابتزاز الإلكتروني؟

استجابة لتزايد قضايا الابتزاز الإلكتروني، قام المشرّع بتطوير قوانين وأنظمة حاسمة ورادعة، بدءاً من  إنشاء قسم الجرائم الإلكترونية في عام 2008 ، الذي تحوّل في عام 2015 إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، وفي العام نفسه صدر قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27، الذي نظّم التعامل مع القضايا الإلكترونية، موضحاً الجرائم والعقوبات المتعلّقة بها.

ثم جاء قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 في 2023، ليوسّع نطاق تحديد الجرائم ووسائل ارتكابها، وآليات التحقق منها، مواكباً التطوّر التكنولوجي في تفاصيل الجرائم والعقوبات، حيث تم تشديد العقوبات مقارنة بالقوانين السابقة، مما يساهم في الردع والوقاية، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، فعلى سبيل المثال، ارتفعت عقوبة الذم والقدح والتحقير من غرامة 100 دينار في 2010 إلى 5000 دينار في 2023.

يرى الراعي أن “القوانين الحالية المتعلّقة بالجرائم الإلكترونية، قد تكون غير كافية لمواكبة المستجدات  التقنية المتسارعة، فالتطوّر التكنولوجي يفوق أحياناً النصوص القانونية على التكيّف معه، مما يستدعي تشكيل لجان متخصصة لمراجعة هذه القوانين بشكل دوري”، مقترحاً أن “تتم إعادة دراسة التشريعات كل سنتين أو ثلاث سنوات، لضمان ملاءمتها للتطورات الحاصلة في الأنظمة الرقمية، وتحديث العقوبات بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الجديدة والمتغيّرة باستمرار”.

قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عام 2023، رغم أنه جاء بعد ثماني سنوات من القانون السابق لعام 2015 “لم يُغطِّ التطورات التقنية الحاصلة كلها”، كما يشير الراعي، لا سيما في مجالات مثل الابتزاز الإلكتروني والذكاء الصناعي، مؤكداً “أهمية تعديل القوانين، لتشمل جوانب التكنولوجيا الحديثة كافة، خاصة مع الانتشار الواسع للمنصّات الرقمية مثل إنستغرام، التي تتيح خوارزمياتها تضييق نطاق المعلومات وتوجيه المحتوى، بطريقة قد تُستغَل في جرائم الابتزاز”.

في ما يتعلّق بنصوص القانون الخاصة بالابتزاز، يعتبر الراعي أنها “غير كافية، إذ تفتقر إلى تعريف دقيق للابتزاز وأساليبه وآلياته، كما أنها لا تميّز بين أنواع الابتزاز المختلفة، مثل الابتزاز الجنسي وجرائم الفدية، مما يخلق فجوة في تطبيق القانون”، موضحاً أن “تطبيق هذه القوانين يعتمد إلى حد كبير على اجتهاد القضاة، حيث يحكم القاضي الجزائي وفقاً لقناعته الشخصية والمبادئ العامة للقانون الجنائي، وهو ما قد يؤدّي إلى تفاوت في الأحكام”.

يعاقب قانون الجرائم الإلكترونية جرائم الابتزاز من خلال المادتين 18 و20، لكن الراعي يشدد على “ضرورة تطوير هذه النصوص لتشمل تفاصيل أكثر وضوحاً حول أساليب الابتزاز وأشكاله المختلفة، بما يضمن تطبيقاً أكثر فاعلية للقانون في مواجهة هذه الجرائم المتجددة”. 

الابتزاز الإلكتروني والذكاء الصناعي

في ظل التطوّر التكنولوجي المتسارع وتزايد الاعتماد على الأنظمة الرقمية، أصبحت الجرائم الإلكترونية تشكل تهديداً متزايداً يتطلّب استجابة فعّالة ومتكاملة.

ومع تعقيد الأساليب المستخدمة في ارتكاب هذه الجرائم، خاصة تلك المدعومة بتقنيات الذكاء الصناعي، يشير الراعي إلى أن “أبرز التحدّيات التقنية في مكافحة الجرائم الإلكترونية تتمثّل بنقص الموارد التقنية، وغياب الجهات المؤهلة والمدربة التي تستطيع ملاحقة الجناة رقمياً”، موضحاً أن “الجرائم المرتكبة باستخدام أنظمة الذكاء الصناعي تتمتّع بنسبة دقّة تصل إلى  99%، مما يتطلّب وجود أنظمة ذكاء صناعي متقدّمة قادرة على تتبّع هذه الجرائم وكشفها، غير أن القوانين الحالية، خصوصاً في المجال الجنائي، لا تحتوي على نصوص واضحة تنظّم استخدام هذه التقنيات في عمليات التحرّي والاستدلال”.

ويقول الراعي إن “استخدام أنظمة الذكاء الصناعي في التحقيقات الجنائية لا يزال محدوداً، بسبب غياب الإطار القانوني الذي يُتيح ذلك، فضلاً عن ضعف التعاون الدولي في هذا المجال، مما يعرقل جهود مكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود”، مضيفاً أن “الحماية القانونية المقدمة لضحايا الابتزاز الإلكتروني لا تزال غير كافية، مما يزيد من تعقيد المشكلة”.

ويؤكّد أن “أكبر التحدّيات، هو الفجوة بين سرعة تطوّر الوسائل المستخدمة في ارتكاب الجرائم، وسرعة مواكبة التشريعات لها، فالتشريعات تأخذ وقتاً طويلاً لتعديلها، أو إدخال نصوص جديدة، مما يجعلها غير قادرة على تنظيم الأشكال المستحدثة للجرائم، مثل الابتزاز الإلكتروني، أو الجرائم المرتبطة بالذكاء الصناعي، هذا التأخّر في التشريع يخلق فجوات قانونية يستغلّها المجرمون، مما يستدعي تحركاً أسرع لتحديث القوانين وتطويرها، بما يتماشى مع التطورات التقنية المتسارعة”.

آثار الابتزاز الإلكتروني

 بعد إغلاق القضية، تصف نور حالتها النفسية بأنها  “اختناق مستمر”، وتقول “ما زلت أشعر بالخوف من أن يعود المُبتز للتهديد في أي وقت، لكن الأصعب هو شعوري بأنني فقدت حقّي، وكأنني كنت مخطئة لأنني طالبت بالعدالة”.

أصبحت نور أكثر انعزالاً عن محيطها الاجتماعي، وأقل قدرة على الثقة بالآخرين، بالنسبة لها، كانت هذه التجربة مدمرة وتركت أثراً نفسياً عميقاً لا يلتئم.

ويصف علي حالته النفسية بقوله “أشعر أنني فقدت جزءاً من قدرتي على التركيز، وأصبحت أكثر قلقاً وخوفاً من استخدام الإنترنت، حتى علاقاتي الاجتماعية تأثّرت، إذ أشعر بالخجل عندما يتحدّث أحد عن الموضوع”.

هذه الآثار النفسية ليست مجرد انعكاسات فردية، بل ظاهرة مجتمعية متفاقمة، كما يوضح أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، ويرى أن “الانسحاب الاجتماعي الناتج عن مثل هذه التجارب، لا يقتصر على التفاعل مع وسائل الاجتماعي، بل يمتد إلى الانزواء في العلاقات الاجتماعية اليومية، مما يفتح الباب أمام اضطرابات نفسية قد تصل  إلى الانتحار في حالات قصوى، حتى عند لجوء الضحية إلى القضاء ومحاسبة المُبتز، تبقى مشاعر العجز والخذلان حاضرة، لأن الأذى النفسي لا يُمحى بسهولة”.

ويشير محادين إلى أن “قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عام 2015، لم يتضمّن نصوصاً واضحة لمعالجة قضايا الابتزاز الإلكتروني، مما أضعف الإطار القانوني وأدّى إلى تفاقم المشكلة، هذا، إلى جانب غياب برامج فعّالة لتحصين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ضد هذه الجرائم، ما جعل الضحايا عرضة لدوّامة لا تنتهي من الخوف والعزلة”.

من جانبها، تسلّط رانيا الصرايرة منسّقة “شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحافيات”، الضوء على الآثار النفسية المدمرة التي يتركها الابتزاز الإلكتروني، بدءاً من الأرق واضطرابات النوم، إلى الخوف والعزلة والغضب الشديد. 

وتؤكّد الصرايرة “أهمية حملات التوعية”، مشددة على “ضرورة توفير دعم نفسي واستشارات قانونية مجانية، بالإضافة إلى ورش تدريبية تمكّن النساء من حماية أنفسهن، وتقديم الدعم للضحايا”.

في عالم يتحكّم فيه التطور التكنولوجي بمفاصل الحياة اليومية، يرى خبراء أن مواجهة الابتزاز الإلكتروني لا تقتصر على تشديد العقوبات، بل تتطلّب تغييراً جذرياً في المفاهيم الاجتماعية، التي تعزز وصمة العار وتدفع الضحايا إلى الصمت بدل المواجهة.

هذا التقرير من إنتاج “ويش بوكس ميديا” بالتعاون مع “الوكالة الفرنسية للتعاون الإعلامي والتنمية”، ضمن “برنامج قريب”.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
26.02.2025
زمن القراءة: 10 minutes

مع الانتشار المتزايد للتكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الشخصية، أصبحت قضايا الابتزاز الإلكتروني شائعة في المملكة، ورغم أن المشرّع الأردني لم يضع تعريفاً مباشراً لمفهوم الإبتزاز وأنواعه في قانون العقوبات، فقد أدرج قانون الجرائم الالكتروني رقم 17 لسنة 2023، جريمة الابتزاز بشكل واضح في المادتين 18 و20 ، بالإضافة إلى ذلك، يمكن الرجوع إلى قانون العقوبات لتطبيق أحكام هذه الجريمة، استناداً إلى نص المادة 26 من قانون الجرائم الإلكترونية.

لم تتوقّع نور الشابة العشرينية التي تعيش في العاصمة عمّان، أن تتحوّل صورة بسيطة شاركتها مع شخص وثقت به، إلى كابوس يلاحقها في تفاصيل حياتها.

بدأت قصة نور (اسم مستعار) عندما تلقّت رسالة تهديد من المُبتز، تطالبها بدفع مبلغ مالي، مقابل عدم نشر صورها الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي إذا لم تستجب، حينها شعرت نور بالرعب، فما كان منها إلا أن لجأت إلى القضاء برفقة عائلتها، لتقديم شكوى بموجب قانون الجرائم الإلكترونية.

لكن معركة نور لم  تقتصر على أروقة المحاكم فحسب، حيث تعرّضت لضغوط اجتماعية ونفسية كبيرة من عائلتها، لم يكن الخوف من المُبتز وحده هو ما يؤرقها، بل الخوف من “الفضيحة” والنظرة النمطية التي قد تلاحقها في المجتمع. 

وفي محاولة لحمايتها، قرر والداها إغلاق الملف والتنازل عن الشكوى، كان الخروج من دائرة الضوء و”تجنّب المشاكل” هو الخيار الأفضل، على حد قولها.

أما علي، الشاب الثلاثيني من محافظة إربد، فقد تعرّض حسابه الشخصي على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي للاختراق، وسُرقت منه محادثات وصور خاصة، وبدأ المُبتز بمطالبته بمبلغ مالي كبير، مقابل عدم نشر هذه البيانات.

شعر علي الذي يعمل في شركة خاصة، بالخوف من تأثير القضية على حياته العملية والشخصية، لكنه قرر التوجّه إلى القضاء وتقديم شكوى رسمية.

ويقول إنه مع بداية الإجراءات القانونية، شعر بالأمل في استعادة حقوقه ومعاقبة الجاني، إلا أن طول فترة التقاضي وكثرة التفاصيل البيروقراطية جعلته يشعر بالإحباط، مضيفاً أن “كل جلسة كانت تتطلب وقتاً وجهداً، وكان عليّ أن أطلب إجازات من العمل وأواجه أسئلة زملائي، في النهاية شعرت أن الموضوع يستهلك حياتي، قررت  تجاهل القضية بعد شهور طويلة من الإجراءات من دون أية نتائج ملموسة، إلا أن آثار تلك الحادثة ما زالت تلاحقني حتى اليوم”.

هاتان الروايتان هما اثنتان من آلاف القضايا التي تتعامل معها الأجهزة الأمنية سنوياً، في ظل الانتشار المتزايد للتكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الشخصية.

كيف تساهم التكنولوجيا في تسهيل الابتزاز؟

مع الانتشار المتزايد للتكنولوجيا وسهولة الوصول إلى المعلومات الشخصية، أصبحت قضايا الابتزاز الإلكتروني شائعة في المملكة، ورغم أن المشرّع الأردني لم يضع تعريفاً مباشراً لمفهوم الإبتزاز وأنواعه في قانون العقوبات، فقد أدرج قانون الجرائم الالكتروني رقم 17 لسنة 2023، جريمة الابتزاز بشكل واضح في المادتين 18 و20 ، بالإضافة إلى ذلك، يمكن الرجوع إلى قانون العقوبات لتطبيق أحكام هذه الجريمة، استناداً إلى نص المادة 26 من قانون الجرائم الإلكترونية.

يصف أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، عملية الابتزاز الإلكتروني بأنها “عملية ثنائية تتطلّب وجود طرفين: المُبتز والضحية”، موضحاً أن “البداية  تكون غالباً برضا الضحية من خلال قبول الطرف المستهدف التواصل الإلكتروني، لكن مع مرور الوقت قد يتحوّل هذا التواصل إلى استغلال”.

ويشير محادين إلى أن “التكنولوجيا منحت الأفراد حرية غير مسبوقة في التفاعل، إلا أن هذه الحرية قد يُساء استخدامها، فعندما تتعارض مصالح الأطراف، قد ينشأ الخلاف ويتحوّل إلى ابتزاز، سواء كان ذلك لأسباب أخلاقية أو اقتصادية”.

و”يتمثّل البعد الأخلاقي مثل الصور أو التواصل الحميم، حيث يخشى الشخص المستهدف من الوصمة الاجتماعية، التي قد تؤثّر على سمعته ومكانته، مما يدفعه للامتثال لطلبات المُبتز، أما البعد الاقتصادي مثل استهداف شركات أو مؤسسات بهدف سرقة بياناتها أو تهديدها بمحو المعلومات للحصول على مبالغ مالية”، بحسب محادين.

قصص من الواقع 

يستعرض المختص في قضايا الجرائم الالكترونية المحامي محمد الأتاسي، بعض حالات الابتزاز الإلكتروني التي تعامل معها، مشيراً إلى أنه “من أكثر القضايا شيوعاً، تلك المرتبطة بصفحات الشعوذة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تدّعي قدرتها على استدعاء الحبيب، أو إفساد العلاقات بين المحبين، وغالباً ما تستهدف هذه الصفحات النساء، نظراً لفضولهن تجاه مثل هذه المواضيع، ويبدأ المحتالون باستدراج الضحايا عبر طلبات غريبة مثل الاستحمام بالماء والملح، أو كتابة اسم الزوج أو الحبيب بأحمر الشفاه على الجسد، ليتم بعدها التقاط صور لهن، ثم تبدأ عملية الابتزاز، حيث يهدد المحتالون بنشر هذه الصور، أو إرسالها إلى الأزواج أو الأقارب ما لم يتم دفع مبالغ مالية كبيرة”.

وبحسب الأتاسي “يلجأ العديد من الضحايا إلى إخفاء الأمر خوفاً من الفضيحة أو معرفة الزوج والعائلة، فيقوم بعض النساء ببيع ذهبهن، أو الاقتراض من البنوك، أو الاستدانة من الصديقات، مما يؤدّي إلى تراكم الديون عليهن”.  

ولا يقتصر الابتزاز الإلكتروني على النساء فقط، وإن كنّ أكثر عرضة له، إذ يؤكد الأتاسي أن “الشبان أيضاً يواجهون هذا النوع من الجرائم، بل قد يكونون أكثر خوفاً وقلقاً، حيث يتلقّى بعضهم روابط عبر تطبيقات مثل واتساب، تُستخدَم لاستدراجهم في مكالمات فيديو تُسجَّل من دون علمهم، بعدها يبدأ المُبتزون بتهديدهم بنشر هذه المقاطع أو إرسالها إلى عائلاتهم أو زملائهم في العمل، ما لم يتم دفع مبالغ مالية باهظة”.

من أصعب القضايا التي واجهها الأتاسي، قضية طفلة لم تتجاوز 12 عاماً، أرسلت مقطع فيديو وهي تستحم، لسبعة أشخاص، خمسة منهم زملاؤها في المدرسة واثنان من خارجها، وبدأوا بتهديدها بنشر الفيديو، مما أدخلها في حالة صدمة شديدة، وعندما اكتشفت أسرتها الأمر، أُصيبت بالذهول  واضطرت لإرسال الطفلة إلى طبيب نفسي للتعامل مع الأزمة.

الخوف يمنع الضحايا من الإبلاغ

أحد التحدّيات الكبرى في قضايا الابتزاز الإلكتروني بحسب الأتاسي “تكمن في صعوبة تعقّب الجناة، حيث يكون العديد منهم خارج الأردن، مما يعقّد إجراءات الملاحقة القانونية، أما داخل الأردن، فيميل المُبتزون إلى تهديد الضحايا باستهداف أسرهم، وغالباً ما تُحل هذه القضايا ودياً لتجنّب الفضيحة”.

ويشير إلى أن “جريمة الابتزاز الجنسي تأتي في صدارة الجرائم الإلكترونية،  نظراً للانتشار الواسع للتكنولوجيا وتطوّر وسائل الاتصال”، موضحاً أن “هذه الجرائم ترتبط بشكل وثيق بالعادات والقيم المجتمعية، حيث يخشى الضحايا من الوصمة الاجتماعية، في حال تسرّب الصور أو المحادثات الجنسية، مما يدفع البعض للصمت خوفاً من التبعات”. 

ويرى الأتاسي أن “عدد قضايا الابتزاز الفعلي يفوق بكثير ما يتم الإعلان عنه، حيث تقتصر الإحصاءات على القضايا التي تقدّم أصحابها بشكاوى رسمية فقط، وعلى الرغم من أن قانون الجرائم الإلكترونية والإجراءات القانونية المتّبعة تفرض عقوبات رادعة وصارمة، يزيد الانتشار السريع للتكنولوجيا وسهولة استخدامها من تعقيد المسألة”، مؤكداً أن “الضحايا يواجهون تحدّيات كبيرة، تتعلّق بالخوف من العار الاجتماعي، مما يُبقي معدّلات الإبلاغ عن هذه الجرائم منخفضة حتى الآن”.

تزايد مستمر في قضايا الابتزاز 

وفقاً لإحصاءات وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام، فقد سجّلت الوحدة في عام 2022 زيادة كبيرة في عدد القضايا مقارنة بالسنوات السابقة، حيث ارتفعت من 2305 قضايا في 2015 إلى 16027 قضية في 2022،  كما تزايدت أساليب الابتزاز الإلكتروني، حيث بلغت القضايا المسجلة 1285 قضية. 

المعلومات المتاحة حتى الآن، لم يتم نشر إحصاءات رسمية حول عدد قضايا الجرائم الإلكترونية في الأردن لعام 2023، ولكن خلال أشهر قليلة من العام 2023، لجأ 6 آلاف و131 شخصاً إلى القانون لحمايتهم من أشخاص ارتكبوا بحقهم جرائم ابتزاز.

على الرغم من ذلك، لا توجد بيانات مفصّلة في الصحف الرسمية أو المواقع الإلكترونية حول الفئات المستهدفة من هذه الجرائم، مثل الفئة العمرية والجنس، أو التوزيع الجغرافي لحالات الابتزاز الإلكتروني داخل الأردن، ولا معلومات محددة حول نسبة نجاح القبض على مرتكبي هذه الجرائم وإحالتهم إلى القضاء.

وتعزو الوحدة ارتفاع نسب القضايا إلى الانتشار الواسع للتكنولوجيا وحلول الرقمية، واستخدام تطبيقات الهواتف الذكية، بالإضافة إلى زيادة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.

 كما أن توعية المواطنين بحقوقهم وقدرتهم على اللجوء إلى القضاء، أسهم في زيادة نسبة تسجيل الجرائم لدى الوحدة، وشجّع ضحايا هذا النوع من الجرائم على تقديم شكاوى قانونية. 

 المتخصص في مجال الجرائم الإلكترونية الدكتور أشرف الراعي يقول إن “عدد الجرائم الإلكترونية شهد تضاعفاً خلال السنوات العشرة الماضية”، مرجعاً هذا التزايد إلى “التطوّر التقني السريع، حيث يؤدّي كل تقدّم تكنولوجي إلى خلق فرص جديدة لارتكاب هذه الجرائم، مما يُسهم في زيادة أعدادها بشكل ملحوظ”.

هل تكفي القوانين لمكافحة الابتزاز الإلكتروني؟

استجابة لتزايد قضايا الابتزاز الإلكتروني، قام المشرّع بتطوير قوانين وأنظمة حاسمة ورادعة، بدءاً من  إنشاء قسم الجرائم الإلكترونية في عام 2008 ، الذي تحوّل في عام 2015 إلى وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، وفي العام نفسه صدر قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27، الذي نظّم التعامل مع القضايا الإلكترونية، موضحاً الجرائم والعقوبات المتعلّقة بها.

ثم جاء قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 في 2023، ليوسّع نطاق تحديد الجرائم ووسائل ارتكابها، وآليات التحقق منها، مواكباً التطوّر التكنولوجي في تفاصيل الجرائم والعقوبات، حيث تم تشديد العقوبات مقارنة بالقوانين السابقة، مما يساهم في الردع والوقاية، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، فعلى سبيل المثال، ارتفعت عقوبة الذم والقدح والتحقير من غرامة 100 دينار في 2010 إلى 5000 دينار في 2023.

يرى الراعي أن “القوانين الحالية المتعلّقة بالجرائم الإلكترونية، قد تكون غير كافية لمواكبة المستجدات  التقنية المتسارعة، فالتطوّر التكنولوجي يفوق أحياناً النصوص القانونية على التكيّف معه، مما يستدعي تشكيل لجان متخصصة لمراجعة هذه القوانين بشكل دوري”، مقترحاً أن “تتم إعادة دراسة التشريعات كل سنتين أو ثلاث سنوات، لضمان ملاءمتها للتطورات الحاصلة في الأنظمة الرقمية، وتحديث العقوبات بما يتناسب مع طبيعة الجرائم الجديدة والمتغيّرة باستمرار”.

قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عام 2023، رغم أنه جاء بعد ثماني سنوات من القانون السابق لعام 2015 “لم يُغطِّ التطورات التقنية الحاصلة كلها”، كما يشير الراعي، لا سيما في مجالات مثل الابتزاز الإلكتروني والذكاء الصناعي، مؤكداً “أهمية تعديل القوانين، لتشمل جوانب التكنولوجيا الحديثة كافة، خاصة مع الانتشار الواسع للمنصّات الرقمية مثل إنستغرام، التي تتيح خوارزمياتها تضييق نطاق المعلومات وتوجيه المحتوى، بطريقة قد تُستغَل في جرائم الابتزاز”.

في ما يتعلّق بنصوص القانون الخاصة بالابتزاز، يعتبر الراعي أنها “غير كافية، إذ تفتقر إلى تعريف دقيق للابتزاز وأساليبه وآلياته، كما أنها لا تميّز بين أنواع الابتزاز المختلفة، مثل الابتزاز الجنسي وجرائم الفدية، مما يخلق فجوة في تطبيق القانون”، موضحاً أن “تطبيق هذه القوانين يعتمد إلى حد كبير على اجتهاد القضاة، حيث يحكم القاضي الجزائي وفقاً لقناعته الشخصية والمبادئ العامة للقانون الجنائي، وهو ما قد يؤدّي إلى تفاوت في الأحكام”.

يعاقب قانون الجرائم الإلكترونية جرائم الابتزاز من خلال المادتين 18 و20، لكن الراعي يشدد على “ضرورة تطوير هذه النصوص لتشمل تفاصيل أكثر وضوحاً حول أساليب الابتزاز وأشكاله المختلفة، بما يضمن تطبيقاً أكثر فاعلية للقانون في مواجهة هذه الجرائم المتجددة”. 

الابتزاز الإلكتروني والذكاء الصناعي

في ظل التطوّر التكنولوجي المتسارع وتزايد الاعتماد على الأنظمة الرقمية، أصبحت الجرائم الإلكترونية تشكل تهديداً متزايداً يتطلّب استجابة فعّالة ومتكاملة.

ومع تعقيد الأساليب المستخدمة في ارتكاب هذه الجرائم، خاصة تلك المدعومة بتقنيات الذكاء الصناعي، يشير الراعي إلى أن “أبرز التحدّيات التقنية في مكافحة الجرائم الإلكترونية تتمثّل بنقص الموارد التقنية، وغياب الجهات المؤهلة والمدربة التي تستطيع ملاحقة الجناة رقمياً”، موضحاً أن “الجرائم المرتكبة باستخدام أنظمة الذكاء الصناعي تتمتّع بنسبة دقّة تصل إلى  99%، مما يتطلّب وجود أنظمة ذكاء صناعي متقدّمة قادرة على تتبّع هذه الجرائم وكشفها، غير أن القوانين الحالية، خصوصاً في المجال الجنائي، لا تحتوي على نصوص واضحة تنظّم استخدام هذه التقنيات في عمليات التحرّي والاستدلال”.

ويقول الراعي إن “استخدام أنظمة الذكاء الصناعي في التحقيقات الجنائية لا يزال محدوداً، بسبب غياب الإطار القانوني الذي يُتيح ذلك، فضلاً عن ضعف التعاون الدولي في هذا المجال، مما يعرقل جهود مكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود”، مضيفاً أن “الحماية القانونية المقدمة لضحايا الابتزاز الإلكتروني لا تزال غير كافية، مما يزيد من تعقيد المشكلة”.

ويؤكّد أن “أكبر التحدّيات، هو الفجوة بين سرعة تطوّر الوسائل المستخدمة في ارتكاب الجرائم، وسرعة مواكبة التشريعات لها، فالتشريعات تأخذ وقتاً طويلاً لتعديلها، أو إدخال نصوص جديدة، مما يجعلها غير قادرة على تنظيم الأشكال المستحدثة للجرائم، مثل الابتزاز الإلكتروني، أو الجرائم المرتبطة بالذكاء الصناعي، هذا التأخّر في التشريع يخلق فجوات قانونية يستغلّها المجرمون، مما يستدعي تحركاً أسرع لتحديث القوانين وتطويرها، بما يتماشى مع التطورات التقنية المتسارعة”.

آثار الابتزاز الإلكتروني

 بعد إغلاق القضية، تصف نور حالتها النفسية بأنها  “اختناق مستمر”، وتقول “ما زلت أشعر بالخوف من أن يعود المُبتز للتهديد في أي وقت، لكن الأصعب هو شعوري بأنني فقدت حقّي، وكأنني كنت مخطئة لأنني طالبت بالعدالة”.

أصبحت نور أكثر انعزالاً عن محيطها الاجتماعي، وأقل قدرة على الثقة بالآخرين، بالنسبة لها، كانت هذه التجربة مدمرة وتركت أثراً نفسياً عميقاً لا يلتئم.

ويصف علي حالته النفسية بقوله “أشعر أنني فقدت جزءاً من قدرتي على التركيز، وأصبحت أكثر قلقاً وخوفاً من استخدام الإنترنت، حتى علاقاتي الاجتماعية تأثّرت، إذ أشعر بالخجل عندما يتحدّث أحد عن الموضوع”.

هذه الآثار النفسية ليست مجرد انعكاسات فردية، بل ظاهرة مجتمعية متفاقمة، كما يوضح أستاذ علم الاجتماع والجريمة في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، ويرى أن “الانسحاب الاجتماعي الناتج عن مثل هذه التجارب، لا يقتصر على التفاعل مع وسائل الاجتماعي، بل يمتد إلى الانزواء في العلاقات الاجتماعية اليومية، مما يفتح الباب أمام اضطرابات نفسية قد تصل  إلى الانتحار في حالات قصوى، حتى عند لجوء الضحية إلى القضاء ومحاسبة المُبتز، تبقى مشاعر العجز والخذلان حاضرة، لأن الأذى النفسي لا يُمحى بسهولة”.

ويشير محادين إلى أن “قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عام 2015، لم يتضمّن نصوصاً واضحة لمعالجة قضايا الابتزاز الإلكتروني، مما أضعف الإطار القانوني وأدّى إلى تفاقم المشكلة، هذا، إلى جانب غياب برامج فعّالة لتحصين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ضد هذه الجرائم، ما جعل الضحايا عرضة لدوّامة لا تنتهي من الخوف والعزلة”.

من جانبها، تسلّط رانيا الصرايرة منسّقة “شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحافيات”، الضوء على الآثار النفسية المدمرة التي يتركها الابتزاز الإلكتروني، بدءاً من الأرق واضطرابات النوم، إلى الخوف والعزلة والغضب الشديد. 

وتؤكّد الصرايرة “أهمية حملات التوعية”، مشددة على “ضرورة توفير دعم نفسي واستشارات قانونية مجانية، بالإضافة إلى ورش تدريبية تمكّن النساء من حماية أنفسهن، وتقديم الدعم للضحايا”.

في عالم يتحكّم فيه التطور التكنولوجي بمفاصل الحياة اليومية، يرى خبراء أن مواجهة الابتزاز الإلكتروني لا تقتصر على تشديد العقوبات، بل تتطلّب تغييراً جذرياً في المفاهيم الاجتماعية، التي تعزز وصمة العار وتدفع الضحايا إلى الصمت بدل المواجهة.

هذا التقرير من إنتاج “ويش بوكس ميديا” بالتعاون مع “الوكالة الفرنسية للتعاون الإعلامي والتنمية”، ضمن “برنامج قريب”.

26.02.2025
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية