ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“الابنة الصالحة”والتواريخ الحارقة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من ضمن المعاني التي قرأتها عن معنى “تمّوز” أنه باللغة الأكادية هو اسم إلهTammuzu، وباللغة السريانية نُقل من الأكادية وصار ܬܡܘܙ ويلفظ تمّوز، ولكن المعنى الذي أعجبني بغضّ النظر عن دقّته هو بالسومرية، وينطق Dumuzi ومعناه الابن الصالح أو الابن الأمين، وهو المعنى الذي أودّ اعتماده ولكنّي سأحوّله إلى “الابنة الصالحة أو الأمينة”، وأقصد فيه أختي التي ولدتها أمّي فيه عمداً كي تخفّف من وطأة أحداثه الحارقة كشمسه، عليّ أنا تحديداً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لفترة طويلة من الزمن هو زمن عمري، كان شهر تمّوز هو الشهر الذي يتضمّن تاريخ ميلاد أختي، ولكن مع مرور السنوات، صارت تضاف إلى هذا الشهر أحداث أو تواريخ معظمها سيّئ أو حزين أو حتى كارثي. 

أوّل تاريخ أُضيف هو تاريخ 26 تمّوز 1990، يوم وفاة جدّي أبو ناصر والد أمّي. كان عمري حينها 12 عاماً. مشهد واحد أذكره ولا أذكر ما حصل قبله أو بعده: أنا أقف إلى يمين أمّي المنهارة وهي تستند عليّ في حيّ البيدر في الضيعة، أمام بيت عمّي، ونتّجه صوب بيتنا الذي هو أصلاً بيت جدّي أبو ناصر، وأبي يحاول أن يسندها من الجهة اليسرى، وهي تقول له باكية وبصوت بالكاد مفهوم: “إنت لا ما تهدّيني”.

بابا لم يفهم وقتها لماذا ماما لم تكن تريده أن يساعدني بإسنادها، قلت له: “عشان ضهرك يا بابا”، كان بابا يعاني من الديسك وقد أجرى عمليّة في ظهره، لكنّي لا أذكر الآن إن كانت العمليّة قبل هذا التاريخ أو بعده. 

أمّا ثاني تاريخ أُضيف إلى شهر تمّوز فلا يمكن اعتباره لا سيئّاً ولا كارثياً ولا حزيناً، وهو تاريخ ميلاد أحد الذين “أحببتهم” عندما كان عمري 22 سنة، وليست هذه المدوّنة المناسبة لشرح سبب وضع علامات تنصيص.

ثالث تاريخ أُضيف إلى شهر تمّوز كان كارثياً، وهو تاريخ بداية حرب 2006، الذي أصلاً صادف يوم ميلاد أختي أي 11 تمّوز. كنّا حينها نعيش هي وأنا في دبي، وكانت هي تُمضي إجازة في لبنان عندما بدأت الحرب. كان بيتنا لا يزال في حارة حريك وأخبرتني لاحقاً كيف هربوا إلى بيت عمّي في الأِشرفية، ثم كيف ذهبوا لدقائق فقط لإخراج ما يجب إخراجه من المنزل، قبل أن تعود مع أمّي وأبي وصديقتي وابنتها إلى دبي بعد أن اهتمّ تلفزيون دبي؛ حيث كنت أعمل، بنقل عائلات العاملين فيه من لبنان إلى سوريا برّاً (شاركت هي في عمليّة تنظيم النقليات والتواصل مع الأهالي والعاملين في تلفزيون دبي الذين كانوا مثلها في إجازة في لبنان) ثم جوّاً من سوريا إلى دبي.

رابع تاريخ أُضيف هو 23 تمّوز 2021، يوم وفاة الروائي جبّور الدويهي. كنت لا أزال أعيش في اسطنبول حينها، ولم أعرف خبر الوفاة في اليوم نفسه، إنما صُعقت بالخبر بعد عدّة أيّام من الوفاة. 

زعلت كثيراً، وزعلت أيضاً أنني لم أعرف في اليوم نفسه. أعرف أن هذا لن يغيّر من الأمر شيئاً، ولكن أزعجني أن أعرف متأخّرة. 

كنت قد تعرّفت شخصياً على جبّور في سنة 2017، عندما حصلت على منحة من آفاق لأكتب روايتي، وكان في تلك الدورة هو الكاتب الذي اختار المتقدّمين أو أحد المشاركين في اللجنة، وكانت ورشة الكتابة بإشرافه، فكان أوّل لقاء بينه وبين كل الحاصلين على منحة الورشة والنشر في فندق في إهدن، ونشأت بيني وبينه صداقة والتقينا بعد الورشة الأولى والثانية، وثرثرنا على الماسنجر، وفي بعض الأحيان تبادلنا نميمة على بوستات لبعض المعارف المشتركين. 

رسمت بورتريه له، وأهديته لابنته التي لم تكن تربطني بها سابق معرفة. 

أمّا خامس تاريخ فهو التاريخ الحزين 21 تمّوز 2024، يوم ماتت ماما. 

كتبت عن موتها وعنها كثيراً ولا زال بإمكاني أن أكتب الكثير، لكنّي لن أفعل الآن. أنا أكثر حزناً الآن من أي وقت خلال السنتين الماضيتين، حزينة وناقصة من دونها. 

قبل ساعات قليلة من موتها، أغارت إسرائيل على أحد مخازن الصواريخ في إحدى القرى المجاورة، وكنت وحدي بجوار ماما حينها، وفزعنا معاً ولكن بهدوء ودون هلع. كان الصوت قويّاً جداً فقالت لي: “هيدا هون ورا البيت!”. 

كانت محقّة، وصلت الصواريخ المتطايرة جرّاء الغارة إلى حديقة جارنا. قلت لها إني سأتركها فقط لدقائق وأعود، صوّرت لها بقايا الصاروخ من عند الجيران حيث سقطت، وأريتها إيّاها. 

يريحني جداً أنها ماتت قبل الحرب اللاحقة، راحة لا تخفّف من نقصي وحزني.

وفي 2025، وقبل ذكرى وفاة ماما بثلاثة أيّام ضاعت كلبتي جينجر. 

عندما بدأت تتردّد جينجر إلى بيتنا مع كلب صار اسمه ويسكي في عام 2018 أو 2019، كان للتقرّب من كلبتنا الأولى ساشا، وصارت جينجر مع ويسكي وساشا كلاب بيتنا. 

أنا كنت في اسطنبول حينها، وعندما عدت للإقامة في الضيعة أقنعتني أختي – التي كانت على وشك السفر مع زوجها والكلاب – أنه من الأفضل لي أن تبقى معي جينجر. 

كنت أعلم عندما وافقت أنني سأندم، ورغم حبّي الشديد لجينجر إلا أنني فعلاً ندمت. كل يوم كنت أندم على موافقتي وكل يوم أحبّ جينجر. كل من رأى جينجر قال لي إنها تشبهني، لم يقصدوا شكلها بل طبعها، فجينجر مثلي لا تطلب اهتمام أحد ولا تسعى له.

كانت ترافقني كظلّي ولكن لا تقترب مني. عندما  كنت أضع لها الطعام كانت تشمّه وتُبعد رأسها عنه ثم تغادر، وتعود لاحقاً لتناوله، كأنها تقول لي: “مش بس إنت عندك مزاج يا ست رولا، أنا آكل بتوقيتي لا بتوقيتك”. 

جينجر كانت تحبّ الشوكولا والبوظة، مثلي. أعرف أن الحلوى مضرّة للكلاب ولكنّني أغشّ. في الصيف كانت تقرّر أن تنام في الخارج، وفي الشتاء تنام جينجر في البيت في الطابق الأرضي حيث خصّصت لها كنبة، وفي الطابق العلوي كان لها كنبة أيضاً، ولكنّها في الليل كانت تسبقني إلى السرير، وتقفز وتنام تحديداً على الجهة التي أنام أنا عليها، ويكون عليّ نقلها إلى الجهة الأخرى عندما أصعد لأنام. 

قبل فصلهما، كانت جينجر تعيش في ظلّ ويسكي وحمايته. لكنّنا لم نعرف هذا عنها إلا عندما سافر وصارت ضعيفة ووحيدة، تعرّضت للاعتداء من كلاب شاردة أكثر من أربع مرّات، ولكنّها نجت. 

صارت تخاف، فلا تترك الحديقة من دوني، وترعبها الألعاب النارية والغارات وأصوات الموتوسيكلات والرعد، ترتجف لساعات. 

حرب 2023 كانت صعبة عليها. أمّا الحرب الأخيرة فلا أعلم إن كانت عاشتها، ولا أعلم إن كانت وحيدة أو مع كلاب تحت جسر ما، أو أحد ما وجدها واهتمّ بها أو وجدها ولا يهتمّ بها. 

ضاعت في مكان بعيد عن البيت، لم تعرف كيف ترجع إلينا. ظلّلنا أخي وأنا يومياً نذهب حيث ضاعت، وندور في السيارة ونترجّل منها ونتمشّى، ونصرخ باسمها تحت أشعة شمس تمّوز. عمّمنا صورتها، وصرنا كلما وصلنا خبر عن مشاهدة كلب يشبهها نذهب للتأكّد إن كانت جينجر. آخر مرّة كانت في حزيران 2026، ذهبت إلى أحد ملاجئ الكلاب الذي نشر فيديو فيه كلب يشبه جينجر، أرسلت لي أختي الفيديو فذهبت. ذهبت إلى ضيعة زفتا، وهي على الطريق المؤدّي إلى النبطية وتلّة علي الطاهر التي لا تزال تتعرّض يومياً للغارات، نزلت إلى وادٍ حيث الملجأ، استقبلني أكثر من 200 كلب، ولكن الكلبة التي تشبه جينجر لم تكن جينجر.

إذا كانت جينجر لا تزال حيّة، فعمرها الآن 9 سنوات.

بعد أيّام من اختفاء جينجر، وتحديداً في 26 تمّوز 2025، كنت أجلس مع صديقتي في مقهى في بدارو فوصلني خبر وفاة زياد الرحباني. 

لم أكن أعلم أنني سأحزن بهذا القدر، غادرت وجلست وحدي في مقهى آخر، وبكيت. 

لم يكن صديقي زياد، التقيته في سهرة عند صديقة مشتركة وكانت سهرة لطيفة جداً، ولكنّ علاقتي به لا تمّت بصلة إلى تلك السهرة. ككل من أعرف كنت أستمع إلى مسرحيات زياد عبر الـ Walkman، وعرفت مسرحياته قبل أغانيه، وأحببت فيروز عندما غنّت كلماته وألحانه، وكرهت زياد عندما صار تلفزيون “المنار” و”الميادين” منبرين له، وعند وصول خبر وفاته انقشعت غيمة الكره. 

عشت لحظات حبّ وخسارة صافية لم تعكّرها أي مشاعر تنتمي إلى خانة أخرى. 

لم أنسَ لماذا كرهته لفترة طويلة، وسأكرهه للأسباب نفسها دائماً وأحبّه للأسباب الكثيرة الأخرى دائماً. 

سمعت موسيقى زياد وأغانيه منذ وفاته أكثر ممّا سمعت له طيلة حياتي. 

من ضمن المعاني التي قرأتها عن معنى “تمّوز” أنه باللغة الأكادية هو اسم إلهTammuzu، وباللغة السريانية نُقل من الأكادية وصار ܬܡܘܙ ويلفظ تمّوز، ولكن المعنى الذي أعجبني بغضّ النظر عن دقّته هو بالسومرية، وينطق Dumuzi ومعناه الابن الصالح أو الابن الأمين، وهو المعنى الذي أودّ اعتماده ولكنّي سأحوّله إلى “الابنة الصالحة أو الأمينة”، وأقصد فيه أختي التي ولدتها أمّي فيه عمداً كي تخفّف من وطأة أحداثه الحارقة كشمسه، عليّ أنا تحديداً.

إقرأوا أيضاً:

05.08.2026
زمن القراءة: 6 minutes

من ضمن المعاني التي قرأتها عن معنى “تمّوز” أنه باللغة الأكادية هو اسم إلهTammuzu، وباللغة السريانية نُقل من الأكادية وصار ܬܡܘܙ ويلفظ تمّوز، ولكن المعنى الذي أعجبني بغضّ النظر عن دقّته هو بالسومرية، وينطق Dumuzi ومعناه الابن الصالح أو الابن الأمين، وهو المعنى الذي أودّ اعتماده ولكنّي سأحوّله إلى “الابنة الصالحة أو الأمينة”، وأقصد فيه أختي التي ولدتها أمّي فيه عمداً كي تخفّف من وطأة أحداثه الحارقة كشمسه، عليّ أنا تحديداً.

لفترة طويلة من الزمن هو زمن عمري، كان شهر تمّوز هو الشهر الذي يتضمّن تاريخ ميلاد أختي، ولكن مع مرور السنوات، صارت تضاف إلى هذا الشهر أحداث أو تواريخ معظمها سيّئ أو حزين أو حتى كارثي. 

أوّل تاريخ أُضيف هو تاريخ 26 تمّوز 1990، يوم وفاة جدّي أبو ناصر والد أمّي. كان عمري حينها 12 عاماً. مشهد واحد أذكره ولا أذكر ما حصل قبله أو بعده: أنا أقف إلى يمين أمّي المنهارة وهي تستند عليّ في حيّ البيدر في الضيعة، أمام بيت عمّي، ونتّجه صوب بيتنا الذي هو أصلاً بيت جدّي أبو ناصر، وأبي يحاول أن يسندها من الجهة اليسرى، وهي تقول له باكية وبصوت بالكاد مفهوم: “إنت لا ما تهدّيني”.

بابا لم يفهم وقتها لماذا ماما لم تكن تريده أن يساعدني بإسنادها، قلت له: “عشان ضهرك يا بابا”، كان بابا يعاني من الديسك وقد أجرى عمليّة في ظهره، لكنّي لا أذكر الآن إن كانت العمليّة قبل هذا التاريخ أو بعده. 

أمّا ثاني تاريخ أُضيف إلى شهر تمّوز فلا يمكن اعتباره لا سيئّاً ولا كارثياً ولا حزيناً، وهو تاريخ ميلاد أحد الذين “أحببتهم” عندما كان عمري 22 سنة، وليست هذه المدوّنة المناسبة لشرح سبب وضع علامات تنصيص.

ثالث تاريخ أُضيف إلى شهر تمّوز كان كارثياً، وهو تاريخ بداية حرب 2006، الذي أصلاً صادف يوم ميلاد أختي أي 11 تمّوز. كنّا حينها نعيش هي وأنا في دبي، وكانت هي تُمضي إجازة في لبنان عندما بدأت الحرب. كان بيتنا لا يزال في حارة حريك وأخبرتني لاحقاً كيف هربوا إلى بيت عمّي في الأِشرفية، ثم كيف ذهبوا لدقائق فقط لإخراج ما يجب إخراجه من المنزل، قبل أن تعود مع أمّي وأبي وصديقتي وابنتها إلى دبي بعد أن اهتمّ تلفزيون دبي؛ حيث كنت أعمل، بنقل عائلات العاملين فيه من لبنان إلى سوريا برّاً (شاركت هي في عمليّة تنظيم النقليات والتواصل مع الأهالي والعاملين في تلفزيون دبي الذين كانوا مثلها في إجازة في لبنان) ثم جوّاً من سوريا إلى دبي.

رابع تاريخ أُضيف هو 23 تمّوز 2021، يوم وفاة الروائي جبّور الدويهي. كنت لا أزال أعيش في اسطنبول حينها، ولم أعرف خبر الوفاة في اليوم نفسه، إنما صُعقت بالخبر بعد عدّة أيّام من الوفاة. 

زعلت كثيراً، وزعلت أيضاً أنني لم أعرف في اليوم نفسه. أعرف أن هذا لن يغيّر من الأمر شيئاً، ولكن أزعجني أن أعرف متأخّرة. 

كنت قد تعرّفت شخصياً على جبّور في سنة 2017، عندما حصلت على منحة من آفاق لأكتب روايتي، وكان في تلك الدورة هو الكاتب الذي اختار المتقدّمين أو أحد المشاركين في اللجنة، وكانت ورشة الكتابة بإشرافه، فكان أوّل لقاء بينه وبين كل الحاصلين على منحة الورشة والنشر في فندق في إهدن، ونشأت بيني وبينه صداقة والتقينا بعد الورشة الأولى والثانية، وثرثرنا على الماسنجر، وفي بعض الأحيان تبادلنا نميمة على بوستات لبعض المعارف المشتركين. 

رسمت بورتريه له، وأهديته لابنته التي لم تكن تربطني بها سابق معرفة. 

أمّا خامس تاريخ فهو التاريخ الحزين 21 تمّوز 2024، يوم ماتت ماما. 

كتبت عن موتها وعنها كثيراً ولا زال بإمكاني أن أكتب الكثير، لكنّي لن أفعل الآن. أنا أكثر حزناً الآن من أي وقت خلال السنتين الماضيتين، حزينة وناقصة من دونها. 

قبل ساعات قليلة من موتها، أغارت إسرائيل على أحد مخازن الصواريخ في إحدى القرى المجاورة، وكنت وحدي بجوار ماما حينها، وفزعنا معاً ولكن بهدوء ودون هلع. كان الصوت قويّاً جداً فقالت لي: “هيدا هون ورا البيت!”. 

كانت محقّة، وصلت الصواريخ المتطايرة جرّاء الغارة إلى حديقة جارنا. قلت لها إني سأتركها فقط لدقائق وأعود، صوّرت لها بقايا الصاروخ من عند الجيران حيث سقطت، وأريتها إيّاها. 

يريحني جداً أنها ماتت قبل الحرب اللاحقة، راحة لا تخفّف من نقصي وحزني.

وفي 2025، وقبل ذكرى وفاة ماما بثلاثة أيّام ضاعت كلبتي جينجر. 

عندما بدأت تتردّد جينجر إلى بيتنا مع كلب صار اسمه ويسكي في عام 2018 أو 2019، كان للتقرّب من كلبتنا الأولى ساشا، وصارت جينجر مع ويسكي وساشا كلاب بيتنا. 

أنا كنت في اسطنبول حينها، وعندما عدت للإقامة في الضيعة أقنعتني أختي – التي كانت على وشك السفر مع زوجها والكلاب – أنه من الأفضل لي أن تبقى معي جينجر. 

كنت أعلم عندما وافقت أنني سأندم، ورغم حبّي الشديد لجينجر إلا أنني فعلاً ندمت. كل يوم كنت أندم على موافقتي وكل يوم أحبّ جينجر. كل من رأى جينجر قال لي إنها تشبهني، لم يقصدوا شكلها بل طبعها، فجينجر مثلي لا تطلب اهتمام أحد ولا تسعى له.

كانت ترافقني كظلّي ولكن لا تقترب مني. عندما  كنت أضع لها الطعام كانت تشمّه وتُبعد رأسها عنه ثم تغادر، وتعود لاحقاً لتناوله، كأنها تقول لي: “مش بس إنت عندك مزاج يا ست رولا، أنا آكل بتوقيتي لا بتوقيتك”. 

جينجر كانت تحبّ الشوكولا والبوظة، مثلي. أعرف أن الحلوى مضرّة للكلاب ولكنّني أغشّ. في الصيف كانت تقرّر أن تنام في الخارج، وفي الشتاء تنام جينجر في البيت في الطابق الأرضي حيث خصّصت لها كنبة، وفي الطابق العلوي كان لها كنبة أيضاً، ولكنّها في الليل كانت تسبقني إلى السرير، وتقفز وتنام تحديداً على الجهة التي أنام أنا عليها، ويكون عليّ نقلها إلى الجهة الأخرى عندما أصعد لأنام. 

قبل فصلهما، كانت جينجر تعيش في ظلّ ويسكي وحمايته. لكنّنا لم نعرف هذا عنها إلا عندما سافر وصارت ضعيفة ووحيدة، تعرّضت للاعتداء من كلاب شاردة أكثر من أربع مرّات، ولكنّها نجت. 

صارت تخاف، فلا تترك الحديقة من دوني، وترعبها الألعاب النارية والغارات وأصوات الموتوسيكلات والرعد، ترتجف لساعات. 

حرب 2023 كانت صعبة عليها. أمّا الحرب الأخيرة فلا أعلم إن كانت عاشتها، ولا أعلم إن كانت وحيدة أو مع كلاب تحت جسر ما، أو أحد ما وجدها واهتمّ بها أو وجدها ولا يهتمّ بها. 

ضاعت في مكان بعيد عن البيت، لم تعرف كيف ترجع إلينا. ظلّلنا أخي وأنا يومياً نذهب حيث ضاعت، وندور في السيارة ونترجّل منها ونتمشّى، ونصرخ باسمها تحت أشعة شمس تمّوز. عمّمنا صورتها، وصرنا كلما وصلنا خبر عن مشاهدة كلب يشبهها نذهب للتأكّد إن كانت جينجر. آخر مرّة كانت في حزيران 2026، ذهبت إلى أحد ملاجئ الكلاب الذي نشر فيديو فيه كلب يشبه جينجر، أرسلت لي أختي الفيديو فذهبت. ذهبت إلى ضيعة زفتا، وهي على الطريق المؤدّي إلى النبطية وتلّة علي الطاهر التي لا تزال تتعرّض يومياً للغارات، نزلت إلى وادٍ حيث الملجأ، استقبلني أكثر من 200 كلب، ولكن الكلبة التي تشبه جينجر لم تكن جينجر.

إذا كانت جينجر لا تزال حيّة، فعمرها الآن 9 سنوات.

بعد أيّام من اختفاء جينجر، وتحديداً في 26 تمّوز 2025، كنت أجلس مع صديقتي في مقهى في بدارو فوصلني خبر وفاة زياد الرحباني. 

لم أكن أعلم أنني سأحزن بهذا القدر، غادرت وجلست وحدي في مقهى آخر، وبكيت. 

لم يكن صديقي زياد، التقيته في سهرة عند صديقة مشتركة وكانت سهرة لطيفة جداً، ولكنّ علاقتي به لا تمّت بصلة إلى تلك السهرة. ككل من أعرف كنت أستمع إلى مسرحيات زياد عبر الـ Walkman، وعرفت مسرحياته قبل أغانيه، وأحببت فيروز عندما غنّت كلماته وألحانه، وكرهت زياد عندما صار تلفزيون “المنار” و”الميادين” منبرين له، وعند وصول خبر وفاته انقشعت غيمة الكره. 

عشت لحظات حبّ وخسارة صافية لم تعكّرها أي مشاعر تنتمي إلى خانة أخرى. 

لم أنسَ لماذا كرهته لفترة طويلة، وسأكرهه للأسباب نفسها دائماً وأحبّه للأسباب الكثيرة الأخرى دائماً. 

سمعت موسيقى زياد وأغانيه منذ وفاته أكثر ممّا سمعت له طيلة حياتي. 

من ضمن المعاني التي قرأتها عن معنى “تمّوز” أنه باللغة الأكادية هو اسم إلهTammuzu، وباللغة السريانية نُقل من الأكادية وصار ܬܡܘܙ ويلفظ تمّوز، ولكن المعنى الذي أعجبني بغضّ النظر عن دقّته هو بالسومرية، وينطق Dumuzi ومعناه الابن الصالح أو الابن الأمين، وهو المعنى الذي أودّ اعتماده ولكنّي سأحوّله إلى “الابنة الصالحة أو الأمينة”، وأقصد فيه أختي التي ولدتها أمّي فيه عمداً كي تخفّف من وطأة أحداثه الحارقة كشمسه، عليّ أنا تحديداً.

إقرأوا أيضاً: