بعد مقاومة امتدّت لسنوات، اتّخذ أبو قاسم (60 سنة) في النهاية “القرار الموجع” كما يقول، بالرحيل مع كلّ أفراد عائلته عن هور الحويزة جنوب العراق؛ حيث وُلد وقضى سنوات عمره، مستسلماً للنقص الحادّ في المياه الذي أدّى إلى نفوق جواميسه وفقدان مصدر دخله.
حدث ذلك في 15 نيسان/ أبريل 2025، حين جمع أبو قاسم أغراض منزله مع جواميسه الخمسة الناجية في شاحنة، استعداداً للتوجّه نحو هور “الشويجة” في محافظة واسط، في وداع غلبه الصمت، للحويزة وقريته (المطبج) في ناحية الكحلاء، التي تبعد 20 كيلو متراً عن العمار مركز محافظة ميسان، وهي إحدى أكثر المناطق تأثراً بالجفاف.
يقول أبو قاسم إن نقص المياه وازدياد ملوحتها والافتقار إلى الغذاء الطبيعي والأعلاف، تسبّبت بنفوق عشرة من جواميسه بعد إصابتها بأمراض جلدية وهضمية: “قلّة المياه حوّلت الهور إلى مجرّد برك ملأى بالأوبئة”، يردّد ذلك بصوت مبحوح وهو يمسح جبينه.

ويحدّق بالفراغ الذي أحدثه الجفاف في الهور، ويقول: “كلّ يوم هنا، كان الماء يغمر رجليّ، لم أتوقّع أبداً أن يجفّ ويختفي هكذا”، ثم يشير إلى التشقّقات التي خلّفها اليباس في مجرى الهور، ويضيف: “هكذا تموت الأماكن التي لا ماء فيها”.
لا تقتصر أضرار موت هور الحويزة على جواميس أبي قاسم، بل انسحبت كذلك على أبنائه الأربعة الذين اعتادوا الخروج مع فجر كلّ يوم لاصطياد الأسماك وبيعها، والآن أصبحوا بلا عمل.
أما زوجته التي كانت تملأ البيت بقدور الحليب ومشتقّاته من أجبان وسواها، وتساهم بما تبيعه منها في دعم أسرتها، لم يعد لديها شيء لتفعله، سوى انتظار ما يمكن أن يُحدثه انتقالهم إلى الهور الآخر.

يتابع أبو قاسم وهو يمسّد لحيته البيضاء الخفيفة: “هذا الجفاف ليس طبيعياً… هناك من يقف وراءه من دون شكّ… لا يمكن أن تنقطع المياه بهذا الشكل السريع”.
ليس هو فقط من لديه هذا الاعتقاد، بل يشاركه فيه الكثير من سكّان هور الحويزة، الذين يرفضون التسليم بأن التغيير المناخي وقلّة الأمطار، هما السببان الوحيدان وراء جفاف الهور.
إذ يتّهمون الحكومة بالإهمال وعدم فتح القنوات تارة، ويحمّلون شركات النفط واستكشافاتها في منطقتهم المسؤولية تارة أخرى، بما يرافق ذلك من أعمال تؤثّر على بيئة المنطقة، لتحمل معها الخراب إليهم.

يُعدّ هور الحويزة من الأهوار الكبيرة جنوبي العراق، ويتغذّى من نهر دجلة، وتتقاسمه محافظتا البصرة وميسان، وتحدّه من الجهة الشرقية إيران، ومن الشمال منطقة الشيب وهور السناف.
والهور مدرج على لائحة التراث العالمي بحسب قرار منظّمة اليونسكو في 17 تموز/ يوليو 2016، وتبلغ مساحته زهاء 1377 كيلو متراً مربعاً، أما عرضه فيبلغ 30 كيلو متراً، وطوله 80 كيلو متراً، ويتغذّى من مصادر مياه متنوّعة، كالأمطار الموسمية والسيول وفروع نهر دجلة، ويتميّز بتنوّع الأنظمة الأحيائية والبيئية فيه.
الجفاف المتسارع لمياه هور الحويزة بدأ في العام 2021، مع تداعيات التغيّر المناخي نتيجة قلّة الأمطار، ثم قطع بعض روافد المياه عنه، لكن الجفاف تزامن أيضاً مع إطلاق مشاريع استكشاف نفطية، على الرغم من تحذيرات أطلقتها تقارير بيئية وأصوات محلّية كثيرة، من أن أعمال الحفر وإنشاء السدود الترابية وما تخلّفه المعدّات الثقيلة، ستتسبّب بقطع المجاري المائية الطبيعية، ما سيؤدّي إلى عزل الهور وتجفيفه تدريجياً، بينما أكّدت الحكومة أن المشاريع النفطية ستعود بالنفع على الأهالي من خلال “فتح الطرق وتوفير الخدمات الأساسية”، لكنّ السكّان هناك لا يضعون ذلك في قائمة أولوياتهم، ما داموا يفقدون سبب بقائهم الرئيس، ألا وهو الماء الذي يمثّل مرتكز حياتهم.
خطّة التجفيف
بين العامين 2021 و2025، شهد هور الحويزة انخفاضاً حاداً في نِسب المياه، بلغ نحو 85%، وفق ما يؤكّده خضر عباس مسؤول شعبة الأهوار في محافظة ميسان.
ويقول إن البرك النهرية- وهي تفرّعات صغيرة من الأنهر- التابعة لهور الحويزة تعاني من جفاف تامّ، بما فيها بركة أم العظيم في ناحية المشرح، وبركة السودة المتّصلة بنهر المشرح في قضاء الكحلاء، إضافة إلى بركة أم الورد الواقعة ضمن رقعة الأهوار المدرجة على لائحة التراث العالمي في ناحية بني هاشم، التي تعتمد في تغذيتها على نهر الحسيجي، أما بركة أم النعاج في قضاء الكحلاء، التي تُعدّ واحدة من أهمّ المناطق البيئية عالمياً، ومن أبرز الأسباب التي ساهمت في إدراج الأهوار ضمن التراث العالمي كما يقول خضر عباس، فإن الجفاف فيها أصبح شبه كامل.

ويشير خضر عباس إلى أن آثار الجفاف طالت مختلف مظاهر الحياة البيئية في هور الحويزة: “لم نرَ خلال جولاتنا الميدانية أي مؤشّر على بقاء التنوّع الأحيائي الذي كانت الأهوار تزخر به”.
ويلفت كذلك إلى أن نباتات القصب والبردي في غالبها بدأت بالإصفرار والذبول، ما يدلّ على “تدهور النظام البيئي بشكل مقلق”.
ويشير إلى أن شكاوى مربّي الجاموس تضاعفت خلال الأشهر المنصرمة، بعد تسجيل العديد من الحالات المرضية والنفوق بين الحيوانات، ويوضح: “بحسب المربّين، تعاني الجواميس من خمول شديد وفقدان شهية، واحمرار في العين، وارتفاع في درجات حرارة الجسم، إضافة إلى طفح جلدي وتسلّخات”.

ولم تتوقّف الأضرار عند الحيوانات، بل أُصيب بعض المربّين بأمراض جلدية نتيجة الملامسة المتكرّرة للحيوانات المصابة والمياه الراكدة الملوّثة، في ظلّ غياب المياه النظيفة وانعدام الخدمات البيطرية الفعّالة، كما يقول.
ويرى مسؤول شعبة الأهوار أن لا حل غير “توفير الحصّة المائية بشكل عاجل لإنعاش الأهوار”، داعياً كذلك إلى “توفير الأجهزة والمعدّات البيئية التي تساهم في إعداد التقارير الرصينة عن واقع الأهوار، ورصد التنوّع الأحيائي، ومعرفة أنواع المهدّدات، وكيفية التعامل مع تلك الأنظمة البيئية للحفاظ على استدامتها”.
وفي خضم التدهور البيئي المتسارع، جاء قرار مجلس الوزراء العراقي في 15 شباط/ فبراير 2022، بإنشاء ساتر ترابي في قاطع هور الحويزة جنوب شرق ميسان على الحدود مع إيران، كخطوة للحدّ من تهريب المخدّرات.
ناشطون بيئيون رأوا أن القرار ساهم بشكل كبير في تجفيف الهور، لأنه منع وصول المياه إليه من الجانب الإيراني، ومهّد الطريق أمام عمليّات التنقيب عن النفط من قِبل الشركات.
يؤكّد الناشط البيئي مصطفى هاشم أن ما يحدث في هور الحويزة “لا يرتبط بالعوامل الطبيعية، بل هو نتيجة قرارات سياسية متعمّدة، لا تعكس الأسباب التي تسوّقها وزارة الموارد المائية للرأي العامّ”.
هذا الاتّهام دعمه كذلك وزير الموارد المائية السابق حسن الجنابي في تصريح صحافي، قال فيه إنه لمس هذا التوجّه أثناء تولّيه المنصب، وأكّد أن “هناك فعلاً تجفيفاً متعمّداً”، وأنه حاول وقتها الموازنة في مواجهته بين الحاجة إلى التنمية الاقتصادية والحفاظ على الاستدامة البيئية للأهوار، على حدّ زعمه.
لكنّ الجنابي نفسه ذكر أن التقنيّات الحديثة قادرة على استخراج النفط من أعماق البحار “فكيف لا يمكن استخراج النفط من مناطق لا يتجاوز عمقها متراً واحداً؟”، مؤكّداً رفضه “سياسة التجفيف” مهما كانت الأسباب.
ولفت إلى أن الإجراءات المرتبطة بتجفيف الأهوار بدأت خلال حكومة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي “وما تزال مستمرّة حتى الآن”، وأوضح أن “جزءاً من هذا المخطّط يرتبط بمشاريع استخراج النفط؛ التي تهدّد في الغالب بتغيير البيئة المحيطة، بينما يهدف جزء آخر إلى الاستحواذ على أراضي الأهوار، مما يهدّد بفقدان أحد أهمّ المعالم البيئية والثقافية في العراق”.
أما المتحدّث باسم وزارة الموارد المائية خالد الشمال، فيقول إن مناطق الاستكشافات النفطية لا تهدّد البيئة الطبيعية للمنطقة، مبيناً أنه “يجري تأطير المشاريع بسدود ترابية لمنع تسلّل أي ملوّثات منها إلى مياه الأهوار”، مؤكّداً في الوقت ذاته أن “تلك المشاريع ستعود بالفائدة على سكّان المنطقة من خلال تحسين الخدمات، وفتح الطرق، وتطوير المناطق التي يجري العمل فيها”.
ونفى أن يكون هنالك أي تقاطع بين مواقع الاستكشاف، التي أكّد أنها معزولة، ومياه الأهوار “الإجراءات المتّخذة تهدف إلى حماية البيئة، وضمان عدم تأثّر الأهوار بالأنشطة النفطية”.
مشاريع نفطية بأثر بيئي مجهول
على الرغم من التدهور السريع للبيئة الطبيعية في هور الحويزة، واحتمال فقدانها بشكل نهائي، لم تقم الجهات الحكومية بأي تحرّك لإيجاد معالجات تخفّف من آثار ذلك الجفاف المدمّر، بل كشفت معلومات موثّقة عن مشاريع حكومية “غير مدروسة التداعيات بيئياً”، يتمّ العمل عليها في منطقة الهور المصنّفة كمحمية طبيعية وموقع تراث عالمي، بما يهدّد وجودها.
وكانت شركة نفط ميسان، ممثّلة وزارة النفط العراقية، قد وقّعت في 21 شباط/ فبراير 2023، عقد تطوير وإنتاج لحقل الحويزة النفطي على الحدود الإيرانية مع شركة “جيو جيد” الصينية، ضمن إطار جولة التراخيص الخامسة.
هذا العقد يشمل تطوير المنطقة الجنوبية من “تركيب الحويزة النفطي”، الذي يُقدّر خزينه الهيدروكربوني المحتمل بنحو 2,400 مليون برميل، ما يجعله أحد الحقول الواعدة اقتصادياً، ما يعني أن إنشاءات ضخمة ستشهدها المنطقة، وستحمل بالنتيجة آثاراً سلبية طويلة الأمد على البيئة الهشّة أصلاً، مما سيصعب معالجتها حتى في حال تراجع الجفاف وعودة المياه.
خاصّة وأن تلك المشاريع تأتي في وقت يعاني فيه هور الحويزة من جفاف غير مسبوق، ألحق أضراراً مدمّرة بالمنظومة البيئية في المنطقة، ونتج عنه، بحسب خبراء، انقراض شبه كلّي للتنوّع الأحيائي.


توقيع العقد المذكور، أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والبيئية في العراق، ففي 27 آب/ أغسطس 2024، وجّه نائب محافظة ميسان جاسم عطوان الموسوي، طلباً رسمياً إلى مديرية بيئة ميسان، طالب فيه بكشف دراسة الأثر البيئي الخاصّة بالحقل قبل بدء أي عمليّة تنقيب.
كما طالب بتوضيح مدى توافق معايير الاستخراج مع البيئة والإنسان والمجتمعات المحلّية، والكشف عن المعالجات التي ستعتمدها الشركة الصينية لتقليل الضرر، إلى جانب الإجراءات الاحترازية التي يمكن أن تحمي هور الحويزة من تبعات المشروع.

وكان ردّ مديرية بيئة ميسان المؤرّخ في 11 أيلول/ سبتمبر 2024، هو بعدم امتلاكها “أوّليات أو دراسات تتعلّق بتقييم الأثر البيئي لحقل الحويزة”، وهو ما يكشف عن غياب تامّ للإجراءات القانونية والبيئية الواجبة، قبل البدء بمشروع بهذا الحجم والحساسية، وفي بيئة طبيعية نادرة تتعرّض للانهيار.

تقرير لاحق أعدّته مديرية البيئة الحضرية في وزارة البيئة، وأُرسل إلى مديرية بيئة ميسان، جاء فيه أنه وبعد دراسة الأوّليات وتسقيط الإحداثيات الخاصّة بالحقل، من قِبل قسم الأهوار والإدارة المستدامة للنظم البيئية الطبيعية في تاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تبيّن أن “الرقعة النفطية تتداخل مع المنطقة المركزية لموقع التراث العالمي (Core Zone) بمساحة تصل إلى 300 كيلو متر مربع”.
وأكّد التقرير أن الحقل يقع داخل “ممتلك التراث العالمي”، ما يجعله في تعارض مباشر مع التزامات العراق الدولية، ويستلزم عرض الموضوع بنحو عاجل على اللجنة الوطنية لإدارة الأهوار، بصفتها الجهة الرسمية المعنّية بملفّ التراث العالمي.

وفي 22 آذار/ مارس 2025، أبلغت شركة الاستكشافات النفطية التابعة لوزارة النفط، دائرة مشاريع الأهوار والأراضي الرطبة في ميسان/ شعبة الأهوار الشرقية، بأن الفرقة الزلزالية البرمائية الخامسة بدأت بتنفيذ أعمال المسح الزلزالي، ضمن برنامج (جنوب فكة) للتنقيب عن النفط والغاز، الذي يقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ميسان، مشيرة إلى “وجود جزء من خطوط عمل الفرقة داخل رقعة هور الحويزة”.

وطلبت الشركة تسهيل مهمّة عمل الفرقة، والموافقة على إدخال معدّات الجهد الهندسي لفتح مسارات بعمق 10 أمتار داخل الهور، لتيسير حركة الحفّارات، وحفر نقاط الطاقة على تباعد 50 متراً بين كلّ نقطة وأخرى، إلى جانب مرور المركبات التي تنقل الكوادر الفنّية والموادّ الحقلية اللازمة لإنجاز أعمال المسح الزلزالي.
وفي 23 آذار/ مارس 2025، أرسل مركز إنعاش الأهوار والأراضي الرطبة، برقيّة رسمية موجّهة إلى مكتب المدير العامّ، تضمّنت الإشارة إلى طلب شركة الاستكشافات النفطية بتسهيل مهامّ عملها، مع تأكيد المركز أن مواقع فتح المسارات تقع ضمن المنطقة المركزية (Core Zone) من ممتلك هور الحويزة، ما يُعدّ انتهاكاً واضحاً للضوابط البيئية، ولاتّفاقيات الحفاظ على المواقع الطبيعية ذات القيمة العالمية.

هذا التطوّر استدعى تحركاً نيابياً، إذ استضافت لجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام في مجلس النوّاب في 16 نيسان/ أبريل 2025، عدداً من المديرين العامّين في وزارتي النفط والموارد المائية لمناقشة ما وصفوه بـ”التجاوزات”.
وأثناء الجلسة، تنصّلت وزارة النفط من مسؤوليتها المباشرة عن أعمال الفرقة الزلزالية، ما أثار استياء النوّاب، ودفعهم إلى تشكيل لجنة ميدانية خاصّة تضمّ نوّاب محافظة ميسان وممثّلي وزارة النفط، بهدف الوقوف ميدانياً على حجم وطبيعة التجاوزات، بحسب نائب محافظة ميسان رائد المالكي.
ويقول المالكي إن اللجنة طالبت بضرورة مفاتحة اللجنة الوطنية لإدارة الأهوار وجهات حكومية أخرى، للتحقّق من مدى التزام الجهات المنفّذة بتطبيق المعايير القانونية والبيئية المتعلّقة بالبدء بتطوير وإنتاج حقل الحويزة النفطي، الذي يقع ضمن نطاق أحد أهمّ المواقع البيئية في العراق.
ومع ذلك، تُظهر الخرائط والفيديوهات والصور، التي حصل عليها مُعدّ التحقيق، أن مواقع الحفر والتنقيب تقع فعلياً ضمن ممتلكات هور الحويزة.




مستقبل غامض وتراث مهدّد
في ظلّ ما يشهده هور الحويزة من جفاف وتدهور بيئي، يوصفان من قِبل المتخصّصين بأنهما خطيران وغير مسبوقين، تحدث على الأرض “خروقات جسيمة” لا ترتبط بعامل التغيّر المناخي، قد تضع العراق في مواجهة مباشرة مع التزاماته الدولية المرتبطة بـاتّفاقية “رامسار” للأراضي الرطبة، واتّفاقيات منظّمة اليونسكو ذات الصلة، خصوصاً بعدما تعهّد العراق بعدم تنفيذ أي مشاريع تنموية داخل المناطق المصنّفة (Core Zone) إلا بعد تقييم شامل للأثر البيئي وموافقة لجنة التراث العالمي.
ووفق تقرير التحليل والاستنتاجات الصادر عن مركز التراث العالمي والهيئات الاستشارية في عام 2024، أعربت الجهات المعنّية عن مخاوفها الجدّية، بشأن تأثّر مواقع الأهوار بمشاريع تطوير النفط والغاز.
وأوصى التقرير بتكرار الطلب من الدولة الطرف (العراق) ضمان إجراء تقييم شامل لجميع مشاريع الاستخراج المقترحة، من حيث آثارها المحتملة على القيمة العالمية الاستثنائية، وذلك بما يتماشى مع إرشادات ومجموعة أدوات تقييم الأثر في سياق التراث العالمي، قبل اتّخاذ أي قرارات بالمضي قدماً، مع ضمان تجنّب الآثار السلبية.
وحثّ التقرير العراق على الالتزام بحظر دائم لجميع الصناعات الاستخراجية (النفط والغاز) داخل موقع التراث العالمي، كما شدّد على ضرورة مواصلة رصد الأنشطة النفطية الحالية المجاورة للممتلكات، ومعالجة أي آثار سلبية على الفور.
وذكّر التقرير بالتزام الدولة بتقديم تقرير محدث إلى مركز التراث العالمي بحلول 1 شباط/ فبراير 2025، يتضمّن معلومات بشأن حالة الحفاظ على الممتلكات، وتنفيذ التوصيات الواردة أعلاه، ليتمّ فحصه من قِبل لجنة التراث العالمي في دورتها السابعة والأربعين.
الخبير البيئي جاسم الأسدي رئيس منظّمة “طبيعة العراق”، يرى أن عمليات التنقيب ليست مجرّد خطر بيئي عابر، بل “تمسّ جوهر النظام الهيدرولوجي المعقّد لهور الحويزة”، وأن التنقيبات النفطية لها تأثيرات مباشرة على توازن المياه في الهور، وهو ما يتطلّب دراسات علمية معمّقة قبل الشروع بأي مشروع، ويلفت إلى أن العمل على إنشاء “جزر ثابتة”؛ وهي البنى التحتية اللازمة لأعمال التنقيب، يتطلّب عمليّات ردم وأعمال ترابية “تؤثّر سلباً على التربة الهشّة والنظام البيئي الحسّاس في الأهوار”.
التهديد لا يتوقّف عند حدود الأرض والماء، بل يمتدّ إلى السماء والجوّ، يقول الخبير البيئي إن “عمليّات الحفر الكبيرة تُحدث ضوضاء تؤثّر على استقرار التنوّع البيولوجي، كما أن المسح الزلزالي يشكّل ضغطاً كبيراً على الأنواع البرّية والبحرية التي تعتمد على الهدوء والاستقرار”.
الأسدي يشير أيضاً إلى أخطار إضافية تشمل الانسكابات النفطية، واستخدام موادّ إنشائية غير ملائمة لطبيعة الأهوار، ويحذّر: “هذه الموادّ يمكن أن تغيّر كيمياء التربة والمياه، ما يؤدّي إلى نفوق أنواع نادرة من الأسماك والطيور”.
وبحسب الأسدي، فإن منظّمة اليونسكو كانت قد أوصت منذ العام 2016، عند إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي، بضرورة حمايتها من أنشطة التنقيب التي قد تهدّد سلامتها البيئية.
وينبّه إلى أن أي موقع مدرج في هذه اللائحة، هو مهدّد بالخروج منها إذا لم تلتزم الدولة بالمعايير التي أُدرج بموجبها، مستشهداً بحالة مماثلة في ألمانيا، حيث تمّ شطب أحد المواقع بسبب إنشاء جسر في منطقة رطبة.
ويؤكّد الأسدي بأن التزام العراق باتّفاقية “رامسار” واتّفاقية اليونسكو لحماية الأراضي الرطبة “بات اليوم على المحكّ في ظلّ ما يتعرّض له هور الحويزة من تهديدات بيئية متفاقمة، نتيجة التنقيب النفطي الى جانب شحّ المياه”.
ويُفسّر رئيس منظّمة “طبيعة العراق” لجوء الحكومة إلى التنقيب عن النفط في هذه البقعة بالذات بقوله: “إيران تقوم بالتنقيب في الهور من جانبها، وأعمال الاستخراج الواسعة التي تجري هناك، دفعت العراق إلى الدخول في سباق غير متكافئ، خشية استنزاف الموارد المشتركة تحت الأرض”.
نهاية وشيكة للمجتمعات المحلّية
بينما يواجه هور الحويزة الموت السريع في ظلّ الجفاف، ومع عدم حصول أي تحرّك حكومي لإنقاذه، تتواصل أعمال استكشاف الحقل وتطويره التي تزيد من الضغوط عليه، وهو ما يُنذر بتدمير نهائي لما تبقّى من إرث الأهوار العراقي، بما فيه تهجير المجتمعات المحلّية.
يحذّر الناشط البيئي أحمد صالح نعمة من ذلك: “الاستكشافات لها أثر بيئي مدمّر، الشركة الصينية تسبّبت بتلوّث بصري وبيئي واضحين، وذلك له أثر مباشر على التنوّع الأحيائي، سيتوقّف الصيّادون عن ممارسة أعمالهم اليومية، وسينتهي الأمر بترحيل أو رحيل السكّان من مناطقهم”.
ويؤكّد نعمة قيام الناشطين المحلّيين بتنظيم وقفات احتجاجية، وحملات مناصرة ومدافعة عن الأهوار وسكّانها المهدّدين بخسارة موطنهم “جميعنا يستشعر الخطر الحقيقي”.
ويقول: “قمنا بإبلاغ منظّمة صون الطبيعة الدولية، ومنظّمة اليونسكو، والبرلمان العراقي، ووزارتي البيئة والموارد المائية، لكن للأسف لم نتلقَّ أي إجابة… ليس هناك ردّ فعل حقيقي حتى الآن”.
وينبّه إلى أن العراق “ألزم نفسه أمام اليونسكو بتوفير حصّة مائية ثابتة لا تقلّ عن 50 متراً مكعباً في الثانية لهور الحويزة، خارج إطار الحصص الزراعية، لكنّه لم يلتزم بذلك”.
ويحذّر من أن عمليات الاستخراج ستستهلك بدورها كميّات كبيرة من المياه “كلّ برميل نفط يحتاج إلى أربعة براميل من الماء”، وهو ما سيفاقم الوضع، مشيراً إلى أن “الطيور هجرت الحويزة نحو أهوار أخرى، وباتّجاه برك صناعية في دولة الكويت”.
ويشرح نعمة الأسباب الرئيسية لشحّ المياه “تمّ قطع المغذّيات المائية الرئيسية التي كانت تصبّ في الهور، وأهمّها نهرا الكحلاء والمشرح، وهما من الفروع الحيوية المتفرّعة من نهري دجلة والفرات، كما توقّفت المياه الواردة من إيران عبر أنهر الطيب ودويريج والكرخة”.
الانحسار السريع لمياه الهور، أثّر على قرى أبو خصاب، والدبن، وأم الخنازير، والمعيل، والمطبج، والصليل والأكرح، من جهة ناحية الكحلاء، وباتت جميعها في وضع حرج، فيما تضرّرت من جهة ناحية المشرح قرى زويدة، وميلحة، والعوينية، والهوية وجريت، وطالت آثار الجفاف قرى في ناحية قلعة صالح، منها لسان عجيربة، والبيضة والسودة.
ويقول نعمة إنهم رصدوا “وجود أسلاك خاصّة بالفرق الزلزالية”، داخل المناطق المحميّة خلف مضيف إدارة إنعاش الأهوار، واتّصلوا بمسؤول الإنعاش ومدير بيئة ميسان ومحافظها الذين أكّدوا “عدم امتلاكهم أية معلومات عن هذه الأنشطة”.
مصدر في إدارة الأهوار والأراضي الرطبة في محافظة ميسان، كشف عن خطورة الوضع الحالي للهور، وذكر أن اجتماعاً عُقد أواخر 2024، في مقرّ الأمانة العامّة لمجلس الوزراء، في حضور ممثّلي وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة، ومركز إنعاش الأهوار، ودائرة التنسيق بين المحافظات، ناقش ملفّ ترسيم حدود الأهوار، ومشروع إنشاء حقول نفطية في هور الحويزة.
وأوضح المصدر، أن الجهات المشاركة كان لديها إدراك واضح بأن المضيّ في الأعمال النفطية داخل هور الحويزة “سيترك أثراً بالغاً على بيئة الأهوار، قد يقود الى خروجها من لائحة التراث العالمي”، وقال: “ننتظر حالياً موقف اللجنة المركزية، لكنّ المخاطر البيئية والإدارية باتت واضحة للجميع”.
رسالة تحذيرية عاجلة
في 20 حزيران/ يونيو 2024، أرسل “ائتلاف منظّمات المجتمع المدني” المعنّية بحماية الأهوار، رسالة عاجلة إلى كلّ من مركز التراث العالمي لليونسكو، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) أعرب فيها الأعضاء عن قلقهم البالغ من استمرار الأنشطة النفطية القريبة من هور الحويزة، مشيرين إلى عدم التزام الحكومة العراقية بقرار لجنة التراث العالمي رقم 45COM7B.31.
وجاء في الرسالة أن حقل نفط (الحلفاية) الذي تشغله شركة نفط ميسان بالتعاون مع شركات أجنبية، أبرزها شركة “بتروتشاينا” الصينية، يبعد مسافة عشرة كيلومترات فقط عن الممتلك، فيما يقع بعض أبراج الحفر على مسافة تقلّ عن كيلومتر واحد من الحدود الطبيعية لأهوار الحويزة، مما يشكّل خطراً فورياً ومباشراً على النظام البيئي الهشّ في المنطقة.
ووفق ما ورد في الرسالة، فإن التسربات النفطية السابقة، إلى جانب عمليّات حرق الغاز المصاحبة لاستخراج النفط، تسبّبت في تلوّث واسع للمياه والتربة، وأثّرت بشكل كبير على صحّة السكّان المحلّيين، حيث سجّلت زيادة في حالات الإصابة بالسرطان وأمراض الجهاز التنفّسي في المجتمعات المحيطة، وأن التلوّث طال حتى مناطق استراحة الطيور المهاجرة ومراعى الجاموس، كما حدث في أهوار الجكة شمال الهور، التي شهدت تسرباً كبيراً للنفط ترك آثاره على التنوّع البيولوجي والمخزون المائي.
ومن بين المؤشّرات الخطيرة التي أوردتها الرسالة أيضاً، ظهور الأمطار الحمضية والمياه الملوّثة نتيجة الانبعاثات الغازية، ما ينذر بتحوّلات بيئية كارثية طويلة المدى.
وانتقدت المنظّمات في رسالتها غياب الشفافية في تقارير تقييم الأثر البيئي لمشاريع النفط الجديدة، حيث لم تنشَر هذه التقييمات علناً، مما دفع الخبراء إلى اعتبارها مجرّد إجراءات شكلية لا تراعي الواقع البيئي.
وطالبت بـ”الوقف الفوري للأنشطة النفطية القريبة من الممتلكات المصنّفة، وبإجراء تقييمات بيئية شفّافة ومستقلّة، تشترك فيها المجتمعات المحلّية ومنظّمات المجتمع المدني”.
انتهاك القانون
يعدّ الخبير القانوني علي التميمي ما يحصل بمثابة انتهاك للقوانين العراقية والدولية “هناك تعدٍ واضح على نصوص القانون والاتّفاقيات الدولية”، مبيناً أن التجاوز الأول يتعلّق بقانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 الذي “يجرّم أي نشاط يؤثّر على البيئة”.
و”تنصّ المادّة (3) من القانون على وجوب إجراء تقييم بيئي شامل، لأي مشروع قد يكون له تأثير على البيئة، وهو ما لم يحدث في حالة التنقيب الجاري في هور الحويزة”، يقول التميمي.
ويضيف: “المادّة (12) تحظر تنفيذ أي تغيير بيئي داخل المناطق المحميّة من دون موافقات رسمية وتقييم معتمد، مما يجعل ما يجري في هور الحويزة انتهاكاً صريحاً للقانون، ويعرّض منفذيه للمساءلة القانونية”.
كما أن هناك تجاوزاً آخر للقوانين، فالعراق أقرّ في عام 2015 قانون إدارة وحماية الأهوار رقم 154، ليكون إطاراً تنظيمياً لحماية هذه المناطق من الأنشطة التخريبية “وهذا القانون يمنع تنفيذ أي مشاريع صناعية أو تنموية داخل الأهوار، ما لم تكن جزءاً من خطّة إدارية واضحة ومتوافقة مع المعايير البيئية”.
ويتابع التميمي: “حتى اللحظة، لم يتمّ الإعلان عن أي خطّة متكاملة أو تقييم للأثر البيئي، ما يعني أن أعمال التنقيب الجارية ليست فقط مخالفة، بل أيضاً فاقدة للغطاء القانوني الداخلي”، كما أن هناك انتهاكاً لتعهّدات العراق الدولية المتعلّقة بالحفاظ على الأهوار.
على تخوم قرية أم الخنازير إحدى أكثر القرى تضرراً من جفاف هور الحويزة، يقف الحاج عبد العظيم جاسب (67 عاما) على أرض جرداء كانت قبل سنوات ممتلئة بالمياه والقصب، ينظر بعينين لامعتين إلى الأفق، ثم يشير بيده إلى نقطة بعيدة هي آخر ما تبقّى من الهور.
يسترجع ذكرياته: “هنا كنّا نصيد السمك… هنا كنّا نسبح ونغسل وجوهنا مع الفجر… اليوم صار كلّ شي تراباً وملحاً ونسياناً”، يقولها بصوت يشبه النحيب، وهو يضرب بقدمه الأرض المتشقّقة.
قبل أعوام، كان جبّار يملك قارباً صغيراً يصطاد به ما يكفي من سمك لإطعام أسرته، ويعلف الجاموس من أعشاب الهور، اليوم “لا القارب نافع، ولا الجاموس باق” يرفع صوته شاكياً.
ويتابع بشفتين مرتجفتين، بعد لحظات من الصمت “باع أولادي الجاموس، وهاجروا… الأول إلى البصرة حيث يعمل حارس أمن، والثاني إلى الناصرية يشتغل عامل بناء.. الهور الذي ربّانا وجمعنا لعقود… طردنا”.
يتمتم وهو يحاول حبس دموعه: “الهور مات، وماتت معه الطيبة والراحة، حتى الطيور تركته، ولم أعد أسمع غناءها كلّ صباح”.
أُنجز التحقيق بإشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية.
إقرأوا أيضاً:










