fbpx

الاسكندرية وتداعي الأبنية: انهيار 22  عقاراً و300 ألف “في الانتظار”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدأ الحل في ملف عقارات الإسكندرية الآيلة للسقوط، التي أدت إلى كوارث عدة، من توفير شقق ووحدات سكنية بديلة، وهو ما لم يحدث طوال السنوات الماضية، بسبب اتجاه الدولة إلى إسكان محدودي ومتوسطي الدخل، مقابل  مقدم وأقساط باهظة، لا تستطيع كل الأسر تحملها في ظل الأزمة الاقتصادية في مصر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

صار انهيار وسقوط العقارات بمدينة الإسكندرية في مصر حدثاً عادياً، وبمرور الوقت لم يعد أحد ينتبه إليه، فمساء 9 تموز/ يوليو انهار جزء من عقار في حي الجمرك السياحي الشهير، بعد 3 أيام فقط من سقوط عقار آخر في الحي ذاته، ولقي شخص مصرعه، وهو الحادث الأول الذي أعقب انشطار عقار منطقة ميامي إلى نصفين، وأحدث جدلاً وحالة من القلق وراح ضحيته 3 أشخاص، فضلاً عن 4 مصابين.

تساقط عقارات الإسكندرية بتلك الوتيرة المنتظمة قد يتحول إلى ظاهرة، إذ تدفع المدينة ثمن البناء المخالف والعشوائي الذي أسّس له فساد الأجهزة المحلية وإدارات المحافظات على مدار سنوات، إلى جانب الضغط المتزايد على مرافق المدينة وأساساتها بحجة “التطوير”، تحديداً في المناطق القريبة من شاطئ البحر، التي تواجه منذ عامين حالة من جنون الهدم، التي تشمل عقارات سكنية أو مباني تراثية، تمهيداً لبناء بعض الفنادق أو الكباري.

ونتيجة لذلك، شهدت الإسكندرية 22 حادث انهيار عقارات منذ بداية عام 2023، فلم يكن انهيار عقار “ميامي” الشهير حادثاً عابراً أو عارضاً في المدينة التي اعتاد أهلها سماع أنباء القتلى والمصابين تحت أنقاض العقارات، لتكمّل مسلسل سقوط المباني الذي يهدّد الإسكندرية خلال العقد الماضي، ففي إحصائية أجراها “دفتر أحوال” تبيّن أن أكثر من 50 في المئة من العقارات المنهارة في مصر، كانت في محافظة الإسكندرية فقط… فما الذي حصل في الإسكندرية، وأحالها إلى مدينة “المباني المنهارة”؟

300 ألف عقار “آيل للسقوط”

طبقاً لوزارة التضامن الاجتماعي في مصر، تُقدّر العقارات الآيلة للسقوط في الإسكندرية، بـ300 ألف عقار، وبرغم ذلك لا تزال تسكن تلك العقارات أسر كاملة تنتظر الموت يومياً دون وجود منازل بديلة، أو حلول أخرى لإنقاذهم من سلسلة العقارات المنهارة. ولا يعدّ إيجاد بدائل لتلك الأسر من الأولويات حالياً، كما أنها لا تتقدم نحو إخلاء تلك المباني من سكانها، وتحميل الأهالي مسؤولية البقاء بتلك العقارات، والكشف عن كونها “على قائمة المباني الآيلة للسقوط”.

ثغرات قانونية عدة تمنع هدم العقارات الآيلة للسقوط، تبدأ بغياب جهة رسمية مكلفة بالهدم، إنما يُترك الأمر لمالك العقار الذي يتم إخطاره بوجوب الهدم على نفقته الخاصة. وبألاعيب عدة، يتهرّب المالك من استلام الإخطار، سواء عن طريق دفع رشاوى، أو تغيير عنوانه بحيث لا يصل الإخطار إليه.

تبقى الأسر في المبنى “الآيل للسقوط” لأشهر أو سنوات، وربما لا تعرف أن العقار مهدد وقد يسقط بسكانه في أي لحظة. وفي أحيان أخرى، يتهرّب الملاك من هدم وإعادة بناء المنشآت الآيلة للسقوط بقرار رسمي يمنح بقية السكان (الذين يخضعون لقانون الإيجار القديم أو لا يملكون حصة في الأرض مثبتة بالعقد) الحق في الحصول على شقة بالعقار الذي سيتم بناؤه.

يقول إبراهيم معروف، أستاذ تاريخ ونظريات العمارة بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، إن بعض ملاك تلك العقارات الآيلة للسقوط اعتادوا تخريب العقارات بأساليب مختلفة، وأحياناً زرع شيء ينفجر في باطن الأرض تحتها، ما يؤدي إلى سقوطها “وكأنه قضاء وقدر”. ويوضح لـ”درج”، أن الهدف من ذلك هو “منع عودة السكان إليها مرة أخرى، للاستفادة من الأرض وحدهم من دون شريك، من خلال بيعها أو بناء عقار جديد عليها دون أن يكون لأحد السكان أي حصص”.

وفي حالة ترميم العقار بقرار رسمي، فـ”لن يستفيد المالك شيئاً، بل سيدفع ثمن الهدم أو الترميم والبناء مجدداً دون عائد”. وفي حالة عقار حي الجمرك المنهار بالإسكندرية، كان المتوفي الوحيد هو مالك العقار نفسه، الذي دخل قبل انهياره بدقائق، ولم يعلم أحد ماذا فعل، وما إذا كان فعل شيئاً أدى لانهيار العقار قبل خروجه أم لا.

صار انهيار وسقوط العقارات بمدينة الإسكندرية في مصر حدثاً عادياً، وبمرور الوقت لم يعد أحد ينتبه إليه

خلل قانوني… وسلطات لا تستجيب

تشير ظاهرة سقوط عقارات الإسكندرية إلى خلل قانوني، إلى جانب الخلل الإداري في تنظيم عملية الهدم وتسليم إخطارات الترميم، التي أدّت إلى سقوط الكثير من العقارات ووفاة العديد من الضحايا، كما تكشف تاريخاً من البناء المخالف، الذي لم يخضع لأي معايير أمان أو سلامة، فضلاً عن التواطؤ بين الأجهزة المحلية والمقاولين الذين أغرقوا الإسكندرية بمخالفات البناء والتغاضي عنها، حتى إذا كانت عقارات تم بناؤها “من دون تراخيص”.

وكشف محافظ الإسكندرية الأسبق، طارق الفولي، في تصريحات صحافية نُشرت عام 2012، أنّ “غرفة عمليات المحافظة رصدت 20349 مخالفة بناء، منها 8049 مخالفة بعد أحداث ثورة 25 يناير وحتى اليوم”.

وانتقد عدم استجابة السلطات لمطالبات الأجهزة المحلية بتطبيق قانون الطوارئ على مقاولي العقارات.

وكانت الإسكندرية، في عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، إحدى أرقى مدن مصر والمصيف “الأبرز” للطبقة الوسطى، قبل أن ينتهي بها الحال في محنة، تحيط شواطئها أسوار، وحدائقها التراثية والتاريخية تحوّلت إلى مشروعات تجارية، بينما هُدمت على طول البحر المتوسط بها عدة مبانٍ تراثية، لتُبنى بدلاً منها أبراج وفنادق استثمارية وكبارٍ.

تلك المكانة دفعت المقاولين والسماسرة وملاك شركات المقاولات من العديد من محافظات مصر إلى الاستيلاء على بعض الأراضي بالإسكندرية، أو البناء المخالف على أراضٍ أخرى دون معايير أو معاينات، بعيداً عن الرقابة، في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير، وكان بعضهم يملك من السلطة ما يكفي حتى لا يتعرّض له أحد خلال البناء. كما تمّ إنجاز عدد كبير من العقارات في وقت قصير، للهروب من أي مساءلة قانونية أو تعطيل للبناء.

ورسّخت تلك الفترة لعمليات البناء المخالف والعشوائي، سواء بسطوة الرشاوى أو سلطة “المقاول” أو المالك الأصلي، الذي يكون أحياناً ضابطاً أو مستشاراً أو أحد الشخصيات المهمة، التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب من العقار في وجودها.

وهو ما تمّ رصده حكومياً في ما بعد، من دون وضع خطة للتعامل معه أو علاجه، وأكّد بيان رسمي لوزارة التنمية المحلية أن الإسكندرية شهدت 132 ألف حالة بناء مخالف خلال 10 سنوات، من شهر كانون الثاني/ يناير 2011 وحتى كانون الثاني الأول/ ديسمبر 2019.

ولم يتوقف ذلك البناء المخالف، حتى بعدما نما إلى علم السلطات المسؤولة عن ضبط المعمار، فشهد النصف الأول من عام 2020 وحده 1773 مخالفة بناء.

وطبقاً لبيان رسمي، تنوعت المخالفات بين بناء بدون ترخيص وتجاوز في ارتفاع المباني دون ترخيص، إلى جانب البناء على أراضٍ غير مخصصة للبناء. ونتيجة لكونها مخالفات، يتمّ البناء سريعاً ومن دون مراعاة لمعايير الجودة والسلامة أو الاستعانة بمهندس للإشراف على المبنى حتى لا تلتقطه عين قبل الانتهاء منه.

وينتهي الحال بذلك النوع من العقارات منهارة، أو منشطرة إلى نصفين، أو مائلة. وهي الظاهرة الشائعة في مصر، الكثير من العقارات مائلة بشكل ملحوظ، على اليمين أو اليسار أو الأمام أحياناً، ولولا أن عقاراً آخر على يمينها أو يسارها لسقطت في مشهد يعيد إلى الأذهان عقار الإسكندرية المائل، الذي سقط ككتلة واحدة على العقار المقابل له.

ظاهرة “الكَحول”… السر

انتشرت ثقافة “الكَحول” في الإسكندرية منذ العقد الماضي، وهي كلمة السر وراء العقارات المخالفة، ويفسّر لماذا تنهار العقارات دون وجود مسؤول قانوناً تمكن محاسبته أو تقديمه للمحاكمة. والكحول هو مالك صوري للعقار المخالف ينجز المالك الأصلي للعقار كل الإجراءات ببطاقة هويته، ويستخرج توكيلاً رسمياً باسمه بالبيع والشراء حتى يكون مسؤولاً أمام القانون عن أي مخالفة، وذلك مقابل مبلغ مالي.

ويكون الكَحول أحد سكان المناطق الفقيرة أو العشوائية والمهمّشة، أو من محافظة أخرى حتى لا تنجح قوات الأمن في الوصول إليه، في حال سقوط العقار أو انهياره أو اكتشاف أي مخالفة. وفي الوقت نفسه، يتمكّن المالك الأصلي من الفرار من دون أن يكون مسؤولاً عن أي شيء.

ويؤكد تيسير جابر، محامي قضايا العقارات بالإسكندرية، أنّ تلك الظاهرة كانت متفشية للغاية مطلع العقد الماضي، بسبب عدم وجود قوانين “مفعّلة” وسريان حالة من الفساد المبطّن بين ملاك العقارات والمشترين، الذين لا يفحصون أوراق ملكية العقار وبنائه جيداً. ويفسّر حالة الثقة والتساهل تلك بأنّ “الكثير من أقاربهم وأصدقائهم اشتروا وحدات سكنية، دون أن يتم النصب عليهم أو تضليلهم، وصارت الكلمة عقد، حتى دون أن تكون هناك أوراق، وتفشّت تلك الحالة بالإسكندرية، بخاصة أن بناء العقارات انتعش في تلك الفترة بشكل غير مسبوق، وصار المقاول الواحد يبني عقارات عدة في الوقت نفسه، ويحصل على جزء من ثمن الشقة قبل بدء البناء، ولم تكن المشكلة الأساسية هي النصب كما اعتدنا، إنما التهاون في مواصفات السلامة ومعاييرها”. وأكثر من ذلك، أنّ “من يحصل على تصاريح بعدد طبقات محدد، كان يبني أضعاف ذلك العدد، حتى صار السؤال الأكثر رواجاً بين مشتري الشقق (داخل التصريح أم خارجه؟) وهذا بثمن، والآخر بثمن، ومن يدفع أقل يسكن في المخالف… وتلك الأدوار المخالفة تكون، في الغالب، فوق احتمال وقدرة العقار وأساساته”.

ويرى جابر، أنّ القوانين وتنفيذها لم يكونا على المستوى الذي يسمحْ بمحاسبة مالك العقار الفعلي، أو يردع من يستعين بـ”كحول”، أو من يبني عقاراً مخالفاً. ويوضح إن “كنّا نشتري الشقة، وتُباع كل شقق العقار، وفجأة يختفي المقاول أو المالك الأصلي، فص ملح وذاب”.

ونتيجة لثقافة “الكَحول” والكثير من الأوضاع والمخالفات الأخرى، تفشّت ظواهر خطرة منها البناء السريع والعشوائي والمخالف وغير المطابق للمواصفات، وهو ما أدّى في النهاية إلى انهيار الكثير من العقارات، ونمت نزعة الالتفاف حول القانون في قضايا العقارات وقرارات الإزالة، وبسبب البيروقراطية ونعومة القوانين، لا تزال أغلب العقارات الآيلة للسقوط والتي صدرت لها قرارات إزالة، مأهولة بالسكان.

يروي أحمد منتصر، أحد جيران عقار ميامي المنهار بالإسكندرية، أنّ الجميع كان قلقاً من سقوط ذلك العقار، بخاصة أنه كان متهالكاً وصدر بحقه قرار إزالة بالفعل، لكن مالكه قرر بناء طابق مخالف في الأعلى، برغم أنه جمع مبالغ من السكان لترميم العقار وصيانته بناءً على قرار الإزالة الصادر بحقه.

ويضيف: “كان مالك العقار يقول إنه يدفع للحي، كي لا يرسل قوات لهدم العقار عنوة، وأنّ العقار بلا مشكلات، ويمكن العيش فيه، وعرفنا بعد سقوطه، أنه صدر بحقه قرار إخلاء وتم إخفاؤه وعدم إعلام السكان بذلك، حتى لا يجبروه على عمليات الصيانة”. وعن “لجان الفحص والمعاينة”، التي تتابع العقار وتنفيذ القرارات به، يوضح: “كانت اللجنة تأتي، تجلس مع مالك العقار، ولا أحد يعرف ما دار بينهما، وتغادر في صمت، ويبدو أنها اتعشّت”. و”اتعشت”، في اللهجة المصرية الدارجة، تشير إلى الرشوة.

مع بناء الطابق الأخير “المخالف” فوق عقار لا يحتمل من الأصل، ويجب إخلاؤه، على الأقل، حتى ترميم أعمدته المتهالكة، لم يشعر السكان بشيء، حتى انشطر العقار إلى نصفين وانهار.

ومن الشائع في عقارات الإسكندرية، التي تصدر بحقها قرارات إزالة أو إخلاء، هو التأخير أو الامتناع عن تنفيذ القرارات، إذ يتخيّل السكان أنها لن تنهار، أو أن إقامتهم الطويلة بها تشير إلى عدم انهياره مستقبلاً “لو كان هيقع، كان وقع من زمان”، ويظنون أن العقار لا يشكل خطورة ثم يفاجأون بانهياره.

ركام العقارات المنهارة يشوه “جمال الإسكندرية”

تآكل الشكل الجمالي للإسكندرية وراء لافتات كالتطوير، الذي يملأ المدينة بالخرسانة، ويقطع الأشجار التاريخية بحدائق كالمنتزة، ويقيم عقارات وفنادق وكباري بشكل يبدو غير مخطط، يغير طبيعة المدينة وجغرافيتها وهيأتها، تتوّج باستغلال الشواطئ والحدائق وعزلها وحجبها عن المارّة، وتقسيمها لاستغلالها استثمارياً وجني أرباح منها، لتصبح المدينة بلا روح وبهدم الكثير من المباني التراثية كمسرح السلام وتشويه الكورنيش التاريخي، وإقامة “كافيهات” ومقاه ومطاعم محلها، تُنزع منها هيبتها كمدينة كوزمبوليتانية عامرة بالكثير من الأطياف التاريخية.

تزامن ذلك مع تفشي ظاهرة العشوائيات والعقارات المنهارة، في رحلة المدينة الآسرة التي احتضنت حضارات كثيرة، وتحولت إلى مدينة بائسة تعاني تحت وطأة المشروعات الاستثمارية غير المخططة، التي لا تراعي سوى متعة أصحاي المال، بينما يعيش الكثير من سكانها الأصليين في عقارات مهددة بالانهيار، لا تحضر أجهزة الدولة إليها سوى بعد سقوطها، لتحرير محضر رسمي وحصر الضحايا وتركها كما هي… ركام مبنى يكمّل التشويه الذي تعاني منه الإسكندرية حالياً.  

يبدأ الحل في ملف عقارات الإسكندرية الآيلة للسقوط، التي أدت إلى كوارث عدة، من توفير شقق ووحدات سكنية بديلة، وهو ما لم يحدث طوال السنوات الماضية، بسبب اتجاه الدولة إلى إسكان محدودي ومتوسطي الدخل، مقابل  مقدم وأقساط باهظة، لا تستطيع كل الأسر تحملها في ظل الأزمة الاقتصادية في مصر، لتستسلم الأسر للسكن في عقاراتها المهددة بالسقوط، لعدم وجود بديل. وبينما تتساقط العقارات واحدا تلو الآخر في الإسكندرية، لم تصدر الحكومة المصرية أو السلطات المحلية للمدينة أي قرارات لمواجهة الأزمة، أو حلها من جذورها حتى الآن.

"درج" | 19.07.2024

اغتيال مرهج الجرماني… محاولة لضرب الاحتجاجات السلمية في السويداء

لا شكّ بأن اغتيال مرهج يصب في مصلحة النظام، فهو لم يترك ساحة الاعتصام منذ بداية الثورة العام الماضي، وفي الشهر الماضي احتجز هو وفصيله عشرات الضباط والعناصر التابعين للنظام السوري، على خلفية اعتقال الأجهزة الأمنية شابة من السويداء بسبب نشاطها المدني، وتمكن بالفعل من تحريرها بعملية مقايضة.
16.07.2023
زمن القراءة: 8 minutes

يبدأ الحل في ملف عقارات الإسكندرية الآيلة للسقوط، التي أدت إلى كوارث عدة، من توفير شقق ووحدات سكنية بديلة، وهو ما لم يحدث طوال السنوات الماضية، بسبب اتجاه الدولة إلى إسكان محدودي ومتوسطي الدخل، مقابل  مقدم وأقساط باهظة، لا تستطيع كل الأسر تحملها في ظل الأزمة الاقتصادية في مصر.

صار انهيار وسقوط العقارات بمدينة الإسكندرية في مصر حدثاً عادياً، وبمرور الوقت لم يعد أحد ينتبه إليه، فمساء 9 تموز/ يوليو انهار جزء من عقار في حي الجمرك السياحي الشهير، بعد 3 أيام فقط من سقوط عقار آخر في الحي ذاته، ولقي شخص مصرعه، وهو الحادث الأول الذي أعقب انشطار عقار منطقة ميامي إلى نصفين، وأحدث جدلاً وحالة من القلق وراح ضحيته 3 أشخاص، فضلاً عن 4 مصابين.

تساقط عقارات الإسكندرية بتلك الوتيرة المنتظمة قد يتحول إلى ظاهرة، إذ تدفع المدينة ثمن البناء المخالف والعشوائي الذي أسّس له فساد الأجهزة المحلية وإدارات المحافظات على مدار سنوات، إلى جانب الضغط المتزايد على مرافق المدينة وأساساتها بحجة “التطوير”، تحديداً في المناطق القريبة من شاطئ البحر، التي تواجه منذ عامين حالة من جنون الهدم، التي تشمل عقارات سكنية أو مباني تراثية، تمهيداً لبناء بعض الفنادق أو الكباري.

ونتيجة لذلك، شهدت الإسكندرية 22 حادث انهيار عقارات منذ بداية عام 2023، فلم يكن انهيار عقار “ميامي” الشهير حادثاً عابراً أو عارضاً في المدينة التي اعتاد أهلها سماع أنباء القتلى والمصابين تحت أنقاض العقارات، لتكمّل مسلسل سقوط المباني الذي يهدّد الإسكندرية خلال العقد الماضي، ففي إحصائية أجراها “دفتر أحوال” تبيّن أن أكثر من 50 في المئة من العقارات المنهارة في مصر، كانت في محافظة الإسكندرية فقط… فما الذي حصل في الإسكندرية، وأحالها إلى مدينة “المباني المنهارة”؟

300 ألف عقار “آيل للسقوط”

طبقاً لوزارة التضامن الاجتماعي في مصر، تُقدّر العقارات الآيلة للسقوط في الإسكندرية، بـ300 ألف عقار، وبرغم ذلك لا تزال تسكن تلك العقارات أسر كاملة تنتظر الموت يومياً دون وجود منازل بديلة، أو حلول أخرى لإنقاذهم من سلسلة العقارات المنهارة. ولا يعدّ إيجاد بدائل لتلك الأسر من الأولويات حالياً، كما أنها لا تتقدم نحو إخلاء تلك المباني من سكانها، وتحميل الأهالي مسؤولية البقاء بتلك العقارات، والكشف عن كونها “على قائمة المباني الآيلة للسقوط”.

ثغرات قانونية عدة تمنع هدم العقارات الآيلة للسقوط، تبدأ بغياب جهة رسمية مكلفة بالهدم، إنما يُترك الأمر لمالك العقار الذي يتم إخطاره بوجوب الهدم على نفقته الخاصة. وبألاعيب عدة، يتهرّب المالك من استلام الإخطار، سواء عن طريق دفع رشاوى، أو تغيير عنوانه بحيث لا يصل الإخطار إليه.

تبقى الأسر في المبنى “الآيل للسقوط” لأشهر أو سنوات، وربما لا تعرف أن العقار مهدد وقد يسقط بسكانه في أي لحظة. وفي أحيان أخرى، يتهرّب الملاك من هدم وإعادة بناء المنشآت الآيلة للسقوط بقرار رسمي يمنح بقية السكان (الذين يخضعون لقانون الإيجار القديم أو لا يملكون حصة في الأرض مثبتة بالعقد) الحق في الحصول على شقة بالعقار الذي سيتم بناؤه.

يقول إبراهيم معروف، أستاذ تاريخ ونظريات العمارة بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، إن بعض ملاك تلك العقارات الآيلة للسقوط اعتادوا تخريب العقارات بأساليب مختلفة، وأحياناً زرع شيء ينفجر في باطن الأرض تحتها، ما يؤدي إلى سقوطها “وكأنه قضاء وقدر”. ويوضح لـ”درج”، أن الهدف من ذلك هو “منع عودة السكان إليها مرة أخرى، للاستفادة من الأرض وحدهم من دون شريك، من خلال بيعها أو بناء عقار جديد عليها دون أن يكون لأحد السكان أي حصص”.

وفي حالة ترميم العقار بقرار رسمي، فـ”لن يستفيد المالك شيئاً، بل سيدفع ثمن الهدم أو الترميم والبناء مجدداً دون عائد”. وفي حالة عقار حي الجمرك المنهار بالإسكندرية، كان المتوفي الوحيد هو مالك العقار نفسه، الذي دخل قبل انهياره بدقائق، ولم يعلم أحد ماذا فعل، وما إذا كان فعل شيئاً أدى لانهيار العقار قبل خروجه أم لا.

صار انهيار وسقوط العقارات بمدينة الإسكندرية في مصر حدثاً عادياً، وبمرور الوقت لم يعد أحد ينتبه إليه

خلل قانوني… وسلطات لا تستجيب

تشير ظاهرة سقوط عقارات الإسكندرية إلى خلل قانوني، إلى جانب الخلل الإداري في تنظيم عملية الهدم وتسليم إخطارات الترميم، التي أدّت إلى سقوط الكثير من العقارات ووفاة العديد من الضحايا، كما تكشف تاريخاً من البناء المخالف، الذي لم يخضع لأي معايير أمان أو سلامة، فضلاً عن التواطؤ بين الأجهزة المحلية والمقاولين الذين أغرقوا الإسكندرية بمخالفات البناء والتغاضي عنها، حتى إذا كانت عقارات تم بناؤها “من دون تراخيص”.

وكشف محافظ الإسكندرية الأسبق، طارق الفولي، في تصريحات صحافية نُشرت عام 2012، أنّ “غرفة عمليات المحافظة رصدت 20349 مخالفة بناء، منها 8049 مخالفة بعد أحداث ثورة 25 يناير وحتى اليوم”.

وانتقد عدم استجابة السلطات لمطالبات الأجهزة المحلية بتطبيق قانون الطوارئ على مقاولي العقارات.

وكانت الإسكندرية، في عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، إحدى أرقى مدن مصر والمصيف “الأبرز” للطبقة الوسطى، قبل أن ينتهي بها الحال في محنة، تحيط شواطئها أسوار، وحدائقها التراثية والتاريخية تحوّلت إلى مشروعات تجارية، بينما هُدمت على طول البحر المتوسط بها عدة مبانٍ تراثية، لتُبنى بدلاً منها أبراج وفنادق استثمارية وكبارٍ.

تلك المكانة دفعت المقاولين والسماسرة وملاك شركات المقاولات من العديد من محافظات مصر إلى الاستيلاء على بعض الأراضي بالإسكندرية، أو البناء المخالف على أراضٍ أخرى دون معايير أو معاينات، بعيداً عن الرقابة، في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير، وكان بعضهم يملك من السلطة ما يكفي حتى لا يتعرّض له أحد خلال البناء. كما تمّ إنجاز عدد كبير من العقارات في وقت قصير، للهروب من أي مساءلة قانونية أو تعطيل للبناء.

ورسّخت تلك الفترة لعمليات البناء المخالف والعشوائي، سواء بسطوة الرشاوى أو سلطة “المقاول” أو المالك الأصلي، الذي يكون أحياناً ضابطاً أو مستشاراً أو أحد الشخصيات المهمة، التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب من العقار في وجودها.

وهو ما تمّ رصده حكومياً في ما بعد، من دون وضع خطة للتعامل معه أو علاجه، وأكّد بيان رسمي لوزارة التنمية المحلية أن الإسكندرية شهدت 132 ألف حالة بناء مخالف خلال 10 سنوات، من شهر كانون الثاني/ يناير 2011 وحتى كانون الثاني الأول/ ديسمبر 2019.

ولم يتوقف ذلك البناء المخالف، حتى بعدما نما إلى علم السلطات المسؤولة عن ضبط المعمار، فشهد النصف الأول من عام 2020 وحده 1773 مخالفة بناء.

وطبقاً لبيان رسمي، تنوعت المخالفات بين بناء بدون ترخيص وتجاوز في ارتفاع المباني دون ترخيص، إلى جانب البناء على أراضٍ غير مخصصة للبناء. ونتيجة لكونها مخالفات، يتمّ البناء سريعاً ومن دون مراعاة لمعايير الجودة والسلامة أو الاستعانة بمهندس للإشراف على المبنى حتى لا تلتقطه عين قبل الانتهاء منه.

وينتهي الحال بذلك النوع من العقارات منهارة، أو منشطرة إلى نصفين، أو مائلة. وهي الظاهرة الشائعة في مصر، الكثير من العقارات مائلة بشكل ملحوظ، على اليمين أو اليسار أو الأمام أحياناً، ولولا أن عقاراً آخر على يمينها أو يسارها لسقطت في مشهد يعيد إلى الأذهان عقار الإسكندرية المائل، الذي سقط ككتلة واحدة على العقار المقابل له.

ظاهرة “الكَحول”… السر

انتشرت ثقافة “الكَحول” في الإسكندرية منذ العقد الماضي، وهي كلمة السر وراء العقارات المخالفة، ويفسّر لماذا تنهار العقارات دون وجود مسؤول قانوناً تمكن محاسبته أو تقديمه للمحاكمة. والكحول هو مالك صوري للعقار المخالف ينجز المالك الأصلي للعقار كل الإجراءات ببطاقة هويته، ويستخرج توكيلاً رسمياً باسمه بالبيع والشراء حتى يكون مسؤولاً أمام القانون عن أي مخالفة، وذلك مقابل مبلغ مالي.

ويكون الكَحول أحد سكان المناطق الفقيرة أو العشوائية والمهمّشة، أو من محافظة أخرى حتى لا تنجح قوات الأمن في الوصول إليه، في حال سقوط العقار أو انهياره أو اكتشاف أي مخالفة. وفي الوقت نفسه، يتمكّن المالك الأصلي من الفرار من دون أن يكون مسؤولاً عن أي شيء.

ويؤكد تيسير جابر، محامي قضايا العقارات بالإسكندرية، أنّ تلك الظاهرة كانت متفشية للغاية مطلع العقد الماضي، بسبب عدم وجود قوانين “مفعّلة” وسريان حالة من الفساد المبطّن بين ملاك العقارات والمشترين، الذين لا يفحصون أوراق ملكية العقار وبنائه جيداً. ويفسّر حالة الثقة والتساهل تلك بأنّ “الكثير من أقاربهم وأصدقائهم اشتروا وحدات سكنية، دون أن يتم النصب عليهم أو تضليلهم، وصارت الكلمة عقد، حتى دون أن تكون هناك أوراق، وتفشّت تلك الحالة بالإسكندرية، بخاصة أن بناء العقارات انتعش في تلك الفترة بشكل غير مسبوق، وصار المقاول الواحد يبني عقارات عدة في الوقت نفسه، ويحصل على جزء من ثمن الشقة قبل بدء البناء، ولم تكن المشكلة الأساسية هي النصب كما اعتدنا، إنما التهاون في مواصفات السلامة ومعاييرها”. وأكثر من ذلك، أنّ “من يحصل على تصاريح بعدد طبقات محدد، كان يبني أضعاف ذلك العدد، حتى صار السؤال الأكثر رواجاً بين مشتري الشقق (داخل التصريح أم خارجه؟) وهذا بثمن، والآخر بثمن، ومن يدفع أقل يسكن في المخالف… وتلك الأدوار المخالفة تكون، في الغالب، فوق احتمال وقدرة العقار وأساساته”.

ويرى جابر، أنّ القوانين وتنفيذها لم يكونا على المستوى الذي يسمحْ بمحاسبة مالك العقار الفعلي، أو يردع من يستعين بـ”كحول”، أو من يبني عقاراً مخالفاً. ويوضح إن “كنّا نشتري الشقة، وتُباع كل شقق العقار، وفجأة يختفي المقاول أو المالك الأصلي، فص ملح وذاب”.

ونتيجة لثقافة “الكَحول” والكثير من الأوضاع والمخالفات الأخرى، تفشّت ظواهر خطرة منها البناء السريع والعشوائي والمخالف وغير المطابق للمواصفات، وهو ما أدّى في النهاية إلى انهيار الكثير من العقارات، ونمت نزعة الالتفاف حول القانون في قضايا العقارات وقرارات الإزالة، وبسبب البيروقراطية ونعومة القوانين، لا تزال أغلب العقارات الآيلة للسقوط والتي صدرت لها قرارات إزالة، مأهولة بالسكان.

يروي أحمد منتصر، أحد جيران عقار ميامي المنهار بالإسكندرية، أنّ الجميع كان قلقاً من سقوط ذلك العقار، بخاصة أنه كان متهالكاً وصدر بحقه قرار إزالة بالفعل، لكن مالكه قرر بناء طابق مخالف في الأعلى، برغم أنه جمع مبالغ من السكان لترميم العقار وصيانته بناءً على قرار الإزالة الصادر بحقه.

ويضيف: “كان مالك العقار يقول إنه يدفع للحي، كي لا يرسل قوات لهدم العقار عنوة، وأنّ العقار بلا مشكلات، ويمكن العيش فيه، وعرفنا بعد سقوطه، أنه صدر بحقه قرار إخلاء وتم إخفاؤه وعدم إعلام السكان بذلك، حتى لا يجبروه على عمليات الصيانة”. وعن “لجان الفحص والمعاينة”، التي تتابع العقار وتنفيذ القرارات به، يوضح: “كانت اللجنة تأتي، تجلس مع مالك العقار، ولا أحد يعرف ما دار بينهما، وتغادر في صمت، ويبدو أنها اتعشّت”. و”اتعشت”، في اللهجة المصرية الدارجة، تشير إلى الرشوة.

مع بناء الطابق الأخير “المخالف” فوق عقار لا يحتمل من الأصل، ويجب إخلاؤه، على الأقل، حتى ترميم أعمدته المتهالكة، لم يشعر السكان بشيء، حتى انشطر العقار إلى نصفين وانهار.

ومن الشائع في عقارات الإسكندرية، التي تصدر بحقها قرارات إزالة أو إخلاء، هو التأخير أو الامتناع عن تنفيذ القرارات، إذ يتخيّل السكان أنها لن تنهار، أو أن إقامتهم الطويلة بها تشير إلى عدم انهياره مستقبلاً “لو كان هيقع، كان وقع من زمان”، ويظنون أن العقار لا يشكل خطورة ثم يفاجأون بانهياره.

ركام العقارات المنهارة يشوه “جمال الإسكندرية”

تآكل الشكل الجمالي للإسكندرية وراء لافتات كالتطوير، الذي يملأ المدينة بالخرسانة، ويقطع الأشجار التاريخية بحدائق كالمنتزة، ويقيم عقارات وفنادق وكباري بشكل يبدو غير مخطط، يغير طبيعة المدينة وجغرافيتها وهيأتها، تتوّج باستغلال الشواطئ والحدائق وعزلها وحجبها عن المارّة، وتقسيمها لاستغلالها استثمارياً وجني أرباح منها، لتصبح المدينة بلا روح وبهدم الكثير من المباني التراثية كمسرح السلام وتشويه الكورنيش التاريخي، وإقامة “كافيهات” ومقاه ومطاعم محلها، تُنزع منها هيبتها كمدينة كوزمبوليتانية عامرة بالكثير من الأطياف التاريخية.

تزامن ذلك مع تفشي ظاهرة العشوائيات والعقارات المنهارة، في رحلة المدينة الآسرة التي احتضنت حضارات كثيرة، وتحولت إلى مدينة بائسة تعاني تحت وطأة المشروعات الاستثمارية غير المخططة، التي لا تراعي سوى متعة أصحاي المال، بينما يعيش الكثير من سكانها الأصليين في عقارات مهددة بالانهيار، لا تحضر أجهزة الدولة إليها سوى بعد سقوطها، لتحرير محضر رسمي وحصر الضحايا وتركها كما هي… ركام مبنى يكمّل التشويه الذي تعاني منه الإسكندرية حالياً.  

يبدأ الحل في ملف عقارات الإسكندرية الآيلة للسقوط، التي أدت إلى كوارث عدة، من توفير شقق ووحدات سكنية بديلة، وهو ما لم يحدث طوال السنوات الماضية، بسبب اتجاه الدولة إلى إسكان محدودي ومتوسطي الدخل، مقابل  مقدم وأقساط باهظة، لا تستطيع كل الأسر تحملها في ظل الأزمة الاقتصادية في مصر، لتستسلم الأسر للسكن في عقاراتها المهددة بالسقوط، لعدم وجود بديل. وبينما تتساقط العقارات واحدا تلو الآخر في الإسكندرية، لم تصدر الحكومة المصرية أو السلطات المحلية للمدينة أي قرارات لمواجهة الأزمة، أو حلها من جذورها حتى الآن.

16.07.2023
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية