ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الاعتراف بدولة فلسطين في ميزان السياسة الداخلية الفرنسية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قيل الكثير عن القراءة “الماكرونية” المستجدّة للتحوّلات الدولية والإقليمية، التي دفعت الرئيس الفرنسي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. على رغم ذلك، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الحسابات والاعتبارات الفرنسية الداخلية، التي ساهمت بصورة أو بأخرى في بلورة هذا القرار. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

صحيفة “لوموند” الفرنسية نقلت عن أحد سفراء فرنسا السابقين في الشرق الأوسط قوله، إن ماكرون بعد تولّيه رئاسة البلاد، شبّه شعار حلّ الدولتين بـ “التعويذة الصادرة عن وزارة الخارجية”. ماكرون لم يخفِ ارتيابه من الجسم الدبلوماسي الفرنسي، ليصنّفه في خانة “الدولة العميقة”، منتهجاً في المقابل “دبلوماسية من دون دبلوماسيين”، قوامها الاعتماد على مستشاريه وحثّهم على بلورة “أفكار خلّاقة”، في ترجمة لشخصيّته الميّالة دوماً إلى كسر القواعد والأعراف.  

الصحيفة الفرنسية استعرضت في هذا السياق سلسلة من المواقف المنحازة إلى إسرائيل: خلال العشاء السنوي للمجلس التمثيلي للمؤسّسات اليهودية في فرنسا في عام 2022 (الذي لم يتمكّن من حضوره لمشاركته في قمّة أوروبية)، ألقى رئيس الوزراء كلمة نيابة عن ماكرون، جاء فيها: “القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي، ولم أتوقّف عن قول ذلك قط”. 

الصحيفة الفرنسية استذكرت أيضاً استنكار الرئيس الفرنسي إقدام عدد من المنظّمات الحقوقية على وصف الاستيطان الإسرائيلي بسياسة “الفصل العنصري”، إلى جانب تعهّده بالدفع نحو اعتبار معاداة الصهيونية جزءاً من معاداة الساميّة، كما اقتراحه تشكيل تحالف دولي لمواجهة حركة “حماس”. 

وفقاً لـ”لوموند”، تعود جذور هذا الانحياز إلى فترة تولّيه وزارة الاقتصاد و”انبهاره” بإسرائيل، بوصفها “مملكة التكنولوجيا” و”دولة الشركات الناشئة”، ونموذجاً اقتصادياً سعى إلى استنساخه في فرنسا. وعليه، انصبّ تركيز الرئيس الفرنسي على هذه الجوانب، من دون أي اهتمام بمآلات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. 

يقول يوناتان أرفي رئيس المجلس التمثيلي للمؤسّسات اليهودية في فرنسا، في هذا السياق: “شخصيّة ماكرون الحداثوية دفعت العالم اليهودي الى الاعتقاد والأمل بإمكانية إحداث قطيعة مع الدبلوماسية الفرنسية، التي تميل تاريخياً نحو السردية العربية أو الفلسطينية”. 

لكنّ السفير السابق عاد وأشار في معرض حديثه  لـ”لوموند”، إلى أن “خسارة ماكرون الانتخابات النيابية المبكرة في حزيران/ يونيو 2024، هزّت ثقته بقناعاته”.  كلام السفير المذكور جدير بالاهتمام، ففقدان إيمانويل ماكرون الغالبية النيابية، وحالة عدم الاستقرار الحكومي التي تشهدها البلاد منذ ذلك التاريخ، أضعفاه سياسياً وقلّصا هامش مناورته الداخلية.

يضاف إلى ما سبق، الاستعدادات الجارية في الكواليس للانتخابات الرئاسية للعام 2027 (التي لن يخوضها ماكرون بحكم الدستور)، ما سيزيد من ضعفه السياسي.

أمام هذا المشهد وبالنظر إلى شخصيّة الرئيس الفرنسي الساعي إلى تحقيق إنجاز ملموس، لجأ ماكرون إلى “الهروب إلى الأمام” عبر المراهنة على ترك بصمة دبلوماسية. 

وفقاً للأعراف الفرنسية، لرئيس الجمهورية الكلمة العليا في السياستين الخارجية والدفاعية، ما يمنحه هامشاً أوسع من الاستقلاليّة في اتّخاذ القرار مقارنة بالملفّات الداخلية. بالتالي، تحقيق إنجاز على صعيد السياسة الخارجية سيسجَّل حكماً في رصيده الشخصي. 

ما يعزّز فرضية هذا الرهان الماكروني هو ولاية جاك شيراك الثانية: فعلى رغم ما يشاع عن عدم تحقيقه أي انجاز داخلي يُذكر، لا يزال الرأي العامّ الفرنسي يستذكره بإيجابية بعد معارضته الغزو الأميركي للعراق، موقف ثبّت استقلاليّة القرار الخارجي الفرنسي. 

الاعتراف بالدولة الفلسطينية يشير إلى استيعاب ماكرون هذا “الدرس”. على سبيل الاستطراد، خلال زيارته القدس مطلع العام 2020 ، حاول محاكاة الزيارة الشيراكية الشهيرة في العام 1996. من جهة أخرى، دلّ حديث السفير الفرنسي عن اهتزاز ثقة ماكرون بقناعاته، على قيامه بمراجعة ذاتية دفعته، مرغماً أو عن قناعة، للعودة إلى ثوابت الدبلوماسية الفرنسية في ما يخصّ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أي الموازنة بين أمن إسرائيل وحقوق الشعب الفلسطيني.

سعي ماكرون لإحداث خرق دبلوماسي بغرض استثماره داخلياً دونه عوائق، ليس فقط لتصلّب الموقفين الأميركي والإسرائيلي، بل أيضاً لعوامل داخلية. 

الأحزاب والشخصيّات الفرنسية المؤيّدة لإسرائيل رفضت خطوة ماكرون، وتحديداً حزب “التجمّع الوطني”، أبرز أحزاب اليمين المتطرّف. مارين لوبان وصفت اعتراف ماكرون بـ”الكارثي”، بذريعة عدم إفراج حركة “حماس” عن باقي الرهائن الإسرائيليين، معتبرة هذه الخطوة في هذا التوقيت “مكافأة للحركة”.

وأضافت لوبان أن هدف ماكرون هو التقرّب من الناخبين القاطنين في الضواحي لجذب أصواتهم، في تلميح مباشر إلى ذوي الأصول الأجنبية والعربية كما المسلمين الفرنسيين. 

كلام لوبان يشير إلى نيّتها شيطنة الاعتراف الفرنسي لرفع رصيدها في أوساط الناخبين المعادين للهجرة، خاصّة وأن برنامجها وبرنامج حزبها يرتكزان على معاداة المهاجرين. كما يبدو أنها رأت في اعتراف ماكرون بالدولة الفلسطينية فرصة إضافية للظهور بلباس المدافعة عن يهود فرنسا والمتصدّية لمعاداة الساميّة. غايتها الإمعان في حرف الأنظار عن إرثها السياسي والعائلي الحافل بمعاداة الساميّة. 

المفارقة أن من بين المعارضين لخطوة ماكرون شخصيّات حليفة له، مثل برونو روتايو (وزير الداخلية ورئيس حزب الجمهوريون المشارك في الحكومة). روتايو الذي صرّح أنه غير معنيّ بقرار ماكرون، وجّه مذكّرة إلى رؤساء البلديات حذّرهم فيها من رفع العلم الفلسطيني على واجهات مبانيهم (كما جرت العادة في محطّات تاريخية مشابهة) بذريعة “حيادية المرافق العامّة”. 

اللافت في هذا الإطار، أن اشتراط ماكرون إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين قبل تبادل السفراء مع الدولة الفلسطينية، لم يشفع له في أوساط السياسيين المنحازين إلى الموقف الإسرائيلي.  حتى رسالته إلى محمود عباس، بتاريخ 24 تمّوز/ يوليو 2025، لم تترك أيّ صدى إيجابي لدى هذا الفريق من الفرنسيين المؤيّد لإسرائيل.  فمضمون الرسالة دلّ بوضوح أن الاعتراف ليس لكونه حقاً طبيعياً، بل لإعلان السلطة الفلسطينية عزمها تطبيق سلسلة من الإجراءات من ضمنها نزع سلاح حركة “حماس”.

واقع يشير إلى حدّة الانقسام والاستقطاب الداخليين بعد عملية “7 أكتوبر”، نتيجة تحوّل في مقاربة شريحة من الطبقة السياسية الفرنسية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. فثوابت السياسة الخارجية الفرنسية حيال القضيّة الفلسطينية لم تعد تحظى بالإجماع المعهود. 

على المقلب الآخر، ورغم تأييد الأحزاب اليسارية لهذا الاعتراف، اعتبرته غير كافٍ: المتحدّث الرسمي باسم الحزب الشيوعي الفرنسي طالب بفرض عقوبات ملموسة على الحكومة الإسرائيلية كي يوقف نتانياهو الإبادة المرتكبة، موقف تبنّاه بدوره منسّق حركة “فرنسا الأبية“. وكان لحزب البيئة موقف متمايز بعدما وقّع عدد من كوادره، مطلع آب/ أغسطس الماضي، على عريضة طالبت إيمانويل ماكرون بإرسال قطع من البحرية الفرنسية لكسر الحصار عن غزّة. وعليه، لن يتمكّن ماكرون حتى من استمالة القاعدة الشعبية والانتخابية اليسارية لكونه مقصّراً وفقاً لهم، ناهيك بحالة السخط اليسارية على سياساته الداخلية.

اعتراف ماكرون بالدولة الفلسطينية لن يحظى إذاً بإجماع شعبي على المدى المنظور، وفي ظلّ استحالة بلورة هذا الاعتراف على أرض الواقع والتدهور المحتمل في العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية، سيشهد الوسط السياسي الفرنسي مزيداً من التشكيك في سياسة ماكرون الخارجية. خصومه سيعتبرون هذا الاعتراف حلقة إضافية في مسلسل إخفاقاته الخارجية، حاله حال التدهور في العلاقات الفرنسية – الجزائرية والفرنسية – الإفريقية. 

من المؤشّرات الدالة على إمكانية احتدام التوتّر السياسي الداخلي بفعل هذا القرار، مقالة رأي لسفير فرنسا السابق في الجزائر كزافيه درانكور. المقالة التي نُشرت على صفحات “لوفيغارو”، المعروفة بخطّها التحريري اليميني والمؤيّد للسياسة الإسرائيلية، لم تنكر الكلمة العليا لرئيس الجمهورية في السياسة الخارجية، لكنّها رأت بالمقابل أن ماكرون أقدم على هذا الاعتراف في ظلّ حكومة مستقيلة. ونظراً للارتدادات الداخلية المحتملة لهذا القرار، لا سيّما على النظام العامّ، رأى درانكور أنه قد يُفرض على رئيس الحكومة المكلّف، اتّخاذ قرارات تتعدّى تصريف الأعمال، وبالتعاون مع وزراء وضعوا في مناصبهم من قِبل سلفه.

على أيّ حال، يحقّ لباريس أخذ قسط من النشوة، إذ أعاد يوم 22 أيلول/ سبتمبر الاعتبار للدبلوماسية الفرنسية بعد سلسلة من الانتكاسات والانكسارات. صحيح أن مفاعيل القرار الفرنسي لن تظهر على المدى المنظور، ومن غير الواضح مدى استعداد باريس لممارسة ضغوط جدّية على إسرائيل (فرض عقوبات، تعليق التعاون في عدد من المجالات…) لدفعها إلى الانخراط في مسار حلّ سياسي، لكن يبقى أن الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية يشكّل أرضية يمكن البناء عليها. لهجة تل أبيب الحادّة وتلويحها بفرض سيادتها على الضفّة الغربية، يشيران إلى خشية حقيقية من التبعات المحتملة لهذه الخطوة الفرنسية. 

29.09.2025
زمن القراءة: 5 minutes

قيل الكثير عن القراءة “الماكرونية” المستجدّة للتحوّلات الدولية والإقليمية، التي دفعت الرئيس الفرنسي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. على رغم ذلك، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الحسابات والاعتبارات الفرنسية الداخلية، التي ساهمت بصورة أو بأخرى في بلورة هذا القرار. 

صحيفة “لوموند” الفرنسية نقلت عن أحد سفراء فرنسا السابقين في الشرق الأوسط قوله، إن ماكرون بعد تولّيه رئاسة البلاد، شبّه شعار حلّ الدولتين بـ “التعويذة الصادرة عن وزارة الخارجية”. ماكرون لم يخفِ ارتيابه من الجسم الدبلوماسي الفرنسي، ليصنّفه في خانة “الدولة العميقة”، منتهجاً في المقابل “دبلوماسية من دون دبلوماسيين”، قوامها الاعتماد على مستشاريه وحثّهم على بلورة “أفكار خلّاقة”، في ترجمة لشخصيّته الميّالة دوماً إلى كسر القواعد والأعراف.  

الصحيفة الفرنسية استعرضت في هذا السياق سلسلة من المواقف المنحازة إلى إسرائيل: خلال العشاء السنوي للمجلس التمثيلي للمؤسّسات اليهودية في فرنسا في عام 2022 (الذي لم يتمكّن من حضوره لمشاركته في قمّة أوروبية)، ألقى رئيس الوزراء كلمة نيابة عن ماكرون، جاء فيها: “القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي، ولم أتوقّف عن قول ذلك قط”. 

الصحيفة الفرنسية استذكرت أيضاً استنكار الرئيس الفرنسي إقدام عدد من المنظّمات الحقوقية على وصف الاستيطان الإسرائيلي بسياسة “الفصل العنصري”، إلى جانب تعهّده بالدفع نحو اعتبار معاداة الصهيونية جزءاً من معاداة الساميّة، كما اقتراحه تشكيل تحالف دولي لمواجهة حركة “حماس”. 

وفقاً لـ”لوموند”، تعود جذور هذا الانحياز إلى فترة تولّيه وزارة الاقتصاد و”انبهاره” بإسرائيل، بوصفها “مملكة التكنولوجيا” و”دولة الشركات الناشئة”، ونموذجاً اقتصادياً سعى إلى استنساخه في فرنسا. وعليه، انصبّ تركيز الرئيس الفرنسي على هذه الجوانب، من دون أي اهتمام بمآلات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. 

يقول يوناتان أرفي رئيس المجلس التمثيلي للمؤسّسات اليهودية في فرنسا، في هذا السياق: “شخصيّة ماكرون الحداثوية دفعت العالم اليهودي الى الاعتقاد والأمل بإمكانية إحداث قطيعة مع الدبلوماسية الفرنسية، التي تميل تاريخياً نحو السردية العربية أو الفلسطينية”. 

لكنّ السفير السابق عاد وأشار في معرض حديثه  لـ”لوموند”، إلى أن “خسارة ماكرون الانتخابات النيابية المبكرة في حزيران/ يونيو 2024، هزّت ثقته بقناعاته”.  كلام السفير المذكور جدير بالاهتمام، ففقدان إيمانويل ماكرون الغالبية النيابية، وحالة عدم الاستقرار الحكومي التي تشهدها البلاد منذ ذلك التاريخ، أضعفاه سياسياً وقلّصا هامش مناورته الداخلية.

يضاف إلى ما سبق، الاستعدادات الجارية في الكواليس للانتخابات الرئاسية للعام 2027 (التي لن يخوضها ماكرون بحكم الدستور)، ما سيزيد من ضعفه السياسي.

أمام هذا المشهد وبالنظر إلى شخصيّة الرئيس الفرنسي الساعي إلى تحقيق إنجاز ملموس، لجأ ماكرون إلى “الهروب إلى الأمام” عبر المراهنة على ترك بصمة دبلوماسية. 

وفقاً للأعراف الفرنسية، لرئيس الجمهورية الكلمة العليا في السياستين الخارجية والدفاعية، ما يمنحه هامشاً أوسع من الاستقلاليّة في اتّخاذ القرار مقارنة بالملفّات الداخلية. بالتالي، تحقيق إنجاز على صعيد السياسة الخارجية سيسجَّل حكماً في رصيده الشخصي. 

ما يعزّز فرضية هذا الرهان الماكروني هو ولاية جاك شيراك الثانية: فعلى رغم ما يشاع عن عدم تحقيقه أي انجاز داخلي يُذكر، لا يزال الرأي العامّ الفرنسي يستذكره بإيجابية بعد معارضته الغزو الأميركي للعراق، موقف ثبّت استقلاليّة القرار الخارجي الفرنسي. 

الاعتراف بالدولة الفلسطينية يشير إلى استيعاب ماكرون هذا “الدرس”. على سبيل الاستطراد، خلال زيارته القدس مطلع العام 2020 ، حاول محاكاة الزيارة الشيراكية الشهيرة في العام 1996. من جهة أخرى، دلّ حديث السفير الفرنسي عن اهتزاز ثقة ماكرون بقناعاته، على قيامه بمراجعة ذاتية دفعته، مرغماً أو عن قناعة، للعودة إلى ثوابت الدبلوماسية الفرنسية في ما يخصّ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أي الموازنة بين أمن إسرائيل وحقوق الشعب الفلسطيني.

سعي ماكرون لإحداث خرق دبلوماسي بغرض استثماره داخلياً دونه عوائق، ليس فقط لتصلّب الموقفين الأميركي والإسرائيلي، بل أيضاً لعوامل داخلية. 

الأحزاب والشخصيّات الفرنسية المؤيّدة لإسرائيل رفضت خطوة ماكرون، وتحديداً حزب “التجمّع الوطني”، أبرز أحزاب اليمين المتطرّف. مارين لوبان وصفت اعتراف ماكرون بـ”الكارثي”، بذريعة عدم إفراج حركة “حماس” عن باقي الرهائن الإسرائيليين، معتبرة هذه الخطوة في هذا التوقيت “مكافأة للحركة”.

وأضافت لوبان أن هدف ماكرون هو التقرّب من الناخبين القاطنين في الضواحي لجذب أصواتهم، في تلميح مباشر إلى ذوي الأصول الأجنبية والعربية كما المسلمين الفرنسيين. 

كلام لوبان يشير إلى نيّتها شيطنة الاعتراف الفرنسي لرفع رصيدها في أوساط الناخبين المعادين للهجرة، خاصّة وأن برنامجها وبرنامج حزبها يرتكزان على معاداة المهاجرين. كما يبدو أنها رأت في اعتراف ماكرون بالدولة الفلسطينية فرصة إضافية للظهور بلباس المدافعة عن يهود فرنسا والمتصدّية لمعاداة الساميّة. غايتها الإمعان في حرف الأنظار عن إرثها السياسي والعائلي الحافل بمعاداة الساميّة. 

المفارقة أن من بين المعارضين لخطوة ماكرون شخصيّات حليفة له، مثل برونو روتايو (وزير الداخلية ورئيس حزب الجمهوريون المشارك في الحكومة). روتايو الذي صرّح أنه غير معنيّ بقرار ماكرون، وجّه مذكّرة إلى رؤساء البلديات حذّرهم فيها من رفع العلم الفلسطيني على واجهات مبانيهم (كما جرت العادة في محطّات تاريخية مشابهة) بذريعة “حيادية المرافق العامّة”. 

اللافت في هذا الإطار، أن اشتراط ماكرون إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين قبل تبادل السفراء مع الدولة الفلسطينية، لم يشفع له في أوساط السياسيين المنحازين إلى الموقف الإسرائيلي.  حتى رسالته إلى محمود عباس، بتاريخ 24 تمّوز/ يوليو 2025، لم تترك أيّ صدى إيجابي لدى هذا الفريق من الفرنسيين المؤيّد لإسرائيل.  فمضمون الرسالة دلّ بوضوح أن الاعتراف ليس لكونه حقاً طبيعياً، بل لإعلان السلطة الفلسطينية عزمها تطبيق سلسلة من الإجراءات من ضمنها نزع سلاح حركة “حماس”.

واقع يشير إلى حدّة الانقسام والاستقطاب الداخليين بعد عملية “7 أكتوبر”، نتيجة تحوّل في مقاربة شريحة من الطبقة السياسية الفرنسية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي. فثوابت السياسة الخارجية الفرنسية حيال القضيّة الفلسطينية لم تعد تحظى بالإجماع المعهود. 

على المقلب الآخر، ورغم تأييد الأحزاب اليسارية لهذا الاعتراف، اعتبرته غير كافٍ: المتحدّث الرسمي باسم الحزب الشيوعي الفرنسي طالب بفرض عقوبات ملموسة على الحكومة الإسرائيلية كي يوقف نتانياهو الإبادة المرتكبة، موقف تبنّاه بدوره منسّق حركة “فرنسا الأبية“. وكان لحزب البيئة موقف متمايز بعدما وقّع عدد من كوادره، مطلع آب/ أغسطس الماضي، على عريضة طالبت إيمانويل ماكرون بإرسال قطع من البحرية الفرنسية لكسر الحصار عن غزّة. وعليه، لن يتمكّن ماكرون حتى من استمالة القاعدة الشعبية والانتخابية اليسارية لكونه مقصّراً وفقاً لهم، ناهيك بحالة السخط اليسارية على سياساته الداخلية.

اعتراف ماكرون بالدولة الفلسطينية لن يحظى إذاً بإجماع شعبي على المدى المنظور، وفي ظلّ استحالة بلورة هذا الاعتراف على أرض الواقع والتدهور المحتمل في العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية، سيشهد الوسط السياسي الفرنسي مزيداً من التشكيك في سياسة ماكرون الخارجية. خصومه سيعتبرون هذا الاعتراف حلقة إضافية في مسلسل إخفاقاته الخارجية، حاله حال التدهور في العلاقات الفرنسية – الجزائرية والفرنسية – الإفريقية. 

من المؤشّرات الدالة على إمكانية احتدام التوتّر السياسي الداخلي بفعل هذا القرار، مقالة رأي لسفير فرنسا السابق في الجزائر كزافيه درانكور. المقالة التي نُشرت على صفحات “لوفيغارو”، المعروفة بخطّها التحريري اليميني والمؤيّد للسياسة الإسرائيلية، لم تنكر الكلمة العليا لرئيس الجمهورية في السياسة الخارجية، لكنّها رأت بالمقابل أن ماكرون أقدم على هذا الاعتراف في ظلّ حكومة مستقيلة. ونظراً للارتدادات الداخلية المحتملة لهذا القرار، لا سيّما على النظام العامّ، رأى درانكور أنه قد يُفرض على رئيس الحكومة المكلّف، اتّخاذ قرارات تتعدّى تصريف الأعمال، وبالتعاون مع وزراء وضعوا في مناصبهم من قِبل سلفه.

على أيّ حال، يحقّ لباريس أخذ قسط من النشوة، إذ أعاد يوم 22 أيلول/ سبتمبر الاعتبار للدبلوماسية الفرنسية بعد سلسلة من الانتكاسات والانكسارات. صحيح أن مفاعيل القرار الفرنسي لن تظهر على المدى المنظور، ومن غير الواضح مدى استعداد باريس لممارسة ضغوط جدّية على إسرائيل (فرض عقوبات، تعليق التعاون في عدد من المجالات…) لدفعها إلى الانخراط في مسار حلّ سياسي، لكن يبقى أن الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية يشكّل أرضية يمكن البناء عليها. لهجة تل أبيب الحادّة وتلويحها بفرض سيادتها على الضفّة الغربية، يشيران إلى خشية حقيقية من التبعات المحتملة لهذه الخطوة الفرنسية.