مبكراً بدأ رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتانياهو دعايته الانتخابية استعداداً لانتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، من خلال تكثيف عمليات اغتيال قادة كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس” في غزة، إضافة إلى إظهار صور التدمير في جنوب لبنان.
نفّذ الجيش الإسرائيلي خلال أسبوع واحد موجة واسعة من الاغتيالات، استهدفت أعضاء في المجلس العسكري لكتائب القسام، وقادة ألوية تاريخيين ومؤثرين في الجناح العسكري لـ”حماس”.
أخذ نتانياهو على عاتقه الإعلان عن كل عملية اغتيال نُفذت ضد قادة القسام، فنشرها على منصاته في مواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الإخبارية والصحف الإسرائيلية الداعمة له، مستعرضاً السيرة الذاتية لكل قائد يُقتل.
أبرز عمليات الاغتيال التي أعلن عنها نتانياهو بنفسه كانت تلك التي نُفذت بحق محمد اليازوري، قائد لواء خان يونس في كتائب القسام وعضو المجلس العسكري العام.
ووفق الجيش الإسرائيلي، تدرّج اليازوري في مواقع استخبارية وعسكرية داخل كتائب القسام، قبل أن يصل إلى قيادة اللواء في 10 أيلول/ سبتمبر 2026.
يُعدّ اليازوري، الذي تباهى نتانياهو باغتياله، قائداً تاريخياً للقسام، إذ شغل منصب قائد كتيبة خان يونس، ثم قائد استخبارات اللواء، قبل أن يتولى قيادة اللواء بعد اغتيال قائده رافع سلامة برفقة محمد الضيف في 13 تموز/ يوليو 2024.
بعد اغتيال اليازوري بوقت قصير، أعلن نتانياهو اغتيال نائل أبو عبيد، قائد لواء رفح في كتائب القسام.
استعرض نتانياهو أيضاً، في مقطع فيديو له، اغتيال أبو عبيد، الذي يُعدّ أيضاً من أبرز القادة التاريخيين لكتائب القسام، بخاصة أنه تدرّج في المواقع القيادية بلواء رفح، بدءاً من قيادة التخصصات العسكرية عام 2014، إلى قيادة دائرة العمليات عام 2016، كما كان أحد قادة عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر في التخطيط والإشراف على القتال.
أيضاً نفّذ الجيش الإسرائيلي خلال الأسبوع نفسه موجة من الاغتيالات استهدفت قادة عدة، أبرزهم قائد كتيبة جباليا شمال قطاع غزة في كتائب القسام.
أوراق انتخابية
يستخدم نتانياهو عمليات الاغتيال المركزة ضد قادة القسام البارزين ضمن أوراقه الانتخابية، بخاصة في ظل المنافسة الشرسة مع خصومه السياسيين داخل اليمين الإسرائيلي والمعارضة أيضاً، ومحاولة كسب الجمهور من خلال هذه التصفيات.
على رغم استخدام نتانياهو الحرب والقتل، فإن استطلاعات الرأي في إسرائيل لا تزال تُظهر تراجعه أمام خصومه، إذ أظهر آخر استطلاع للرأي العام نُشر الجمعة 18 أيلول/ سبتمبر الجاري، أن 48 في المئة من الإسرائيليين يفضّلون زعيم حزب “يشار” غادي آيزنكوت لرئاسة الحكومة، مقابل 40 في المئة لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، حال إجراء انتخابات الكنيست حالياً.
وحسب الاستطلاع الذي نشرته صحيفة “معاريف”، تقدّم آيزنكوت على نتانياهو في مؤشرات تفضيل رئاسة الحكومة، كما تقدّم نفتالي بينيت على نتانياهو بنسبة 44 في المئة مقابل 41 في المئة، بينما حافظ نتانياهو على تقدّمه أمام أفيغدور ليبرمان بنسبة 42 في المئة مقابل 38 في المئة.
إقرأوا أيضاً:
وأجرت مؤسسة “لازار ريسيرش” ومنظمة “بانل فور أول” الاستطلاع خلال الفترة بين 16 و17 أيلول/ سبتمبر، وشمل 4089 شخصاً، بهامش خطأ أقصى بلغ 4 في المئة.
وبحسب نتائج الاستطلاع، يحصل ائتلاف نتانياهو الحاكم على 50 مقعداً في حال إجراء انتخابات الكنيست حالياً، مقابل 54 مقعداً لكتلة المعارضة، فيما تحصل الأحزاب العربية على 12 مقعداً، ويضاف إليها حزب “جنود الاحتياط – الاقتصادي” بـ4 مقاعد، ليصل مجموع المقاعد إلى 120 مقعداً في الكنيست.
وحافظ حزب “يشار” بزعامة آيزنكوت على موقعه كأكبر حزب في إسرائيل بحصوله على 23 مقعداً، فيما تراجع حزب “الليكود” بزعامة نتانياهو إلى 18 مقعداً.
في إسرائيل، يحتاج تشكيل الحكومة إلى ثقة 61 نائباً على الأقل من أصل 120 نائباً في الكنيست.
مواجهة التسريبات
استخدم نتانياهو الاغتيالات بعد التحقيق الذي نشرته صحيفة “هآرتس” حول تحذير الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ومستشاره، القيادي السابق في حركة فتح محمد دحلان، رئيس الحكومة الإسرائيلية قبل هجوم 7 أكتوبر، وتجاهله.
واستند تحقيق “هآرتس”، الذي أعدّه الصحافيان شلومي إلدار وروث يوفال، إلى عشرات المصادر في إسرائيل وخارجها، بينهم مسؤولون رفيعو المستوى، إلى جانب تسجيلات ووثائق داخلية ومراسلات، لتتبّع سلسلة من الاتصالات والتحذيرات التي سبقت الهجوم.
وأحدث التحقيق وما كشفه ضجة كبيرة في إسرائيل، أثّرت بشكل كبير على نتانياهو، وهو ما أظهرته استطلاعات الرأي، لذلك لجأ إلى استخدام ورقة الاغتيالات لكسب الجمهور الإسرائيلي إلى جانبه.
ويؤكد المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي مصطفى إبراهيم أن نتانياهو نجح، على مدى عقود، في تقديم نفسه للشارع الإسرائيلي بوصفه “سيد الأمن” الوحيد القادر على قراءة الخرائط الإقليمية ودرء الأخطار الاستراتيجية.
ويوضح إبراهيم أنه عقب صدمة السابع من أكتوبر، اجتهدت ماكينة نتانياهو السياسية في ترسيخ مقولة مفادها أن ما حدث كان مجرد إخفاق استخباري وميداني بحت، يتحمل مسؤوليته كبار القادة العسكريين الذين “تقاعسوا عن إيقاظه” ليلة الهجوم.
غير أن تتالي التقارير والتسريبات بشأن تحذيرات استباقية رفيعة المستوى – أُبلغ بها شخصياً قبل أيام من المعركة – جاء ليضرب أصل هذه السردية في مقتل؛ إذ تحوّل السجال من تقصير عسكري في ساعات فجر مفصلية إلى اتهام بسياسة واعية قائمة على تجاهل التحذيرات وإخفائها عن المستويات الدفاعية والاستخباراتية، ما يحوّل القضية، في نظر خصومه، من مجرد إخفاق إلى إهمال سياسي تنفيذي ذي أبعاد حاسمة، وفقاً لإبراهيم.
في المقابل، لم يقف نتانياهو مكتوف الأيدي أمام هذه الهجمة المتصاعدة، إذ سارع إلى النفي القاطع لكل ما وُجّه إليه، موجهاً محاميه إلى رفع دعوى قضائية ضد صحيفة “هآرتس”.
وأمام هذه التسريبات، يبدو أن نتانياهو لن يجد صعوبة في تخطيها وحسم ملف الانتخابات المقبلة من خلال الأوراق الانتخابية التي يملكها، وأبرزها استمرار اغتيال قادة القسام وحركة حماس، من دون أن يكون هناك ردّ عسكري منها، بخاصة بعد الحرب المدمرة المستمرة.












