من المفترض أن تُجرى الانتخابات النيابية في لبنان في أيار/ مايو 2026، أي بعد نحو سبعة أشهر. ومع أن الموعد محسوم نظريًا، إلا أن التجربة اللبنانية تقول ألا شيء محسوم فعليًا حتى اللحظة الأخيرة. فبين أزمة سياسية لا تنتهي، وانهيار اقتصادي لم يتعافَ منه البلد بعد، وتهديدات واعتداءات إسرائيلية مستمرة على لبنان، تبقى الشكوك قائمة حول ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى في موعدها أم أن الظروف ستؤجلها. هذا التردد يعكس جوهر المعضلة اللبنانية: نظام انتخابي محاصر بأزمات متراكمة، من النقاش حول قانون الانتخاب والاقتراع الخارجي، إلى سلاح ودور حزب الله والأمن، وصولًا إلى ملف الإصلاح المالي والانقسام الطائفي الذي يقيّد أي مسار سياسي.
في حديثه لـ”درج ميديا”، يقول زياد عبد الصمد، منسّق الشبكة العربية لديمقراطية الانتخابات، إن “الانتخابات يجب أن تُجرى في موعدها مهما كانت الظروف، لأن دَوريتها ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي”، محذّرًا من أن أي تأجيل يشكّل خرقًا للدستور وتراجعًا عن مبدأ المحاسبة.
لكن دون اكتمال هذه الانتخابات معضلات عدة، لعل أبرزها ما طُرح أخيراً بشأن المغتربين، وهو اقتراع شهد سجالات حادة في البرلمان وبين سياسيين.
المغتربون والاقتراع الخارجي: تطور تشريعي… وخلاف سياسي مستمر
عاد اللبنانيون في الخارج إلى قلب السجال مجدداً، لكن هذه المرة مع تطور لافت: فقد وافقت الحكومة اللبنانية أخيرًا على مشروع قانون يسمح للمغتربين بالتصويت لكامل النواب الـ128 بدلًا من ستة مقاعد مخصصة لهم، وأطلقت رسميًا باب التسجيل عبر المنصة الخاصة بوزارة الخارجية diasporavote.mfa.gov.lb. وبحسب أرقام رسمية نشرتها وسائل إعلامية، بلغ عدد طلبات التسجيل أكثر من 100 ألف طلب منذ بدء العملية، ما يعكس اهتمامًا واسعًا على رغم الظروف الصعبة التي يعيشها المغتربون واللبنانيون عمومًا.
مع ذلك، يبقى المشهد غير محسوم بالكامل. فبحسب مصادر برلمانية، لم يُدرج المشروع بعد على جدول أعمال البرلمان، ما يفتح الباب أمام احتمال استخدامه كورقة تفاوض أو تعطيل في اللحظات الأخيرة. هذا التعليق غير المعلن يعيد التذكير بأن ملف الاقتراع الخارجي، على رغم طابعه التقني، يبقى مسألة سياسية طائفية بامتياز.
الخلفية تعود إلى تجربة انتخابات 2022، حيث تجاوزت نسبة تصويت المغتربين الـ60 في المئة بحسب زياد عبد الصمد، وذهبت شرائح واسعة من أصواتهم الى معارضين ومستقلين، ما أثار خشية داخل القوى التقليدية من أن يؤدي تصويت المغتربين الكامل إلى قلب توازنات دقيقة، خصوصًا في الدوائر المتأرجحة. مدير السياسات في “مركز السياسات البديلة” سامي حلبي، يلفت إلى أن نتائج تصويت الخارج ليست محسومة لصالح طرف واحد، لكنها تميل إلى تعزيز موقع المستقلين أكثر مما تخدم الأحزاب التقليدية، التي تدخل انتخابات 2026 وهي محكومة باعتبارات طائفية وتحالفات متناقضة.
في المقابل، يشير الأمين العام لـ”لادي” عمار عبود، إلى أن القانون بصيغته السابقة، وخصوصًا بند المقاعد الستة، كان أصلًا غير قابل للتطبيق، وأن تعديل القانون خطوة ضرورية لتفادي الطعن الدستوري. وعلى رغم فتح باب التسجيل، لم تترافق العملية مع حملة وطنية رسمية للتوعية أو التحفيز، كما أن الشرط القانوني المتعلق بوجوب تسجيل 200 ناخب لفتح قلم اقتراع لا يزال ساريًا، ما يعني أن عشرات الجاليات قد تُحرم من التصويت إذا لم تُعالج هذه النقطة تشريعيًا. عبود يرى أن خفض السقف إلى 40 أو 50 ناخبًا سيجعل المشاركة أكثر عدالة وشمولية.
لكن حتى مع هذا التطور التشريعي، تظهر معضلة جديدة وهي تراجع الحماسة الاغترابية مقارنة بـ2022. فعدد المسجلين حتى الآن، على رغم تجاوزه المئة ألف، لا يزال أدنى مما كان عليه في الفترة نفسها قبل الانتخابات السابقة، ما يعكس إحباطًا عامًا، أو شكوكًا في إمكانية تنفيذ الوعود، أو ربما تأثير الهجرة الجديدة التي دفعت شرائح واسعة إلى الانشغال بالاستقرار الاقتصادي أكثر من السياسة.
بهذه المعطيات، يتّضح أن ملف الاقتراع الخارجي يتحول مجدداً إلى أداة نزاع سياسي:
– قوى تعتبر المشاركة الواسعة للمغتربين تهديدًا مباشرًا لنتائجها.
– وقوى تغييرية ترى فيهم رافعة محتملة لكسر المنظومة.
– فيما الوقت يمرّ والناخبون في الخارج ينتظرون إشارة رسمية تؤكد أن أصواتهم ستُحتسب وتُحترم.
النقاش حول البطاقة الممغنطة والميغاسنتر
يعود الجدل حول البطاقة الممغنطة قبل كل استحقاق انتخابي، إذ تُطرح كشرط “تقني” لتنظيم العملية لكنها تتحوّل غالبًا إلى حجة للعرقلة. عمار عبود يصفها بأنها محاولة التفافية لتأجيل الانتخابات وسحب أموال إضافية، بينما تعتبر الميغاسنتر إجراءً قابلاً للتطبيق فورًا بشرط التسجيل المسبق، تمامًا كما في اقتراع المغتربين، إذ يقتصر العمل على نقل لوائح الناخبين وتوزيعهم على مراكز جديدة.
بدوره، يؤكد زياد عبد الصمد أنّ البطاقة الممغنطة والميغاسنتر إصلاحات جوهرية تضمن حرية الاقتراع والمساواة، لأن الناخب يستطيع التصويت حيث يقيم من دون السفر إلى منطقته الأصلية. مع ذلك، يذكّر بأن البطاقة منصوص عليها في القانون، وأي انتخابات تُجرى من دونها تحتاج تعديلًا تشريعيًا. عدم تعديل المادة يفتح الباب للطعن أمام المجلس الدستوري وإمكانية إبطال النتائج، ما يجعل العرقلة سياسية ومقصودة إذا رفض رئيس البرلمان إدراج التعديل على جدول الأعمال.
الاعتداءات الإسرائيلية واحتمالية توسعها: العائق الأمني المحتمل
منذ إعلان وقف إطلاق النار، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية ولا التهديدات، من الجنوب إلى البقاع. القصف المتقطع، والضغوط السياسية والعسكرية المرتبطة بملف سلاح حزب الله تبقي احتمال توسّع المواجهة حاضرًا. في هذا المشهد، يتحوّل موعد الانتخابات من استحقاق ثابت إلى احتمال معلّق. سامي حلبي يرى أن الاعتداءات تُشكّل عائقًا أمنيًا واضحًا، لكن ليس بالضرورة سببًا كافيًا للتأجيل: “يمكن تأمين اقتراع الجنوبيين في مناطق بديلة، ما يجعل استخدام الحرب كذريعة للتأجيل حجّة ضعيفة، ما لم تتوسع الضربات إلى مراكز مدنية كبرى أو ما بعد الليطاني”. في السياق نفسه، يشير عمار عبود إلى أن “معظم ناخبي الشريط الحدودي غير مقيمين اليوم في قراهم. يمكن نقل مراكز الاقتراع إلى مناطق آمنة، كما حصل في الانتخابات البلدية سابقًا. تنظيم العملية ممكن إذا توافر القرار”.
قوى التغيير: بين قراءة التجربة والبحث عن موقع جديد
بعد مرور أربعة أعوام على انتخابات 2022، تعود قوى التغيير إلى الواجهة مع اقتراب استحقاق 2026. بين قراءة التجربة السابقة ومحاولات تنظيم الصفوف، يدور النقاش حول قدرتها على حضور فعّال في المشهد المقبل، وسط واقع سياسي واقتصادي أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل أربع سنوات.
زياد عبد الصمد يقرأ التجربة على أنها “محدودة لكنها كسرت احتكارًا قديمًا”. أمّا سامي حلبي فيعتبر أن “التحدي الأساسي هو تقديم إجابات واضحة عن الأسئلة الكبرى: السلاح بعد حرب 2024، والأزمة الاقتصادية. التذبذب في هذه الملفات كلّفهم الكثير”. لكنه يضيف أن فرصة الاستعادة موجودة بشرط “تقديم برنامج موحّد وتجديد الوجوه وإعادة التواصل مع القواعد الشعبية”. في الجانب التقني، يشرح عمار عبود أن النظام الزبائني ما زال العائق الأكبر: “القوى التغييرية تتحرك خارج شبكات الزبائنية، وهذا يضعها في مواجهة تمويل انتخابي غير متكافئ. حتى الظهور على التلفزيونات يتطلب مبالغ كبيرة، ما يخلق ملعبًا غير عادل مقارنة بالأحزاب التقليدية، خصوصًا إذا لم يُضبط الإنفاق الانتخابي”.
إقرأوا أيضاً:
التحالفات تبقى محور نقاش إضافي. حلبي يرى أن التنسيق مع قوى تقليدية لم يعد من المحظورات: “هذا نقاش طبيعي. الواقعية السياسية تحكم. التجربة في الانتخابات البلدية أكدت أن خوض المعركة بوجوه غير معروفة وبشكل متأخر لا ينفع. التحالفات قد تكون ضرورية لتجنّب التشتّت”. في الخلاصة، القوى التغييرية تواجه امتحانًا مزدوجًا: القدرة على توحيد خطابها، والقدرة على مواجهة ماكينة انتخابية تقليدية ما زالت تملك المال، النفوذ، والإعلام.
عودة الأحزاب التقليدية وتثبيت النفوذ عبر الطائفة والتوريث السياسي
تظهر عودة واضحة للأحزاب التقليدية إلى الساحة، مع شدّ عصب طائفي وسياسي يستفيد من التوتر الأمني والأزمة الاقتصادية، ما أعاد تثبيت حضور القوى القديمة في الشارع. في هذا المناخ، يعود الحديث عن شخصيات وتيارات غابت لسنوات. تيار “المستقبل” يتحضّر لإعادة تنظيم محتملة، واسم رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي يتقدّم مجددًا في الشمال، تزامنًا مع تحقيق أوّلي فتحته النيابة المالية الفرنسية في 14 أيلول/ سبتمبر 2025، بناءً على شكاوى تتعلق بتبييض أموال. ميقاتي نفى الاتهامات والملف ما زال في بدايته، لكن طرح ترشحه يعيد النقاش حول الحصانة وتأثيرها السياسي في ملاحقة الشخصيات التي تستفيد من نفوذها السياسي لمنع استهدافها، وهذا سياق طويل لطالما شهدناه في لبنان. أما بهاء الحريري، فيطلّ كالعادة قبل كل استحقاق ثم يتوارى، فيما يرتفع الحديث عن احتمال عودة “المستقبل” كتيار منظّم، وهو ما قد يغيّر توزيع الأصوات في الدوائر السنّية. غياب المستقبل في 2022 سمح بظهور وجوه تغييرية مثل إبراهيم منيمنة. اليوم، تعود القوى التقليدية بوجوهها المعروفة، مستفيدة من الصراع السياسي والانقسام، بينما تلجأ قوى أخرى إلى التوريث السياسي لضمان استمرار نفوذها.
سامي حلبي يربط هذا المشهد بتراجع البدائل: “عودة الأحزاب التقليدية جزء من فراغ الخيارات الجدية. بعد 2022، خسر التغييريّون زخمهم وفشلوا في تقديم جبهة واحدة، فمال جزء من الناس إلى الوجوه التي يعرفونها”. أمّا زياد عبد الصمد فيرى أن “القوى التقليدية عندها قدرة تتجاوز خلافاتها لتحافظ على النظام. صار في ائتلاف غير معلن بعد 17 تشرين للدفاع عن الامتيازات”. وبحسبه، هذه الأحزاب لا تخشى الخسارة لأن مواقعها “محفوظة أصلًا، والمعركة مقعد زائد أو ناقص”.
ويظهر التوريث السياسي كجزء من المشهد نفسه: انتقال المقاعد من الآباء إلى الأبناء والأقارب، من تيمور جنبلاط وطوني فرنجية إلى أسماء جديدة مثل صالح المشنوق وهادي وهاب، اللذين برزا إعلاميًا في الفترة الماضية. وهناك تساؤلات عما إذا كان الثنائي يتحضر لخوض التجربة الانتخابية عن آبائهم. حلبي يصف هذا بـ”السقوط البطيء”: شرعية هذه العائلات تتراجع، لكن شبكات النفوذ الاقتصادية والقضائية والإعلامية لا تزال تضمن استمرار حضورها. بهذه المعادلة، تبدو عودة القوى التقليدية نتيجة فراغ تنظيمي داخل قوى التغيير من جهة، وقدرة النظام القديم على إعادة إنتاج نفسه من جهة أخرى، مدعومًا بتوتر أمني واقتصادي يعزز الخطاب التقليدي ويضيّق مساحة البدائل.
المزاج الشعبي
في الانتخابات النيابية لعام 2022، بلغت نسبة الاقتراع 49.39 في المئة، فيما شهدت الانتخابات البلدية في مناطق عدة عام 2025 فوزًا بالتزكية، ما يعكس قلة المشاركة وضعف الحماسة. مع اقتراب الانتخابات المقبلة، يظهر المزاج الشعبي غامضًا. من التحولات السياسية والضغط الاقتصادي والأمني إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، لا تبدو الأجواء الانتخابية مفعمة بالحماسة، خصوصًا في القرى الجنوبية حيث يصارع السكان للبقاء وسط تهديد يومي لحياتهم. تأخر ملف الإعمار بعد الحرب الأخيرة يزيد من الإحباط، إذ لا تزال المناطق المتضررة تنتظر دعمًا فعليًا لإعادة البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.
بعد أعوام من الانهيار الاقتصادي وما رافقه من نكبات، يظهر جزء من الشارع بعض اللامبالاة الواضحة. يصف سامي حلبي الأجواء الحالية بالهادئة والباردة: “عادةً لا يبدأ اللبنانيون التفكير بالانتخابات إلا قبل موعدها بشهر تقريبًا، لذلك لا نرى حاليًا أي حماسة تُذكر. اللامبالاة تبقى العدو الأكبر للديمقراطية الحقيقية، ولأي مشروع إصلاحي. فمرشحو التغيير لا يمكنهم التقدم إلا إذا خرج الناخبون وصوّتوا بكثافة، وإلا ستعيد الصناديق إنتاج المنظومة نفسها”.
زياد عبد الصمد يرى أن “الناس صارت غضبانة أكثر، نقمتها على السلطة صارت أكبر بكثير بخاصة بعد خمس سنوات على الانهيار الذي حصل، ونحن لا ننسى أنها مرّت بحرب تدميرية، وبالتالي نقمة الناس على السلطة وعلى المسؤولين كبيرة وزادت”. ويشير أيضًا إلى تأثير الهجرة على الانتخابات: “أعداد الذين غادروا منذ انتخابات 2022 حتى الآن زادت، ومعظمهم كانوا مؤيدين للإصلاح والتغيير، وبالتالي هذه العوامل تجعل المعركة الانتخابية شرسة جدًا، لأنها بالنسبة الى البعض معركة وجودية”.
مع كل العراقيل والحجج المستخدمة، ومع استمرار التهديدات الإسرائيلية لتوسيع الحرب في لبنان، لا يمكن لأحد أن يجزم فعليًا مستقبل الانتخابات النيابية، وهل سيتمكن اللبنانيون من تجاوز الإحباط والمشاركة الفعلية في صناديق الاقتراع، أم سنشهد تداعيات جولة جديدة من الحرب الإسرائيلية على لبنان؟
إقرأوا أيضاً:














