ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الانتخابات التونسية.. سعي لمعاقبة المحكمة الإدارية، مرشح سجين وشارع ينتفض

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يتفاقم التوتر في تونس حول مسار الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في ظل تتالي الإجراءات والمقترحات المثيرة للجدل الصادرة حيناً عن هيئة الانتخابات أو عن البرلمان حيناً آخر. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل موعد الانتخابات بنحو أسبوعين، وفي خطوة مفاجئة، اقترح عدد من النواب التونسيين تجريد المحكمة الإدارية من صلاحياتها الانتخابية وإسنادها إلى القضاء العدلي. مبادرة أثارت انتقادات واسعة ودفعت بمئات التونسيين إلى النزول إلى الشارع للاحتجاج، بعد أن بات واضحاً أن هناك مساعي جدية لترذيل المحكمة الإدارية التي لم تقبل دخول بيت الطاعة، بإبعادها عن ملف النزاعات الانتخابية، خوفاً من إمكانية إلغائها لنتائج الانتخابات لاحقاً. 

تزامن ذلك مع استمرار إيداع المرشح للانتخابات العياشي زمال السجن والحكم عليه بعام وثمانية أشهر، في قضايا رفعتها ضده هيئة الانتخابات تزامناً مع انطلاق موعد الحملات الانتخابية.

تقدم 34 نائباً في البرلمان التونسي في 20 سبتمبر/ أيلول الجاري بمشروع قانون يهدف إلى تجريد المحكمة الإدارية من صلاحياتها في الفصل في النزاعات الانتخابية، وذلك قبل نحو أسبوعين من تاريخ الانتخابات الرئاسية. 

وكان هدف النواب الذين طالبوا باستعجال النظر في المقترح، أن تتولى محاكم الاستئناف العادية النظر في النزاعات الانتخابية عند الطعن في قرارات الهيئة المستقلة للانتخابات، بدلاً من المحكمة الإدارية.

وجاء هذا المقترح بعد مرور أكثر من أسبوعين على انطلاق نزاع قانوني ما زال متواصلاً بين المحكمة الإدارية وهيئة الانتخابات. حيث أصدرت المحكمة الإدارية أحكاماً قضائية باتة بتاريخ 27 و29 و30 أغسطس/ آب نقضت فيها قرارات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات القاضية برفض ترشح ثلاثة مرشحين وقبلت مطالبهم. 

ردت الهيئة برفضها تنفيذ هذه الأحكام، متعللة بعدم تبليغها بنصوص الأحكام رغم توصلها بمنطوق الأحكام كما أكدت المحكمة الإدارية، ورغم تعارض هذه الخطوة بشكل صريح مع النصوص القانونية في تونس.

ومنذ ذلك الحين لم تهدأ الأجواء بين الطرفين، حيث ظلت المحكمة الإدارية حتى بعد انطلاق الحملة الانتخابية، تُطالب هيئة الانتخابات بتطبيق القانون وإعادة المرشحين، الذين قُبلت طعونهم إلى سباق الرئاسة. في المقابل تحاول الهيئة تجاهل الأمر وفرض إرادتها غير عابئة بالانتقادات الواسعة التي تطالها من كل الجهات، من كبار أساتذة القانون الدستوري وعمداء كليات القانون في تونس حتى المرشحين للرئاسة المقبولة ملفات ترشحهم، ولو كلفها ذلك فقدان ثقة قسم كبير من التونسيين، أو ترسيخ الاعتقاد لدى الكثيرين أنها هيئة لتعبيد الطريق أمام ولاية ثانية للرئيس قيس سعيد.

“عبث قانونيّ”

الصحافي والمحلل السياسي المختص في الشأن التونسي محمد الهادي حيدري قال لـ”درج” تعليقاً على المقترح إنه “عبث قانوني لا غير، وهو مخالف حتماً لكل المواثيق والمعايير الانتخابية الدولية والمحلية، لأنه يُطرح أثناء الحملة الانتخابية، وهذا في حد ذاته كفيل بأن يجعله أمراً مثيراً للسخرية. كما أن هذه الخطوة تتعارض مع ما أعلنته السلطة سابقاً بشأن عدم إقدامها على تعديل القانون الانتخابي”.

وأضاف “في الحقيقة هذه الخطوة تأتي تفاعلاً مع قرار المحكمة الإدارية القاضي بإعادة ثلاثة مرشحين، الذي يُعتبر حكماً باتاً وملزماً، ويبدو أن هناك مخاوف لدى الشق الداعم لقيس سعيد وربما لدى سعيد نفسه، من أن يتم الطعن في الانتخابات برمتها أياً كان الرئيس الفائز، في ظل تهديدات المرشحين الذين رفضت الهيئة عودتهم إلى سباق الرئاسة بتقديم طعون في الانتخابات واعتبارها باطلة. والأكيد أن هناك إدراكاً لخطورة هذه الخطوة، ولهذا وجد النواب المخرج لهذا المأزق في تجريد المحكمة الإدارية من مهمة النظر في النزاعات الانتخابية، لكن يبدو أن الامور لا تسير كما أرادوا لها”.

نتيجة عكسية

يبدو أن المحكمة الإدارية التي يُنظر إليها على نطاق واسع في تونس على أنها آخر الهيئات القضائية المستقلة والوحيدة التي لم يكن بالإمكان إدخالها إلى بيت الطاعة، قد أزعجت بإصرارها على تطبيق القانون، حتى النواب الذين يسعون بدورهم لتجديد ولاية قيس سعيد، ولهذا لم يترددوا في طرح مقترح مع طلب التعجيل بالنظر فيه ولا شيء يحركهم سوى هدفهم السالف ذكره، ولهذا أسقطوا عدة مسائل في غاية الأهمية جعلتهم ومقترحهم في مرمى الانتقاد على نطاق واسع، وبدل أن يساهموا في تعبيد طريق سعيد لولاية ثانية ألّبوا الجماهير عليه. 

ومن أبرز هذه المسائل التي أسقطها النواب، أولاً، عدم إدراكهم أو عدم اكتراثهم بالفوارق بين اختصاصات القضاء الإداري والقضاء العدلي ولا بأشكال تعاطي كليهما مع النزاعات الموكول إليهما حلها. إذ يختص القضاء الإداري في النزاعات القائمة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، ويحتاج لاجتماع 27 قاضياً في جلسة واحدة للنظر في أي قضية توضع بين يديه، في حين يختص القضاء العدلي بالنزاعات بين المواطنين ويجتمع خلال جلساته ثلاثة قضاة فقط. وبالتالي ظهورهم للرأي العام في صورة عدم المبالين بتداخل المهام بقدر تفكيرهم في الغاية.

ثانيا، عدم الاكتراث بالخبرة الهامة التي اكتسبتها المحكمة الإدارية في التعاطي مع النزاعات الانتخابية، وهي التي تولت هذه المهمة منذ سنة 2011 وكانت جهة موثوقة في كل المحطات الانتخابية التي عاشتها البلاد منذ ذلك التاريخ. وبالتالي فإن تكليف أي جهة قضائية أخرى لمباشرة هذه الملفات والحسم فيها، هو نوع من العبث نظراً لعدم توفر أي خبرة تذكر للقضاء العدلي في النزاع الانتخابي، ولكن الأخير تتهمه المعارضة بأنه تحت سيطرة قيس سعيد، وبالتالي سيكون بالإمكان توجيهه على مستوى الأحكام في الطعون التي يقدمها المرشحون. 

ثالثاً، توقيت طرح المقترح المتزامن مع الحملة الانتخابية الرئاسية ينم عن جهل كبير، إذ إن التعديل في القانون الانتخابي خلال فترة الانتخابات غير معمول به في تونس بل إنه لا يجري حتى في سنة الانتخابات، فكيف خطر لهؤلاء طرح مبادرتهم قبل نحو أسبوعين من موعد الانتخابات. وهنا من غير المرجح أن النواب يجهلون ذلك، ولكن يبدو أن سياسة الأمر الواقع التي اتبعتها هيئة الانتخابات مع المحكمة الإدارية، قد شجعتهم على اعتماد هذا التوجه مستندين إلى سلطتهم التشريعية التي تخولهم طرح أي قانون، ومستفيدين من الدعم الواسع داخل البرلمان لقيس سعيد. 

لكن هذه التطلعات قوبلت هذه المرة بردود واسعة رافضة، بل إن كل المؤشرات باتت تؤكد أن تمرير مثل هذا القانون كفيل بتفجير الأوضاع في البلاد، وهذا ما أكدته المظاهرات الواسعة التي شهدتها العاصمة التونسية الرافضة للمقترح ولسياسة قيس سعيد برمتها، بمعنى أن المقترح ليس مصيره القبر فحسب، بل إنه وسع من دائرة الرافضين لمسار قيس سعيد.

“لا خوف لا رعب الشارع ملك الشعب”

تظاهر مئات التونسيين، الأحد في 22 أيلول/ سبتمبر الجاري بدعوة من الشبكة التونسية للحقوق والحريات (وهي شبكة مواطنية واجتماعية وسياسية تهدف إلى الدفاع عن قيم الديمقراطية وعن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب التونسي) في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، تنديداً بمقترح تعديل القانون الانتخابي وتحت شعار “كفى عبثا”، وحمل المحتجون شعارت من قبيل “انتخابات مسرحية قوانين عبثية”، “لا خوف لا رعب الشارع ملك الشعب”، “حريات حريات لا قضاء التعليمات”، “حريات حريات دولة البوليس وفاة”، “عبّي عبّي الحبوسات يا قضاء التعليمات”، “هايلة البلاد قمع واستبداد”، “الشعب يريد إسقاط النظام” وغيرها.

مرشح في السجن

وفي خضم كل هذا، تجري الحملة الانتخابية بثلاثة مرشحين أحدهم يقبع في السجن، هو العياشي زمال، بعد أن أصدر القضاء التونسي حكماً ابتدائياً بسجنه لمدة عام وثمانية أشهر، بتهمة “تزوير تزكيات الناخبين” في انتظار طور الاستئناف، وهناك مخاوف من أن يتم التسريع بنسق محاكمته لإصدار قرار سجني يحرمه من حق الترشح، وبدل أن يجوب زمال المدن ويلتقي جمهوره ليطلعه على برنامجه الانتخابي، جاب وما زال يجوب السجون والمحاكم ومراكز الأمن للتحقيق، لا سيما وأن هناك أكثر من ست بطاقات إيداع صادرة بحقه، ويواجه أكثر من 25 قضية في محافظات مختلفة من الجمهورية بتهمة شبهة تزوير تزكيات متعلقة بالانتخابات الرئاسية.

وتشترط القوانين التونسية على المرشحين للانتخابات الرئاسية جمع 10 تزكيات من نواب البرلمان، أو 40 تزكية من رؤساء المجالس المحلية أو الجهوية أو البلدية، أو 10 آلاف تزكية من مواطنين موزعين على 10 دوائر انتخابية.

وتثير ملاحقة زمال قضائياً قلقاً كبيراً، لا سيما في ظل تأكيد محاميه أن التهم الموجهة إليه ذات طابع سياسي وتهدف إلى ضرب حظوظه في السباق الرئاسي وإرباك حملته الانتخابية. ويبدو أن قيس سعيد لم يعد يثق بشعبيته الواسعة التي ظل يراهن عليها، وبات يخشى أن يخسر سباق الرئاسة أمام زمال الذي يرجح المراقبون أنه سيكون منافساً قوياً في حال تم إجراء الانتخابات من دون خروقات، ولهذا تتحرك الأجهزة القضائية والأمنية، التي تتهمها المعارضة بأنها تحت سلطة سعيد، من أجل إثارة قضايا عديدة ضده بنسق سريع لم تشهده قضايا مماثلة مع هذه الأجهزة من أجل إما الوصول إلى أحكام نهائية تكون كفيلة بإبعاده عن السباق بالقانون ظاهرياً، وإما بإرهاقه بالقضايا والمحاكمات والإيقافات المتتالية عسى أن يدفعه ذلك إلى لتراجع والتخلي تلقائياً عن الترشح. 

وتجدر الإشارة إلى أنه من بين 17 ملف ترشح، قبلت هيئة الانتخابات ملفات ثلاثة مرشحين فقط، هم الرئيس الحالي قيس سعيد، والأمين العام ل”حركة الشعب” زهير المغزاوي، والأمين العام لحركة “عازمون” العياشي زمال.

إقرأوا أيضاً:

"درج" و "سراج" | 13.02.2026

وثائق تكشف كيف رسم علي مملوك خطة لتضليل التحقيق الدولي باغتيال الحريري

وُجِهت أصابع الاتهام باغتيال رفيق الحريري إلى النظام السوري وحلفائه، وتكشف وثائق من المخابرات السورية أطلع على نسخ رقمية منها "درج" و"الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - سراج" و"زمان الوصل"، عن الخطة الإعلامية التي وضعت لمواجهة الاتهامات، التي أشرف عليها علي مملوك الذي وصف وسائل الإعلام السورية حينها بأنها "في حالة غيبوبة حيال الحدث" الذي يتمثل…
25.09.2024
زمن القراءة: 6 minutes

يتفاقم التوتر في تونس حول مسار الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، في ظل تتالي الإجراءات والمقترحات المثيرة للجدل الصادرة حيناً عن هيئة الانتخابات أو عن البرلمان حيناً آخر. 

قبل موعد الانتخابات بنحو أسبوعين، وفي خطوة مفاجئة، اقترح عدد من النواب التونسيين تجريد المحكمة الإدارية من صلاحياتها الانتخابية وإسنادها إلى القضاء العدلي. مبادرة أثارت انتقادات واسعة ودفعت بمئات التونسيين إلى النزول إلى الشارع للاحتجاج، بعد أن بات واضحاً أن هناك مساعي جدية لترذيل المحكمة الإدارية التي لم تقبل دخول بيت الطاعة، بإبعادها عن ملف النزاعات الانتخابية، خوفاً من إمكانية إلغائها لنتائج الانتخابات لاحقاً. 

تزامن ذلك مع استمرار إيداع المرشح للانتخابات العياشي زمال السجن والحكم عليه بعام وثمانية أشهر، في قضايا رفعتها ضده هيئة الانتخابات تزامناً مع انطلاق موعد الحملات الانتخابية.

تقدم 34 نائباً في البرلمان التونسي في 20 سبتمبر/ أيلول الجاري بمشروع قانون يهدف إلى تجريد المحكمة الإدارية من صلاحياتها في الفصل في النزاعات الانتخابية، وذلك قبل نحو أسبوعين من تاريخ الانتخابات الرئاسية. 

وكان هدف النواب الذين طالبوا باستعجال النظر في المقترح، أن تتولى محاكم الاستئناف العادية النظر في النزاعات الانتخابية عند الطعن في قرارات الهيئة المستقلة للانتخابات، بدلاً من المحكمة الإدارية.

وجاء هذا المقترح بعد مرور أكثر من أسبوعين على انطلاق نزاع قانوني ما زال متواصلاً بين المحكمة الإدارية وهيئة الانتخابات. حيث أصدرت المحكمة الإدارية أحكاماً قضائية باتة بتاريخ 27 و29 و30 أغسطس/ آب نقضت فيها قرارات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات القاضية برفض ترشح ثلاثة مرشحين وقبلت مطالبهم. 

ردت الهيئة برفضها تنفيذ هذه الأحكام، متعللة بعدم تبليغها بنصوص الأحكام رغم توصلها بمنطوق الأحكام كما أكدت المحكمة الإدارية، ورغم تعارض هذه الخطوة بشكل صريح مع النصوص القانونية في تونس.

ومنذ ذلك الحين لم تهدأ الأجواء بين الطرفين، حيث ظلت المحكمة الإدارية حتى بعد انطلاق الحملة الانتخابية، تُطالب هيئة الانتخابات بتطبيق القانون وإعادة المرشحين، الذين قُبلت طعونهم إلى سباق الرئاسة. في المقابل تحاول الهيئة تجاهل الأمر وفرض إرادتها غير عابئة بالانتقادات الواسعة التي تطالها من كل الجهات، من كبار أساتذة القانون الدستوري وعمداء كليات القانون في تونس حتى المرشحين للرئاسة المقبولة ملفات ترشحهم، ولو كلفها ذلك فقدان ثقة قسم كبير من التونسيين، أو ترسيخ الاعتقاد لدى الكثيرين أنها هيئة لتعبيد الطريق أمام ولاية ثانية للرئيس قيس سعيد.

“عبث قانونيّ”

الصحافي والمحلل السياسي المختص في الشأن التونسي محمد الهادي حيدري قال لـ”درج” تعليقاً على المقترح إنه “عبث قانوني لا غير، وهو مخالف حتماً لكل المواثيق والمعايير الانتخابية الدولية والمحلية، لأنه يُطرح أثناء الحملة الانتخابية، وهذا في حد ذاته كفيل بأن يجعله أمراً مثيراً للسخرية. كما أن هذه الخطوة تتعارض مع ما أعلنته السلطة سابقاً بشأن عدم إقدامها على تعديل القانون الانتخابي”.

وأضاف “في الحقيقة هذه الخطوة تأتي تفاعلاً مع قرار المحكمة الإدارية القاضي بإعادة ثلاثة مرشحين، الذي يُعتبر حكماً باتاً وملزماً، ويبدو أن هناك مخاوف لدى الشق الداعم لقيس سعيد وربما لدى سعيد نفسه، من أن يتم الطعن في الانتخابات برمتها أياً كان الرئيس الفائز، في ظل تهديدات المرشحين الذين رفضت الهيئة عودتهم إلى سباق الرئاسة بتقديم طعون في الانتخابات واعتبارها باطلة. والأكيد أن هناك إدراكاً لخطورة هذه الخطوة، ولهذا وجد النواب المخرج لهذا المأزق في تجريد المحكمة الإدارية من مهمة النظر في النزاعات الانتخابية، لكن يبدو أن الامور لا تسير كما أرادوا لها”.

نتيجة عكسية

يبدو أن المحكمة الإدارية التي يُنظر إليها على نطاق واسع في تونس على أنها آخر الهيئات القضائية المستقلة والوحيدة التي لم يكن بالإمكان إدخالها إلى بيت الطاعة، قد أزعجت بإصرارها على تطبيق القانون، حتى النواب الذين يسعون بدورهم لتجديد ولاية قيس سعيد، ولهذا لم يترددوا في طرح مقترح مع طلب التعجيل بالنظر فيه ولا شيء يحركهم سوى هدفهم السالف ذكره، ولهذا أسقطوا عدة مسائل في غاية الأهمية جعلتهم ومقترحهم في مرمى الانتقاد على نطاق واسع، وبدل أن يساهموا في تعبيد طريق سعيد لولاية ثانية ألّبوا الجماهير عليه. 

ومن أبرز هذه المسائل التي أسقطها النواب، أولاً، عدم إدراكهم أو عدم اكتراثهم بالفوارق بين اختصاصات القضاء الإداري والقضاء العدلي ولا بأشكال تعاطي كليهما مع النزاعات الموكول إليهما حلها. إذ يختص القضاء الإداري في النزاعات القائمة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، ويحتاج لاجتماع 27 قاضياً في جلسة واحدة للنظر في أي قضية توضع بين يديه، في حين يختص القضاء العدلي بالنزاعات بين المواطنين ويجتمع خلال جلساته ثلاثة قضاة فقط. وبالتالي ظهورهم للرأي العام في صورة عدم المبالين بتداخل المهام بقدر تفكيرهم في الغاية.

ثانيا، عدم الاكتراث بالخبرة الهامة التي اكتسبتها المحكمة الإدارية في التعاطي مع النزاعات الانتخابية، وهي التي تولت هذه المهمة منذ سنة 2011 وكانت جهة موثوقة في كل المحطات الانتخابية التي عاشتها البلاد منذ ذلك التاريخ. وبالتالي فإن تكليف أي جهة قضائية أخرى لمباشرة هذه الملفات والحسم فيها، هو نوع من العبث نظراً لعدم توفر أي خبرة تذكر للقضاء العدلي في النزاع الانتخابي، ولكن الأخير تتهمه المعارضة بأنه تحت سيطرة قيس سعيد، وبالتالي سيكون بالإمكان توجيهه على مستوى الأحكام في الطعون التي يقدمها المرشحون. 

ثالثاً، توقيت طرح المقترح المتزامن مع الحملة الانتخابية الرئاسية ينم عن جهل كبير، إذ إن التعديل في القانون الانتخابي خلال فترة الانتخابات غير معمول به في تونس بل إنه لا يجري حتى في سنة الانتخابات، فكيف خطر لهؤلاء طرح مبادرتهم قبل نحو أسبوعين من موعد الانتخابات. وهنا من غير المرجح أن النواب يجهلون ذلك، ولكن يبدو أن سياسة الأمر الواقع التي اتبعتها هيئة الانتخابات مع المحكمة الإدارية، قد شجعتهم على اعتماد هذا التوجه مستندين إلى سلطتهم التشريعية التي تخولهم طرح أي قانون، ومستفيدين من الدعم الواسع داخل البرلمان لقيس سعيد. 

لكن هذه التطلعات قوبلت هذه المرة بردود واسعة رافضة، بل إن كل المؤشرات باتت تؤكد أن تمرير مثل هذا القانون كفيل بتفجير الأوضاع في البلاد، وهذا ما أكدته المظاهرات الواسعة التي شهدتها العاصمة التونسية الرافضة للمقترح ولسياسة قيس سعيد برمتها، بمعنى أن المقترح ليس مصيره القبر فحسب، بل إنه وسع من دائرة الرافضين لمسار قيس سعيد.

“لا خوف لا رعب الشارع ملك الشعب”

تظاهر مئات التونسيين، الأحد في 22 أيلول/ سبتمبر الجاري بدعوة من الشبكة التونسية للحقوق والحريات (وهي شبكة مواطنية واجتماعية وسياسية تهدف إلى الدفاع عن قيم الديمقراطية وعن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب التونسي) في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، تنديداً بمقترح تعديل القانون الانتخابي وتحت شعار “كفى عبثا”، وحمل المحتجون شعارت من قبيل “انتخابات مسرحية قوانين عبثية”، “لا خوف لا رعب الشارع ملك الشعب”، “حريات حريات لا قضاء التعليمات”، “حريات حريات دولة البوليس وفاة”، “عبّي عبّي الحبوسات يا قضاء التعليمات”، “هايلة البلاد قمع واستبداد”، “الشعب يريد إسقاط النظام” وغيرها.

مرشح في السجن

وفي خضم كل هذا، تجري الحملة الانتخابية بثلاثة مرشحين أحدهم يقبع في السجن، هو العياشي زمال، بعد أن أصدر القضاء التونسي حكماً ابتدائياً بسجنه لمدة عام وثمانية أشهر، بتهمة “تزوير تزكيات الناخبين” في انتظار طور الاستئناف، وهناك مخاوف من أن يتم التسريع بنسق محاكمته لإصدار قرار سجني يحرمه من حق الترشح، وبدل أن يجوب زمال المدن ويلتقي جمهوره ليطلعه على برنامجه الانتخابي، جاب وما زال يجوب السجون والمحاكم ومراكز الأمن للتحقيق، لا سيما وأن هناك أكثر من ست بطاقات إيداع صادرة بحقه، ويواجه أكثر من 25 قضية في محافظات مختلفة من الجمهورية بتهمة شبهة تزوير تزكيات متعلقة بالانتخابات الرئاسية.

وتشترط القوانين التونسية على المرشحين للانتخابات الرئاسية جمع 10 تزكيات من نواب البرلمان، أو 40 تزكية من رؤساء المجالس المحلية أو الجهوية أو البلدية، أو 10 آلاف تزكية من مواطنين موزعين على 10 دوائر انتخابية.

وتثير ملاحقة زمال قضائياً قلقاً كبيراً، لا سيما في ظل تأكيد محاميه أن التهم الموجهة إليه ذات طابع سياسي وتهدف إلى ضرب حظوظه في السباق الرئاسي وإرباك حملته الانتخابية. ويبدو أن قيس سعيد لم يعد يثق بشعبيته الواسعة التي ظل يراهن عليها، وبات يخشى أن يخسر سباق الرئاسة أمام زمال الذي يرجح المراقبون أنه سيكون منافساً قوياً في حال تم إجراء الانتخابات من دون خروقات، ولهذا تتحرك الأجهزة القضائية والأمنية، التي تتهمها المعارضة بأنها تحت سلطة سعيد، من أجل إثارة قضايا عديدة ضده بنسق سريع لم تشهده قضايا مماثلة مع هذه الأجهزة من أجل إما الوصول إلى أحكام نهائية تكون كفيلة بإبعاده عن السباق بالقانون ظاهرياً، وإما بإرهاقه بالقضايا والمحاكمات والإيقافات المتتالية عسى أن يدفعه ذلك إلى لتراجع والتخلي تلقائياً عن الترشح. 

وتجدر الإشارة إلى أنه من بين 17 ملف ترشح، قبلت هيئة الانتخابات ملفات ثلاثة مرشحين فقط، هم الرئيس الحالي قيس سعيد، والأمين العام ل”حركة الشعب” زهير المغزاوي، والأمين العام لحركة “عازمون” العياشي زمال.

إقرأوا أيضاً:

25.09.2024
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية